الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » ابن سنان وقضايا النقد الأدبي – د. وحيد كبابة

ابن سنان وقضايا النقد الأدبي – د. وحيد كبابة


ابن سنان وقضايا النقد الأدبي – د.وحيد كبابة

ابن سنان الخفاجي (423-466)هـ، هو "عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان أبو محمد الخفاجي: شاعر، أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري وغيره. وكانت له ولاية بقلعة "عزاز" من أعمال حلب، وعصى بها، فاحتيل عليه بإطعامه "خشكناجة" مسمومة؛ فمات، وحُمل إلى حلب. له "ديوان شعر مطبوع" و "سرّ الفصاحة"(1).

يدور كتابه النقدي "سر الفصاحة" "حول البحث في ماهية الفصاحة… فأراد أن يحدد لها تحديداً أدق وأعمق، معتمداً على الدراسات السابقة في النقد والبلاغة والنحو واللغة… فهو يرى أن معرفة هذا العلم مفيدة في العلوم الأدبية، بل هو مقصور على المعرفة بها"(2).

كما يهدف من كتابه إلى فائدة عالم الشريعة، بقصد الإلمام بسر فصاحة القرآن وإعجازه، مخالفاً فيما ذهب إليه مذاهب المتكلمين(3).

وقد قسم كتابه إلى قسمين كبيرين، أحدهما خاص بالألفاظ وخصائصها، والآخر خاص بالمعاني(4).

ويبدو أنه كان يميل إلى آراء المعتزلة ومذهبهم، و"تأثر بفلسفة أرسطو، وحاول تطبيقها على دراسته للفصاحة"(5).

قضايا النقد في سر الفصاحة

1-الطبع والصنعة:

يتوقف ابن سنان عند مصطلح الطبع، وهو عنده يرادف الموهبة والعادة؛ لهذا لا يمكن أن يُعلّم الشعر لمن لا طبع له. ويقابل هذا المصطلح عنده التكلُّف والتصنُّع(6). أما الصنعة، فهي صفة عامة للشاعر: فالشاعر شأنه شأن أي صانع، غير أن هذا صنعته نظم الأشياء، أما الشاعر فصنعته نظم الكلام. ويغيب البعد الشعوري عن عملية النظم هذه، فلا نجد له صدى عنده.

وهو يميل إلى الأدب المطبوع. لهذا نراه ينصح الشعراء والكتاب "بترك التكلف، والاسترسال مع الطبع"(7). ومقياس التكلف عنده العناء والجهد، في طلب الألفاظ ونظمها(8).

2-الموهبة في الشعر:

يولي ابن سنان الموهبة أهمية كبيرة، فالطبع عنده يعني الموهبة. وهي بالنسبة إليه عنصر ضروري في نظم الشعر، لا يمكن من غيرها نبوغ شاعر وإذا كانت العلوم المكتسبة تهذب الطبع وتنميه، فإنها من غير الطبع ليس بإمكانها إثارة الشاعرية. لذلك، يربط ابن سنان الشعر بالفطنة، وهذه ملكة فردية خاصة، لا يمكن تعلمها أو تعليمها.

3-ثقافة الأديب:

للثقافة عنده دور كبير في تهذيب الطبع، بل إن الطبع والعلوم المكتسبة معاً، هي آلة الشاعر(9). أما ما يحتاج مؤلف الكلام إلى معرفته من العلوم، فهو: اللغة والنحو والصرف وأخبار العرب وأحاديثها وأنسابها وأمثالها. ويختص الشاعر بمعرفة العروض والقوافي، إضافة إلى ما تقدم.

وعلة ذلك عنده "أن مؤلف الكلام لو عرف حقيقة كل علم، واطلع على كل صناعة، لأثر ذلك في تأليفه ومعانيه وألفاظه؛ لأنه يُدفع إلى أشياء يصفها…. فإذا خبر كل شيء وتحققه، كان وصفه له أسهل، ونعته أمكن…"(10). فالثقافة الموسوعية ضرورية في عفوية التأليف وسهولته، فضلاً عن أثرها في الشمولية والإحاطة الفكرية بالموضوع.

4-الشاعر وأغراض الشعر:

يرى ابن سنان أنه على الشاعر أن يعطي كل موضوع حقه، مراعياً في ذلك التناسب بين الغرض والقول الشعري(11).

كما يميز بين الشعر والنثر من حيث الغرض، فيرى أن الشعر يصلح لجميع أغراض الكلام، على خلاف النثر. ومن هنا أفضليته وتقدّمه على النثر(12).

5-وظيفة الشعر:

غير أنه في مقام الموازنة بين الشعر والنثر، ينقل موقف مفضّلي الشعر، ملمحاً إلى ميله إلى تقديم النثر على النظم. وأسباب التفضيل، كما يلاحظ، نفعية. فالنثر ذو وظيفة معرفية ومادية واجتماعية، لا يكاد يبلغها الشعر، فضلاً عن صدقه وجدّه. "فالحاجة إلى صناعة الكتابة ماسة، والانتفاع بها في الأغراض ظاهر، والشعر فضل يُستغنى عنه ولا تقود ضرورة إليه. والكاتب ينال بالكتابة الوزارة فما دونها من رُتب الرياسة مما لا يحظى به الشاعر"(13).

6-المبنى والمعنى:

وهو الموضوع الأهم في كتابه. يوصي ابن سنان الكاتب والشاعر معاً، بترك التكلف والاسترسال مع الطبع في الإبداع، مُلحاً على الصورة اللفظية للصناعة الكلامية: "فالموضوع هو الكلام المؤلف من الأصوات… فأما الصانع المؤلف، فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض، كالشاعر والكاتب وغيرهما… وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر، وما جرى مجراهما"(14).

والألفاظ عنده هي موضوع صناعة الكلام، وإن كان لا ينكر اشتراك المعاني في ذلك. فعلى الشاعر أن يُعنى بالجانب الشكلي من عمله، اختياراً وتركيباً؛ لأنه وسيلة أداء المعنى، فلا يُعذره إحكامه للتأليف عن حسن الاختيار في المعاني.

ينتقل ابن سنان بعد ذلك إلى الكلام على حسن التأليف، وهو عنده في وضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازاً، ولهذا شروط متعددة نوجزها في الأمور التالية:

1-ألا يكون في الكلام تقديم وتأخير

2-ألا يكون مقلوباً.

3-ألا تقع الكلمة حشواً.

4-ألا يكون الكلام شديد المداخلة، وهذه هي المعاظلة.

5-ألا يعبّر عن المدح بألفاظ الذم، ولا عن الذم بألفاظ المدح.

6-ألا يستعمل في الشعر والنثر ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم والألفاظ التي يختص بها أهل المهن والعلوم.

7-يضاف إلى ذلك حسن الاستعارة.

ومعيار هذا كله الألفة والوضوح.

كما يميل ابن سنان إلى المناسبة بين الألفاظ، كالازدواج والترصيع والجناس. وهذا من أثر العصر، إذ أولع الكتّاب والشعراء بهذه الفنون.

وقد لاحظ ابن سنان في مقام حديثه عن الألفاظ ميل أهل عصره إلى التكرار اللفظي وطلب الوحشي من الألفاظ، مقارناً بين عفوية البدوي وتكلّف القروي. وهو بذلك يضع مقياساً واضحاً للمتكلّف من الشعر، فهو ما بذل صاحبه فيه جهداً ومشقة، وابتعد عن العفوية والاسترسال.

أما شروط فصاحة اللفظة عنده فهي: (15)

1-أن تكون مؤلفة من حروف متباعدة المخارج.

2-أن يكون لها في السمع حسن ومزية على غيرها، وإن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة.

3-أن تكون الكلمة غير متوعرة وحشية.

4-ألا تكون ساقطة عامية.

5-أن تكون جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة.

6-ألا تكون قد عُبّر بها عن أمر آخر يُكره ذكره.

7-ألا تكون كثيرة الحروف.

8-أن تكون مناسبة للمعنى، فتكون مصغرة في موضع عُبّر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك.

وابن سنان يعرض هذه الجوانب عرضاً تطبيقياً، فيذكر النماذج السلبية والإيجابية فيها(16).

ومما يتصل بدراسة المبنى الشعري عنده، حديثه عن الحروف وما يحسن استعماله منها وما يقبح، وطريقة تأليفها وطبيعته.

يتوقف ابن سنان عند المشكلة الأولى، فيرى أن بعض الحروف يحسن استعماله في الفصيح من الكلام، وبعضها لا يحسن. فالتي تحسن ستة حروف، وهي: النون الخفيفة التي تخرج من الخيشوم، والهمزة المخفّفة، وألف الإمالة، وألف التفخيم، وهي التي بها يُنحى نحو الواو، وذلك كقولهم: الزكاة-الزكاوة. والصاد التي كالزاي، نحو قولهم في مصدر: مزدر. والشين التي كالجيم، نحو قولهم في أشدق: أجدق.

والحروف التي لا تُستحسن ثمانية: وهي الكاف التي بين الجيم والكاف، نحو: كلهم عندك. والجيم التي كالكاف، نحو قولهم للرجل: ركل. والجيم التي كالشين، نحو قولهم: خرشت. والطاء التي كالتاء، كقولهم: طلب. والضاد الضعيفة، كقولهم في أثرد: أضرد. والصاد التي كالسين في قولهم – صدق. والظاء التي كالثاء، كقولهم: ظلم. والفاء التي كالباء، كقولهم: فرند"(17).

أما تأليف الحروف فيقسمه ابن سنان ثلاثة أقسام: "فالأول تأليف الحروف المتباعدة، وهو الأحسن المختار، والثاني تضعيف هذا الحرف نفسه، وهو يلي هذا القسم في الحُسن. والثالث تأليف الحروف المتجاورة، وهو إما قليل في كلامهم، أو منبوذ رأساً، لما قدّمناه. والشاهد على ما ذكرناه الحسّ، فإن الكلفة في تأليف المتجاور ظاهرة، يجدها الإنسان من نفسه حال التلفُّظ"(18).

وابن سنان، وإن عمد إلى النقد التطبيقي، يلجأ في كثير من الأحيان إلى النقد الذوقي في التعليل والتفسير، فيحيل إلى الذوق الحُكم النهائي.

وإذا كان تكرار الحروف المتجاورة قبيحاً عنده، فإن "تكرار الكلمة بعينها أقبح وأشنع، إلا ما كان التكرار فيه لغرض(19). وحدّ ذلك، عنده، أن يكون المعنى "مبنياً عليه ومقصوراً على إعادة اللفظ بعينه"(20).

ويظهر الأثر اليوناني الأرسطي واضحاً في حديثه عن قيمة المعنى في الكلام(21). فالفرق بين الإنسان والحيوان هو النطق. غير أن للكلام نوعين: نوعاً رفيعاً وهو ما أفاد معنى، ونوعاً مبتذلاً وهو ما اكتفى فيه صاحبه بالشكل الظاهري للمنطوق. وعلى الإنسان أن يسعى ويجتهد لإدراك النوع الأول. أما الاكتفاء بتقليد الصورة الخارجية للكلام، فهذا أسوأ من الصمت، بل إن الصمت –في هذه الحال- أفضل من الكلام. وعليه، يمكننا أن نميز بين ثلاثة أنواع من الناس، بحسب المقدرة على الكلام، وأداء المعاني: الصامت، والصامت الناطق، والناطق. وأسوأ هذه الأنواع الثاني؛ إذ يفضله الأول، من حيث إن الصمت خير من الكلام الفارغ، ويتقدم عليه الثالث، من حيث اكتمال معنى النطق لديه، بجمعه بين الشكل والمضمون الرفيع الشريف.

ولكي يكون المعنى شريفاً فصيحاً بليغاً، ينبغي أن يتحلى بصفة الوضوح، سواء أكان هذا الكلام نظماً أم نثراً(22).

غير أن هناك أسباباً تؤدي إلى غموض الكلام، وعددها ستة:

أ-اثنان منها في اللفظ بانفراده: كأن تكون الكلمة غريبة، أو من الأسماء المشتركة.

ب-واثنان في تأليف الألفاظ: كفرط الإيجاز، أو إغلاق النظم كما في أبيات المعاني عند المتنبي.

جـ-واثنان في المعنى: كأن يكون في نفسه دقيقاً، أو أن يحتاج في فهمه إلى مقدمات.

وإذا كان ابن سنان يرفض الغموض في الكلام، فإنه يقبل الألغاز الشعرية، لأن الغموض فيها مخالف لما ذُكر في الكلام المتقدم، وغرضه امتحان أفهام الناس؛ "حتى صار يحسن فيه ما كان ظاهره يدل على التناقض، أو ما جرى ذلك، كما قال بعضهم في الشمع:

تحيا إذا ما رؤوسهم قُطعت

وهُنّ في الليل أنجمٌ زُهرُ" (23)

7-الخيال والصور البلاغية:

يعُدّ ابن سنان الاستعارة من فنون الصناعة الشعرية، بل إنه "من وضع الألفاظ في موضعها حسن الاستعارة"(24). وهي عنده نوعان، وذلك من حيث الطبع والتكلُّف: "قريب مختار وبعيد مطّرح. فالقريب المختار ما كان بينه وبين ما استُعير له تناسب قوي وشبه واضح. والبعيد المطّرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو لأجل أنه استعارة مبنية على استعارة فتضعف لذلك"(25).

وإذا كان هذا الفن معروفاً عند القدماء فإن المُحدثين قد أوردوه بكثرة في أشعارهم. وممن أكثر استعماله أبو تمام(25).

ويعمد –كعادته- إلى التطبيق، فيذكر من أمثلة الاستعارات القبيحة المتكلّفة قول أبي تمام:

وكم أحرزت منكم على قبح قدّها

صروفُ النوى من مُرهف حسن القد

ويعلق عليه بقوله: "فإن استعارة القد لصروف النوى من أبعد ما يقع في هذا الباب وأقبحه، وإنما يقود أبا تمام إلى هذا وأمثاله، رغبته في الصنعة، حتى كأنه يعتقد أن الحسن في الشعر مقصور عليها، فيورد منه لأجل التكلف ما لا غاية لقبحه، ويسعده الخاطر في بعض المواضع، فيأتي بالعجائب والغرائب"(26).

وإذا كان التكلف وراء أمثلة هذه الاستعارات غير المتناسبة، فمن إمارات الصنعة والفن عند ابن سنان، التناسب في الصورة. وهذا ما تحقق في قول الشريف الرضي:

وما نطفةٌ مشمولة في مجمّة

وعاها صفاً من آمن الطّود فارع

من البيض لولا بردُها قلتُ دمعةٌ

مرنّقةٌ ما أسلمتها المدامع(27)

وسبب استحسانه لهذين البيتين أن الشاعر "استعار لأعلى الجبل الأمن، عبارة عن الارتفاع وتعذر الوصول إليه، وهذا لائق محمود في الصناعة، ومعلوم عند أهلها. وما زلت أسمع أبا العلاء يقول: إن من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها. وهذا البيت عندي من ذلك القبيل، حُسناً وصحة نسج وعذوبة لفظ"(28).

8-البديع:

خلاصة مذهب ابن سنان في البديع "بُغض الإكثار والإطالة، وتجنب الإسهاب في فن واحد من فنون الصناعة"(29). فهو يميل إلى البديع متأثراً بعصره، غير أنه في الوقت ذاته يدعو إلى الاقتصاد فيه، وعدم تكلف الجهد في طلبه، ليكون بالتالي تابعاً للمعاني، لا يُكره الشاعر نفسه ومعانيه في طلبه(30).

فالاقتصاد عنده أمر رئيسي في استخدام فنون البديع، لأن كثرته دليل التكلف والتصنع(31). وهذا خلاصة كلامه على الجناس والطباق في الشعر العربي. وهو في ذلك كله يعمد إلى التطبيق، مورداً الشواهد لجيّد البديع وقبيحه.

ويشير في معرض حديثه عن مصطلحات فنون البديع التي اقترحها، إلى الاختلاف بينه وبين غيره من النقاد فيها(32).. فهم وإن اختلفوا في التحديدات، فإن الموضوع واحد.

9-موسيقا الشعر:

حد الشعر عند ابن سنان أنه "كلام موزون مُقفى يدل على معنى"(33).

وشرح ذلك قوله: "وقلنا (كلام) ليدل على جنسه. وقلنا (موزون) لنفرق بينه وبين الكلام المنثور الذي ليس بموزون. وقلنا (مُقفى) لنفرق بينه وبين المؤلّف الموزون الذي لا قوافي له. وقلنا (يدل على معنى) لنحترز من المؤلّف بالقوافي الموزون الذي لا يدل على معنى"(34). والشعر لا يطلق عنده على البيت الواحد، فأقل ما يقع عليه اسم الشعر بيتان، لأن التقفية لا تمكن في أقل منهما، ولا تصح في البيت الواحد، لأنها مأخوذة من قفوت الشيء إذا تلوته"(35).

فالوزن والقافية هما اللذان يميزان الشعر من النثر(36)، ومعرفة الوزن ممكنة عن طريق الذوق أو العروض. ويلوح لنا أهم أنه يُحكّم التراث في شؤون الذوق والعروض، فما جاء مطابقاً لما وقع للعرب جائز، وإن لم يشهد الذوق بصحته، أما ما خالف الذوق والتقليد الشعري فهو مرفوض.

لكنه يتابع حديثه فيقدم الذوق على العروض، "فكل ما صح فيه لم يلتفت إلى العروض في جوازه"(37).

والتناقض واضح هنا، فهو يجيز أولاً ما جاء مطابقاً لما وقع للعرب، وإن رفضه الذوق، ثم يقدم الذوق على العروض. غير أنه يستدرك فيقبل بعض ما يصح بالعروض، وإن فسد في الذوق(38).

وخلاصة موقفه أنه يقيم الذوق على العروض، فإن ورد ما يخالف الذوق ويطابق ما وقع للعرب فمقبول لا عيب فيه.

أما القوافي فنراه يرفض المتكلّف منها(39)، وينصح الشاعر بالابتعاد عن القوافي الصعبة، مما قد يؤدي إلى توعُّر الألفاظ والعناء والتكلف والزلل(40).

ومما يتصل بالقافية أيضاً ما يسمى بالإيغال في علم البديع. "وأرادوا بذلك أن الشاعر يوغل بالقافية في الوصف إن كان واصفاً، وفي التشبيه إن كان مُشبّهاً"(41). وهذا النمط من مظاهر التكلف في الشعر، إذ إنه ليس لازماً للمعنى المُبدع، وإنما هو فضلة في الكلام لإقامة القافية.

فإذا تعذرت القافية، فإن ابن سنان يدعو إلى ترك البيت الشعري كله(42).

أما التناسب فشرط ضروري في الشعر، تستدعيه إقامة الوزن، "فلا يمكن اختلاف الأبيات في الطول والقصر"(43). وذلك بشرط ألا يكثر الزحاف فيؤدي إلى الانكسار. فهذا يُخرج الكلام من باب الشعر، لأنه يُجانف الذوق وإن كان مستقيم العروض. أما اليسير من الزّحاف فمقبول، فالخليل نفسه كان يستحسن بعض الزّحاف في الشعر إذا قلّ. فهو عند العرب أشبه باللثغ في الجارية، يُشتهى منه القليل".

10-طبيعة الإبداع:

يناقش ابن سنان أيضاً موضوعاً على قدر كبير من الأهمية في ميدان النقد، فنراه يدعو الشاعر إلى سوء الظن بالنفس، رغبة في تجويد الشعر وطلب الأجود دائماً. وهو في ذلك يربط بين الكلام والمبدع: فلما كان الكلام عنوان عقل الشاعر، وجبت العناية بتثقيفه، ليخرج أحسن مخرج. ولا غضاضة، في سبيل ذلك، في استشارة أهل العلم والمعرفة. "فإن كلام الإنسان ترجمان عقله ومعيار فهمه وعنوان حسه، والدليل على كل أمر، لولاه لخفي منه، وبحسب ذلك يحتاج إلى فضل التثقيف، واجتماع اللب عند النّظم والتأليف"(44). أما بذل الجهد والمشقة في الاختيار والتثقيف، فهذا يُخرج الشعر إلى التكلُّف(45).

11-التقليد والتجديد:

يشكو ابن سنان من أهل عصره، ومن ضياعه وسط فسادهم، في عصر سيطر الأتراك فيه وانحلت الأخلاق(46)؛ فكان لا بد أن يتأخر الشعر، ويميل إلى الزخرف والتكلف الشكلي. ولعل لمخالطة الأتراك أثراً في الابتعاد عن الصفاء اللغوي والطبع والسجية(47). فللحضارة عنده أثرها الكبير في التحول عن الطبع إلى التكلف، وسبب ذلك مخالطة الأعاجم. وكأن الشاعرية والسجية مرتبطتان بالصفاء البدوي.

ولكن أيهم أفضل: القدماء أم المحدثون؟

يرى ابن سنان(48) أن هناك فئة تقدم شعر القدماء على شعر المحدثين عامة، وهي طائفتان: طائفة جعلت العلة في الزمان، وطائفة جعلتها في تقدم القدماء في المعاني. وكلا الطائفتين تستند إلى مقولة طبع القدماء وتكلف المحدثين.

أما ابن سنان فيرد على الطائفتين، إذ يرفض إلصاق صفة الطبع بالقدماء عامة، وقصر التكلف على المحدثين وحدهم. فالتنقيح عند زهير من مظاهر التكلف في الشعر القديم. وهو هنا يخلط بين الصنعة والتكلف، بعدما كان قد ميّز بينهما.

وخلاصة الموقف عنده أن القدماء والمحدثين على السواء، لهم المطبوع والمتكلف في الشعر، "فالزلل في طباع البشر موجود، والعصمة عن أكثرهم بائنة"(49)، لا يختلف في ذلك قديم أو مُحدث.

تقويم:

يرى د. محمد زغلول سلام: "أن ابن سنان عالم يحكّم عقله، وليس ناقداً يحكّم ذوقه وخبرته بالنصوص، وتلمّسه لأسرار الجمال فيها، وإن كنا لا ننفي جهده في الكتاب، ولا ننكر فضله في أنه وضع به الأساس العلمي لاتجاه أصحاب البديع، وبذلك صار (سر الفصاحة) حجتهم في الاهتمام بالألفاظ، كذلك كان كتابه عمدة علماء البلاغة في مصر والشام، فقد كشف عن فلسفتهم في البديع"(50).

غير أننا نلاحظ أن ابن سنان جمع بين العلم والذوق، فمال بكتابه لأن يجعل النقد علماً، من غير أن يحرمه من جماليات الذوق. وهذا ما لمحناه في نقده التطبيقي، وفي دعوته الصريحة إلى تقديم الذوق على العروض.

الحواشي:

(1) الأعلام للزركلي 4/122.

(2)د. سلام: تاريخ النقد العربي 2/254.

(3)د. سلام 2/254.

(4)د. سلام 2/258.

(5)د. سلام 2/253.

(6) سر الفصاحة 103/105.

(7) سر الفصاحة 343.

(8) سر الفصاحة 77.

(9) سر الفصاحة 103.

(10) سر الفصاحة 343.

(11) سر الفصاحة 103.

(12) سر الفصاحة 240.

(13) سر الفصاحة 340.

(14) سر الفصاحة 102/103.

(15) سر الفصاحة 66/101.

(16) سر الفصاحة 65/101.

(17) سر الفصاحة 22.

(18) سر الفصاحة 58/59.

(19) سر الفصاحة 113/114.

(20) سر الفصاحة 119.

(21) سر الفصاحة 62/63.

(22) سر الفصاحة 259.

(23) سر الفصاحة 265.

(24) سر الفصاحة134.

(25) سر الفصاحة 136.

(26) سر الفصاحة 155.

(27)ديوان الشريف الرضي 1/659- المجمّ: الصدر. الصفا: جمع الصفاة: الصخرة. الطّود: الجبل العظيم. الفارع: المرتفع. رنّق الماء: صفّاه.

(28) سر الفصاحة 155/156.

(29) سر الفصاحة 343.

(30) سر الفصاحة 212- في كلامه على (لزوم ما لا يلزم).

(31) سر الفصاحة 222/224- في كلامه على التصريع والترصيع.

(32) سر الفصاحة 336-337.

(33) سر الفصاحة 337.

(34) سر الفصاحة 337.

(35) سر الفصاحة 338.

(36) سر الفصاحة 339.

(37) سر الفصاحة 339.

(38) سر الفصاحة 339.

(39) سر الفصاحة 76- تعليقاً على بيت لأبي تمام.

(40) سر الفصاحة 210- تعليقاً على بيت لابن نباتة.

(41) سر الفصاحة 181- تعليقاً على بيت للأعشى.

(42) سر الفصاحة 182.

(43) سر الفصاحة215-226- تعليقاً على قصيدة عبيد، فالزحاف قبيح وإن كان مستقيماً في العروض.

(44) سر الفصاحة 343.

(45) سر الفصاحة 333/334 –وهو موقفه من زهير.

(46)انظر شعره في مقدمة المحقق ك. م.

(47) سر الفصاحة 149-150.

(48) سر الفصاحة 327/334.

(49) سر الفصاحة 82.

(50)تاريخ النقد العربي 2/263.

المصادر والمراجع:

1-الزركلي: الأعلام، ج4، دار العلم للملايين، ط9، 1990.

2-ابن سنان الخفاجي: سر الفصاحة –مكتبة صبيح، مصر 1953- تصحيح وتعليق: عبد المتعال الصعيدي.

3-د. محمد زغلول سلاّم: تاريخ النقد العربي من القرن الخامس حتى العاشر- دار المعارف بمصر- د. ت

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 – السنة 16 – نيسان "أبريل" 1996 – ذي القعدة 1416

93 Views

عن

إلى الأعلى