الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » العرب يصنفون معارفهم بالشعر – د.عادل الفريجات

العرب يصنفون معارفهم بالشعر – د.عادل الفريجات


العرب يُصنّفون معارفهُم بالشعر – د.عادل الفريجات

نقصد بالتأليف بالشعر عند العرب نظم الكتاب أو المصنّف شعراً، سواء كان هذا الكتاب لغوياً أو نحوياً، أو صرفياً، أو عروضياً، أو بلاغياً، أو أدبياً قصصياً، أو فقهياً، أو زراعياً، أو ملاحياً، أو فلكياً، أو رياضياً، أو كيميائياً، أو طبياً، أو تاريخياً…

والحقيقة أننا سنُعاين فيما يلي من هذه الدراسة آثاراً شعرية تتصل بكل علم من العلوم السابقة. وربما نذكر نتفاً من الأشعار التي كانت قوام كل مؤلّف أو مصنّف للتدليل والتمثيل.

وقد كان العرب وما زالوا، أمة الشعر، فالشعر كان، منذ الجاهلية، ينثال على كل لسان أو يكاد! وكانت العرب تعلي شأن الشاعر أيّما إعلاء، فقبائلهم حين ينبغ فيها شاعر "تأتي القبائل لتهنئتها، وتصنع الأطعمة، وتجتمع النساء ليلعبن في المزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذبٌّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم". (العمدة 1: 65).

إن الروح الشعرية الطاغية قد ضربت جذورها في أعماق النفس العربية، ثم سرت في دماء العرب عامة، فآلت بالشعر إلى أن يحتل مكانةً سامية في النفوس والعقول معاً، حتى إن بعض المصنّفين والعاملين في ميدان التأليف والبحث لم يتردد في التباهي بموهبته الشعرية، فسخّرها للتأليف والتصنيف، وراح ينظم بعض معارفه شعراً، وخاصة تلك التي برع فيها وتعمّقها وأحصاها، وذلك تغليباً لرونق النظم وظله الخفيف، على جفاف النثر وظله الثقيل، ورغبة في تسهيل حفظ ما يُرى نفع في حفظه، فرواية الشعر المضطرب الوزن، تذكّر القارئ أو السامع، بأن خللاً فيه قد وقع فيتدارك ما اختلّ، ويتذكّر ما سقط، ويصحح ما جاء فاسداً… فتأتي المعلومة صحيحة وكاملة ومضبوطة.

والأمثلة على ما تقدم كثيرة، بل وكثيرة جداً، ففي ميدان اللغة، وهو ميدان صال فيه العرب وجالوا، واستأثر بالجم من جهودهم الفكرية، نقع على منظومة في "غريب اللغة وشرحه" لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (328ه) عنوانها "قصيدة في مُشكل اللغة" نشرها الأستاذ عز الدين البدوي النجار في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (مج64، ج4، عام 1989م)، وقد افتتح أبو بكر الأنباري قصيدته بقوله:

يا مُدّعي علم الغريب والقريض والمثل

نمّق جوابي: ما القزيحُ والشّقيح والألل

ويجيب الأنباري نفسه عن سؤاله شارحاً: "قال أبو عبيدة: القريض هو القصيدة من الشعر خاصة دون الرجز والقزيح فيه قولان. قال أبو بكر: القزيح: المليح. تقول العرب: مليحٌ قزيحٌ. وقال آخرون: القزيح: العجيب. قال أبو بكر: والشقيح: القبيح، يقال قبيحٌ شقيحٌ. والألل: قال أبو عمرو: البرق". ثم يضيف الأنباري في قصيدته:

وما العمار والعمار والخبار والسّفل؟

ويمضي شارحاً بعده الكلمات التي ساقها في البيت، معتمداً في ذلك على أئمة اللغة، كصنيعه في البيتين السابقين.

ولم تكن قصيدة أبي محمد بن القاسم الأنباري فريدةً في بابها، فقد ذكر ابن النديم (384ه) في "الفهرست" تحت عنوان: (القصائد التي قيلت في الغريب): "قصيدة الشرقي بن القطامي" و"قصيدة موسى ن حرنيد" و"قصيدة يحيى بن نجيم" و"قصيدة الأبراري" و"قصيدة شبل بن عزرة" و"قصيدة أحمد الأنباري" (الفهرست ص 196).

وفي كتب فهارس المخطوطات نطالع إشارات إلى مخطوطات شرحت قصائد في اللغة، مثل: "شرح مثلث قطرب" (المتوفى سنة 206ه) لمجهول. ومثل شرح منظومة ثعلب المسمى "الموطأ في اللغة" وقد نهض به عبد الوهاب بن الحسن بن بركات المهلبي (685ه) وأولها بعد البسملة:

يا مُولعاً بالغضب *** والهجر والتجنّب

حُبُّك قد برّح بي *** في جدّه واللعب

(انظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، علوم اللغة العربية ص 97، 98).

وذكرت كتب التراث أيضاً، أن لابن مالك النحوي الطائي (672ه) أرجوزة في ثلاثة آلاف بيت بعنوان (الأعلام بمثالث الكلام). وفيها ذكر الألفاظ التي لكل منها ثلاثة معان باختلاف حركاتها (انظر مقال رزوق فرج رزوق: "الشعراء التعليميون والمنظومات التلعيمية" في مجلة المورد العراقية مج19، ع1، ص 216).

وفي ميدان النحو الذي حظي هو الآخر بحفاوة بالغة من ذوي الهم العلمي عند العرب، نطالع لجمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي، وهو من أعظم نحاة القرن السابع شهرة، وقد ذكرناه من قبل، نطالع قواعد النحو العربي وقد نُظمت في ألف بيت. وعرف هذا العمل فيما بعد ب"ألفيّة ابن مالك". وكانت هذه الألفية خلاصة نحوية مركزة ظفرت بشرح أكثر من أربعين عالماً. وفي هذه الألفية يقول ابن مالك في باب الكلام وما يتألف منه مثلاً:

كلامُنا لفظٌ مُفيدٌ فاستقم *** واسمٌ وفعلٌ ثم حرفٌ الكلم

ونقرأ له في باب (المبتدأ والخبر) قوله:

مبتدأ زيدٌ، وعاذرٌ خبر *** إن قُلتُ: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر

وكذلك نراه يجمع (إنّ) وأخواتها وعملها، الذي يخالف عمل (كان) وأخواتها، في قوله:

لأنّ إنّ ليت لكنّ لعل *** كأنّ، عكسُ ما ل(كان) من عمل

ومن الكتب النحوية المهمة التي نُظمت شعراً "الآجرومية" وهي مقدمة في النحو ألّفها أبو عبد الله محمد بن داود بن آجروم الصنهاجي (723ه). وكان فقيهاً ونحوياً ولغوياً ومقرئاً وشاعراً. ولم يكن في أهل (فاس) في وقته أعلم منه في النحو. وقد نظم (الآجرومية) ميمون الفخار، والعربي الفاسي، ومحمد نووي. واسم كتاب النووي هذا "النفحة المسكية في نظم الآجرومية"، وشرف الدين يحيى بن موسى العمريطي (989ه) الذي سمّى كتابه "الدرّة البهيّة في نظم الآجرومية" (وهو مطبوع ضمن مجموعة من المتون بما في ذلك الآجرومية ذاته، بعناية أحمد سعيد علي، بالقاهرة عام (1949م).

ونظم "الآجرومية" أيضاً عبد الله بن الحاج الشنقيطي (1209ه). وللشنقيطي هذا مؤلفات عدة، أغلبها منظوم، منها مثلاً: نظم كتاب مختصر الخليل، ونظم الخزرجية في العروض، ونظم رسالة ابن أبي زيد القيرواني. ومن أمثلة نظم الشنقيطي للآجرومية قوله:

قال عُبيدُ ربّه مُحمّدُ *** اللهُ في كلّ الأمور أحمدُ

مُصلّياً على الرسول المُنتقى *** وآله وصحبه ذوي التُّقى

والبعدُ والقصدُ بذا المنظوم *** تسهيلُ منثور ابن آجروم

وفي باب الإعراب يقول:

الإعرابُ تغييرُ أواخر الكلم *** تقديراً أو لفظاً فذا الحدّ اغتنم

وذلك التغييرُ لاضطراب *** عوامل تدخلُ للإعراب

أقسامُه أربعةٌ تُؤمُّ *** رفعٌ ونصبٌ ثم حفضٌ جزمُ

فالأوّلان دون ريب وقعا *** في الاسم والفعل المضارع معا

فالاسمُ قد خُصّص بالجرّ كما *** قد خُصّص الفعلُ بجزم فاعلما

(انظر مقال الأستاذ خليفة بديري: نظم متن الآجرومية في مجلة كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، العدد 6 ص 262-263).

وكذلك نظم السيوطي (911ه) ألفيةً في النحو سماها (الفريدة). وهي مطبوعة. ولها شرح بعنوان "المطالع السعيدة في شرح الفريدة".

وإذا تركنا النحو، وانتقلنا إلى علم الصرف، وهو علم يهتم ببنية الكلمة العربية وبأوزانها ومجردها ومزيدها، وإبدالها وإعلالها، وجامدها ومشتقها، وقعنا على أمثلة كثيرة من نظم الصرف)، منها مثلاً "قصيدة أبنية الأفعال" التي نظمها ابن مالك صاحب الألفية النحوية المشار إليه سابقاً. وهذه القصيدة التي تسمى أيضاً بلامية الأفعال شرحها ابن الناظم ذاته، واسمه بدر الدين محمد بن محمد (686ه). وقد جاءت القصيدة على البحر البسيط، وتقع في (114) بيتاً. ونشر شرح الابن عليها الدكتور ناصر حسين علي بدمشق عام 1992م بعنوان "زبدة الأقوال في شرح قصيدة أبنية الأفعال".

وإذا طالعنا كتاب (فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق- علوم اللغة العربية) نقع على منظومة صرفية أخرى بعنوان "الترصيف في التصريف" نظمها عبد الرحمن بن عيسى العمري المرشدي المكي (1037ه) وأولها:

أفضل ما إليه تصريف الهمم *** بحُسن حمد الله وهّاب النّعم

وتقع هذه المخطوطة في (12) ورقة ورقمها 10859 (انظر فهرس مخطوطات الظاهرية- علوم اللغة العربية ص 457).

وقد ألّف ناصيف اليازجي اللبناني المعاصر كتاباً سماه "الجمانة في شرح الخزانة". وهذا الكتاب هو أرجوزة في علم الصرف أسماها (الخزانة)، ثم علّق عليها شرحاً لها سمّاه "الجمانة".

وطبع هذا الكتاب في بيروت سنة 1872م. يقول ناصيف اليازجي في فاتحة كتابه مثلاً:

أقول بعد حمد ربّ محسن *** لا علم لي إلا الذي علّمني

قد اصطنعت هذه الخزانه *** حاوية من شرحها الجمانه

جعلتها في الصرف مثل القطب *** فقُلتُ والله الكريمُ حسبي

ثم قال:

الصرفُ علمٌ بأصول تُعرف *** بها مباني كلم تُصرّفُ

والأحرفُ التي ابتنت منها الكلم *** إلى صحيح وعليل تنقسم

وأحرفُ العلّة واوٌ وألف *** والياءُ والباقي بصحة وُصف

وتشرك الهمزة حرف العلّه *** فتلك بين بين في المحلّه

وفي مجال علوم اللغة العربية الأخرى كالبلاغة وفروعها، كعلم المعاني، والبيان، والبديع، يمكن المرء أن يشير إلى جهود ابن الشحنة (815ه) واسمه أبو الوليد محب الدين محمد بن محمد بن أيوب الحلبي الذي ألّف منظومة في علم المعاني والبيان والبديع، وقد شرح هذه المنظومة محمد بن تقي الدين أبو بكر الحموي الدمشقي المحبي (1010ه). ومن هذا الشرح نسخة مخطوطة تقع في (68) ورقة في دار الكتب الظاهرية (انظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية- علوم اللغة ص 319-320).

وكذلك ألّف السيوطي (911ه) قصيدة أسماها "عقود الجمان" وهي في علمي المعاني والبيان، وقد شرحها بنفسه. ومن هذا الشرح نسخة بين مخطوطات الظاهرية (انظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية- علوم اللغة ص 316).

كما يمكن المرء أن يشير في مجال البديع وحده إلى منظومة للشيخ الإمام زين الدين يحيى بن معطي المغربي الزواوي (628ه) جمع فيها شواهد البديع من أشعار المبرزين من الشعراء، وذلك بأن حدّد نوع البديع، ثم أعطى الشاهد عليه، وأولها بعد البسملة:

يقول ابن معط قُلتُ لا متعاطيا *** مقالة من يرجو الرضى والتعاطيا

ومن هذه المنظومة نسخة في دار الكتب الظاهرية تقع في 9 ورقات ضمن مجموع عدد أوراقه 27 ورقة انظر (الفهرس المذكور سابقاً ص 208).

وفي مجال العروض مر بنا ذكر نظم الشنقيطي للخزرجية في العروض قبل قليل. ونطالع في فهارس المخطوطات آثاراً أخرى في هذا الفن، منها منظومة في العروض لمحمد بن الحسن الحسيني الشافعي الهروي (676ه) أولها بعد البسملة:

أحمدُ من صلّى على محمد *** وآله نجوم كلّ مُهتد

وهي من مخطوطات الظاهرية، وقد كتبها ناظمها نفسه. وتقع في أربع ورقات- (انظر فهرس مخطوطات الظاهرية- علوم اللغة ص 440).

وأشار صاحب "معجم المؤلفين" إلى أن إبراهيم بن عبد الله بن جمعان اليمني الزبيدي (1083ه) قد ألّف مقطوعة في العروض سماها (آية الحائر)- (انظر معجم المؤلفين 1:5). وبين مخطوطات الظاهرية مخطوطة بعنوان "هالة العروض" وهي أرجوزة نظمها محمد صالح بن أحمد بن سعيد المنير الدمشقي (1321ه). قدم بها لعلم العروض وتناول فيها الزحافات والعلل والأبحر والدوائر العروضية، وختمها بألقاب الأبيات، أتم نظمها في (الآستانة) في شعبان سنة 1299ه، وأولها بعد البسملة:

يقول صالح بن احمد السري *** القدوةُ المشهورُ بالمُنير

وهي نسخة بخط ناظمها، وتقع في (8) ورقات (انظر فهرس علوم اللغة المذكور ص 442).

وفي ميدان الأدب القصصي جرب (أبان بن حميد اللاحقي)، وهو شاعر إسلامي من أهل البصرة، جرّب قدرته في النظم في صياغة كتاب كليلة ودمنة شعراً. وقد استغرق نظمه لهذا الكتاب ثلاثة أشهر. وبلغت أشعاره (14) ألف بيت، وقدمه إلى يحيى بن خالد البرمكي، فكافأه هذا عشرة آلاف دينار.

ونجد في كتاب (الأوراق) للصولي (335ه) من هذا النظم ما يربو على (80) بيتاً. وأول ذاك النظم قول أبان اللاحقي:

هذا كتابُ أدب ومحنه *** وهو الذي يُدعى كليلة ودمنه

فيه احتيالاتٌ وفيه رشدُ *** وهو كتابٌ وضعته الهندُ

ومن نظمه مثلاً في باب الأسد والثور من كتاب كليلة ودمنة:

وإن من كان دنيّ النفس *** يرضى من الأرفع بالأخسّ

كمثل الكلب الشقيّ البائس *** يفرح بالعظم العتيق اليابس

وإن أهل الفضل لا يرضيهمُ *** شيء إذا ما كان لا يرضيهمُ

وذكر الصولي أيضاً أن "أباناً" هو الذي عمل القصيدة (ذات الحُلل)، وفيها ذكر مبتدأ الخلق وأمر الدنيا وأشياء من المنطق، وغير ذلك، وهي قصيدة مشهورة. ومن الناس من ينسبها إلى أبي العتاهية، والصحيح أنها لأبان. (انظر كتاب الأوراق للصولي، تحقيق ج. هيورت، بيروت، ط2، 1979، ص 1 وص 46-48).

وقد نظم "كليلة ودمنة" أيضاً (ابن الهبّارية) (504ه) وهو الذي نظم أيضاً كتاب (الصادح والباغم). ومن ناظمي كتاب الفيلسوف الهندي، محمد الجلال، وعبد المنعم بن حسن وعلي بن داود كاتب زبيدة-زوج الرشيد، وجلال الدين النقاش من القرن التاسع الهجري.

وفي مجال الفقه الإسلامي نظم محمد بن علي الرحبي، (المتوفى سنة 577ه) أرجوزة في أحكام الإرث الإسلامي، وعرف كتابه بمتن الرحبية نسبة إليه. وقد شرح هذا المتن كثيرون من العلماء، منهم: أبو بكر أحمد السبتي، وجلال الدين السيوطي، وعبد القادر الفيومي، ومحمد بن صالح الغزي، ومحمد بن محمد المارديني، وشرح هذا الأخير مطبوع. وكذلك شرح الرحبية محمد بن خليل بن خمليون وسمى شرحه: (تحفة الأخوان البهية على المقدمة الرحبية). وقد حقق هذا الشرح الأستاذ السائح علي حسين، وطبعه في طرابلس بليبيا عام 1990م، تحت عنوان (التحفة في علم المواريث). وفي أسباب الميراث نقرأ قول الرحبي: (التحفة في علم المواريث ص 85):

أسباب ميراث الورى ثلاثه *** كلٌّ يفيد ربّهُ الوراثه

وهي نكاح وولاء ونسب *** ما بعدهنّ للمواريث سبب

ويقول في موانع الإرث (التحفة ص 89):

ويمنع الشخص من الميراث *** واحدةٌ من علل ثلاث

رقٌ وقتل واختلاف دين *** فافهم، فليس الشك كاليقين

ويقول في باب أصحاب الثُمُن (التحفة ص 102):

والثُّمنُ للزوجة والزوجات *** مع البنين أو مع البنات

أو مع أولاد البنين فاعلم *** ولا تظنّ الجمع شرطاً فافهم

ومن الكتب القريبة من الفقه والشرع وصلتنا كُتب تعالج قضية الإمامة في الإسلام منذ وفاة الرسول () إلى عصر كاتبها. ومن تلك الكتب كتاب بعنوان (الأرجوزة المختارة) للقاضي النعمان (363ه). وقد حققها إسماعيل قربان حسين، ونشرها ضمن منشورات معهد الدراسات الإسلامية في (مونتريال) بكندا. وهذه الأرجوزة تلقي ضوءاً على موقف الفرق المختلفة من قضية الإمامة والأدلة التي قدمتها كل فرقة، وتعدّ هذه الأرجوزة التي ألّفت في أيام الخليفة الفاطمي القائم بأمر الله من أقدم النصوص الفاطمية في الإمامة، وفي مطلعها يقول الناظم مثلاً:

الحمد لله بديعٌ ما خلق *** عن غير تمثيل على شيء سبق

بل سبق الأشياء فابتداها *** خلقاً كما أراد إذ براها

ومن كتب الفرق المنظومة شعراً "القصيدة الصورية" التي ألّفها الداعي الإسماعيلي الأجل محمد بن علي بن حسن الصوري، وحقّقها عارف تامر، ونشرها في نطاق منشورات المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق عام 1955م. وهي كما قال ناشرها:

"أقدم المصادر عن الإسماعيلية، ومن أهم الرسائل التي تنطق بالحقائق، وتمثل العقائد أصدق تمثيل، ومن أحسن المراجع في تاريخ قصص الأنبياء وعدد الأئمة المنحدرين من الإمام علي بن أبي طالب حتى الإمام المستنصر بالله الفاطمي.. ولذلك كانت تتناقلها الدعاة ويحافظون على سريتها وعدم تسربها، وليس بالغريب إذا قلت إن أكثرهم كان يحفظها غيباً بالنظر لاعتمادهم على بيانها الرائع وأصولها وفروعها، ومتانة أسلوبها وترتيبها".

ومؤلف هذه القصيدة هو محمد بن علي بن حسن كانت مدينة (صور) مسقط رأسه، لذا نُسب إليها، وقد عاش ردحاً في (طرابلس) داعية للفاطميين، وقام بالرحلة في طلب العلم والحديث. وقيل إنه سمع بالكوفة من أربعمئة شيخ، وهبط القاهرة في عهد الإمام المستنصر بالله الفاطمي. واستوطن بغداد سنة 418ه، وقد توفي فيها سنة 441ه.

والحقيقة أن هذه الأرجوزة الإسماعيلية ليست الوحيدة في تراثنا. فقد شاعت الأراجيز في العهود الفاطمية، واستعملت للدعاية وللتعبير عن الموضوعات الفلسفية والتعاليم العقائدية- (انظر ص 17 من القصيدة الصورية)، ولكي نعرف طريقة هذه المنظومات نسوق هنا مطلع القصيدة الصورية، وهي في باب القول بالحمد والاستفتاح (ص 23):

الحمد لله مُعلّ العلل *** ومبدع العقل القديم الأزل

أبدعه بأمره العظيم *** بلا مثال كان في القديم

وصيّر الأشياء في هويته *** مجموعة بأسرها في قدرته

فهو لها أصل كريم يجمعُ *** فمنه تبدو وإليه ترجعُ

سبحانه من ملك ديّان *** العقل والنفس له عبدان

جلّ عن الإدراك في الضمائر *** والوصف بالأعراض والجواهر

وفي مجال الفلاحة، نقرأ لسعد بن أحمد بن ليون التجيبي (750ه) أرجوزة تشمل (1300) بيت. نشرها في غرناطة، عام 1975 (جواكينا أجوارس أبنيث). وقد كان ابن ليون التجيبي عالماً موسوعياً له ولعٌ باختصار الكتب، وتتلمذ على يديه في (المرية) من أعلام الأندلس ابن خاتمة الأنصاري، ولسان الدين بن الخطيب، وابن جعفر بن الزبير، وابن رشيد الفهري. وسمى (ابن ليون) أرجوزته "كتاب إبداء الملاحة وإنهاء الرجاحة في أصول صناعة الفلاحة". وقد عدّد المؤلف في كتابه هذا أركان الفلاحة شعراً، فكانت حسب قوله:

هي الأراضي والمياه والزبولُ *** والعمل الذي بيانه يطولُ

ونراه يشير إلى الأرض وما يحفظها أو يفسدها، فيقول مرتجزاً:

الفول والترمس والكتّانُ *** تحفظ الأرض وكذا الجلبانُ

والدخن مُضعف لها والجلجلان *** وما يكرّر بها كل زمان

وورقُ الحمّص والكرسنّه *** مُفسدةٌ للأرض بالملوحه

ونجده يشير في موضع آخر إلى أعمار الثمار والنبات في نظره، فيقول معتمداً على أقوال (ابن بصّال) و(الطغنري)، وهما عالمان في الزراعة أيضاً:

وعمرُ الزيتون من عدّ السنين *** ثلاثة ألاف حينٌ بعد حين

وفي الصنوبر عن ابن بصّال *** بمئتي عام يقول استكمال

والطغنري قد قال: ما لا يسقطُ *** ورقُهُ، أعمرُ مما يسقطُ

وأكثرُ الثمار يبلغ المائه *** أو نحوها، وقد تريد تبقيه

وكل ما في النشء منها يسرعُ *** فعمرُه أقصره لا يتّسعُ

(انظر مقال أمين توفيق الطيبي في مجلة كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس: كتب الفلاحة الأندلسية- أرجوزة ابن ليون في الفلاحة العدد 5، 6 ص 354 فما بعدها).

وفي مجال الملاحة يقع الباحث على أراجيز كثيرة، فيطالع لابن ماجد (المتوفى بعد 904ه) الملقّب بأسد البحر الذي أرشد قائد الأسطول البرتغالي (فاسكو داغاما) في رحلته لاكتشاف طريق الهند من خلال رأس الرجاء الصالح، أرجوزة، اسمها "حاوية الاختصار في أصول علم البحار". وقد نشر هذه الأرجوزة الأستاذ إبراهيم خوري بدمشق ضمن منشورات المعهد العلمي الفرنسي. يقول ابن ماجد في تقديم أرجوزته:

يا أيها الطالبُ علم اليمّ *** إليك نظماً يا له من نظم

في العلم والهيئة والحساب *** وما هو استنبط للصواب

إن كنت ممن جدّ في العلوم *** وذاكر الأستاذ كلّ يوم

يغنيك عن رهمانجات النّثر *** هذا الذي نظمتُه بالشعر

وفي ميدان الرياضيات يمكن أن نشير إلى أرجوزة (ابن الياسمين) في الجبر والحساب. وابن الياسمين هو عبد الله بن الحجاج المعروف بابن الياسمين. وهو من أهالي (فاس). وقد أفرغ علمه في هذه الأرجوزة الشهيرة، وتوفي ابن الياسمين عام (600ه). وقد ابتدأ ابن الياسمين بوضع تعريف شامل وهام لمجال علم الجبر، فقال:

على ثلاثة يدور الجبرُ *** المال والأعداد ثم الجذرُ

ثم عرّف المقصود بالمال في البيت الثاني، فقال:

فالمال كلُّ عدد مربّع *** وجذرهُ واحد تلك الأضلُع

والعدد عند (ابن الياسمين) هو الشيء، أو العدد المجهول، ومربعه هو الكمال. وفي بعض أبيات الأرجوزة يقول:

وضربُ كلّ زايد وناقص *** في مثله زيادةٌ للفاحص

وضربُه في ضدّه نقصانُ *** فافهم هداك الملكُ الديّانُ

وقدم الأستاذ بديع الحمصي بحثاً عن ابن الياسمين وأرجوزته هذه في الندوة العالمية الثانية لتاريخ العلوم عند العرب في نيسان عام 1979م. وفي الظاهرية بدمشق سبع نسخ للأرجوزة وشروحها. ويذكر الأستاذ محمود الصغيري أن باليمن في (زبيد) تحتفظ المكتبات الخاصة بعشرات النسخ من هذه الأرجوزة.

انظر (قضايا في التراث العربي- لمحمود الصغيري، دمشق 1981م ص 155).

وفي ميدان العلوم التطبيقية كالكيمياء والطب والصيدلة حفل تراثنا العظيم بأراجيز كثيرة جداً، تناولت المعارف التي تنتمي إلى هذه العلوم. ففي مجال الكيمياء ربما كان ديوان الأمير العالم الشاعر الأموي خالد بن يزيد (90ه) واسمه "الصنعة" هو أقدم ما أُلّف شعراً في علم الكيمياء. وربما أهّل هذا الديوان صاحبه لأن يوصف بأنه الشاعر التعليمي الأول في التراث العربي. وقد ذكر حاجي خليفة هذا الديوان فقال يصفه:

(فردوس الحكمة في علم الكيمياء لخالد بن يزيد بن معاوية الأمير الحكيم. منظمة في قواف مختلفة وعدد أبياتها ألفان وثلاث مئة وخمسة عشر بيتاً، أولها:

الحمدُ لله العليّ الفرد *** الواحد القهّار ربّ الحمد

يا طالباً بوريسطس الحكماء *** خُذ منطقاً حقاً بغير خفاء

(كشف الظنون 1254-1255).

ويمكن أن نضيف إلى هذا الديوان، ديواناً آخر لأبي الحسن علي بن موسى الأنصاري المعروف بابن أرفع رأس (593ه) اسمه "شذور الذهب في صناعة الكيمياء". وهو ديوان شعري مرتّب على الحروف، شرحه أيدمر بن علي الجلدكي وسمى الشرح "غاية السرور"، وخمّسه شرف الدين محمد بن موسى القدسي الكاتب (المتوفى سنة 712ه) تخميساً حسناً- (انظر كشف الظنون 1027). وقد أضاف الأستاذ رزوق فرج رزوق أن عدد منظوماته في مخطوطة جامعة برستن بالولايات المتحدة 43 منظومة يبلغ مجموع أبياتها 1487 بيتاً. وعدد منظوماته في مخطوطة كلية الآداب بجامعة بغداد 42 منظومة يبلغ مجموع أبياتها 1431 بيتاً. (انظر مجلة المورد- بغداد 1990- مج19 العدد الأول ص 213).

ومن المعروف أيضاً أن الرازي أبا بكر محمد بن زكريا (313ه/ 925م)- (جالينوس العرب)، وهو من أكابر الكيميائيين والأطباء العرب، نقل (كتاب الآس) لجابر إلى الشعر، وله قصيدة في المنطقيات، وقصيدة في العظة اليونانية (الفهرست ط تجدد- ص 359). وله أيضاً أرجوزة في الطب ذكرتها هيا محمد الدوسري في كتابها "فهرس المخطوطات الطبية المصورة- الكويت، 1984، ص 27" أولها:

الحمد لله الذي برانا *** وركّب العقول والأذهانا

ومنّ بالسّماع والإبصار *** يهدي لها من ذا اعتبار

وآخرها:

أما له مُعتبرُ في نفسه *** كيف يصير جسمه في رمسه

بعد النعيم جيفةً نتينه *** ونفسه بما جنت رهينه

حتى تؤديه إلى دار البقا *** والخلد إما في نعيم أو شقا

وقد نسخت هذه الأرجوزة عام 1054ه، وتقع في 8 ورقات، وهي في (مكتبة جستر بيتي- 5244 مجموع).

ومن المعروف أن للرازي أيضاً كتباً كثيرة منها- عدا الحاوي، والمنصوري، والطب الروحاني- كتاب "برء الساعة" وقد حوّل هذا الكتاب إلى أرجوزة محمد بن إبراهيم بن يوسف الحنبلي (971ه) وأعطاها عنوان "الدرر الساطعة في الأدوية القاطعة". وهي في 135 بيتاً، وذكر ذلك عمر رضا كحالة في كتابه: (معجم المؤلفين 8: 223).

أما ابن سينا الشيخ الرئيس (428ه)- (بقراط العرب) وشيخ أطبائهم، فقد ألّف كتاب "القانون في الطب" الذي ظل مرجعاً أساسياً لطلبة الطب في الشرق والغرب حتى أواخر القرن الماضي، ابن سينا هذا ارتأى أن يلخّص المعلومات الطبية التي وعاها وخبرها وتمرّس بها في أرجوزة شعرية تسهيلاً لحفظها، ولينتفع بها تلامذته في كل مكان وزمان. لذا أنشأ "أرجوزته في الطب" وهي أرجوزة تقع في ما يزيد على /1300/ بيت.

وقد أثّرت تلك الأرجوزة كثيراً في تدريس الطب في المشرق العربي وفي المغرب والأندلس. وكانت عمدة أساتذة الطب لسنين طويلة، وشُرحت كثيراً وعُلّق عليها، وعورضت واستدرك عليها، وممن استدرك عليها هارون بن اسحق المعروف بابن عزرون، وذلك في أرجوزته في الحميات والأورام، فقد ذكر ابن عزرون أن ابن رُشد قد لاحظ تقصير أرجوزة ابن سينا في ذكر الحمّيات والأورام؛ فحفزته تلك الملاحظة على نظم أرجوزة في هذا الباب… وأكمل محمد بن قاسم بن محمد الفاسي (1120ه) الأرجوزة السينوية بأرجوزة سمّاها "الدرة المكنوزة في تذييل الأرجوزة". ومما قاله ابن سينا في أرجوزته:

بدأتُ باسم الله في النّظم الحسن *** أذكُر ما جرّبتُه طول الزّمن

وفي موضع آخر يقول ابن سينا:

الطّبُّ حفظُ صحة بُرء مرض *** من سبب في بدن عنهُ عرض

قسمتُه الأولى لعلم وعمل *** والعلمُ في ثلاثة قد اكتمل

سبعُ طبيعات من الأمور *** وستةٌ وكلُّها ضروري

ثم ثلاثٌ سُطّرت في الكتب *** من مرض وعرض وسبب

وقد طبعت أرجوزة ابن سينا. ومنها نسخ مخطوطة كثيرة في الظاهرية- (انظر فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية- الطب والصيدلة 1/450).

ولابن سينا أيضاً أرجوزة في التشريح (انظر فهرس مخطوطات الظاهرية- الطب والصيدلة 2/342). وقد شرح ابن رشد (595ه) منظومة ابن سينا هذه. ومن هذا الشرح نسخة مخطوطة في الظاهرية (فهرس الطب والصيدلة ص 441)، ومنها نسخة مصورة عن مكتبة جستر بيتي (رقم 3993) في الكويت تقع في 130 ورقة- (انظر فهرس المخطوطات الطبية المصورة السابق الذكر- ص 115).

وكذلك شرح هذه الأرجوزة محمد بن إسماعيل بن محمد المتطبّب (ت بعد 988ه). وهو شرح يقع في 180 ورقة. وعنوانه: "التوفيق للطبيب الشقيق". ومنه نسخة بخط المؤلف في دار الكتب الوطنية بتونس (انظر فهرس المخطوطات الطبية المصورة في قسم التراث- الكويت 1984، ص 63). و(فهرس دار الكتب الوطنية تونس 1/8). وانظر (9) أراجيز لابن سينا ذكرها رزوق فرج رزوق في (مجلة المورد مج 19 العدد الأول لعام 1990 ص 210-211).

ونظم أبو عبد الله محمد بن العباس بن أحمد الدنيسري (686ه) أرجوزة في نظم "مقدمة المعرفة" لبقراط، وأرجوزة في الدرياق الفاروقي (انظر فوات الوفيات 2: 440) و(هدية العارفين 2: 136). وكذلك نظم داود بن عمر الأنطاكي (1008ه) ألفية في الطب. كما نظم "القانون في الطب" لابن سينا وشرحه (انظر كشف الظنون 1313) و(هدية العارفين 1: 362). والحقيقة أن المنظومات الطبية كثيرة جداً ولم نذكر منها إلا غيضاً من فيض، وذلك لأن الاستقصاء هنا ليس غرضنا.

وإذا تركنا الطب وانتقلنا إلى الفلك، نجد أن العرب قد أحرزوا في هذا العلم إنجازات عظيمة، وليس أدل على ذلك من احتواء اللوحة التي وضعها (نيل آرمسترونغ)- أول إنسان وطئت قدماه أرض القمر- على اسم (البتّاني)، وهو عالم فلكي سوري من الرقة عاش في القرن الرابع الهجري، وذلك تقديراً لجهود هذا العالم في علم الفلك، وإجلالاً لما صنعه في زمانه من زيجات فلكية صحيحة. ومن المعروف في هذا الباب أن لأبي الحسن علي بن أبي الرجال (بعد 432ه) أرجوزة في الأحكام الفلكية، وهي مطبوعة- (مجلة المورد مج 19 ع1 لعام 1990 ص 211).

ونطالع في (كشف الظنون ص 1345) ذكر قصيدة في النجوم مزدوجة طويلة ألّفها أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الغراوي.

وكذلك ذكر د. رزوق فرج رزوق أن محمد بن إبراهيم بن محمد الأوسي المعروف بابن رقام (715ه) له منظومة في العمل بالاسطرلاب (انظر مجلة المورد مج2 ع1 ص 218).

ومن المعروف أن الاسطرلاب آلة فلكية. كذلك لعبد الواحد بن محمد بن محمد المشهدي (838ه) منظومة في الاسطرلاب. انظر (هدية العارفين 1: 632).

وفي (كشف الظنون) أيضاً عرفنا أن شرف الدين أحمد بن ادريس بن يحيى المارديني (728ه) قد ألّف "نظم الدرر في معرفة منازل القمر"، رتبه على عشرة أبواب كلها منظومة. انظر (كشف الظنون ص 1963).

وكذلك نطالع لرضي الدين أبي الفضل محمد بن محمد بن أحمد الغزي (935ه) ألفية في علم الهيئة، وهو علم الفلك ذاته. (انظر مجلة المورد مج 20 ع1 لعام 1992 بغداد ص 133).

ولفخر الدين محمد بن مصطفى بن زكريا الدوركي (713ه) قصيدة في النجوم (هدية العارفين 2:142-143).

وفي ميدان التاريخ ألّف أسعد بن البطريق النصراني (357ه) كتاباً بعنوان: "نظم الجواهر في أخبار الأوائل والأواخر" انظر (إيضاح المكنون 2: 658).

ونقع في كتاب (هدية العارفين) على غير إشارة إلى منظومات في التاريخ منها مثلاً أن محي الدين عبد الله بن عبد الطاهر السعدي الجذامي الروحي (692ه) قد نظم سيرة السلطان الظاهر بيبرس (هدية العارفين 2: 137).

وكذلك نظم شهاب الدين محمد أمين الخولي (693ه) سيرة ابن هشام (هدية العارفين 1/581) و(كشف الظنون 492، 1012).

وذكر الزركلي أن عبد الملك بن أحمد الأرمنتي (722ه) قد نظم (تاريخ مكة) للأزرقي على شكل أرجوزة (الأعلام 4: 301).

ونظم صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي (764ه) أرجوزة تاريخية وشرحها، وهي بعنوان: "تحفة ذوي الألباب فيمن حكم دمشق من الخلفاء والملوك والنواب" وقد طبع هذه الأرجوزة صلاح الدين المنجد، وفيها يقول مثلاً محدثاً عن محتوى كتابه بعد حمد الله وشكرانه:

وبعد، فالمقصود من ذا الرّجز *** حُسنُ البيان في كلام موجز

أذكرُ فيه الخُلفا والأمرا *** على دمشق نسقاً كما ترى

لكنّه على الحروف رتّبه *** فضيّع المقصود منه واشتبه

ولم يصل إلا لنور الدين *** وعاق ذاك واردُ المنون

وقد ذكرت من أتى من بعده *** ليومنا فاستجل دُرّ عقده

ومن الجدير بالذكر أن المؤلف نفسه قد شرح أرجوزته في كتاب حمل العنوان ذاته، وقد طبع بدمشق عام 1992 في جزءين بتحقيق إحسان بنت سعيد خلوصي، وزهير حميدان الصمصام.

ويمكن أن نضيف في هذا المجال الأرجوزة التي نظمها تاج الدين الحسن بن راشد الحلي (نحو 830ه) وعنوانها "تاريخ الملوك والخلفاء"، وأرجوزة للمؤلف ذاته، وهي تحمل عنوان: تاريخ القاهرة (الأعلام 2: 204).

والأرجوزة التي في تاريخ المعتضد بالله، وهي مطبوعة، وقد ألّفها أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ المعروف بابن شرشير (293ه).

ونظم عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدميري المعروف بالديرني (694ه) سيرة ابن هشام شعراً (انظر هدية العارفين 1: 581).

والحقيقة أن هذا التقليد التراثي أعني التأليف بالشعر، لم يندثر، بل استمرت نماذجه في مجرى الثقافة العربية تطالعنا بين الفينة والأخرى وإن قلّت، بوضوح، عما كانت عليه في القديم. وقد راح بعض الشعراء في أيامنا هذه يستعرضون قدراتهم على النظم في تأليف بعض الكتب. ومن هؤلاء الشاعر السوري (أحمد الجندي) رحمه الله الذي ألّف كتاباً بعنوان "قصة المتنبي شعراً". وقد طبعها في بغداد عام 1973، ثم أعاد طبعها في دمشق بدار طلاس. وفي هذا الكتاب الشعري يؤرخ (أحمد الجندي) بالشعر لحياة أبي الطيب المتنبي شاعر العربية الأكبر، ومالئ الدنيا وشاغل الناس، وإذا فتحنا كتاب الجندي وجدناه يقول (في ص 7 طبعة بغداد) مثلاً:

مرّ في خاطر الزمان وليدُ *** عبقريُّ السمات عال فريدُ

أسمرُ الوجه كالمساء جلالاً *** أسودُ العين، باهرٌ ممدودُ

موجةٌ من رجولة فوق بحر *** يتمطّى تياره العربيدُ

فإذا الشاعرُ العظيمُ حديثٌ *** يتغنّى، ونشوةٌ، وقصيدُ

ثم يضيف في (ص 13) على لسان شاعرنا العظيم، كاشفاً عن بعض سجاياه وخاصائصه:

لا أراني أعيش في هذه الأر *** ض فنفسي يضيقُ عنها زماني

إنني شاعرُ العروبة ضوئي *** ملأ الأرض بالمنى والأماني

وبشعري سار الزمان وغنى الرّ *** كبُ في البيد مُطربات الأغاني

وبعد، فإننا نخلص من خلال العرض الموجز السابق إلى نتائج نصوغها على النحو التالي:

1-إن التأليف بالشعر عند العرب كان قد بدأ مع فجر عهدهم بالتدوين والتصنيف، وبعبارة أخرى منذ القرن الهجري الأول، وحتى أيام الناس هذه، ومن المعروف هنا أننا نريد نظم المعارف والعلوم، ولا نقصد إبداع المسرح الشعري الذي يشكل نسقاً معرفياً آخر.

2-إن بحر الرجز لم يكن البحر الوحيد الذي ركبه المؤلفون في مؤلفاتهم الشعرية، فهناك بحور أخرى كالبسيط وغيره من البحور، نظمت عليها ألوان من المعارف متباينة. وقد كان بحر الخفيف مثلاً هو بحر أشعار المرحوم أحمد الجندي التي مثّلنا بها قبل قليل.

3-إن العرض السابق، على وجازته، وعلى الرغم من أنه جاء للتمثيل والتدليل، لا للاستيفاء وللاستقصاء يدل على أن هذا الباب واسع جداً، وأنه تناول مختلف جوانب المعرفة، وثمة جوانب أخرى لم نعرض لنماذج لها فيما تقدّم. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مواهب العرب الشعرية الغزيرة، وعلى أثر الشعر في نفوسهم كما يدل على عظيم عطائهم التصنيفي، وهو عطاء يكاد المرء يزعم أن الأمة العربية لا تضاهيها فيه أية أمة على وجه هذه البسيطة.

مصادر البحث ومراجعه:

-ابن الأنباري، محمد بن القاسم، قصيدة في مشكل اللغة، دمشق 1989 (مستل من مجمع اللغة العربية بدمشق).

-ابن خمليون، محمد بن خليل: التحفة في علم المواريث، تحقيق السائح علي حسين- ليبيا، طرابلس 1990.

-ابن رشيق: العمدة في صناعة الشعر ونقده، تحقيق محمد محي ا لدين عبد الحميد، بيروت 1974- ط4.

-ابن ماجد: حاوية الاختصار في أصول علم البحار، تحقيق إبراهيم الخوري، منشورات المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق.

-ابن النديم: الفهرست، تحقيق رضا تجدد، بيروت 1971.

-البغدادي: هدية العارفين، بيروت، دار الفكر 1982.

-الجندي، أحمد: قصة المتنبي شعراً، بغداد 1973.

-حمصي، أسماء: فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية- علوم اللغة العربية- دمشق 1973.

-خليفة، بديري: نظم متن الآجرومية، مقال في مجلة كلية الدعوة الإسلامية، ليبيا، طرابلس، العدد السادس لعام 1989.

-خليفة، حاجي: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، بيروت، دار الفكر 1982.

-الخيمي، صلاح: فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية، الطب والصيدلة، دمشق 1981.

-الدوسري، هيا محمد: فهرس المخطوطات الطبية المصورة بقسم التراث، الكويت 1984.

-رزوق، فرج رزوق: الشعراء التعليميون والمنظومات التعليمية، مقال في مجلة المورد العراقية، المجلد 19، العدد الأول، والمجلد 20، العدد الأول، بغداد 1992.

-الزركلي، خير الدين: الأعلام، بيروت، ط5، 1980.-الصغيري، محمود: قضايا في التراث العربي، دمشق 1981.

-الصفدي، خليل بن ايبك: تحفة ذوي الألباب فيمن حكم دمشق من الخلفاء والملوك والنواب، تحقيق إحسان خلوصي، وزهير حميدان الصمصام، دمشق 1992.

-الصوري، محمد بن علي بن حسن: القصيدة الصورية، تحقيق عارف تامر، منشورات المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق 1955.

-الصولي، أبو بكر: الأوراق، تحقيق ج. هيورث، بيروت، ط2، 1979.

-الطيبي، أمين توفيق: كتب الفلاحة الأندلسية، مقال في مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد 6، طرابلس، ليبيا 1989.

-الكتبي، ابن شاكر: فوات الوفيات، تحقيق إحسان عباس، بيروت.

-كحالة، عمر رضا: معجم المؤلفين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.

-محمد بن محمد، بدر ا لدين: زبدة الأقوال في شرح قصيدة أبنية الأفعال، تحقيق ناصر حسين علي، دمشق 1992.

-القاضي، النعمان: الأرجوزة المختارة، تحقيق إسماعيل قربان حسين، مونتريال، كندا.

-اليازجي، ناصيف: الجمانة في شرح الخزانة، بيروت 1872.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 65 – السنة 17 – تشرين الأول "أكتوبر" 1996 – جمادى الأولى 1417

كلمات البحث الموفِدة:

  • كتاب الفلاحة لابن بصال (1)
81 Views

عن

إلى الأعلى