الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » مصادر شعر عوف بن عطية بن الخرع – د. إسلم بن السبتي

مصادر شعر عوف بن عطية بن الخرع – د. إسلم بن السبتي


مصادر شعر عوف بن عطية بن الخرع – د. إسلم بن السبتي

لا يزال الشاعر عوف بن عطية (1) يسكنني ويشدني إليه كلما حاولت الانفكاك من أسره فهو كل يوم يمدني بمادة جديدة أعود إليها بعدما ظننت أنني أوفيته حقه من الدراسة والبحث.

وأراني في هذا البحث أقبل على مصادر شعره التي رافقتها زمناً طويلاً حتى أتحفتني بما جمعته من شعره(2) وكوّن مادة وافية لتقديم دراسة علمية عن حياته وأساليبه الفنية وسأقدم هذا البحث من خلال النقاط التالية:

1-ديوانه.

2-رواية شعره.

3-شعره في القرنين الثاني والثالث.

4-شعره في مصادر ما بعد القرن الثالث.

1-ديوانه:

إن العناية بدراسة أي شاعر من الشعراء لا بد أن تنطلق من النظر في ديوانه أولاً وقبل كل شيء ثم بعد ذلك يتم النظر في المصادر التي تعنى به قصد تكوين صورة واضحة عن حياته. وإذا لم يتوافر ديوان الشاعر فإن جمع شعره يقوم مقام ديوانه وهكذا فإنني منذ عزمت على دراسة شعر عوف بن عطية كثفت جهودي في البحث عن ديوانه، فحرثت فهارس مكتبات العالم العربي والإسلامي، واطلعت على ما وصلت إليه يداي من فهارس المكتبات الأوروبية، فلم أعثر له على عثير. وقد عزمت على جمع الشعر وشرحه إلى أن يقيض الله لهذا الديوان أن يظهر في إحدى خزائن العالم خاصة أن هذا الديوان قرأه ياقوت الحموي وأخذ بعضاً من شعره(3) بل إنه كان عند البغدادي في القرن الحادي عشر(4).

ونحن هنا سنحاول جمع بعض الإشارات التي وجدناها في المصادر عن ديوان عوف وعن أشعاره ثم نردف ذلك بدراسة شعره من مصادر القرنين الثاني والثالث وما بعدهما.

إن ما وصلت إليه يداي من المصادر لا يكاد يفيدنا في حل كثير من الأسئلة التي نطرحها حول ديوان عوف، فمثلاً هل وصلت نسخة من هذا الديوان إلى عصر التدوين حتى يأخذ سيبويه بعضاً من أبياتها للاستشهاد بها في الكتاب(5) ويختار المفضل بن محمد بن يعلى الضبي بعضاً من قصائده في مختاراته الموسومة بالمفضليات(6)؟ أم أنه كان قطعة من أشعار الرباب التي صنعها المفضل وحماد(7)؟ وهل كان الديوان كبيراً وضاع منه الكثير حتى وصل إلى عصر البغدادي، فوصفه بأنه كان ديواناً صغيراً يمتلكه شخصياً(8)؟ كل هذه التساؤلات وغيرها لا نجد لها جواباً.

غير أننا يمكن أن نقول بأن شعر عوف بن عطية قرأه السهيلي وهو من علماء القرن السادس الهجري قراءة دقيقة ومتفحصة مما دعا به أن يجعله دليلاً على حكم أصدره في شأن القذف بالنجوم. قال السهيلي: معلقاً على ابن هشام على أن القذف بالنجوم معروف قديماً، وهو موجود في أشعار القدماء من الجاهليين، منهم "عوف بن عطية، وأوس بن حجر، وبشر بن أبي خازم، وكلهم جاهلي. وقد وصفوا الرمي بالنجوم وأبياتهم مذكورة في مشكل ابن قتيبة في تفسير سورة الجن"(9).

وبالإضافة إلى السهيلي نجد ياقوت الحموي، وهو من علماء القرن السابع الهجري يقرأ شعر عوف بن عطية ليستقي منه مادة معجمه. يقول في معرض حديثه عن الرشاء: "والرشاء ممدود، اسم موضع وهو حرف غريب نادر ما قرأته إلا في شعر عوف بن عطية":

نقود الجياد بأرسانها يضعن ببطن الرُّشاء المهارا(10)

فياقوت الحموي هنا يقرأ شعر عوف بن عطية، ويلاحظ غرابة هذا الحرف وندرته، فلم يقرأه إلا في شعر عوف على الرغم من قراءاته الواسعة لأشعار العرب قديمها وحديثها.

والحاصل أن شعر عوف يقرأ في قرنين متتاليين عن عالمين جليلين، وهذا مما يطمئننا على أن شعر عوف كان يقرأ في تلك القرون، ويحظى باهتمام علمائها.

وتمر الأيام والليالي ولا نجد من يتحدث عن شعر عوف أو عن ديوانه حتى نصل إلى القرن الحادي عشر، حيث البغدادي وخزانته. فنجد أنه اعتمد ديوان عوف مصدراً من مصادر تأليف خزانته ويعدده ضمن عشرات الدواوين وكتب الاختيار والنقد والبلاغة والنحو وغيرها(11). ويعتبر البغدادي المؤلف الوحيد الذي أشار إلى ديوان عوف في أماكن عدة.

فمن ذلك مثلاً تعليقه على بيت ينسب إلى عوف:

فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ومهما تشأ منه فزارة تمنعا

يقول: "البيت غير موجود في ديوان ابن الخرع وإنما هو من قصيدة للكميت بن ثعلبة أوردها أبو محمد الأعرابي في ضالة الأديب"(12).

وهذا الديوان الذي رأينا البغدادي يشير إليه هنا في محاولة لتوثيق شعر عوف نجده في مكان آخر من كتابه يصفه وصفاً دقيقاً، بل إن هناك إشارة أخرى دقيقة ونادرة في الوقت نفسه، وهي قوله بأنه يتوفر على هذا الديوان وهو في حوزته، وضمن مكتبته، يقول: "وله ديوان صغير وهو عندي"(13).

وفي هذه العبارة ما فيها من الدقة والأمانة العلمية، وهي تنم عما كان يحظى به علماؤنا القدامى من نزاهة وصدق في وصف الأشياء ونعتها بأوصافها حتى لا يؤخذ عليهم أي مأخذ في حياتهم العلمية والاجتماعية.

غير أن هناك إشارة من البغدادي ربما تفيدنا في بناء ملاحظات أخرى وهي قوله: قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري في شرح ديوانه(14)- أي ديوان عوف بن عطية- وعلى هذا الأساس نتساءل قائلين: هل كان البغدادي يتوفر على الديوان كما أشار هو عينه بالإضافة إلى نسخة مشروحة أخرى؟ أو أن الديوان والشرح كانا في نسخة واحدة؟

والراجح عندي أن البغدادي كان يتوفر على نسخة من ديوان عوف خالية من شرح السكري، مما دعا به إلى أن يصفها بقوله: وله ديوان صغير وهو عندي15). ثم نسخة منفردة بشرح السكري لأننا لا نجد أية إشارة تفيد بأن نصوص الديوان كانت مشروحة ضمن نسخة الديوان مما دعا بنا أن نجنح إلى هذا الرأي حتى تثبت الدلائل عكس ذلك.

إن مقولة البغدادي: وله ديوان صغير وهو عندي، تثبته الدلائل المادية، ذلك أن ما جمعناه من شعر يعطينا صورة تقريبية عن كون هذا الديوان كان ديواناً صغيراً بحكم ما كان يجمع بين دفتيه من شعر، فمقداره حسب ما أحصيت وجمعت قد لا يزيد كثيراً على 130 بيتاً. وهو قليل جداً إذا ما قورن بغيره من الشعراء، وبمركزه الاجتماعي الذي يحتم عليه أن يكون اللسان الوحيد لقبيلته المدافع والذاب عن حماها وعرضها، وخاصة أن المصادر تصفه بأنه كان أحد شعراء العرب وفرسانها(16).

والذي نصل إليه بعد هذا العرض أن ديوان عوف بن عطية كان موجوداً في القرن الحادي عشر الميلادي عند البغدادي، وهو ديوان صغير وذكر له شارحاً شهيراً هو السكري الحسن بن الحسين المولود سنة 212ه والمتوفى سنة 275ه. وهو من العلماء الذين خلطوا بين المذهبين: البصري والكوفي(17). فقد روى عن أبي حاتم السجستاني والعباس بن الفرج الرياشي، وعن محمد بن حبيب ويعقوب بن السكيت، وقد اشتهر السكري بكثرة الجمع والاستقصاء حتى قالوا عنه أنه: "كان إذا جمع جمعاً فهو الاستيعاب والكثرة"(18).

وعرفوه بأنه: "الراوية الثقة المكثر"(19). وقد عرف السكري بشرحه للدواوين المفردة ودواوين القبائل، فقد ذكر أبو الفرج محمد بن اسحاق المتوفى سنة 385 هجرية، في الفهرست ثمانية وعشرين ديواناً من القبائل، وكلها منسوبة إلى صانعها، وهو في أكثرها أبو سعيد السكري ما عدا ديواناً واحداً نسبه إلى ابن الكلبي. ولم يذكر من بينها أي ديوان للرباب، كما فعل الآمدي، ولعل أشعار الرباب التي ذكرها الآمدي لم تصل إلى ابن النديم، إلا أن يكون قصد بها أشعار تميم، وهو احتمال ضعيف جداً ويقوي ضعف هذا الاحتمال أن ابن النديم حينما ذكر الدواوين المفردة التي صنعها السكري لم يذكر من بينها ديوان عوف بن عطية.

ونتبين من الإشارات التي وصلت إلينا أن السكري كان في شرحه لديوان عوف راوية وشارحاً في الوقت نفسه، فقد اعتمد على الخلفية التاريخية قبل أن يشرح الأبيات. فقال في تبيان المناسبة التي قيلت فيها قصيدته الميمية:

هما إبلان فيهما ما علمتم فأدوهما إن شئتم أن نسالما

"أقبل أهل بيت من ربيعة بن مالك بن زيد مناة وهم بنو الأعشى حتى نزلوا وسط الرباب، فأغار عليهم بنو عبد مناة بن بكر بن سعد بن ضبة، فأخذوا إبلهم فقال بنو الأعشى انظروا رجلاً من الرباب له منعة وعز فادعوا عليه جواركم لعله يمنعكم أو تلبسوا بين القوم شراً، فأتوا عوف بن عطية بن الخرع فقالوا يا عوف أنت والله جارنا، وقد أخبرنا قومنا أنا نريدك فانطلق عوف إلى عبد مناة فقال أدوا هؤلاء إبلهم فأخذوا يضحكون به فقالوا إن شئت جمعنا لك إبلاً وإن شئت عقلنا لك فقال: أما عندكم غير هذا. فقالوا: لا. فانصرف عنهم فقال لبني الأعشى اتبعوا مصادر النعم حتى إذا أوردوا قال: يا بني الأعشى لا تقصروا خذوا مثل إبلكم فأخذوا ثم انطلقوا حتى نزلوا معه على أهله فجاءه بنو عبد مناة فقالوا يا عوف ما حملك على ما صنعت قال الذي صنعتم حملني. فأخذ يلعب بهم، وقال: إن شئتم جمعنا لكم وإن شئتم عقلنا لكم"(20).

ولا أخال أن فهم هذه القصيدة يكون بمنأى عن المناسبة التي قدمها السكري.

وإلى جانب اهتمام السكري بالأخبار التاريخية وعدّه إياها ركيزة أساسية من الركائز التي يجب أن يعتمد عليها في فهم معاني الشعر واستكناه خلفياته فإنه كان يعتمد كذلك على الجوانب اللغوية والنحوية، ونرى أمثلة لذلك فيما أورده لنا البغدادي من شرح لأبيات الميمية. قال: وقوله: "وإن شئتم ألقحتم، قال السكري: يقول: إن شئتم فردوها أو تلقحونها ونتنجونها وتردونها بأولادها. وعين بعين: أي ردوها بأعيانها حتى نردها بأعيانها. ويقال: قد نتجت الفرس أو الناقة فهي منتوجة، وفرس نتوج في بطنها ولد"(21).

ثم يضيف، قال السكري: إن صار الأمر على عقل أخيكم الذي أخذت إبله فاعقلوا بنات المخاض والبكار المقاحم، أي اجمعوا له الرذالة فادوها إليه، وهذا هزء بهم.

وقوله: جزيت بني الأعشى، قال السكري: "المخاض: الحوامل، واحدتها خلفة. واللقاح: ذوات الألبان واحدتها لقحة، بكسر فسكون. ويقال أيضاً لقوح والجمع لقح. والروائم: جمع رائم وهي التي أحبت ولدها وعطفت عليه، يقال قد رئمته أمه رئماناً، ورأمُها: ما عطفت عليه من ولد غيرها أوبو"(22).

وعلى هذا النسق يمضي أبو سعيد السكري في شروحه كلها مولياً النواحي اللغوية والنحوية أهمية كبرى. أما الشرح الأدبي فإننا لا نظفر منه إلا ببعض الإشارات القليلة كأن يفسّر اليبت بإجمال ولكنه سرعان ما يعود إلى شرح الكلمات وذكر أقوال جهابذة اللغة من العلماء(23).

وعلى هذه الصورة التي رأينا عليها هذا الاستشهاد، واعتماداً على الإشارات الطفيفة التي قدمناها من خلال نقلنا عن البغدادي الذي كان يمتلك نسخة من الديوان فإننا نرى أن السكري في شرحه لديوان عوف قد اتبع نفس المنهج الذي اعتمده في شروحه التي وصلت إلينا ومن أشهرها شرح أشعار الهذليين ثم شرحه لديوان كعب بن زهير.

2-رواية شعره:

لم نجد في المصادر التي رجعنا إليها أية أخبار توضح لنا كيفية وصول شعر عوف بن عطية إلى القرن الثاني الهجري حتى يستشهد به سيبويه في كتابه ويختار منه المفضل في مختاراته. فإننا مع ذلك نعتقد أن شعر عوف قد وصل إلى عصر التدوين عن طريق الرواية. ففي القرن الأول لا نجد شيئاً عن رواية شعر عوف حتى نصل إلى القرن الثاني الهجري، فنرى الآمدي يقول: ووجدت في أشعار الرباب عن المفضل وحماد(24). وهذه الإشارة قد تحتمل أن ديوان الرباب كله عن المفضل وحماد، وقد تعني أن في هذا الديوان شعراً عنهما كان من جملته هذا الشعر الذي أورده(25).

فهذان الراويتان قد صنعا شعر الرباب ونرجح أن يكون ديوان عوف ضمن أشعار الرباب، لأن كتاب القبيلة أو ديوانها كان يضم بين دفتيه قصائد كاملة ومقطعات صغيرة، وأبياتاً متفرقة لشعراء تلك القبيلة أو لبعض شعرائها وربما ضم أكثر شعر هؤلاء الشعراء، بل ربما ضم جميع شعر شاعر منهم وديوانه كاملاً، ثم يضيف إلى ذلك من الأخبار والنسب والقصص والأحاديث ما يتصل بالشاعر نفسه أو بأفراد قبيلته وما يوضح مناسبات القصائد ويفسر بعض أبياتها ويبين ما فيها من حوادث تاريخية(26).

إن مقولة الآمدي السابقة لا توضح ما إذا كان ديوان الرباب من صنعة حماد والمفضل ومن جمعهما مع أن هناك من يثبت: "أن كُتب القبائل كانت مكتوبة معروفة قبل مطلع القرن الثاني الهجري، وأن الرواة من رجال الطبقة الأولى في القرن الثاني قد وصلتهم هذه المدوّنات من القرن الأول الهجري فاعتمدوها مصدراً من مصادر تدوينهم لنسخهم التي نسبت روايتها إليهم"(27).

وعلى هذا فأنا أرجح أن يكون حماد والمفضل من رواة شعر عوف، ومن الذين أوصلوه إلى عصر التدوين، ويؤيد هذا الترجيح أن المفضل اختار مما نعتقد أنه رواه ثلاث قصائد تكون الجزء الأكبر من شعره وأثبتها في مختاراته، وهذا الجزء هو الذي يكون الرواية الكوفية لشعر عوف. تنضاف إليه رواية حماد على الرغم من أننا لم نجد له أي شعر يرويه رواية مباشرة.

أما الرواية البصرية فيمثلها الأصمعي، عبد الملك بن قريب (ت 216) هجرية، ونعتقد أن ما أثبته في الأصمعيات يمثل تلك الرواية البصرية، وقد أثبت قصيدتين لم يثبتهما المفضل، وإن كان قد اجتزأ إحداهما وترك منها بعض الأبيات، فقد روى قصيدة عوف التي يبدؤها بقوله:

هما ابلان فيهما ما علمتُمُ فأدوهما إن شئتم أن نسالما

فهي عنده ثلاثة عشر بيتاً(28). ولكن البغدادي في الخزانة يقول معلقاً على شطر بيت من القصيدة: "والشعر الثاني هو لعوف بن عطية بن الخرع التيمي والمصراع أول قصيدة عدتها سبعة عشر بيتاً"(29). فالأصمعي قد يكون له رأي في تلك الأبيات، كأن يعدّها منحولة على عوف فلا يثبتها في روايته لأنه عالم البصرة المتفحص، والذي يعتمد على شروط دقيقة في رواية الشعر من دون تكثر ولا زيادة. ولم يقتصر الأصمعي على رواية ما أثبته في الأصمعيات، بل نجد إشارة أخرى تثبت أنه روى كذلك رائية عوف الطويلة والشهيرة والتي رواها المفضل وأثبتها في اختياراته.

ففي شرح التبريزي على المفضليات بعدما أثبت رواية المفضل للبيت:

أحيي الخليل وأعطي الجزيل ومالي أفعل فيه اليسارا

فيردفها مباشرة بقوله: رواية الأصمعي:

أحابي الخليل وأعطي الجزيل ومالي أفعل فيه اليسارا(30)

وهذه الرواية منسوبة إلى أحمد بن عبيد ينسبها إلى الأصمعي، كما ذكر الأنباري في شرحه(31).

وإلى هنا نكون قد وضعنا أيدينا على روايتين لشعر عوف: الأولى بصرية، وهي رواية الأصمعي عبد الملك بن قريب رأس مدرسة البصرة، والرواية الثانية كوفية، وهي عن عالمين جليلين من علماء الكوفة هما المفضل الضبي العلم المحقق، وحماد الراوية شيخ مدرسة الكوفة إلى جانب صديقه المفضل. ومن هاتين الروايتين جمع السكري ديوان عوف وشرحه في القرن الثالث الهجري وبقي هذا الشرح متداولاً حتى وصل إلى خزانة البغدادي في القرن الحادي عشر الهجري الذي كان البغدادي يعيش فيه، فيصفه بأنه كان ديواناً صغيراً ثم يأخذ عن شرح السكري لهذا الديوان في بعض الأماكن من تأليفه ذاك.

3-شعره في القرنين الثاني والثالث:

رأينا فيما سبق أن الآمدي يذكر في كتابه المؤتلف والمختلف أن حماداً والمفضل قد صنعا أشعار الرباب، وساعتها رجحنا أن يكون ديوان عوف بن عطية ضمن ذلك المجموع. إلا أننا عرفنا أكثر أن ديوان عوف وجد عند البغدادي في القرن الحادي عشر الميلادي، وأن السكري هو شارح ذلك الديوان، وإن كنا الآن لا نتوفر إلا على ما حملته لنا المصادر المختلفة، ولا ندري هل نقلت تلك المصادر أبياتاً لعوف أو قصائد لم ترد في الديوان، ذلك لأن صنع ديوان جاهلي أو إسلامي، لم يكن يضم شعره كله، وإنما يضم في الغالب ما اختاره صانع الديوان أو ما وقع له عن طريق رواة معينين وبذلك تبقى بعض القصائد أو الأبيات متناثرة في الكتب والمصنفات المختلفة ولا وجود لها في الديوان نفسه(32).

ولهذا لا بد أن نتبع هذه المصادر لا من حيث نوعها أو موضوعاتها وإنما بالنسبة إلى ظهور هذا الشعر فيها تاريخياً لنرى كيف تدرج ظهور شعر عوف في تلك المصادر، وهذه النظرة التاريخية إلى مصادر شعر عوف تقدم فائدة جلى لدراسة المنحول من شعره، ذلك لأنها تضع بين أيدينا على الأقل نوع المصادر التي أوردته واهتمت بروايته.

وقد أفردنا مصادر القرنين الثاني والثالث، لأنها صنعت في الفترة التي صنع فيها ديوان الرباب أو ديوان عوف، أو كان بعضها قريب العهد من صنع هذا الديوان. ثم لأن هذه الكتب كانت موضعاً ثراً لما بعدها من مصنفات. وهذا ما يدعو إلى شيء من العناية في دراسة هذه المصادر وخاصة منها تلك التي أوردت طائفة كبرى من شعر عوف.

وأقدم ما بين أيدينا من المصادر يعود إلى القرن الثاني الهجري أمثال الكتاب لسيبويه (ت180) هجرية، والمفضليات للمفضل الضبي (ت 178) هجرية. ومعروف أن مؤلف سيبويه ذو طبيعة نحوية، يرغب صاحبها في معرفة وإيجاد الشاهد للقاعدة التي يريد أن ينشئها، ومن هنا فإن أي شعر لا يجد فيه النحوي المثال الذي يبحث عنه لا يدرجه أبداً في مؤلفه، ولذلك فإننا لا نجد في كتاب سيبويه من شعر عوف إلا أبياتاً قليلة وهي ثلاثة أبيات أحدها من الرائية الشهيرة، وثانيها من أبياته الدالية المبدوءة بقوله:

هلا فوارس رحرحان هجوتهم عشراً تناوح في سرارة وادي

وقد نسب البيت إلى النابغة الجعدي، وهو ثابت النسبة لعوف في جميع المصادر التي ذكرته. وبيت ثالث هو:

فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ومهما تشأ منه فزارة تمنعا

والبيت مختلف في نسبته من عوف بن عطية إلى الكميت بن معروف أو الكميت بن ثعلبة. وواضح عدم التحري والدقة في إثبات هذه الأبيات، فقد أصاب سيبويه في أولهما وأخطأ في ثانيهما، وخلط في الثالث إذ نسبه إلى عوف وهو مختلف النسبة، وعذره أنه عالم قواعد يبحث عن المثل والشاهد ولا يهتم بصحة نسبة البيت إلى صاحبه الأصلي.

وأما المصدر الثاني فهو ديوان المفضليات من كتب الاختيار وهي أقدمها إذ لم يختر أحد شيئاً من الشعر وجمعه في مجموعة مستقلة قبله إلا ما يمكن أن يقال عن أمر المعلقات(33).

وصاحب هذه الاختبارات هو المفضل بن محمد بن يعلى الضبي، رأس علماء الكوفة.

ولسنا هنا بصدد دراسة المفضليات والاعتناء بصاحبها لأن أمرهما مشهور ذائع الصيت(34)، وإنما يعنينا منها ما أورده من أشعار عوف بن عطية. فقد أورد المفضل في اختياراته ثلاث قصائد أولاها الرائية الشهيرة وعدة أبياتها اثنان وأربعون بيتاً، أضفنا إليها بيتاً آخر وجدناه في كتاب الخيل لأبي عبيدة معمر بن المثنى. ثم ذكر له قصيدتين رائيتين كذلك، وتعداد كل قصيدة سبعة أبيات. وعلى هذا يعتبر المفضل في المرتبة الأولى من حيث رواية شعر عوف إذ بلغ إجمالي ما أثبت له 56 بيتاً وهو مقدار لا بأس به، وكله صحيح النسبة لعوف.

وعلى كل فإن مصادر القرن الثاني على قلتها لم يظهر فيها الوضع، وما رأيناه عند سيبويه لا يعدو خطأ في نسبة الشعر إلى صاحبه الحقيقي، وهذا النوع لا يضر بقيمة الشعر وتوثيقه.

أما في القرن الثالث فعلينا أن نتوقع مزيداً من المصادر إذ بلغت حركة التأليف ذروتها ووصلت إلى مرحلة كبيرة من النضج. فبرز إلى حيّز الوجود رواة مصنفون في النحو واللغة والأدب والتاريخ. وفي هذا القرن نجد من المصادر: معاني القرآن للفراء (ت 204) هجرية، والنقائض ومجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 210) هجرية، والأصمعيات والخيل للأصمعي، عبد الملك بن قريب (ت 216) هجرية، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي (ت 232) هجرية، وتهذيب الألفاظ والإبدال لابن السكيت (ت 244) هجرية، والحيوان والبيان والتبيين والبرصان والعرجان للجاحظ (ت 255) هجرية، ومعاني الشعر للأشنانداني (ت 256) هجرية، والمعاني الكبير وأدب الكاتب وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ت 276) هجرية، والكامل والمقتضب للمبرد (ت 285) هجرية، ومجالس ثعلب (ت 291) هجرية.

وهذه المصادر تمتاز بكونها ألفت في القرن الذي جمع فيه السكري (ت 275) ه، ديوان الشاعر وشرحه، ولذلك فقد أوردت معظم ما جمعناه من شعر لعوف وكررت بعض الأبيات من رائيته الطويلة، ومع ذلك فقد بقي عليها بعض أشعار عوف لم تذكرها مما ستذكره المصادر التي سنتحدث عنها لاحقاً.

وهذه المجموعة من المصادر موثقة ورواتها ومؤلفوها ثقات مبرزون وعلى رأس هؤلاء الأصمعي رأس مدرسة البصرة. ومحمد بن سلام الجمحي الذي قدم لكتابه بمقدمة قيمة تعرض فيها لنظرية انتحال الشعر ومضى يطبق آراءه في المقدمة على شعر الشعراء داخل متن الكتاب. ولم يكن عوف ممن تعرض للوضع والانتحال إذ لم يتحدث عن هذا الموضوع في ترجمته له واستعراض أخباره وأشعاره(35).

والذي نجده في هذه المجموعة ممن يشير إلى الوضع في شعر عوف هو أبو عبيدة، وكان ذلك في أبياته الدالية:

هلا فوارس رحرحان هجوتهم عشراً تناوح في سرارة وادي

والبيتان:

ما زال حينكُم ونقص حلومكم حتى بلوتم كيف وقع الأسود

وقبائل الأحلاف وسط بيوتكم يعلُون هامكم بكل مُهنّد

ومهما يكن من أمر فإن أهم المصادر على الإطلاق هي كتب الأصمعي، فقد أورد في أصمعياته اثنين وعشرين بيتاً. وأورد بيتاً وعجز بيت من الرائية الطويلة التي في المفضليات. وما أورده في الأصمعيات جديد كله لم يرد في مصادر القرن الثاني. ثم يلي ذلك كتب ابن قتيبة وقد أورد له أربعة وعشرين بيتاً، أغلبها من الرائية الطويلة المفضلية. والأبيات الثلاثة التي توجد في النقائض، وأبيات ثلاثة من الأصمعية (هما ابلان فيهما ما علمتم..)

والجديد في كتب ابن قتيبة، بيت واحد هو:

ولقد أراك ولا تؤبن هالكاً عدل الأصرة في السنام الأكوم

وعجز بيت هو: (شدوا المطي على دليل دائب). وفيه بيت منسوب إلى عوف بن الأحوص وينسب لابن الخرع. وتقسيم ذلك يكون على النحو التالي: تسعة عشر بيتاً في المعاني الكبير، وبيتان في أدب الكاتب، وثلاثة أبيات في تأويل مشكل القرآن. وابن قتيبة موثق أيضاً، قال فيه البغدادي: "كان رأساً في العربية والأخبار وأيام الناس، ثقة ديناً فاضلاً"(36).

ويلي ذلك كتب أبي عبيدة إذ أورد ثلاثة عشر يبتاً في النقائض وبيتاً واحداً في مجاز القرآن، وقد لاحظنا سابقاً أن أبا عبيدة شكك في بعض الأبيات التي أوردها لعوف.

ويلي ذلك كتب الجاحظ إذ أورد لعوف ستة أبيات في البيان والتبيين وأربعة أبيات في البرصان وبيتين في الحيوان. وأغلب تلك الأبيات لم ترد في مصادر القرن الثاني ولا في المصادر التي تحدثنا عنها سابقاً.

والجاحظ موثق أيضاً وكتبه: "تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً"(37).

ثم يأتي ابن السكيت في كتابيه، إذ أورد لعوف ستة أبيات في تهذيب الألفاظ وبيتاً واحداً في كتاب الابدال، وكلها أبيات قد وردت في المصادر السابقة، ومثلها ما أوردته باقي مصادر القرن الثالث. فالمبرد أورد بيتاً في الكامل وبيتاً آخر في المقتضب. وابن سلام أورد خمسة أبيات في الطبقات. وأربعة أبيات في مجلس ثعلب ولم ينسبها لعوف. وهي الأبيات الدالية الشهيرة التي وردت في النقائض وطبقات فحول الشعراء، وبيتاً في معاني القرآن للفراء، وأخيراً يأتي الأشنانداني ببيت يتيم في كتابه معاني الشعر من دون أن ينسبه إلى عوف.

4-شعره في مصادر ما بعد القرن الثالث:

لقد رأينا حينما كنا نستعرض مصادر شعر عوف في القرنين الثاني والثالث أن هذه المصادر كانت كتب اللغة والأدب، أما في القرن الثالث فقد أصبحت مصادر شعر عوف تضم أنواعاً متعددة منها ما له صلة بموضوعات الشعر العربي القديم ومنها ما له صلة بنحو اللغة أو صرفها أو ألفاظها ومنها ما يتصل بمواضع الجزيرة العربية إلى غير ذلك.

وإذا أردنا أن نبحث عن شعر عوف في مصادر ما بعد القرن الثالث فعلينا أن نتجه إلى كتب اللغة والأدب أمثال كتب الأمالي والتراجم والمعاجم وما إليها. وبعدها ننظر في كتب التاريخ، كتاريخ ابن جرير الطبري، وثمة جزئيات قد نبحث عنها في المصادر التي تعنى بمواقع جزيرة العرب، أمثال معجم البلدان لياقوت الحموي، ومعجم ما استعجم للبكري إلى غير ذلك من أمثال هذه المصادر.

وسنلقي نظرة تاريخية سريعة على تلك المصادر، نحاول من خلالها أن نقف على تدرج ظهور شعر عوف خلال هذه القرون كالذي صنعنا في مصادر القرنين الثاني والثالث.

في القرن الرابع بلغ التأليف مرحلة النضج الكامل، فظهرت المصادر الكبرى الجامعة في مختلف أنواع التأليف يومئذ سواء في اللغة أو في الأدب أو في التاريخ أو التفسير إلى غيرها. ثم ظهرت مرحلة تالية على التأليف وهي مرحلة الشروح على المختارات في القرن الثاني وكذا كتب النحو. ومن ذلك شرح المفضليات لابن الأنباري. وعلى أساس من ذلك نعدد مصادر القرن الرابع على النحو التالي: تاريخ الأمم والملوك وجامع البيان في تفسير القرآن للطبري (ت 310) هجرية، وكتاب الاختيارين للأخفش (ت 311) هجرية، والاشتقاق والجمهرة لابن دريد (ت 321) هجرية، وشرح أبيات سيبويه لابن النحاس (ت 328) هجرية، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (ت 356) هجرية، والموازنة للآمدي (ت 370) هجرية، ومعجم الشعراء للمرزباني (ت 370) هجرية، والأنوار ومحاسن الأشعار للشمشاطي (ت 380) هجرية، والأشباه والنظائر للخالديين (ت 380-390) هجرية، والخصائص لابن جني (ت 392) هجرية، والصحاح للجوهري (ت 393) هجرية، والصاحبي في فقه اللغة للثعالبي (ت 395) هجرية.

وفي مصادر القرن الرابع ما يعيد ويكرر ما أوردته مصادر القرنين الثاني والثالث، ومنها ما يضيف جملة جديدة من أشعار عوف. فالأخفش في كتابه الاختيارين يضيف قصيدة كاملة تعداد أبياتها ثلاثة عشر بيتاً لم ترد في المفضليات ولا في الأصمعيات، وهي في وصف الفرس.

وابن دريد يضيف بيتاً:

شدوا المطي على دليل دائب من أهل كاظمة بسيف الأبحر

ثم يضيف بيتاً آخر ينسبه لذؤيب بن كعب. أما المرزباني فيثبت له ثلاثة أبيات في معجم الشعراء. ونصل إلى الشمشاطي وهو من علماء القرن الرابع فينسب له ثلاثة أبيات وهي أبيات ثابتة النسبة شهيرة الرواية لقيس بن الأسلت ضمن مفضليته الشهيرة.

ومهما يكن من أمر فالبقية من مصادر القرن الرابع إنما توثق وتزيد من تخريج أشعار عوف التي رأيناها في مصادر القرنين الثاني والثالث. وهي كلها مصادر موثوق بها. ولا تضيف أي موضوع من مضوعات شعر عوف إلا ما كان من القصيدة التي أثبتها الأخفش وهي في وصف الفرس وهو امتداد لوصف فرسه في رائيته الطويلة.

وفي القرن الخامس نلتقي بمجموعة من مصادر اللغة والنقد والأدب وعلوم القرآن أمثال: إعجاز القرآن للباقلاني (ت 403) هجرية، والممتع للنهشلي القيرواني (ت 430) هجرية، والإيناس في علم الأنساب لابن المغربي (ت 418) هجرية، وأنساب الخيل للأسود الغندجاني (ت 430) هجرية، وأمالي المرتضى (ت 436) هجرية، والمخصص لابن سيده (ت 458) هجرية، والعمدة لابن رشيق (ت 456) هجرية، وشرح أبيات الكتاب للشنتمري (ت 486) هجرية، وسمط الآلئ ومعجم ما استعجم للبكري (ت 483) هجرية، والإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب للفارقي (ت 487) هجرية، ومواد البيان لعلي بن خلف الكاتب (من علماء القرن الخامس).

وهذه المصادر لا تضيف أي جديد لشعر عوف بن عطية سوى ما نجده عند الأسود الغندجاني إذ أثبت له بيتاً لم تروه المصادر في القرون السابقة. والبيت يذكر فيه اسم فرس قيس بن حسان وفخره بها، وهو بيت لم نجد له ذكراً فيما حصلنا عليه من مصادر.

أما البكري فقد نسب له بيتاً لم تنسبه له المصادر السابقة وهو قوله:

ألم أظلف عن الشعراء عرضي كما ظلف الوسيقة بالكراع

بل هو شهير النسبة إلى عوف بن الأحوص.

وفي القرن السادس تصادفنا جملة من المصادر أمثال: محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني (ت 502) هجرية، وشرح المفضليات والكافي في العروض والقوافي للتبريزي (ت 502) هجرية، والاقتضاب في شرح أدب الكتاب للبطليوسي (ت 521) هجرية، وأساس البلاغة للزمخشري (ت 538) هجرية، وشرح أدب الكاتب للجواليقي (ت 539) هجرية، وأمالي ابن الشجري (ت 542) هجرية، وسرقات المتنبي لابن بسام (ت 542) هجرية.

وجميع هذه المصادر تكتفي بتكرار أشعار عوف الواردة في المصادر التي تحدثنا عنها في القرنين الثاني والثالث، وكلها تنسب الأبيات نسبة صحيحة إلى عوف أو تذكرها من دون أن تنسبها إلى شاعر معين، إلا ما كان من الراغب الأصبهاني حينما روى بيت عوف:

لها حافر مثل قعب الوليد تتخذ الفأر فيه مغارا

لعوف بن الوليد وهو شخص لا نعرف عنه أي شيء. كما نسب بيته:

وتكر أولاهم على أخراهم كر المحلأ عن خلاط المصدر

لقيس بن عطية.

ونصل إلى القرن السابع فلا نعثر على مصادر كثيرة ولا على أشعار كثيرة، فطبيعة هذه المصادر أنها شروح لمؤلفات قديمة، كشرح المفصل لابن يعيش (ت 643) هجرية، والرضي علي الكافية (ت 686) هجرية، أو أنها مصادر تبحث في البلدان، كمعجم البلدان لياقوت الحموي (ت 626) هجرية، وآخر هذه المصادر، الضرائر لابن عصفور (ت 663) هجرية.

وأغلب هذه المصادر إنما يذكر البيت أو البيتين، وأهمها على الإطلاق هو معجم البلدان لياقوت الذي نستدل من بعض تعليقاته على الأبيات أنه قرأ شعر عوف في تلك الفترة أي في القرن السابع الهجري.

أما في القرن الثامن فتتضاءل المصادر إلى أن تصل إلى ثلاثة فقط، وهي لسان العرب لابن منظور الذي أورد لعوف خمسة عشر بيتاً بعضها منسوب إليه والبعض الآخر غير منسوب. وكلها أبيات مذكورة في المصادر السابقة وليس فيها أي جديد. ونهاية الأرب للنويري (ت 733) هجرية، يذكر له بيتاً من الرائية الطويلة من دون أن ينسبه إليه. وتأتي التذكرة السعدية للعبيدي لتتحفنا ببيت جديد لم نعثر عليه في المصادر التي تحدثنا عنها سابقاً. وهو بيت من أبيات ذكرها الجاحظ ولكنه لم يثبته، وقد أثبته العبيدي مع بيت آخر من تلك الأبيات وعنه نقلناه. والظاهر أنه كان ساقطاً من رواية الجاحظ للأبيات، وبقي في محفوظ غيره حتى وصل إلى القرن الثامن فأثبته العبيدي في مكانه. والبيت في ذكر أعداء قوم الشاعر فإنهم جاؤوا قصد الاعتداء، ولكنهم لم يظفروا بما جاؤوا راغبين فيه. وكم من واحد يأتي إلى سفاهة وهو عالم بأنه لا يستطيع الظفر بما يطلب.

وإذا انتقلنا إلى القرن التاسع فلا نظفر إلا بمصدر واحد هو المقاصد النحوية للعيني (ت 855) هجرية وهو لا يذكر إلا البيت المنسوب إلى عوف:

فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ومهما تشأ منه فزارة تمنعا

وينسبه للكميت بن معروف. وهذا كل ما نجده في ذكر لشيء له علاقة بشاعرنا.

وفي القرن العاشر نلتقي بمصدرين وهما همع الهوامع للسيوطي (ت 911) هجرية، وهو يذكر عجز بيت عوف المنسوب له (فمهما تشأ منه فزارة..) من دون أن ينسبه إلى شاعر بعينه، كما يذكر عجز بيته الآخر: (وذكرت من لبن المحلق شربة..) والبيت شهير النسبة إلى عوف، إلا أن السيوطي يذكر العجز غفلاً من أي نسبة. وشرح ألفية ابن مالك للأشموني (ت 929) هجرية فلم يثبت إلا بيت عوف المختلف النسبة وينسبه للكميت بن معروف. وكل الإضافات في القرن العاشر لا تزيد أي جديد، وليست لها قيمة علمية كبيرة إلا ما يمكن أن نسجله من حضور لشعر عوف في ذاكرة علماء هذا القرن.

أما في القرن الحادي عشر فتبرز خزانة الأدب للبغدادي (ت 1093) هجرية وحيدة فريدة، ولكنها مع ذلك مصدر عزيز نادر لشعر عوف، ولا يتجلى ذلك في أنها قدمت لنا أشعاراً جديدة، بل أنها لم تقدم شيئاً من ذلك على الإطلاق، إلا أن مصدر أهميتها وندرتها يعود إلى أن صاحبها كان يمتلك نسخة خطية صغيرة لديوان عوف وهي بشرح السكري، وقد أشار إلى عدم وجود بعض الأبيات في ديوان الشاعر، كما أفادنا بأن الأصمعية التي رواها في ثلاثة عشر بيتاً عدتها سبعة عشر بيتاً، ولكن هذه الأبيات وهي بحكم الأربعة ضائعة لم نجدها في المصادر التي جمعنا منها شعر عوف، وبذلك تكون خزانة الأدب من المصادر الهامة التي أشارت إلى ديوان عوف كما رأينا سابقاً.

وأخيراً نلقي نظرة على مصادر القرن الثالث عشر. فنلتقي بتاج العروس في شرح القاموس للمرتضى الزبيدي (ت 1205) هجرية، وحاشية الصبان علي الأشموني (ت 1206) هجرية. وهذان المصدران لا أهمية لهما إذ ورد كل ما أثبتناه من شعر في المصادر السابقة، ثم إننا لا نصادف أي ذكر لديوان الشاعر فيهما فبذلك تتضاءل قيمتها من حيث جمع شعر عوف وكذلك معرفة أخبار ديوانه. ومن هنا تبقى الإشارة الوحيدة لديوان عوف هي ما تحدثنا عنه في مصادر القرن الحادي عشر حينماً رأينا أن البغدادي كان يمتلك نسخة منه.

وتبقى أخبار هذا الديوان مرتبطة بتلك الفترة وحتى أيامنا هذه، ولا ندري متى تتحفنا الأيام بهذا الديوان لنغير جميع الآراء ونطلق الحكم الفصل في كل ما قدمناه سابقاً.

***

الهوامش:

(1)-هو عوف بن عطية بن الخرع، والخرع لقب جده عمرو بن عبس، شاعر مفلق وفارس وسيد من سادات تيم الرباب.

انظر طبقات فحول الشعراء 1/159، معجم الشعراء 125، خزانة الأدب 3/81.

(2)-تنشر مجلة "العرب" الغرّاء، شعر هذا الشاعر ضمن حلقات متتابعة بقلم كاتب هذه السطور، وقد نشرت الحلقة الأولى منه في الجزء 7 و8، السنة 30 ضمن عدد يونيو ويوليو 1995.

(3)-معجم البلدان (الرشاء).

(4)-خزانة الأدب 3/81.

(5)-الكتاب 1/331 و2/152.

(6)-المفضليات: الأرقام 94، 95، 124.

(7)-المؤتلف والمختلف: ص 22.

(8)-خزانة الأدب 3/81.

(9)-الروض الأنف: 234-235 وتأويل مشكل القرآن: ص 334.

(10)-معجم البلدان 3/45.

(11)-خزانة الأدب 1/9.

(12)-المصدر السابق 4/560.

(13)-المصدر السابق 3/81.

(14)-المصدر السابق 3/383.

(15)-المصدر السابق 3/81.

(16)-المحكم واللسان (خرع).

(17)-الفهرست: ص 117.

(18)-معجم الأدباء 8/94.

(19)-المصدر السابق.

(20)-خزانة الأدب 3/383.

(21)-المصدر السابق.

(22)-المصدر السابق.

(23)-منهج أبي علي المرزوقي في شرح الشعر: ص 51.

(24)-المؤتلف والمختلف: ص 22.

(25)-مصادر الشعر الجاهلي: ص 545.

(26)-المصدر السابق: ص 554.

(27)-المصدر السابق: ص 558.

(28)-الأصمعيات: ص 159.

(29)-خزانة الأدب 3/383.

(30)-شرح التبريزي على المفضليات 3/1377.

(31)-شرح الأنباري على المفضليات: ص 839.

(32)-ديوان أمية بن أبي الصلت: ص 101.

(33)-مصادر الشعر الجاهلي: ص 573.

(34)-المصدر السابق: ص 573 وما بعدها. والمفضليات وثيقة لغوية وتاريخية، لعلي علام.

(35)-طبقات فحول الشعراء 1/159 وما بعدها.

(36)-بغية الوعاة: ص 291.

(37)-وفيات الأعيان 1/142.

http://awu-dam.org/trath/65/turath65-009.htm

61 Views

عن

إلى الأعلى