الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » طقوس المطر في الجزيرة السورية – أحمد الحسين

طقوس المطر في الجزيرة السورية – أحمد الحسين


طقوس المطر في الجزيرة السّورية – أحمد الحسين

الماءُ أساسُ الحياة وسرّ الخصب، ولا يمكن أن تنشأ حياة بدون المياه. قال تعالى: "وجعلنا من الماء كلّ شيء حي" (1) وفي الأمثال الشعبية الدارجة يقال: "درب المي أخضر" إشارة إلى الخصب والنمو.

وتؤكد نتائج الدراسات الأثرية. والأبحاث التاريخية أن الحضارات البشرية نشأت على ضفاف الأنهار والبحيرات (2). وإذا كان الماء قد ساعد إلى حد كبير على نشوء تلك الحضارات فإن الجفاف كان إلى جانب بعض العوامل الأخرى قد أدّى إلى زوالها وانقراضها من الوجود.

ولهذا كانت حاجة الإنسان والحيوان والنبات إلى الماء ضرورية، ولا غني عنها، فلا غرابة إذا وجدنا تراث الشعوب القديمة منها والمعاصرة، يزخر بطقوس المطر، سواء في الثقافات الشفوية أم المكتوبة.

وتروي لنا مارجريت مري: أن بعض الحركات الراقصة التي يقوم بها الأطفال الأوربيون يبدو فيها بوضوح أنها استمرار لرقصات الخصب القديمة.

وقد قدمت وصفاً لنوع من الرقص قالت: "إنه كان شائعاً حتى وقت قريب، ورجّحت أنه استمرار لتعويذة المطر، وفيه يظهر تقليد صوت العاصفة الرعدية، ويسمى أيضاً برقص العاصفة" (3).

ونستقي وصفاً آخر لطقوس المطر، واحتفالات استقباله في ساحل العاج، وذلك وفق السياق التالي: إذ تقول: "كانت هنالك حفلة كبرى للرقص في هذه الليلة لأن أمطار الموسم قد أقبلت. وكانت العاصفة قد هبّت قبل منتصف الليل، وكان القمر ما يزال كاملاً تقريباً، ولكنه كان محجبّاً وراء السحب.

وكانت مجموعة الراقصين تتألف من حوالي العشرين من الشباب عرايا إلا من الضروري. وقد علقوا في أيديهم أجراساً… وبدأ الرقص ولم يمض قليل حتى أخذ المشاهدون ينضمون إلى حلقة الرقص شيئاً فشيئاً. تقدّم الرجال المسنّون أولاً، ثم النساء المسنّات، ثم الشابات من النساء، وأخيراً الصبية الذين كانوا يستطيعون المشي بصعوبة غير أنهم كانوا قادرين على الرقص في إيقاع متقن. وبعد فترة من الزمن أصبح الراقصون أكثر انتشاءً وأخذت خطواتهم تزداد تعقيداً.

بعد ذلك أخذ جماعة من المسنين الذين يرتدون أزياء غريبة في العودة إلى وسط الحلقة. وكانوا يقبضون بأيديهم على الصنوج، وفي أفواههم نايات مختلفة ثم أخذوا يؤدّون نوعاً من الرقص الصامت [المقلّد] يمثل أوضاعاً معينةً للطيور والوحوش المختلفة.

وكان كلّ واحد منهم يمثل برقصاته حيواناً بعينه. ويصفر صفيرهُ، ويستمر الرقص وطقوسه المختلفة حتى تأخذ العاصفة بالاقتراب، وحينئذ يرتفع صياح الراقصين وفجأة تسقط أول قطرة من المطر. وعندئذ نجد الراقصين يخترقون الحلقة، ويعدون نحو الطبول، وبعد ذلك يعود الجميع إلى القرية" (4).

*نار الاستسقاء:

وفي تراث العرب الجاهليين نجد طقساً غريباً للمطر يُعرف بنار الاستسقاء، يقول الجاحظ عنها: "ونار أخرى، وهي النار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى. فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد عليهم البلاء، واشتدّ الجدب واحتاجوا إلى الاستمطار. اجتمعوا، وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها، وبين عراقيبها السّلع، والعُشر. ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران. وضجّوا بالدعاء، والتضرّع. فكان يرون أنّ ذلك من أسباب السُقّيا. ولذلك قال أميّة (5):

سنة أزمةٌ تخيّلُ بالنا

س ترى للعضاه فيها صريرا

اذ يسفُّون بالدّقيق وكانوا

قبلُ لا يأكلون شيئاً فطيرا

ويسوقون باقراً يطردُ السّهل

مهازيل خشيةً أن يبورا

عاقدين النيّران في شُكُر الأذ

ناب عمداً كيما تهيجُ البحورا

فاشتوت كلُّها فهاج عليهم

ثم هاجت إلى صبير، صبيرا

فرآها الإلهُ تُرشمُ بالقطر،

وأمسى جنابُهم ممطورا

*طقوس المطر في الجزيرة:

والجزيرة في المعاجم الجغرافية تشمل الأرض الممتدة ما بين دجلة والفرات وتسمى الجزيرة الفراتية. ويُطلق عليها جزيرة أقُور (6). ونحن هنا لا نريد الجزيرة عامة وإنما نقصر مساحة الموضوع في الجزيرة السورية. فنرصد طقوس المطر كما سجلتها الذاكرة الشعبية، واحتفلت بها الأجيال إلى عهد قريب، خاصة عندما كانت الزراعة تعتمد على مياه الأمطار. قبل التوسّع في مشاريع الري، والسدود، وحفر الآبار الجوفية (7). حيث سنصف تلك الطقوس، ونحاول الكشف عن رموزها، التي تقودنا إلى مشارف طقوس الخصب القديمة التي عرفتها حضارات بلاد ما بين النهرين، من سومرية، وأكادية. وبابلية، وغيرها.

وهذه الطقوس قد تكون للنساء، وبعضها الآخر للرجال. ويشارك فيها الأطفال كذلك. وتظهر في بعضها المؤثرات الرمزية، والايحائية، والأسطورية ولكن في إطار مسحة دينية. وقد تتفاعل هذه المؤثرات، وتتداخل في بناء تلك الطقوس كما سنرى في الجوانب الآتية:

*أم الغيث:

ويُعدُّ من أشهر طقوس المطر، وهو طقس أنثوي، تقوم به النساء، ويجمع بين الغناء والرقص. ويمتد أثره إلى بلاد الشام وفلسطين والعراق (8).

وبداية هذا الطقس أن الرجال يطلبون من النساء إقامة طقس أم الغيث، عندما يطول انقطاع المطر. فتقوم الفتيات بتجهيز هيكل أم الغيث، وهو عبارة عن مغرفة طعام من خشب، تثبّت عليها من جهة الأعلى قطعة خشبية بمثابة الكتف واليدين. ثم يكسى هذا الهيكل بثياب الفتيات، ويزيّن بالحلي الذهبية، والفضية. ويغطى الوجه بقطعة من القماش تسمى "هبرية" فتبدو أم الغيث عندئذ في فتاة، بكامل لباسها، وزينتها.

بعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية، حيث ترفع فتاة هيكل أم الغيث، وتطوف به من بيت إلى آخر، ومن ورائها موكب الفتيات، والأطفال الصغار، وهم يردّ دون مقاطع من أنشودة أم الغيث بحركات راقصة.

ويقف الموكب أمام كل بيت، فترش ربة البيت الماء على المحتفلات ثم تعطيهنّ شيئاً من القمح أو العدس. وهكذا ينطلق الموكب من جديد إلى بيت آخر، حتى الانتهاء من زيارة البيوت كافة.

وهنا يدخل الطقس في المرحلة الثالثة، حين يجتمع الموكب في ساحة، وتظل أم الغيث مرفوعة، وتطبخ الحبوب في قدر، ثم توزع، وتؤكل كصدقة أو قربان، ويسود عندئذ جو من الاستبشار، ولا يغادر الحاضرون المكان إلى ساعة متأخرة انتظاراً للمطر. فإن هطل الغيث انصرفوا إلى منازلهم، وإلا ّ جرت إعادة مشهد أم الغيث مرة، ومرات حتى يستجيب الله لدعوات الصغار وتوسلاتهم.

وأنشودة أم الغيث تبدأ باستهلال دعائي، تليه مقاطع في وصف الجدب واليباس، ومن ثم الدّعاء، والرجاء بهطل المطر ثم يختم الغناء بدعوة ربات البيوت إلى البذل والعطاء وذلك وفق ما يلي (9):

آمّ الغيث

يا ريّه

عبّي الحوايه

ميّه

أمُّ الغيث

زعلانه

تجيب المطر

من عانه

يللّه مطر

يللّه طين

تا تشبع

الحواوين

تاتشبع

أم خنينه

وتكثرنه

هالدهينه

والتعطي

بالطبشي

صبّح

ولدها

يمشي

التعطي

بالطاسه

أم حجول

الردّاسه

والتعطي

بالغربال

صبّح

ولدها

خيال

والتعطي

بالحفنه

جوّا

القاع

مندفنه

إن تحليل هذا المشهد يضعنا أمام تساؤلات كثيرة، والسؤال الأساسي يتمحور حول أم الغيث. فمن هي؟ والواقع أننا لا نجد إجابة لدى أجيال الآباء والأمهات، والأجداد والجدّات، فهؤلاء كانوا يمارسون هذا الطقس لاعتقادهم أنه يجلب المطر دون معرفة المقصود بأم الغيث.

وللإجابة عن هذا السؤال نجد أنفسنا بحاجة إلى الاتّكاء على الموروث الأسطوري وقراءة طقوس الخصب القديمة التي كانت منتشرة في بلاد ما بين الرافدين.

ولأن الطقس ذو طبيعة أنثوية، فإن الافتراض الأولي لطبيعة أم الغيث أنها من ربّات الخصب (10) حيث يمكن القول: إن أم الغيث تمثل "أنانا" السومرية أو عشتار البابلية، ولكن في صورة غامضة، بعيدة الحضور في الذهن.

ولا شك عندئذ أن هذا الطقس استمرار لطقوس الخصب القديمة، وأن دلالته المباشرة قد ضاعت، ولكنّ وظيفته ظلت متوارثة في هذه البيئة.

ومما يؤيد هذا الاعتقاد أن المرأة شكلت ركيزة أساسية في طقوس الخصب لدى مختلف الشعوب والحضارات. حيث يتحدث علماء الأساطير، والانتربولوجيا عن تصورات للقوة الإلهية، في شكل وماهية أنثوية. هي الأم الكبرى للكون، وذلك في العصر الباليوليتي الأعلى (30000-10000) ق. م.

"والديانة الباليوليتية، ديانة زراعية في اعتقادها وطقسها، والأسطورة الأولى هي أسطورة زراعية تتركز حول إلهة واحدة هي سيدة الطبيعة" (11) وذلك في مرحلة ما قبل بزوغ الكتابة، ونشوء المدن. وقد عُرفت الأم الكبرى بأسماء كثيرة في الحضارات المتعاقبة، فهي على سبيل المثال (12): نمو، وأنانا السومريّتان، وعشتار البابلية، وعناة الكنعانية، وعشتروت الفينيقية وايزيس المصرية، وأفروديت الاغريقية. وفي هذا المعنى يقول الباحث فراس السواح: "لم يتم بالفعل تحطيم صورة الأم الكبرى، وتشتيتها إلى صور مختلفة تحت أسماء متعددة إلاّ على النطاق الديني الرسمي. لأن صورتها الأولى كأم واحدة للكون والبشر قد استمرت في الضمير الشعبي، واستمرت معتقداتها وطقوسها وعباداتها قائمة إلى جانب العبادات الرسمية. ثم تحوّلت في الفترات الأخيرة إلى عبادات سرية، تمارس في الخفاء" (13).

هذا التفسير الأسطوري ربما يجعلنا ندرك طبيعة طقس أم الغيث، وإلا فما معنى أن يرفع هيكلها، ويتم التوجّه إليها بالغناء الذي يذكّر بالترانيم التي ترفع إلى عشتار أو ايزيس (14).

وأداء هذا الطقس لا يفترض معرفة كل هذه الدلالات في أذهان الذين يقومون به. فهذا أمر لا مجال لطرحه في ظل التطورات الفكرية والدينية التي تعاقبت منذ آلاف السنين، ولكن صدى ذلك الماضي ظلّ ينبعث بشكل غير مدرك في وعينا الحاضر وليس في طقس المطر وحده تظهر المرأة، ففي طقوس الحصاد لدى بعض الشعوب تكسى آخر حزمة من القمح "رداء أبيض، وتزيّن بأشرطة ملونة، وتعلّق في عمود لأنها تمثل ملكة الحصاد" (15).

وهذا ما يؤكد بنية طقس أم الغيث تحمل موروثات أسطورية تسرّبت إلى الذاكرة الشعبية، بعد أن لامسته مؤثرات توحيدية يكون الدعاء فيها إلى الله أن يرحم الناس والحيوانات فيرسل لهم المطر. وهكذا نلمح تواشجاً فكرياً عميقاً في مضمون هذا الطقس المطري يكشف عن فاعلية الماضي، وتأثيره في الحاضر.

وإذا تجاوزنا هذه النقطة إلى ظاهرة "رشّ الماء" فإننا نعلّل ذلك بالتفاؤل ولكن هذا التعليل لا يفسر هذه الظاهرة تماماً. ومرة أخرى نلوذ بالميثولوجيا الأسطورية في تفكيك بعض الدلالات، والمشاهد التي تبدو غير ذات معنى.

فقد كان فرايزر يدرج مثل هذه المواقف في إطار ما يعرف بالسحر التعاطفي إذ "يفترض إمكانية تأثير الأشياء بعضها في بعض من بعيد عن طريق نوع من التعاطف الخفي" (16) الذي هو أقرب ما يكون إلى التأثير الرمزي المتبادل.

وكما أن ربة البيت ترش الماء على الموكب، فإن أم الغيث هي الأخرى في إطار تبادل الأدوار سترسل المطر في نطاق علاقة تحريضية- اتصالية رمزية.

ولعلّ مما يضفي جواً رمزياً خاصاً على طقس أم الغيث، طبيعة الترنيمة، وكلماتها والزمن الذي يمتد فيه الخطاب. وهو زمن يتصل الماضي في الحاضر بمجراه دون انقطاع. إذ تنتقل الترنيمة من الماضي بدلالته على الجدب إلى المستقبل بدلالته على الخصب، وكأن الاستجابة قد تحقّقت. فالراعي لم يزرع منذ سنتين بسبب انحباس المطر ثم فجأة نصبح في رحاب المستقبل حيث القمح ينمو، ويرتفع إلى علو الأبواب. وهذا الانتقال غير الواقعي لا يكون في الزمن العادي، ولكنه ممكن استخدام الرُّقى، والتعاويذ.

أما المضمون الاجتماعي لأم الغيث فهو يكشف عن نمط إنتاج رعوي- زراعي حيث يكون الراعي مزارعاً. وهكذا نجد التعايش بين نمطين اقتصاديين كانا متضادين على أن ما تجدر الإشارة إليه أن طقس أم الغيث ينتهي بتقديم الصدقة أو القربان وهو قربان زراعي من الحبوب، وليس من الذبائح كما سنجد لاحقاً. ورغم ذلك فهذا الطقس منذ بدايته وحتى نهايته يسير موازياً لطقوس الخصب القديمة التي تنتهي عادة بعد الترانيم والرقصات والتوسلات بتقديم الطعام حيث يتم القبول، وينبعث في النفوس الشعور بالأمل والاطمئنان.

*حُورة النساء:

والحورة طقس نسائي آخر تؤديه المرأة إذا طال انحباس المطر. والحورة بالأساس لعبة للرجال، ولا يجوز أن تمارسها النسوة إلا في وقت طلب الاستمطار.

وأقرب وصف للحورة أنها تشبه لعبة الهوكي من بعض الجوانب، وهي تقوم عادة بين أفراد عشيرتين، ووقتها يمتد من الظهر إلى المساء. وميدانها واسع يشمل الأرض الممتدة ما بين مضارب القبيلتين، وتنتهي اللعبة عندما يتمكن أحد الفريقين من الوصول إلى منازل الفريق الآخر. وذلك يعني الفوز والحصول على الجائزة المحدد.

وغالباً ما يكون اللعب في فصلي الشتاء والخريف.

وتوحي طبيعة هذه اللعبة أنها طقس احتفالي لاستقبال المطر، حيث يتوقف الرجال عن اللعب عندما ينقطع المطر، ويطلبون من النساء القيام بها، فتلعبها النساء بالأيدي لا بالعصي كالرجال. وعندما تبلغ النساء منزل أحد الرجال المشهود لهم بالكرم أو الشجاعة يضعن كرة اللعب في أناء ماء، أو يسفحن دلال قهوته في إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى الحاجة إلى الماء والمطر.

وفي مألوف العادة يذبح صاحب البيت ذبيحة تطبخ، وتؤكل كجزء من ممارسة هذا الطقس المطري.

ومن الواضح أن دور المرأة هنا ينطلق من إدراك طبيعة الخصب الأنثوية.

فالرجل على سبيل المثال لا يسمح للمرأة بهذه اللعبة إلاّ في ظرف صعب، فهو يلجأ إليها في المواقف المحرجة التي يصرف النظر فيها عن مخالفة المعهود، ونظام العادات والتقاليد. وهذا التساهل مرده إلى بعض الاعتراف بدور المرأة، وقدراتها المبهمة.

ويلاحظ أن عملية سفح القهوة على الأرض أو وضع كرة اللعب الخشبية في وعاء الماء ذات دلالة رمزية، تحريضية لاستجلاب المطر.

ويبقى السؤال لماذا تتجه النساء في هذه اللعبة إلى بيت رجل كريم أو شجاع دون سائر الرجال؟

إن تفسير ذلك يرجع بنا إلى ظاهرة قديمة، عرفها العرب من قبل، وهي ظاهرة استسقاء المطر بوجه إنسان كريم وفاضل فقيل: (17)

وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجهه

ثمال اليتامى، عصمةٌ للأرامل

*طقس صلب العدّة:

وهو مشهد للرجال، يشير على نحو خفي إلى فكرة التضحية، والموت والانبعاث، فالصلب معروف في الحضارات القديمة على أنه ضرب من التضحية أو الفداء، وهو يقترب من ظاهرة القرابين البشرية التي كانت تقام للخصب والمطر.

وينظر إليه كطقس زراعي. فالعدة: هي آلة الفلاحة، وتتألف من سيف خشبي ينتهي من الأعلى بمقبض للتوجيه، والقيادة. وينتهي من الأسفل بذراع قصير، أو بلسان خشبي تُركّب عليه السكة الحديدية للحراثة. ومن لوازم العدّة هنالك: الواصل والنير، وبعض الأدوات الأخرى.

وفكرة أداء هذا الطقس ذات دلالة رمزية أيضاً إذ يقوم الفلاح بربط السكة مقلوبة نحو الأسفل وتبقى متأرجحة في الهواء على هيئة الإنسان المشنوق، وتظل كذلك حتى يهطل المطر، وتنتهي هذه العملية بفكّ العدة، وإنزالها إلى الأرض.

وفي تفسير دلالة هذا الطقس يمكن القول: إن الناس تنظر إلى انحباس المطر على أنه عقوبة لخطيئة يرتكبها الإنسان. ومنذ القديم ترسّخ الاعتقاد بضرورة التكفير عن الخطيئة "بالصلاة، والتضحية، وبدأت التضحية عند الآريين بالضحايا البشرية، ثم حلّ الحيوان محل الإنسان، فصار يضحّى بأولى ثمرات القطعان، وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول ثم انتهى الأمر أخيراً بالاكتفاء بالتسبيح، والثناء على الله" (18).

ويبدو أن الاعتقاد بتقديم ضحايا بشرية للخصب والمطر كان من الأمور الشائعة في أكثر الثقافات والحضارات البشرية قبل ظهور الديانات التوحيدية، ونستطيع العثور على مثل هذا الاعتقاد، والطقس لدى الكثير من الثقافات التي تعتبر الملك تجسيداً لإله الخصب، ومركزاً لنظام الطبيعة. يتوقف عليه هطل المطر، وخصب الأرض، وتكاثر الحيوان، وتتابع الفصول (19).

وعلى هذا الأساس يمكن الافتراض دون جرم أن شنق العدة ما هو إلا استعادة خفيّة لطقوس القرابين، والتضحيات البشرية. بعد أن طرأت تعديلات عميقة, وتبدلات جوهرية في بنية هذا الطقس، فصار يكتفي بجزء من الضحية البشرية أو بما يرمز إليها وعدّة الفلاحة جزء من شخصية الفلاح، يستحيل بدونها أن يزرع أو يحرث ويبذر فالطقس عندئذ تضحية رمزية بالفلاح نفسه. وغالباً ما يقوم تواصل انفعالي بين الفلاح والعدة المصلوبة حيث يظل مضطرباً. وقلقا، ما دامت العدّة معلقة في الهواء.

وعندما يسقط المطر تجده يهب فرحاً فينزلها، ويحفظها في مكان مناسب.

وبذلك يتحقّق طقس التضحية الذي بقيت ظلاله الواهية حيّة في الممارسات الشعبية العفوية ، دون وعي أو إدراك.

*قرابين المطر:

ولعلّنا لا نضيف جديداً عندما نتحدث عن ظاهرة القربان، وتحوّلاتها في الفكر الإنساني على مدى العصور، وما يهمّنا في هذا المجال أن تقديم القرابين من بين طقوس المطر التي ما تزال معروفة في الجزيرة.فهي امتداد آخر لتلك الطقوس القديمة.

وللقربان وظائف مختلفة، أشارت إليها الدراسات الانتربولوجية. ولعلّ من أقدم ما يذكر في هذا السياق قصة قربان هابيل وقابيل إذ جاء في القرآن "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق. إذ قرّبا قرباناً، فتقبّل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر. قال: لأقتلنّك. قال: إنما يتقبّل الله من المتقين" (20).

وطقس القربان المطري في الجزيرة مبسط الأداء. إذ يقوم رجل تقي بنحر ذبيحة ثم يرفع رأسها على عصا، ويطوف بها ماشياً أو راكباً فرساً، وهو ينادي:

"قربان قربان

قربان لوجه الله. والعمل الصالح

قربان يدفع القضا والبلا"

فيبادر الآخرون إلى تلبية النداء، وينحر كل شخص ذبيحة كقربان لوجه الله، والذي يملك دابة ينحر بعض الطيور، والمهم في ذلك هو "إراقة الدم" إشارة إلى دم الضحية القربانية الذي تُعلّم به الأبواب، والنوافذ أحياناً.

وإذا كانت القرابين تقدّم في الحضارات القديمة للآلهة المتعددة (21). فإن هذا الطقس اتخذ مساراً توحيدياً، فاقتصر تقديمه لله وحده. توسلاً، وتضرعاً لدفع الأذى وجلب المطر، وتجديد الآمال في النفوس.

*صلاة الاستسقاء:

وهي طقس ديني شائع التداول في المدن والأرياف. كما أنّ هذا الطقس معروف في الديانات التوحيدية، وقد يشارك أبناء أكثر من طائفة في أدائه طلباً للرأفة، والاغاثة.

وصلاة الاستسقاء شرعاً هي: "طلب سقي العباد من الله تعالى عند حاجتهم إلى الماء" (22).

ويطلب من المسلمين أداء ذلك إذا احتاج الناس إلى الماء.

وكان الرسول (ص) صلّى بالمسلمين صلاة الاستسقاء، ودعا قائلاً: "اللهمّ اجعلها سقيا رحمة، لا سُقيا عذاب، ولا محق، ولا بلاء، ولا هدم ولاغرق. اللهمّ على الزراب ومنابت الشجر، وبطون الأودية. اللهمّ حوالينا، ولا علينا. اللهمّ اسقنا الغيث غيثاً مغيثاً هنيئاً، مريئاً، مريعاً، سحّاً على الأرض عاماً، غدقاً طيعاً" (23).

وفي كتب الفقه تبيان كيفية أداء صلاة الاستسقاء، والخروج بالناس صغاراً وكباراً إلى ظاهر البلد، ومما يشترط في ذلك أن يلبس المصلون أرديتهم بالمقلوب ثم يدعون، متوسلين، متضرعين.

وإذا كان هذا الطقس قد شاع في المدن لوجود المساجد فيها، ولوجود الأثمة والفقهاء الذين يخرجون بالناس لأداء صلاة الاستسقاء، فإن هذا الطقس كان محدود الانتشار في الأرياف والبوادي.

وحين كان أهل البادية يؤدون ذلك فإنهم كانوا يسوقون أمامهم البهائم وقد عزلوا صغارها عنها، فتعلو أصواتها، إشارة إلى طلب الرحمة، والغوث. ثم يرفعون أيديهم بالدعاء قائلين: اللهم ارحمنا وأغثنا، إن لم يكن لكبارنا، فليكن لصغارنا، اللهم ارحمنا رأفة بالأطفال الرضع، والدّواب الرّتع.. نسألك الغيث يا أرحم الراحمين".

وقد كان من عادة العرب في الجاهلية الخروج إلى طلب الاستسقاء وفي الخبر "أن أهل مكة أصابهم قحط، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس، وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، وألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام باصبعه، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هنا، وههنا، واغدودق، وانفجر له الوادي" (24).

فهذا الطقس كما يبدو قد يشكّل النواة المبكرة لصلاة الاستسقاء. وما نشأ من حولها من فنون كرقص السماح، وأغنية "اسق العطاش" (25) وهذا فن معروف ومشهور على أن مناسبته الأساسية هي طلب السُقيا.

*طقوس الأطفال:

بقي أن نذكر في هذا السياق مشاركات الأطفال في طقوس المطر كما مرّ بنا في أم الغيث، وطلب السقيا. وإلى جانب ذلك تبرز أغاني الأطفال، وأهازيجهم التي يستقبلون بها المطر، إذ يخرجون راكضين، معرضين أجسادهم لقطرات المطر وهم ينشدون (26):

يا مطر يا عاسي يا مطر يا عاسي طوّل شعر راسي

ثم ينوّعون في المقاطع، ويتمنّون أشياء كثيرة، كما أنهم يستقبلون الشمس إذ تشرق بعد المطر بأهزوجة يقولون فيها (27):

طلعت الشميسه

على قرعة عويسه

عويسه بالمدينه

ياكل حبه وتينه

قرقعة رحّاها

جفّلت معزاها

قام الشويب يصلّي

على قرعة مولي

وكان مظهر قوس قزح يثير في نفوسهم مشاعر من الفرح والخوف معاً، وهم يرون أن اللون الأحمر من أطيافه يرمز إلى الشر، والشيطان والجحيم (28)، في حين يرمز اللون الأخضر إلى الخير، والملائكة، والجنة.

هذا الاعتقاد ليس بعيداً أبداً عن أساطير العرب القدماء الذين كانوا يعتقدون أن "قُزح هو إله الرعد والبرق، والمطر، ومن ثم إله الحرب (29)، ثم أصبح قزح في عصر الأديان رمزاً للشيطان على نحو ما رأينا في تصورات الأطفال وأناشيدهم.

*طقوس قطع المطر:

وكما يكون المطر رحمة نافعة إذا نزل بمقدار، وفي وقت معين، فإنه سيصبح نقمة في حالات يقدّرها الناس. وعندئذ يلجأ أهل البوادي، والأرياف إلى الدعاء، والقرابين طلباً للرحمة، ولكن هذه المرة بإيقاف المطر. ومما يقولون أثناء قربان قطع المطر: "اللهم ارحمنا، وارفع الغيث، والبلاء عنا، اللهم ارفع الغيث يا من ترسل الغيث".

وهنالك طقس آخر يدعى "الحباس" من الحبس والانقطاع. حين يدفن فلاح محراثه أو فأسه في الأرض، ويصيح "احباس، احباس" فيرد عليه شخص ثان "احباس، احباس" ثم يردّدان عبارات تفيد معنى التوقف، والكف عن المطر، فيقول أحدهم: "احباس عشرة أيام" ويرد الثاني مواقفاً "احباس عشرة أيام".

وهكذا يتم هذا الطقس في أجواء رمزية وسحرية، وخاصة في عملية "طمر المحراث" وما يصاحبها من عبارات كلامية توحي بالمقصود.

ويشارك الأطفال في طقوس انحباس المطر، ويكون ذلك عندما يخرجون من بيوتهم وهم يصيحون: "عرعر يا ربي عرعر، وأنا بكر أمي وأبويه… عرعر يا ربي عرعر".

*الخاتمة:

ومما سبق يمكن القول: إن طقوس المطر في الجزيرة السورية حملت كثيراً من رموز طقوس الخصب التي عرفتها ثقافات بلاد الهلال الخصيب، وظلت هذا الرموز تظهر هنا وهناك في الممارسة، والأداء دون أن يفطن الناس إلى أصولها، ومنابعها اكتفاء بوظيفتها التأثرية.

وقد حملت تلك الطقوس صبغة دينية توحيدية مما جعل الاحتفاظ بها في الحياة الاجتماعية لا يتعارض ومبادئ الأديان السماوية. إذ نجد الطقس المطري يحتفظ بجوانب من الموروثات الأسطورية القديمة التي تفاعلت مع المؤثرات الدينية اللاحقة في الوجدان الشعبي، والذاكرة الشعبية.

إن طقوس المطر تشكل جزءاً من الموروثات الشعبية ذات الدلالات الغنية والهامة.

ولكن ما يؤسف له أن الكثير من مادة هذه الطقوس اندثر، وضاع مع مرور الأيام ولا سيما بعد التطورات التقنية التي برزت في جوانب الحياة عامة.

فهل نبادر إلى جمع ما تبقى عالقاً في ذاكرة الأجيال، ونقوم بتدوين ذلك التراث وتحليله أم أننا نريد أن تصبح أجيالنا القادمة محرومة من تراثها، وتعيش حياتها في ظل التقنية الآلية بلا ذاكرة، ودون جذور؟

الهوامش والاحالات:

1-القرآن الكريم: سورة الأنبياء، الآية 30.

2-عن دور المياه في نشوء الحضارات يمكن الرجوع إلى المصادر التالية:

-سومر وأكاد: للدكتور وديع بشور، دمشق 1981، ص 11- 16.

الجديد حول الشرق القديم: مجموعة من الباحثين الروس: ترجمة جابر أبي جابر، وخيري الضامن، نشر دار التقدم، موسكو، ص 58- 84.

-فجر الحضارة في الشرق الأدنى: هنري فرانكفورت: ترجمة ميخائيل خوري، ص 37- 60.

3-الفلكور ما هو؟ فوزي العنتيل: نشر دار المعارف بمصر 1965، ص 148.

4-المصدر السابق، ص 149.

5-الحيوان: الجاحظ، تحيقي محمد عبد السلام هارون، نشر دار الكتاب العربي، بيروت 4/466. وكذلك ثمار القلوب في المضاف والمنسوب: الثعالبي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار نهضة مصر 1965، ص 579.

وأزمة: شديدة. السلع والعُشر: ضرب من النبات. السفُّ: التهامُ الدواء، والدقيق. الباقر: البقر، البوار: الهلاك. الشكُر: الشعر القصير بين الشعر الطويل. هاجت: أثارت. الصبير: السحاب.

ارتشمت الأرض: بدا نبتها.

وقد ذمّ الورل الطائي هذه العادة فقال في الحيوان 4/468، وثمار القلوب، ص 580:

لا درّ درُّ رجال خاب سعيهم

يستمطرون لدى الأزمات بالعُشر

أجاعلٌ أنت بيقوراً مسلّعة

ذريعة لك بين الله والمطر

6-انظر معجم البلدان: ياقوت الحموي، نشر دار صادر، بيروت 2/134.

7-كتاب الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر: اسكندر داود، مطبعة الترقي، ص 197- 213.

8-دراسات في الفلكلور الفلسطيني: عوض سعود عوض، ط1، 1983، ص 133. ونجد مطابقة واسعة في أداء هذا الطقس مع اختلافات يسيرة.

9-نثبت هذه الاهزوجة من السماع والرواية الشفوية.

وبشيت: تصغير بشت، وهي كلمة معرّبة، تعني عباءة الصوف التي يرتديها الراعي شتاءً. بلّي: من ابتلّ بالمطر. ريّه: صفة أي التي تروي بمطرها. عبي: املئي. الحواية: البرك، والغدران. زعلانة: غاضبة. عانة: مدينة على الفرات. يلّّله: دعاء معناه يا الله. الحواوين: البهائم والدواب. أم خنينة: كنية الشاة. الطبشي: إناء للطعام. الطاسة: وعاء لفرز الحبوب. الحفنة: مقدار لما يملأ الكفين. وهو ههنا يدلُ على البخل والتقتير.

10-حول مفهوم ربات الخصب يمكن العودة إلى كتاب: مغامرة العقل الأولى: فراس سواح، نشر دار سومر، ط6- ص 319. وكذلك قاموس الآلهة والأساطير: رولينغ، ترجمة محمد وحيد خياطة، ص 53.

11-لغز عشتار: فراس سواح، نشر سومر، ط1، 1985، ص 24.

12-سومر وأكاد، ص 212، ولغز عشتار ص 27، وكذلك: الأساطير والخرافات عند العرب: د. محمد عبد المعين خان، دار الحداثة، ط 3، ص 132.

13-لغز عشتار، ص 101، ونجد مفاجأة للالهة "بو" في قصة الحضارة: ول ديورانت، ترجمة زكي نجيب محمود 1/31 تصفها بالأم التي شيدت مدينة لكش.

14-يمكن قراءة بعض هذه الترانيم والتوسلات في قصة الحضارة 1/ 215، ومغامرة العقل الأولى، ص 53.

15-الفلكور ما هو؟، ص 136.

16-الغصن الذهبي: فرايزر 1/108 نقلاً عن كتاب أدب الرحلات عند العرب في المشرق، لمؤلفه علي محسن مال الله، ص 346.

17-انظر هامش كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" عبد الرحمن الجزري، نشر المكتبة التجارية بمصر، ص 362.

18-قصة الحضارة 1/345. وفي صلاة سومرية نقرأ: "إن الضأن فداء للحم الآدميين، به يفتدي الإنسان حياته" 1/29. كما نقرأ في المصدر ذاته 1/222 رقية بابلية تقول: "الكبش فداء للإنسان، الكبش الذي يفتدي به حياته".

19-لغز عشتار، ص 315.

20-القرآن: سورة المائدة، الآية 27.

ونجد تفصيلات عن قصة قابيل وهابيل في منعطف المخيلة البشرية، صموئيل هنري هووك، ترجمة صبحي حديدي، نشر دار الحوار، ص 102.

21-ملحمة كلكامش: ترجمة طه باقر، ص 88- 89.

22-الفقه على المذاهب الأربعة، ص 358.

23-هامش كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، ص 359، والزراب: التلال الصغيرة. مغيثاً: منقذاً. مريثاً: مريعاً، نافعاً. سحّاً: عاماً غزيراً.

24-هامش كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، ص 362.

25-رقص السماح فن غنائي- موسيقي نُسب إلى الشيخ عبد الغني النابلسي، وقيل بل هو للشيخ أبي الوفاء المصري.

وهو طقس اشتهرت به مدينة حلب.

وحول ذلك يمكن العودة إلى كتاب "السماح عند العرب" مجدي العقيلي، ط1، 5/222- 226.

26- 27- أوردنا هذه الأهازيج من السماح. والقرقعة: الضجيج، الرحى: أداة من حجر لجرش الحبوب، جفّلت: أفزعت.

28-عن علاقة قوس قزح بالنار والشيطان يمكن العودة إلى كتاب: الأساطير والخرافات عند العرب، ص 142.

29-الأساطير والخرافات عند العرب، ص 142.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 66 – السنة 17 – كانون الثاني "يناير" 1997 – شعبان 1417

32 Views

عن وائل-2

إلى الأعلى