الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » تأثير الحضارتين و اللغتين اليونانية و السريانية في العلوم العربية أ.د. محمد زهير البابا

تأثير الحضارتين و اللغتين اليونانية و السريانية في العلوم العربية أ.د. محمد زهير البابا


تأثير الحضارتين و اللغتين،اليونانية و السريانية، في العلوم العربية ـــ أ.د.محمد زهير البابا

مقدمة :‏

لم يكن للشعوب العربية، قبل ظهور الإسلام خبرة في دراسة العلوم الأساسية والتطبيقية . ولما بدأت الفتوحات الإسلامية تجتاز الأقطار المجاورة للجزيرة العربية لنشر الرسالة، استقرت بعض القبائل في تلك الأقطار، ناشرة ديانتها ولغتها . وكان من حكمة الرسول العربي الكريم الحضّ على مراعاة أهل الكتاب، واقتباس الحكمة وطلب العلم، من أي جهة وفي أي مكان . واستطاع المسلمون، منذ القرن الأول للهجرة نقل ما صادفوه من تراث علمي، يوناني أو فارسي أو هندي أو سرياني، إلى لغتهم، مستعينين ببعض التراجمة القاطنين في بلاد الهلال الخصيب، ممن يحسن إحدى تلك اللغات .‏

وخلال مدة لم تتجاوز ثلاثة قرون تمثلت الشعوب العربية علوم تلك الشعوب وإنجازاتها، وأضافت إليها حصيلة خبرة علمائها وتجاربهم، فبدأت العلوم العربية تنشر بسرعة، وأصبحت مؤلفات علماء العرب والمسلمين من المراجع الأساسية لطلاب العلم، في شرق العالم الإسلامي وغربه، خلال العصر الوسيط .‏

وفي عصر النهضة الأوربية ظهرت طبقة من العلماء الباحثين، عرفوا باسم المستشرقين orientalistes، وكان هدفهم دراسة علوم الامم الشرقية وحضاراتها، لمعرفة مدى تأثيرها في الحضارة العالمية بصورة عامة، وحضارة أوربا بصورة خاصة . وكان من بينهم المتزمت الحاقد، الناكر لفضل العلماء العرب والمسلمين، كما كان منهم العالم المنصف والباحث المتعمق . ويعد المستشرق البلجيكي جورج سارتون من ألمع الباحثين عن تاريخ العلوم . نال شهادة الدكتوراه في علم التاريخ عام 1911 م من مدينة Gand ببلجيكا.حاضر في عدّة جامعات في أوربا، ثم انتقل الى شمال أفريقيا، وزار مصر ولبنان . أمضى عامين دراسيين في الجامعة الامريكية ببيروت، منكباً على دراسة اللغة العربية . وفي عام 1915 هاجر الى الولايات المتحدة حيث استقر، وتوفي فيها عام 1953 م. أراد سارتون أن ينهل العلوم القديمة من منابعها الأصلية، فقام بزيارة عدد كبير من المكتبات والمتاحف العالمية، حيث اطلع على أقدم المخطوطات والأوابد المحفوظة فيها . وساعده على فهم مختلف علوم الشعوب العريقة بحضارتها إجادته لبعض اللغات القديمة، وخاصة اليونانية واللاتينية، وإلمامه ببعض اللغات الشرقية، وخاصة العربية والعبرية والسنسكريتية والصينية، بالإضافة آلي معرفة تامة للفرنسية والإنكليزية والألمانية .‏

قام سارتون بوضع مجموعة من المؤلفات التاريخية، تتّبع فيها تطور العلوم، منذ ظهور الحضارة الإنسانية حتى عصره . وأوضح فيها كيف انتقل العقل البشري من التفكير الأسطوري، الذي كان يعتمد على الخيال والاوهام، والسحر والشعوذة، الى مرحلة التفكير الموضوعي، المبني على التجربة والقياس والمحاكمة العقلية .‏

بدأ سارتون بنشر أبحاثه التاريخية العلمية في مجلتين، وكان له الفضل في المشاركة بتأسيسهما في مدينة باريس، فصدرت الأولى منهما باسم إيزيس Isis عام 1912 م، وصدرت الثانية باسم أوزيريس Osiris عام 1936 م، وكأنه كان يقرّ ضمناً أن منبع العلوم كان في أرض مصر .ولما كان هنالك كثير من المؤرخين، المتريّفين والمتزلّفين والحاقدين، والناقلين للأخبار على لسان العامة، دون دراسة أو تدقيق وتمحيص، قد شوّهوا صفحات التاريخ عن قصد أو جهل، لذلك سعى سارتون لبيان الحقائق التاريخية، فسفّه الرأي القاتل بأن العلم بدأ في بلاد اليونان . وأثبت أن العلم اليوناني كان محصّلةً لجهود مفكرين وتقنيين ظهروا في مصر وفي بلاد الرافدين . وأن هنالك حضارات أخرى ظهرت في الصين والهند وبلاد فارس، وكان لها أيضاً في تطور اللغة والعلوم اليونانية، قبل وبعد الاسكندر .‏

نشر سارتون هذه الأفكار في مؤلفه المشهور " المدخل الى تاريخ العلوم Introduction to the History of scince.، وذلك خلال الفترة الممتدة بين عامي (1929-1948 م) .‏

كان سارتون يخطط لوضع موسوعة شاملة لتاريخ العلم، بحيث تضم أربعة عصور :‏

التاريخ القديم -العصر الوسيط- عصر النهضة من القرن (15-17) -العصر الحديث من القرن (18-20).‏

لكنه لم يستطيع أن ينشر قبل وفاته آلا المجلد الأول من موسوعته الذي ظهر باللغة الإنكليزية عام (1952م)، وهو لا يحوي الا القسم الأول من التاريخ القديم. وقدّم قبيل وفاته للمطبعة أصول المجلد الثاني من القسم المذكور، كما قدم لجامعة هارفرد، التي كان يحاضر فيها، مكتبته الخاصة التي تضم جميع كتبه ومخطوطاته .‏

لقد جرى الاتفاق بين مؤسسة فرانكلين الاميركية للطباعة والنشر، وهي صاحبة الترخيص بطبع وترجمة كتاب تاريخ العلوم لجورج سارتون، وبين الادارة الثقافية بالجامعة العربية، على نقل هذا الكتاب الى العربية .‏

الا أن المؤسسة أرادت أن تأخذ هذه الترجمة طابعاً شبه دولي، فكونت لجنة من بعض علماء العالم العربي، للقيام والاشراف على هذا العمل، فصدرت الطبعة الأولى من المجلد الأول عن مطابع دار المعارف بمصر عام 1957م وصدر المجلد السادس والأخير عام 1972م .‏

يقول سارتون في مقدمة كتابه :" ومما أفسد فهم العلم القديم، كثيراً من الأحيان، ظاهرتان من الإهمال الذي لا يمكن التسامح فيه : الأول إهمال العلم الشرقي، فمن سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم بدأ في بلاد الاغريق، فإن المعجزة اليونانية سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وبلاد النهرين، وغيرهما من الأقاليم، فالعلم اليوناني كان إحياءً أكثر منه اختراعاً .‏

والظاهرة الثانية إهمال الإطار الخرافي الذي نشأ فيه العلم، لا الشرقي فحسب، بل اليوناني نفسه كذلك " ثم يقول في موضع آخر :" ومن الناحية الأخرى نجد غالباً أن الوثائق الخاصة بالعلم في مصر وبلاد النهرين أدقّ من وثائق العلم عند الإغريق ".‏

لمحة موجزة عن جغرافية بلاد الإغريق وتاريخها :‏

يطلق إلى سكان الجزر المنتشرة بالمئات في بحر إيجه، وعلى القاطنين قديماً على الساحل الغربي و الجنوبي من آسيا الصغرى، وفي جزيرة البيلونييز، اسم الإيجيين أو الهيلينيين، أو الإغريق . ويقول المؤرخين وعلماء الآثار أن أقدم حضارة نشأت في بحر إيجه كانت في جزيرة كريت . وتذكر الأساطير اليونانية أن الملك مينوس هو أول من اشتهر بإنشاء أسطول بحري، استطاع بواسطته السيطرة على جزر إيجه .‏

لم تكن الحضارة الإيجيه متشابهة في مختلف البقاع والأزمنة، وإذا كان لكل سكان جزيرة من جزرها عاداتهم وتقاليدهم، وكانت أهم تلك الجزر كريت، وفيها بلغت الحضارة المينوسية أوجها خلال المدة الواقعة بين القرنين السابع عشر والرابع عشر قبل الميلاد . وخلال القرنين التاليين اكتسحت بعض الشعوب البربرية، الآتية من الشمال والغرب، بلاد اليونان، وكان الشعب الدوري أقوى تلك الشعوب، لأنه جاء يحمل أسلحة مصنوعة من الحديد، استمدها من جيرانه الحيثيين، فاستطاع بواسطتها التغلب على اليونانيين، المسلحين بأسلحة برونزية.‏

من المعلوم أن التمايز الحضاري عند دراسة تاريخ مصر وتاريخ بلاد الرافدين الى تواريخ الأسر الحاكمة فيها . أما في بلاد اليونان فيعتمد بصورة خاصة على دراسة الادوات الفخارية والمزججة، وعلى فن الهندسة المعمارية، وغيرها من سمات الحضارة . وللحضارة الايجيه كتابتها الخاصة، أوبالأحرى هنالك عدة كتابات، وهي لما تزل مستعصية على كل محاولة لمعرفة رموزها .‏

وبعد زوال العصر المينوسي، المسيطر على البحر الإيجي، تنازع تلك السيطرة شعبان، وهما اليونانيون في الشمال، والفينيقيون في الجنوب . ويختلف هذا الشعبان بعضهما عن بعض كل الاختلاف، فالأول شعب آري، يتكلم اللغة الهندية الأوربية، والآخر شعب سامي يتكلم لغة هي أقرب إلى اللغتين العربية والعبرية .‏

المعجزة اليونانية : يقول العالم سارتون :" إن ثقافتنا الأوربية نابعة من أصلين إغريقي وعبري ولسنا نقول إنها أحسن ثقافة، ولكننا في بساطة نقول إنها ثقافتنا . والزعم بأنها بالضرورة أرقى الثقافات فيه خطأ وشرّ.وهذا الزعم هو أحد المصادر الرئيسة للمتاعب الدولية، لأنني إذا كنت أرقى من جيراني، فليس لي أن أقول ذلك، ولكن لهم فقط أن يقولوا ".‏

لقد سعى سارتون لبيان تطور العلم لدى الشعوب القديمة . وشرح مابين فروع العلم من علاقة متبادلة، ومابينه وبين الحكمة والفلسفة من صلة … فالبشر قديماً وحديثاً يفهمون العالم على اشكال مختلفة . فبعضهم اكثر ميلاً الى التجريد العقلي، فيفكرون في خلق السماء والأرض، ووحدة الوجود، والكمال واللانهاية . وبعضهم يتمتعون بعقول تجسيدية وعملية، فيفكرون في حفظ الصحة، واكتشاف العقاقير والأدوية والأغذية . أو يهتمون بالزراعة أو التجارة أو عمران المدن، أو اختراع الادوات والآلات والأجهزة، التي توفر لهم العيش الرغيد .‏

لقد تحدث الأوربيون كثيراً عن المعجزة اليونانية، واعتبروها أبسط تعبير عما وصل إليه قدماء اليونان من علم وحضارة . وتجسد إعجابهم الأول بالملحمتين الشهيرتين، والمنسوبتين لشاعر أمي ضرير يدعى هوميروسHomèrus، عاش كما يقول المؤرخ اليوناني هيرودوتHerodote في القرن التاسع قبل الميلاد .‏

روى هوميروس في ملحمته الأولى هجوم الاسطول الأثنيني على مدينة طروادة وتخريبها، وهي ملحمة الإلياذة، Iliade، وروى في الثانية منهما رجوع ذلك الاسطول الى أثينا، وبعد أن لاقى بّحارة في طريقهم أشد الاهوال، وهي ملحمة الأوذيسة Odyssée .وكانتا انجازاً أدبياً وتاريخياً فريداً، لاجتماع صفات القدم والجمال، وكثرة عدد أبيات الشعر فيهما . ولكن هنالك ملاحم أبدعتها أمم شرقية لا تقل عنهما جمالاً، ومن أشهرها ملحمة جلجاميش، والتي سبق ظهورها في بلاد الرافدين قبل هوميروس بأكثر من الف عام .‏

التنافس بين اليونانيين والفينقيين :‏

يقول المؤرخ والجغرافي اليوناني سترابون Strabon (58 ق.م – 25 بعد الميلاد ) : إن الاسطول بدأ بالخروج الى ماوراء أعمدة هرقل ( جبل طارق ) بعد انتهاء حرب طروادة بقليل . وأخذ تجار مدينة صور، وكانت أهم مرفأ للفينقيين، يحمل بضائعهم، من منسوجات وأدوات زجاجية وخزفية ومعدنية، الى مدن بلاد الرافدين ومصر وشمال أفريقية . الا أن هذه البضاعة ام تكن من مبتكراتهم او إنتاجهم كما زعم سارتون.ولكنه اعترف بفضلهم باختراع أول كتابة تتألف من حروف.وقد ظهرت تلك الكتابة أواخر القرن الحادي عشر للميلاد . ولكن كان من الصعب على الشعوب الأخرى أن تقرأ اوتفهم كتابتهم . وذلك لأن عدد حروفها لا يتجاوز بضعة وعشرين حرفاً، واكثرها حروف ساكنة، وبعضها حروف صوتية طويلة الحركة . وهذا النوع من حروف الكتابة لا يزال مستعملاً في اللغتين العربية والعبرية .‏

وفي النصف الأول من هذا القرن اكتشف العالم الأثري كلود شيفر، في مدينة أوغاريت، الواقعة في رأس شمرة على الساحل السوري، شمال اللاذقية، كتابة أخرى تعود الى عام ( 1200 ق.م )، أي أقدم من الكتابة الفينيقية، ولكن الحروف فيهما متشابهة بشكلها ونطقها وترتيبها . وعلى مرّ الزمان أخذ اليونانيون بحروف الكتابة الفينقية وأصلحوها، وذلك بإضافة رموز جديدة، تدل على حروف صوتية قصيرة الحركة .‏

تأثير الحضارة اليونانية في الحضارتين الفارسية والعربية :‏

تبين لنا مماسبق أن الحضارة اليونانية أثرت وتأثرت بالحضارات الشرقية، منذ القرن السادس قبل الميلاد، وبصورة خاصة في مصر على عهد الفراعنة، وفي سورية الطبيعية على عهد الفينيقيين .وازداد هذا التبادل الحضاري بعد حملة الاسكندر المقدوني، وقيام مدرسة الاسكندرية أولاً ثم مدرسة جنديسابور .‏

لقد ذكر هيرودوت ( 484-420 ق.م ) انه كان يوجد في بلاد فارس كثير من الأطباء الأجانب .‏

وذكر قصة داريوس الأول (521-481 ق.م ) الذي سقط عن ظهر فرسه فأصيب بالتواء في قدمه . ولما كان يوجد في بلاطه أطباء مصريون فقد استدعاهم لإسعافه . ولكن معالجتهم باءت بالفشل واشتد ألمه . ولما علم داريوس بوجود طبيب يوناني في مملكته يدعى ديموسيدس الكروتوني، استدعاه لمعالجته، ونال الشفاء على يده كما كان كيتسياس الكنيدوسي الطبيب الخاص للملك أردشير الثاني (405-359 ق.م )، وهو احد الملوك الاخميين في بلاد فارس .‏

وفي القرن الثالث للميلاد استولى على الحكم في تلك البلاد أسرة الساسانيين، وكان من أشهر ملوكهم سابور الأول، الذي حارب الدولة البيزنطية، ووصل إلى مدينة انطاكية 260م، ثم أسر الامبراطور فاليريان بالقرب من مدينة الرها وتمكن من قتله . وساق حاشيته الى مدينة قريبة من الخليج، تقع في إقليم خوزستان، عُرفت باسم جنديسابور .وأنشأ فيها بيمارستاناً ( أي مشفى ) أشرف على إدارته فيما بعد علماء من النساطرة السريان، الذين عملوا على ترجمة بعض المؤلفات اليونانية الى اللغة السريانية .‏

كانت بلاد فارس ملتقى طرق التجارة الذاهبة والآيبة بين الشرقين الأقصى والأدنى، فأصبحت مهداً لحضارة مهمة وقوة عسكرية مرهوبة الجانب في البر والحرب .ولكن الحرب التي كانت تستعر بينها وبين اليونان أولاً ثم بيزنطة بعد ذلك أنهكت قوتها وخرّبت مدنها واكبر تخريب حصل فيها كان على يد الاسكندر المكدوني، الذي أمر بحرق كثير من تراثها العلمي والديني . كما أمر بنقل وترجمة ما وُجد في خزائنها من الكتب الى اللغة اليونانية .وخرّب اجمل مدينة كانت فيها، وهي مدينة إصطخر، والمعروفة عند اليونان باسم برسبوليس Persepolis ( أي مدينة الفرس ) .‏

وفي أواسط القرن السابع للميلاد جاء العرب الى بلاد فارس، حاملين معهم رسالة الإسلام، فتحول الشعب الفارسي من عبادة الكواكب والنار إلى عبادة إله واحد . واستعاد حريته التي كانت مقيدة في ظل الاسرة الساسانية وحكامها الطغاة . وظهر بين الفرس علماء وباحثون في شتى ضروب المعرفة، فأغنوا اللغة العربية وعلومها، كما اختصّ بعضهم بالدفاع عن الدين الاسلامي .‏

اللغة اليونانية وأشهر فلاسفة اليونان :‏

يعد ابن النديم أول المؤلفين العرب الذين تكلموا بصورة واضحة عن اللغة اليونانية وحروفها وطرائق كتابتها . وتحت عنوان ( الكلام على القلم الرومي ) يقول في كتابه الفهرست :‏

" قرأت في بعض التواريخ القديمة ان اليونانيين لم يكن يعرفون الخط قديماً، حتى ورد رجلان من مصر احدهما يدعى قيمس والآخر أغنور .ومعهما ستة عشر حرفاً، فكتب بها اليونانيون . ثم استنبط أحدهما أربعة احرف فكتب بها، ثم استنبط آخر يسمى سمونيدس أربعة أخر فصارت أربعة وعشرين " ثم تكلم عن اشكال الكتابة بتلك الحروف فقال :" وسألت رجلاً من الروم، مراطناً بلغتهم، وكان يذكر أنه قد وصل الى المرتبة التي تسمى الإيطمولوجيا، وهو علم النحو الرومي، فقال :‏

المُتعارف الذي يستعمله الروم ( البيزنطيون ) في مدينة السلام( بغداد ) ثلاثة أقلام:‏

الاول يقال له لبطون : ونظيره من أقلام العرب قلم الوّراقين الذي يكتب به المصاحف.‏

الثاني يسمى أفوسفييادون : ونظيره من أقلام العرب قلم الثُلث .‏

الثالث يسمى سوريطون : ومثله عندنا قلم الترسل الديواني، والذي تدعم فيه الحروف .‏

ثم عدّد ابن النديم اسماء الحروف اليونانية، وقسمها إلى مصوتة وغير مصوتة، وقال : إن اللسان اليوناني مستغن عن استعمال ستة حروف عربية هي ( ح ــ د ــ ض ــ ع ــ ه ــ لا ).ولما تكلم بعد ذلك عن فلاسفة اليونان قال :" سألت أبا الخير بن الخّمار، بحضرة أبي القاسم عيسى بن علي، عن أول من تكلم في الفلسفة قال زعم فورفوريوس الصوري في كتابه التاريخ، وهو سرياني، أن أول الفلاسفة السبعة هو تاليسThales بن ماليس الأمليسي ( الملطي ) وقال آخرون : أن أول من تكلم في الفلسفة بوثاغورس Pythagorus (الساموسي ).‏

وقال فلوطرقس plutarque : إن بوثاغورس هو أول من سمّى الفلسفة philosophie بهذا الاسم .وله رسائل تعرف بالذهبيات، وإنما سمّيت بهذا الاسم لأن جالينوس كان يكتبها بالذهب إعظاماً لها وإجلالا . ثم عدد ابن النديم أسماء سبعة عشر فيلسوفاً يونانياً، مع ذكر لمحة موجزة عن حياة بعضهم، مع أشهر مؤلفاتهم. لكنه خصّ افلاطون وارسطاطاليس بكثير من التفصيل .‏

كان تاليس، كما يقول سارتون، أول الرياضيين والفلكيين الذين اشتهروا في بلاد اليونان ( 624-548 ق.م)، ويقال انه كان من أصل فينيقي رحل الى مصر طلباً للعلم، ويقال إن سبب شهرته أسطورة ذكرها المؤرخ هيرودت،وفحواها ان الحرب كانت في عهده مستعرة بين الليدي، وهم من اليونانيين القاطنين في آسيا الصغرى، وبين الفرس .‏

وفي عام 585 ق.م حدث كسوف للشمس، فتوقف الفريقان عن القتال، وعُقد الصلح بينهما . وبما أن تاليس كان قد تنبأ بحدوث هذا الكسوف قبل وقوعه لذلك ذاع صيته كأشهر فلكي في البلاد . وتعزى لتاليس بعض الانجازات في علم الهندسة منها : ان قطر الدائرة يقسمها الى قسمين متساويين -زاويتا المثلث المتساوي الساقين متساويتان -اذا تقاطع مستقيمان فالزاويتان المتقابلتان بالرأس متساويتان -يتطابق المثلثان اذا تساوت فيهما زاويتان وضلع . ويقول سارتون : هل يمكن القول ان تاليس كان حقاً أول مهندس بالمعنى العلمي ام ان المصريين سبقوه الى ذلك ؟‏

أخبار سقراط بن سقراطيس ( معناه ماسك الصحة ):‏

وهو من اهل اثينا، مدينة العلماء والحكماء، بكلام لم يدروا منه كثير شيء . وكان زاهداً وخطيباً حكيماً. قتله اليونانيون لأنه خالفهم وخبره معروف .‏

ومن أصحاب سقراط أفلاطن، وبلغ كلاهما ثمانين سنة . وجاء في كتاب فلوطرخس Plutarque: ان افلاطن Platon معناه الفسيح، وأنه كان من أشراف اليونانيين .‏

توفي أفلاطن في السنة التي ولد فيها الاسكندر( 336ق.م )، وخلفه ارسطو طاليس، وكان الملك في ذلك الوقت بمقدونية فيليب Philippe أبو الاسكندر .. الف أفلاطن، على ماذكره ثاون الاسكندراني : كتاب السياسة، فسره حنين بن اسحق، كتاب النواميس، نقله حنين ثم أعاد نقله يحيى بن عدي . وقال ثاون :إن افلاطن يجعل كتبه أقوالاً يحكيها عن قوم، ويسمي ذلك الكتاب باسم المصّنف له، وعدد ابن النديم بعد ذلك اسماء مايزيد على ثلاثين كتاباً لأفلاطن .‏

أخبار أرسطاطاليس :‏

ومعناه محبّ الحكمة، الفاضل الكامل . وهو ابن نيقوماخس، ويرجع نسبة إلى أسقلبيارس الذي اخترع الطب اليوناني . اسطاغاريا Stagire . كان أبوه متطبباً للملك فيليب أبي الاسكندر .أما ارسطاطاليس فكان تليمذاً لأفلاطن، وأنه لما هاجر استاذه الى صقلية خلفه على دار التعليم Academia .. ويقال إنه نظر في الفلسفة بعد أن بلغ الثلاثين من عمره . وكان بليغ اليونانيين وأجل علمائهم بعد أفلاطن . ونظراً للصداقة القائمة بينه وبين الملك فيليب فقد أوكل إليه أمر تربية ابنه الاسكندر.ولما تولى الاسكندر الملك بعد مقتل أبيه، أصبح أرسطو أقرب المقربين إليه، والناصحين والمرشدين له. وحينما توجه الاسكندر لمحاربة الفرس رحل أرسطو الى اثينا حيث اتخذ الليقيون Lycium مقراً له . ولما كان يسير فيه أرسطو مع طلابه، وهم يستمعون لأقواله لذلك أطلق عليهم إسم المشّائين . توفي ارسطو أواخر أيام الاسكندر، وله من العمر (66) سنة . وخلفه على التعليم ابن اخته تاوفرسطس Theophraste فبقي مديراً لهذا المعهد من عام (323 الى 288 ) ق.م.‏

ذكر ابن النديم أسماء عدد كبير من مؤلفات أرسطو، كما ذكر أسماء من فسرها أو نقلها الى العربية . واشهر هذه المؤلفات ثمانية كُتب في الفلسفة و المنطق واللغة وهي :‏

1- القاطيغورياس : ومعناه كتاب المقولات، قام بشرحه تاوفرسطس وثامسطيوس وفورفويوس الصوري ويحيى النحوي، ونقله الى العربية حنين بن اسحق وفسّره الفارابي وأبو بشر متي .‏

2-الباري أرمينياس، أو كتاب العبارة، فسرها ثاوفرسطس وفورفويوس والاسكندر الافروسي ويحيى النحوي . نقلها حنين الى السريانية ثم نقلها ابنه اسحق الى العربية . وفسرها ابو بشر متي والفارابي واختصرها حنين وابنه اسحق وابن المقفع والكندي وثابت بن قرة وأحمد بن الطيب السرخسي والرازي .‏

3-الانالوطيقا أو كتاب القياس : وهو يتألف من جزأين، وفي كل منهما مقالتان نقل المقالة الاولى من الجزء الاول الى العربية تيادروس ويقال إن حنين أصلحه . ونقل حنين قطعة منه الى السرياني . وفسر ثامسطيوس المقالتين، وكذلك فعل يحيى النحوي وأبو بشرمتي .‏

4-الابوديقطيقا، وهو الجزء الثاني من كتاب القياس . نقل حنين بعضه الى السريانية، كما نقل ابنه اسحق المقالتين الى السريانية، ونقل بشرمتي ما ترجمه حنين الى العربية . شرح ثاسطيوس المقالتين شرحاً تاماً وكذلك فعل الاسكندر الافرودسي ويحيى النحوي والكندي والفارابي .‏

5-الطوبيقا، وهو كتاب المواضيع الجدلية : نقله اسحق الى السريانية ثم ترجمه يحيى بن عدي الى العربية.وفسر الاسكندر الافروسي ويحيى النحوي بعض مقالاته .‏

6-السوفسطيقا:ومعناه الحكمة المموهة، نقله ابن الناعمة وأبو بشرمتي الى السريانية، وترجمه يحيى بن عدي الى العربية وفسره الكندي .‏

7-الريطوريقا: ومعناه كتاب الخطابة،قيل إن اسحق بن حنين نقله الى العربية، وفسّره الفارابي .‏

8-البويطيقا: ومعناه كتاب الشعر،نقله أبو بشرمتي من السريانية الى العربية، وكذلك فعل يحيى بن عدي، واختصره الكندي .‏

وأحصى بطليموس مؤلفات أرسطو في العلوم التطبيقية، فتجاوز عددها المئة، من أشهرها :‏

-كتاب في السماء والعالم أربع مقالات -كتاب في الآثار العلوية أربع مقالات‏

-كتاب في النفس ثلاث مقالات -كتاب فيما بعد الطبيعة (13) مقالة‏

-كتاب في طبائع الحيوان عشر مقالات -كتاب في تناسل الحيوان مقالتان‏

- كتاب في الاعضاء التي بها الحياة أربع مقالات -كتاب في النبات مقالتان‏

-كتب نعت الاحجار ومنافعها -كتاب في علم النجوم ‏

-كتاب في الأنواء‏

تاريخ الطب اليوناني :‏

وفي باب ابتداء الطب قال محمد بن اسحق النديم صاحب الفهرست : إن اسحق بن حنين في تأريخه قال إن أهل مصر استخرجوا الطب، والسبب في ذلك أن امرأة كانت بمصر، مبتلاة بالغنظ ( الكرب والهم ) والررد ( سقوط الأسنان ). فكانت ضعيفة المعدة، وصدرها مملوء أخلاطا ردية، وكان حيضها محتبساً، فاتفق ان أكلت الراس Inula، فذهب غنها جميع ماكان بها، فاستعمل الناس هذا النبات لجميع الاوجاع . وقال آخرون : إن هرمس استخرج سائر الصنائع والفلسفة والطب . وبعضهم يقول أهل قوCoa ( وهي الجزيرة اليونانية التي نشأ فيها أبقراط ) … وذكر يحيى النحوي في تاريخه أن اسقلبيوس كان الأول في صناعة الطب، وأن بينه وبين وفاة جالينوس ( 5560 ) سنة، ثم ذكر أسماء عدد كبير من الاطباء اليونان الذين ظهروا خلال تلك . وكان من أشهرهم :‏

أبقراط Hippocrate :‏

وهو ابن ايراقليس : واليه انتهت رئاسة الطب في بلاد اليونان . تكلم عنه يحيى النحوي فقال إنه وحيد دهره، الكامل الفاضل، المبيّن والمعلم لسائر الأشياء، الطبيب الفيلسوف الذي يضرب به المثل : بلغ به الأمر إلى أن عبده الناس … وهو أول من علّم الغرباء صنعة الطب، وجعلهم شبيهاً بأولاده، لما خاف على الطب أن يفنى من العالم . عاش خمساً وتسعين سنة، وتوفي مخلفاً ثلاثة أولاد وهم : ثاسلوس اودراقن والابنة مايا ارسيا .‏

ثم ذكر ابن النديم بعد ذلك أسماء كتب ابقراط، ومافسره جالينوس منها، وماترجمه حنين بن اسحق ومدرسته الى السريانية أو العربية، وهذه الكتب هي : عهد أبقراط -الفصول-تقدمة المعرفة- الامراض الحادة -الكسر -الابيديميا-الاخلاط-القاط ( حانوت الطبيب ) -الماء والهواء (والأمكنة) -طبيعة الإنسان .‏

وبعد وفاة ابقراط (377 ق.م) عن عمر يتجاوز الثمانين عاماً، خلفه في التدريس وممارسة الطب صهره بوليب Polype . ويقال بأنه شارك بتأليف بعض مؤلفات ابقراط ومنها كتاب طبيعة الانسان، كما اشتهر الابن الاكبر لابقراط والمدعو Tessalus بكونه الطبيب الخاص لملك مقدونية أركيلوس .‏

وتوالى بعد ذلك ظهور أطباء آخرين من نسل أبقراط، بلغ عددهم (23) طبيباً منهم ثلاثة يحملون أسم أبقراط . وكان ابقراط الرابع طبيباً لروكسانا زوجة الاسكندر الكبير . وبعد الطبيب دراكون الثالث،ابن ابقراط الرابع، آخر طبيب ظهر من هذه العائلة، التي حافظت على مبادئ عميدها، والطرق التي كان يسير عليها في مداواة المرضى والعناية بهم .‏

تطور العلوم والفلسفة اليونانية في مدينة الاسكندرية :‏

كانت العلاقات التجارية والثقافية بين مصر الفرعونية وبلاد اليونان قديمة العهد . وازدادت هذه العلاقات رسوخاً بعد حملة الاسكندر على بلاد الشرق الأوسط وبنائه لمدينة الاسكندرية. حكم الاسكندر الكبير بلاد اليونان عام 336 ق.م، بعد مقتل أبيه فيليب الثاني ملك مكدونية . وبعد أن تغلب على داريوس ملك الفرس عام 333 ق.م اتجه الى سورية، ثم تابع طريقه الى مصر حيث أمر ببناء مدينة الاسكندرية عام 331 ق.م. ولما توفي الاسكندر بعد عودته من بلاد الهند عام 323 ق.م اقتسم كبار ضباطه البلاد التي استولى عليها . فأنشأ سلوقس الأول مملكة على ساحل الدجلة عام 305 ق.م، شملت العراق وشمال سورية، وجعل عاصمتها انطاكية ـ واستمر حكم اسرته حتى عام 64 ق.م وأنشأ البطالسة او الليجيديون، مباشرة بعد وفاة الاسكندر، مملكة في مصر دام حكمها ثلاثمئة عام. وكان آخرملوكها بطليموس السادس عشر، وهو ابن الملكة كليوبطرا السابعة من يوليوس قيصرامبراطور روما، وقد حكم مصر من عام 47 الى عام 30 ق.م.‏

استعان الملوك البطالسة بالعلماء والاطباء اليونان، الذي وفدوا على مدينة الاسكندرية، كما نقلوا إليها علماء مدرسة هيليوبوليس (عين شمس) . وكان ستراتون Straton تلميذاً لتيوفراسطس، ابن اخت ارسطو وتلميذه ايضاً، جاء مع الوافدين الى الاسكندرية فعهد اليه بتأسيس متحفها Museum، ومكتبتها المشهورين.ويقول المؤرخ الروماني أولوجل Aulugelle : ان مكتبة الاسكندرية كانت تضم مايقرب من سبعمائة ألف مجلد . أما المتحف فكان بمثابة جامعة تضم عدة معاهد، وكان يؤمها نحو أربعة عشر ألف طالب . وتضم هذه الجامعة عدة أبنية، في كل واحدة منها قاعة فسيحة لتعليم الطب او الفلك او العلوم الرياضية والهندسة او الكيمياء . كما يوجد في بعضها مدرجات يقوم فيها الأطباء بتشريح جثث من حكم عليهم بالاعدام من المجرمين . وفي تلك المدرجات كان الطبيبان هيروفيل وايرازيسترات يقومان بالتشريح المقارن لجسم الانسان والحيوان . زفي مدرسة الاسكندرية ظهر علماء السيمياء Alehimie، وكان الهدف منه تحويل المعادن الخسيسة الى معادن ثمينة، أي الى فضة او ذهب .‏

ومن علماء الاسكندرية الأوائل إقليدس Euclide، وهو عالم بالهندسة والرياضيات وواضع اسس الهندسة المسطحة عاصر بطليموس الأول في مصر، ودرس في مدينة الاسكندرية . وهو صاحب النظرية التي تقول أن الأرض ثابتة وتقع في مركز العالم .‏

العلوم والفلسفة اليونانية في العصر الروماني :‏

بعد وفاة الاسكندر تحولت بلاد اليونان إلى مقاطعات متنازعة، فاستنجد بعضها بالدولة الرومانية الناشئة. وهذا ماساعد على بسط نفوذ تلك الدولة،وسقوط مدينة أثينا بيدها (عام 146ق.م ).كان الرومان أدنى حضارة من اليونان، وكانوا بأشد الحاجة للاطباء والجراحين لمداواة جنودهم أثناء الحرب .لذلك لجؤوا الى الاطباء اليونان وأولوهم ثقتهم، وإن كانوا لا يحبونهم ولا يحترمونهم لكونهم من طبقة الرقيق. وظهرت في مدينة روما حانات كان يعمل بها أطباء يونان، يقومون بتحضير الأدوية . لكن بعض الرومانيين ظلّوا يفضّلون اللجوء الى السحرة والدجّالين وبائعي الاعشاب حسب العادة .‏

- ومن الاطباء اليونان الذي رحلوا الى روما طلباً للرزق أسكلبياد Asclepiade (104-40 ق.م) أسس في روما مدرسة حاربت افكار من سبقه من الأطباء وآراءهم واعتمد في مداواته على : الالعاب الرياضية،والمعالجة بالماء، والتدليك، وشرب الخمر، وشاع ذكره في روما لأنه أنعش رجلاً أصيب بالموت الكاذب .‏

- ومن الاطباء اليونان الذين عاصروا ظهور المسيحية ديسقوريدس Discorides ولد في مدينة عين زرب شمال سورية . عمل في الجيش الروماني في عهد الامبراطور نيرون (54-68 م). وكان أثناء تنقلاته يجمع النباتات الطبية ويدرس صفاتها وخواصها الدوائية . ألف كتاباً عُرف باسم المادة الطبية، وهو يضم نحو (950)عقاراً او دواءً مركياً، منها نباتي أو حيواني او كيميائي . وترجم كتابه هذا من اليونانية الى العربية الطبيب اصطفان بن باسيل، وأصلح ترجمته حنين بن اسحق .‏

- وفي أوائل القرن الثاني بعد الميلاد ولد الطبيب اليوناني جالينوس Galinus، في مدينة برغام بالقرب من إزمير . تعلم الحساب والهندسة والمنطق والفلسفة في بلده.ولما بلغ العشرين من عمره رحل الى الاسكندرية حيث تعلم الطب . ولما عاد بعدها الى بلده عيّن طبيباً جراحاً في مدرسة لتعليم المبارزة . ثم سافر الى روما عام (131م) حيث استقر وصار من مشاهير الاطباء .‏

كان جالينيوس معجباً بآراء ابقراط ومؤلفاته، لذلك قام بتفسير جميع ما ألفه . واتخذ نظرية الاخلاط الأربعة وهي الدم والبلغم، والهواء والتراب وطبائعها الأربع وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أساساً للمداواة الضدية التي كان يتبعها أبقراط . واعتبر الروح هي المسيطرة على الجسد . قام بتشريح جسم الانسان ووصف أعضاءه الخارجية والداخلية، وقال ان صورة كل عضو تتلازم مع طبيعة عمله، وان الطبيعة حكيمة لا تخطىء .ومن الأعمال التي قام بها جالينوس تحضير بعض الأدوية . وتعد مؤلفاته في التشريح، وفي علمي الأدوية المفردة والمركبة، وتحضير الاشكال الصيدلية . وبما أن آراء جالينيوس وأفكاره تنسجم مع مايقوله رجال الدين المسيحي وعلماء المسلمين، لذلك اطلق عليه اسم الطبيب الملهم والفاضل .‏

ومن علماء مدرسة الاسكندرية المشهورين بعلم الفلك بطليموس القلوزي Ptotemus claudius وكان عالماً رياضياً وجغرافياً أيضاً . عاش في زمن الأمبراطور ماركوس اوريليوس (161-180)م . ولد في صعيد مصر بالقرب من مدينة طيبة، ثم انتقل الى مدينة الاسكندرية . ألف أشهر كتاب في علم الفلك في زمنه، وهو المعروف باسم المجسطي، ويعني المجموع الكبير Almagest.‏

كان علم الفلك عند بطليموس مبنياً على الأرصاد، سواء منها ما قام به هو نفسه، أوماورثه عن اسلافه من الفلكيين البابليين والمصريين والإغريق . واستخدم في أرصاده أدوات فلكية، كالكرة التي تمثل الفلك والآلة التي أصلحها لقياس أبعاد النجوم . ولم تكن الوظيفة الرئيسة لهذه الآلات تسجيل الارصاد فقط، وانما كان الغرض منها الوصول الى التفسير الرياضي للوقائع التي تكشف عنها الأرصاد وربطها بعضها ببعض . ومن مشاهير مدرسة الاسكندرية فيلسوف يوناني من أصل يهودي يدعى فيلون Philon، ولد في الاسكندرية عام 13 ق.م وتوفي عام 54م. لقد ظهر خلال الفترة الممتدة بين القرن الاول قبل الميلاد والقرن الثاني بعده تيار غزا الفكر الفلسفي اليوناني، ويعد فيلون أول فيلسوف يميز التيار الجديد الذي حاول أصحابه أن يجددوا الفلسفة الأفلاطونية،ويرفعوا التعارض بين الروح والمادة .‏

كان لترجمة كتاب التوراة الى اللغة اليونانية في مدرسة الاسكندرية ظهور نزاع قوي بين الفلسفة والدين، أو الفعل والنقل ــ ويقول الدكتور بدوي، في كتابه الأفلاطونية الجديدة، عند الكلام عن فيلون :‏

" يمتاز فيلون، عمن سبقه من المفكرين اليهود، بأننا نجد لديه لأول مرة الحقيقة الدينية، وقد وضعت في صيغة فلسفية، فهو يؤمن كل الايمان بأن الاسفار الخمسة التي نزلت على النبي موسى لابد أن تكون صادرة عن وحي إلهي، والا لما استطاعت البقاء تلك المدة الطويلة … ولكنه كان الى جانب آخر شديد العناية بالفلسفة اليونانية، التي غزت عقول المفكرين في ذلك العصر، ويرى أنها هي الأخرى تعبر عن الحقيقة … لكن الأقوال الدينية أكمل وأتم، وما الفلسفة الا خادم للدين ".‏

جاء بعد فيلون فيلسوف روماني يدعى أفلوطين Plotin، قطنت عائلته في مصر بين عامي (205-270) م، درس خلالها في مدينة الاسكندرية . ثم ذهب بعدها الى روما حيث قام بتدريس فلسفة هي مزيج من أسس الفلسفة اليونانية القديمة ومبادئ الدين المسيحي الجديد .‏

لقد استطاع افلوطين أن يفصل فصلاً تاماً بين الخالق الأول وبين الأشياء، فهو الذي جعل الوجود المادي شيئاً صادراً عن الوجود الأول أي وجود الإله . وأن يبين في دقة وإحكام كيفية صدور الموجودات عن الله، ويبين كذلك آثار هذه القوى الإلهية في المخلوقات، ويرتب ذلك ضمن نظام منطقي معقول . لذلك أطلق على فلسفته هذه اسم الافلاطونية الحديثة . لأن افلاطون هو أول من عني من فلاسفة اليونان بالدين، وتبعه بعد ذلك تلميذه أرسطو ومن جاء بعده من الرواقيين .‏

ترجمة العلوم اليونانية الى اللغة العربية :‏

لم يكن للعرب قبل الاسلام علوم يعتد بها . وترجع علومهم الطبيعية و الطبية الى ما أوحت به الملاحظات العابرة والتجربة اليومية، وماقضت به ظروف الحياة وأسباب العيش، كمعرفة مطالع النجوم ومغاربها، وأنواء الكواكب وأمطارها . واستعمال بعض الاعشاب المنتشرة في جزيرة أو المستوردة لمعالجة بعض الأمراض البسيطة . ولما جاء الاسلام وجه أنظار المسلمين الى ما في الكون من عجائب وفوائد، ودعاهم للبحث والنظر . لقد امتدت فتوحات العرب شرقاً وغرباً، منذ صدر الاسلام فاتصلوا عن قرب بالحضارات القديمة والمعاصرة، ووقفوا على علوم لا عهد لهم بها . وكانوا على درجة عالية من الوعي فلم يمسّوا المؤسسات العلمية والدينية التي كانت قائمة لأهل الكتاب، لهذا تابع من بقي من علماء مدرسة الاسكندرية ابحاثهم، كما تابعت مدرسة جنديسابور وحران وغيرهما رسالتهم في نشر العلم والترجمة . وانطلق العلماء من تلك المدارس الى البلاد العربية، بناء على الخلفاء والأمراء، أو طلباً للرزق الذي انفتحت أبوابه أمام الجميع .‏

قام بعض هؤلاء الوافدين، الى جانب ممارسة مهنة الطب، بترجمة بعض المؤلفات الفلسفية أو العلمية من إحدى اللغات الشرقية أو الغربية، وخاصة اليونانية والسريانية . وهكذا تمت ترجمة بعض المؤلفات في الكيمياء والطب منذ العصر الأموي تحت إشراف خالد بن يزيد بن معاوية، الذي أنشأ أول خزانة للكتب في مدينة دمشق.‏

ومنذ القرن الأول للهجرة ظهرت بين الكوفة والبصرة دراسات لغوية ودينية ؛ إلا أن الحركة العلمية لم يبدأ نشاطها الفعلي إلا في القرن الثاني . ثم أخذت تنمو وتترعرع طوال قرون أربعة، فامتد نشاطها بحيث شملت علوماً وفنوناً كثيرة، معتمدة في أول الأمر على الترجمة، ثم تحولت الى شرح أو نقد أو تلخيص .وكان ذلك نتيجة لتمثل علوم كثيرة تمت على يد أعلام أمثال الكندي والرازي والبيروني والبتاني وابن سينا والفارابي وغيرهم . ويقول الدكتور العوا في كتابه حقيقة إخوان الصفا :‏

" إن سيطرة الشعب العربي على شعوب متنوعة الحضارة والعقائد الدينية سببت احتكاك ثقافات عديدة بعضها ببعض . وكان من نتيجتها أن دخل الاسلام بعد الفتح أفراد من ديانات مختلفة،وكان بعضهم علماء في ديانتهم .فلما اطمأنوا واستقروا على الدين الجديد أخذوا يقارنون بين تعاليم الاسلام وتعاليم دينهم القديم ويثيرون مسائل ومشاكل، ويطرحون تعليلات بعيدة عن الاسلام " .‏

كان الجهاد العربي، في ظل الدولة الأموية، منصرفاً لتوسع الحكم واستقراره، لذلك لم يكن هناك مجال للتفكير في هذه الأمور .ولكن استقرت أمور المسلمين في العصر العباسي، وبدأت حركة الترجمة على نطاق واسع، للمؤلفات العلمية والفلسفية لأعلام اليونان، تولد علم جديد، كان يمثل أحسن تمثيل حاجة أكثر المواطنين، ويعرف هذا العلم في تاريخ الفلسفة عادة باسم (علم الكلام).‏

ثم يقول الدكتور العوا " كان اسم (المتكلمون) يدل في أول الأمر على من يجعل مسألة مختلف فيها، من مسائل الاعتقاد، موضوع برهنة جدلية، مقدماً براهين نظرية لدعم القضايا التي يعرضها . ولكن سريعاً ما تعدّل هذا الاصطلاح فأصبح يدل على اولئك الذين يعملون من المسلمات الدينية الإسلامية قضايا يجب أن تكون مقبولة حتى من الأدمغة المفكرة . وكانت من نتيجة ذلك أن ظهرت في أوائل القرن الثاني للهجرة نواة لفرقة المعتزلة بقيادة الحسن البصري … ثم تابع المسيرة بعده تلميذه واصل بن عطاء، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لها …لقد اعتبر بعض المؤرخين حركة المعتزلة إصلاحاً دينياً، واعتبرها آخرون دفاعاً عن الدين الاسلامي ".‏

تأثير العلوم واللغة السريانية في العلوم واللغة العربية‏

من المرجح لدى كثير من المؤرخين أن موطن الكنعانيين كان جزيرة العرب،وأن نزوحهم من هذه الجزيرة حدث بين القرنين الثلاثين والخامس والعشرين قبل الميلاد، ثم انتشروا بعد ذلك في جميع انحاء سورية وفلسطين . ويقول العالم ولفنسون " لم ينص التاريخ على أن سورية كانت مأهولة بأحد قبل الكنعانيين، ولكن يغلب الظنّ أن بعض مناطق سورية وفلسطين كانت مأهولة ببعض الأقوام منذ أقدم الأزمنه".‏

لم تكن حضارة الشعوب التي كانت تقطن في الجزيرة العربية وبلاد الرافدين معروفة بصورة جلية قبل منتصف القرن التاسع عشر . ولكن بعد هذا التاريخ قامت بعثات أثرية من الدول الغربية بالتنقيب عن الآثار في التلال المنتشرة جنوب العراق وشماله، وعلى ضفتي الفرات، والساحل السوري، والتي يقدر عددها بنحو (700-1000) تل . فعثرت على مدن منغمسة في التراب، وهي تضم قصوراً ملكية ومساكن تحيط بها أسوار عريضة متعددة الأبواب . كما وجدوا فيها مكتبات وغرف جمعت فيها تماثيل بأحجام مختلقة، ورقماً طينية منقوشة بالخط المسماري، ومدّونة بعدة لغات . واستطاعت تلك البعثات الأثرية، بالتعاون مع اساتذة اللغات الشرقية في أوربا فك رموز تلك الرقم . وبنتيجة تلك الأبحاث تبين لهم أن بلاد الرافدين كان يقطن فيها، منذ حوالي الألف الخامس قبل الميلاد شعبان متعايشان : السومريون، وكانوا يشكلون أغلبية السكان في جنوب البلاد، وهم من أصل آري غالباً، والآكاديون، وكانوا يسيطرون على أواسط البلاد، وهم من أصل سامي .‏

كانت اللغة السومرية لغة الأدب والعلم والتجارة، وبها دونت أكثر الألواح المسمارية حتى القرن الثاني قبل الميلاد.أما اللغة الأكادية فكانت اللغة العامية الشعبية، لكنها استطاعت بكثرة ألفاظها ومعانيها، وسهولة قواعدها والاشتقاق منها، أن تسود البلاد بعد ذلك.‏

ظلت اللغة الآكادية،واللغتان المشتقتان منها وهما البابلية والآشورية، سائدة في بلاد الرافدين قرابة ألفي عام.وعندما تأسست الدولة الكلدانية،أو البابلية الحديثة، أخذت اللغة الآرامية تحل محل اللغة الآكادية وذلك حوالي عام 539 ق.م.‏

قام علماء اللغات السامية،ومنهم الاستاذ ولفنسون، بدراسة ومقارنة بين حروف وألفاظ ومعاني تلك اللغات،وقواعد النحو فيها،فوجدوا شبهاً كبيراً بينها وبين اللغة العربية.وهذا ما دعا العالم Springer الى القول أن جميع البابليين والآشوريين والآراميين والفنيقيين وغيرهم هم عرب،هاجروا من جزيرتهم كلما امتلأت الجزيرة بهم،أو أجدبت على أثر انحباس المطر.أماسكان سورية فمن المرجّح أنهم كانوا من الكنعانيين،نزحوا أيضاً من الجزيرة العربية قبل عام 2500ق.م ثم انقسموا الى شعوب وقبائل فكان منهم العموريون (الاموريون)والحّويون الجرجاشيون واليبوسيون،وأطلق اليونانيون على الكنعانيين الذين سكنوا الساحل السوري اسم الفينقيين.وأنشأ العموريون عدة ممالك في سورية والعراق،وكان من اشهرها مملكة ماري،ومملكة يمحاض (حلب)،ومملكة بابل في عهد حمورابي،ومملكة اوغاريت،ومملكة إيبلا.‏

وقبل منتصف الألف الثاني قبل الميلاد استوطنت بعض القبائل الرحل ضفاف وادي الفرات الأوسط،حيث ظهرت قوميتها ولغتها،وعرفت باسم الشعب الآرامي.وأطلق العموريون على أفراد هذه القبائل اسم الأخلامو، ويعني الرفاق أو الخلاّن.‏

أسس الآراميون عدة دويلات في بلاد الهلال الخصيب،وكان من أشهرها إرم عاد في بلاد الاحقاف.وإرم فدان في مدينة حرّان،وإرم ذات العماد في دمشق.وكانت الأخيرة اهم تلك الدول،تأسست آواخر القرن الحادي عشر قبل الميلاد،وامتد نفوذها من نهر الفرات شمالاً الى وادي اليرموك جنوباً.‏

العلاقة بين اللغتين الآرامية والسريانية:‏

انتشرت اللغة الآرامية في جميع دويلات الهلال الخصيب عن طريق التّجار الآراميين،فأصبحت لغتهم،حوالي القرن الخامس قبل الميلاد،لغة التجارة والحضارة،وفاقت بذلك جميع شقيقاتها من اللغات السامية.حتى أن السيد المسيح،وهوعبراني الأصل تكلم بها،كما أن بعض أسفار العهد القديم دونت باللغة الآرامية.وبانتشارهذه اللغة انتشرت الأبجدية الفينقية،لأن الآراميين كانوا من أوائل من اقتبسها.وتفرقت اللغة الآرامية الى عدة لهجات محّلية،منها النبطية والتدمرية ولهجة سكان الرها Edessa.ولما انتشرت المسيحية بين الآراميين في سورية اصطفى رجال الكنيسة لهجة الرها لعذوبتها، وصارت تعرف باسم اللغة السريانية منذ القرن الثاني للميلاد.‏

كان لظهور الديانة المسيحية في بلاد الشرق دعم لانتشار اللغة السريانية فيها.ويقول الدكتور حتي في تاريخه:" كانت اللغتان اليونانية والسريانية تستعملان في العبادة وأداء الطقوس الدينية منذ عهد الرسل.وبعد أن ارتقت انطاكية الى مركز الصدارة في الجزء الذي كان يتكلم اهله اليونانية،بدأت مدينة الرها بالارتقاء الى مكانة مشابهة في البلاد التي تتكلم السريانية.وأصبحت أقدم مركز للمسيحية في شمال سورية وبلاد الرافدين".‏

وحينما انتشرت الديانة المسيحية بصورة رسمية،في أوائل القرن الرابع للميلاد، فرضت اللغة السريانية نفسها تجاه اللغة اليونانية في كثير من الكنائس الشرقية،ولاسيما تلك التي كانت تقول بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح.كان المثقفون من السوريين في ذلك الوقت يتكلمون إحدى اللغتين الأوربيتين:اليونانية أو اللاتينية،فمنهم من اهتم بتعلم اللغة اللاتينية أملاً بالحصول على احدى الوظائف المرموقة في الدولة الرومانية،أما الذي فضلوا دراسة العلوم والفلسفة ففضلوا تعلم اللغة اليونانية.وتمسك عامة الشعب باللغة السريانية باعتبارها اللغة القومية للبلاد.ويقول أحمد أمين في كتابه ضحى الاسلام:‏

" كان للسريان فيما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تُعلّم فيها العلوم السريانية واليونانية،وكانت هذه المدارس تتبعها مكتبات".وكان يشرف على تلك المراكز العلمية رهبان النساطرة واليعاقبة.‏

لقد أظهر النساطرة براعة فائقة في تعلم اللغات،لذلك كانوا خير الوسطاء في نقل الثقافة اليونانية والسريانية الى اللغة العربية عن طريق الترجمة.وكانت اللغة السريانية هي همزة الوصل غالباً بين اللغتين،اليونانية والعربية.ويعود الى النساطرة الفضل في تأسيس بيمارستان جنديسابور، الذي تخرج فيه كثير من الأطباء السريان والفرس،وكان من أشهرهم أسرة بختيشوع،وما سويه الخوزي وابنه يوحنا، وسابور.بن سهل،وحنين بن اسحق وابنه وطلابه.‏

واشتهر من اليعاقبة سرجيوس الرأسعيني، الذي كان فيلسوفاً وطبيباً وعالماً بالكيمياء والفلك،ذهب من بلده رأس العين الى الاسكندرية،حيث اتقن اليونانية،ودرس مختلف العلوم.ثم قام بترجمة بعض مؤلفات ابقراط وجالينوس الى اللغة السريانية،وتوفي عام(546م).‏

مانقله المترجمون من اللغتين اليونانية والسريانية:‏

يقول العالم روزنتال في كتابه (استمرار علوم الاغريق القدماء في الاسلام):" ليس يكفي الدافع النفعي العملي والنظري ليعلل لنا ظاهرة العملية الواسعة لترجمة الكتب الأجنبية الى اللغة العربية،بل لابد من فهم موقف الدين الاسلامي ذاته من العلم.وموقفه هذا كان المحّرك الكبيرلا للحياة الدينية فحسب،بل للحياة الإنسانية في جميع جوانبها.وموقف الاسلام هذا كان هو الدافع الأكبر في السعي وراء العلوم".‏

إن أكثر الباحثين يقولون:إن حركة الترجمة،بصورة منتظمة بدأت مع بداية الخلافة العباسية،أي في منتصف القرن الثاني للهجرة، وبلغت ذروتها بين القرنين الثاني والثالث،بعد تأسيس دار الحكمة على يد المأمون.ومما لاشك فيه أن أكثر اهتمام المترجمين والباحثين العرب والمسلمين كان منصباً على العلوم ذات الاهمية في الحياة العملية،وخاصة:الطب والصيدلة والجغرافيا والفلسفة والرياضيات والهندسة وعلم النجوم(التنجيم)وعلم الهيئة(الفلك).لقد أحصى ابن النديم أسماء أشهر من قام بنقل هذه العلوم الى اللغة العربية،فتجاوز عددهم الثلاثين.وكان لحنين بن اسحق وابنه اسحق الفضل في نقل أكبر عدد من المؤلفات الطبية والفلسفية من اليونانية الى العربية.‏

ظل العلماء العرب،كما يقول الدكتور سزكين،حتى أواسط القرن الثالث للهجرة،يعدّون أنفسهم أشبه بتلامذة لقدماء العلماء والفلاسفة اليونان،وظلوا يكنون لهم الاحترام والتقدير.فكان أبقراط أباً للطب والأطباء،وأرسطو المعلم الأول للفلسفة والمنطق،وجالينوس الطبيب الملهم الفاضل.‏

لقد تحلى العلماء العرب والمسلمون بالأمانة العلمية،والتي تتجلى بذكر المصادر التي يستقي العالم منها معلوماته، دون تحريف أو انتحال.كما كان لهم الفضل في حفظ أسماء علماء،ينتمون لقوميات مختلفة،اقتبسوا من مؤلفاتهم المفقودة في الوقت الحاضر،فأحيوا ذكرهم.‏

ومن مميزات العلماء العرب والمسلمين النقد البريء من التجريح،وتصحيح الأفكار والآراء الخاطئة.ولم يقتصر ذلك على علم معين،فمثلاً في علم الطب انتقد موفق الدين البغدادي جالينوس لأنه قال بأن الفك الأسفل يتألف من عظمين، والصواب من عظم واحد،كما انتقد ابن النفيس جالينوس أيضاً لأنه قال بوجود فتحة بين البطينين في القلب،ولجهله بوجود الدورة الدمويةالصغرى.‏

ومما يجب ذكره أن كثيراً من المؤلفات اليونانية المزيفة أو المنحولة ظهرت في بيزنطة بعد انتشار المسيحية.‏

فقد عمد بعض الباحثين إلى وضع مؤلفات مقتبسة من أفكار علماء اليونان الأوائل،ونسبوها إليهم،سعياً وراء الربح والشهرة.وبما أن المترجمين، من سريان وعرب،قد أتقنوا نقل المؤلفات اليونانية إلى اللغة العربية،فقد استطاعوا كشف هذا التزييف، بالاعتماد على اختلاف اسلوب ولغة قدماء العلماء اليونان عن اسلوب ولغة المحدثين.‏

التقارض بين اللغة العربية واللغتين السريانية واليونانية:‏

قام البطريرك ماراغناطيوس أفرام الأول عضو مجمع اللغة العربية بدمشق،بتحرير عدة مقالات نشرت في مجلة المجمع بيت عامي 1948-1951م- ثم جمعها في كتاب نشر تحت اسم (الألفاظ السريانية في المعاجم العربية).‏

لقدقام غبطته بدراسة لغوية متعمقة للألفاظ السريانية والدخيلة،مما استعمله العرب واقتبسوه من لغات الشعوب المجاورة لهم،ومنها الفارسية والآشورية والعبرانية، وبلغ مجموع تلك الألفاظ (660) لفظة،منها(352) لفظة سريانية بحتة،و(27) لفظة يرجح أنها من أصل سرياني،و(43)لفظة اتفقت فيها السريانية والعبرية و(44) لفظة اتفقت فيها الآشورية والسريانية والعبرانية والعربية،ولدى تدقيق مجمل تلك الألفاظ تبين أن فيها (70) لفظة تدل على اسماء نباتات،و(50) لفظة تدل على مصطلحات طبية،وأدوات تستعمل في الصيدليات أو المنازل و(35) لفظة هي أسماء حيوانات أو طيور أو مواد معدنية .‏

وفي عام 1969م نشر البطريرك ماراغناطيوس يعقوب الثالث، عضو مجمع اللغة العربية بدمشق أيضاً كتاباً عنوانه (البراهين الحسية على تقارض السريانية والعربية) ذكر في مقدمته مايأتي :" اللغتان الشقيقتان، السريانية والعربية،تفرعتا عن الدوحة السامية الكبرى،لكي تظل الواحدة في معزل عن الأخرى دهراً طويلاً،ثم تصبّ الواحدة على الأخرى،فتلتقيان لتعيشا متعانقتين متآزرتين متقارضتين".ثم قال بعد ذلك:"لقد تشابهت في كلتا اللغتين مئات من الألفاظ معنى ولفظاً،وهي إما مما توارثناه عن اللغة الآكادية، او مما استقرضته كل منهما من الأخرى".‏

أما اليونانية فهي لغة بعيدة كل البعد عن اللغة العربية،ولكن نظراً لأن اللغةالعربية تمتاز بوفرة ألفاظها ومعانيها،وسهولة الاشتقاق منها،فقد استطاع أوائل التراجمة إيجاد ألفاظ ومصطلحات تؤدي معنى الألفاظ والمصطلحات المنتشرة في المؤلفات الفلسفية والعلمية،والتي قاموا بنقلها من اليونانية الى العربية.ولكن تعذرعليهم إيجاد أسماء كثير من مفردات الأدوية من نباتات أو حيوانات أو معادن لم يعرفها العرب فعربوها. ونجد ذلك واضحاً في كتاب الجامع لمفردات الأغذية والأدوية لابن البيطار.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 71 – 72 – السنة 18 – تموز "يوليو" 1998 – ربيع الأول 1418

142 Views

عن

تعليقات

  1. dyadak قال:

     سجل غير مسمى

    اليونان، وأثر ذلك على الفنون اليونانية، ودراسة الآثار اليونانية من خلال مراكزها الداخلية والخارجية، وتخطيط المدن اليونانية وأمثلة منها، والعمارة اليونانية بمختلف أنواعها، والفنون اليونانية الأخرى "فخار وتصوير، نحـت نقود" وأهمية فنون

إلى الأعلى