الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » التصوف و الأخلاق » التصوف في إيران القديمة محمد المقري ت. نهاد خياطة

التصوف في إيران القديمة محمد المقري ت. نهاد خياطة


التصوف في إيران القديمة ـــ محمد المُقري ـ ت.نهاد خياطة

لعل من التناقض الزمني أن نستخدم مصطلح "صوفي" في درسنا لإيران ما قبل الإسلام، في المقابل، لقد أدّى سياق الأفكار والرياضات، المبنيّة على التقوى وعلى تعاليم القرآن، إلى موقف عميق للروحانية التي رسم أطُرها وبيّن مضامينها كثير من صوفية المسلمين.‏

ومع ذلك، ما انفكّ هؤلاء، بمرور الزمن، يرجعون جزئياً إلى المصطلحات بلا حرج، كما يفعل غيرنا متسرّعاً، بأن التصوف الإسلامي هو استمرار لجملة من الأفكار كانت موجودة قبل ظهور الإسلام نفسه؟ هذه مشكلة أساسية ينبغي ألا نستهين بها، ولا أن نتأثر بأي نوع من أنواع الانحياز أو باعتبارات سياسية راهنة، متملّقة لكنّها هشّة وزائلة. في الحقيقة، كل عاطفة مبالغ فيها أو فكرة مسبّقة سياسية- ثقافية تتصل بإيران القديمة لم تستطع أبداً أن تفاخر بكونها عاطفة أو فكرة بنّاءة: فقد أثار هذا بالفعل أكثر من خطاء تاريخي وعلمي إذ لم يستطع أن يكون غير أساس تستفيد منه الأعياد الفلكلورية، التي تحيي ذكرى استبداد تخطّاه الزمن.‏

لكي نقوّم موضوعياً القيم القديمة، فإن تصنيفاً للآليات الداخلية وتحليلاً تاريخياً وبنيوياً دقيقاً للمسائل السيكولوجية- الدينية يفرض نفسه رأساً في أول تناول لنا لهذا البحث الذي يتمحور حول تصوف إيران القديمة، إيران ما قبل الإسلام.‏

فإذا كان ثمة من تقليد صوفي حقيقي بوشر به ثم، اتّسع في إيران الإسلامية، فإن هذا كان بفضل خلق جو جديد من الأفكار وعلى الخصوص بفضل عمق المبادئ الإسلامية وتعاليم الرسالة الشمولية التي تؤاخي بين الناس والتي جاء بها القرآن، وهي رسالة تنبذ كل شكل من أشكال العصبية سواء ما تعلق منها بالعرق أو اللون أو الامتيازات أو الأصل الجغرافي. وقد أنبت هذا الصعيد المناسب الكثير من العبقريات الأدبية والفنية، بما قد أتاحه من ظهور إمكانيات إنسانية واسعة كانت دفينة حتى يومئذ.‏

على الرغم من أن التطورات التي لاشك أنها حدثت في إيران الإسلامية قد استثارت، في نظرة إلى الخلف، إعادة لتقويم بعض من مفاهيم الإيمان القديم، إلا أنه من غير المقبول الاعتقاد بأن مأثوراً طويلاً من الدين والثقافة كان مجرداً كلّياً من فكرة صوفية على نحو من الأنحاء.‏

كل شيء يحملنا على الاعتقاد بأن جرثومة التصوف كانت موجودة، بل ومنتشرة، في إيران في نهاية الحقبة الساسانية(قبل انهيار السلطة الملكية الطاغية): لقد كانت هذه نتيجة لتوافر شرط اجتماعي معين- ضاغط ومبدع نتج عن روح طبقية على نحو من الأنحاء- جعل الناس يتجهون نحو تفسير يضفي روحانية أكثر على الأساطير والدغماطيقات الرسمية.‏

قبل كل شيء، يتعين علينا أن ندرس، بإيجاز وعلى حدة، المكونات المختلفة لمجتمع لا تُقدّم عنه الشهادات التاريخية، بكل أسف، سوى معلومات فضفاضة عن السلطة القائمة يومئذ وعن حياة الناس وتطلعاتهم.‏

ولكي نتفادى كل التباس وكل إضافة غير مجدية من المشكلات القديمة، نفضل، في النطاق المحدود بهذا البحث، اعتبار هذه المسألة وفقاً لبنية داخلية، طارحين جانباً مظهرها الخارجي.‏

على الرغم من أن دعوة زرادشت كانت تنطوي على روح إصلاحية، إلا أن الأجزاء المختلفة من "الأفستا" في صيغتها الحالية، تنطوي على بقايا من عبادات ترجع إلى ما قبل المزدية. ولقد كانت ذكريات هذه العبادات هي الأساس لعدد معين من الخصوصيات(مصالح خاصة) الاجتماعية والإيديولوجية مؤيّدة، بالتوازي مع تعاليم النبي الإيراني، من سلطة ملكية تنسب نفسها، بحكم موقعها من السلطة، إلى سلالة شبه إلهية. وبما أن توضيح وتحليل الأفكار الأساسية الخاصة برسالة زرادشت لم نباشرهما قط، نلاحظ مع ذلك، في ضوء تفكير وبحث جدّيّين، تلك الحساسية المزدوجة التي يتصف بها مأثور ألفيّ يعكسه ركام كثيف من المعطيات التي اشتملت عليها"الأفستا".‏

إننا نستخلص نتائجنا وأفكارنا من النصوص المزدية التي يُعتقد أنها تحتوي على كتابات قديمة، على الرغم من أن قسماً كبيراً منها جرى تحريره في زمن متأخر.‏

لقد اختلطت بمفاهيم صاغها الأدب المتأخر الذي يعود إلى فرقة "البرسي" (وهم ذرية أتباع زرادشت الإيرانيين الذين هاجروا إلى الهند في الماضي).‏

لقد جاءت إلهاماتُ تصوّفيّة معينة نتيجة لسياقات طويلة تنامت على مراحل. فقد باشرها التأمل في الصور الميطيقية(=الأسطورية)- ناتجة عن كوسموغونيا (=ولادة الكون) ومولّدة لميتافيزيقا تناسبها-، مروراً بتأسيس أوامر ونواه أخلاقية ونوع من الحكمة الشعبية، وصولاً إلى صيغة مرتقية من الروحانية المنفتحة على التحرر، بعد غياب البنية الاستبدادية، في حقبة ظهور الإسلام وانتشاره.‏

والمراحل التي يتم اجتيازها، وهي التي ذكرناها، بالنسبة إلى العصر الذي تأسست فيه، غنيّة بالفكر البشري، ويشكل كل منها أساساً صلباً للمراحل اللاحقة.‏

عناصر تصّوفيّة انتقائية:‏

لقد اجتازت شموليةُ موضوعة صوفية معينة في إيران ما قبل الإسلام مسافةً طويلة قبل أن تتخلص من العقبات المتصلة باعتبارات ترجع إلى قومية اصطفائية قاصرة على الطبقات العليا من المجتمع ولا تكترث لمختلف التكتلات البشرية التي تغطي مساحة واسعة جداً.‏

إن مفهوم الـ "خوارانا" KHVARANA "النور القاهر"، على الرغم من وروده في "الأفستا" كثيراً، يبدو أنه ظل يحتفظ بذكريات تعود إلى ما قبل المزدية، أو إلى الحقبة ما قبل الزرادشتية تحديداً. فهذا النور مرتبط بأبطال وملوك أسطوريين يسبقون، في مجمل التاريخ التقليدي، دعوة زرادشت نفسها.‏

بحسب الأفستا(زمياد- يشت، 56، 57، 59، 60، 62، 63، 64)، يرجع هذا "النور القاهر" إلى الأقوام الآرية التي ولدت والتي سوف تولد"فهو، بحسب الفقرة 68 من هذا اليشت، يمنح الملك من القوة ما يستطيع معه"أن يقضي بضربة واحدة على جميع الأقوام غير الآرية". ثم هو"المجد الملكي الذي يحفظ الأقوام الآرية وأنواع الحيوان الخمسة، الذي يهبّ لنجدة الصالحين والديانة المزدية" (زمياد- يشت، 69). يتبّدى هذا"البهاء السماوي" في صيغته الابتدائية، الأولى في ثلاث صور متمايزة: صورة اهورا- مزدا وزرادشت(وهي صورة الكهنة)، وصورة الآريين(ايريانم خوارانو)، وصورة الملوك(كوا إم خوارانو). ثم تحوّل فيما بعد لكي يصبح" جزءاً من الجوهر الإلهي"، يحيط بهالته المقرّبين من الله أو أخلاّء الله، وهو مفهوم عزيز جداً على الصوفية المسلمين الإيرانيين.‏

لاشك أن الحصرية الابتدائية لهذا"النور القاهر" في الآريين وفي الملوك، ترجع جزئياً إلى المفاهيم التي تعين الوظائف المفيدة وقوة الكائنات السماوية. الجذر اللغوي لكلمة KHVARANA لا يمكن إلا أن تكون له صلة بـ HVAR الوارد في "الأفستا" أو H(u) VAR وSVAR الفيدية أو S(u)VAR(=الشمس). لكن السلطة الملكية انتزعت لنفسها معنى واحداً من هذا المفهوم، وهو القهر، بغية تأسيس امتياز خاص بذات الملك نبذه الإسلام فيما بعد. ليس من المستحيل أن تكون طرأت تعديلات أساسية في هذا المعنى على النصوص الأفيستية التي جرى تجميعُها في مختلف الحقب المتعاقبة في عهود الانحطاط و إنما طرح نفسه بغية تعميق عدد معين من الموضوعات المستطيقية(=التصوفية) التي تشكل بالتالي أساس الروحانية المثرية(نسبة إلى الإله"مثرا"). إذ ليس كهذا"النور الإلهي" ما يجلب الرفاهية والهناءة للناس وإلى مثوى العائلة، ويهب الخصب والوفرة للأرض المحروثة وللماشية. لقد تخلى هذا النور عن الملك"ييما"(=جمشيد) الذي نطق بالكذب واسلم نفسه للكبرياء والغرور(زمياد- يشت، 43- 49). هذه الموضوعية عادت فاتخذتها شهنامة الفردوسي التي وصفت سقوط جمشيد لكي تعطي هذه الحكاية مضموناً أخلاقياً وروحانياً يمكن تطبيقه وتعميمه في كل العصور على الجماعة الإيرانية: "عندما رأى هذا الملك أن سلطانه أخذ يتوطّد، لم يعد يقبل أن يضاهيه شخص آخر في العالم. فدعا ذات يوم أعيان المملكة إلى الاجتماع وأكد لهم أن ما من كائن حي يستطيع أن يعلو عليه. وأضاف أن بفضله ازدهرت الفنون وترسّخت أركان النظام…؛ لقد زعم أن جميع الناس مدينون له بالنوم والطعام والراحة وأن جهودهم ومسرّاتهم ما كانت لتوجد لولا فضله. ثم نسب حصريّة القهر(المجد) والتاج إليه وحده، متحدّياّ كل من يرتاب في سلطانه. بإظهاره هذه الكبرياء، ونطقه بالأكاذيب، وبعرضه أبّهته وثراءه أمام أعين الجميع، أظلمت أيامه المجيدة واعتزل شعبه بصورة نهائية. بذلك غادره"الخوارانا" الذي كان يقيم فيه، وانتهى جمشيد إلى أن غلب عليه أعداؤه". على الرغم من أن الأفستا دعت إلى سعادة الناس ورفاهيتهم وإلى حياة الدعة للماشية، إلا أن هذه الدعاوى التي تتسم بالغرور، وهذا العرض للثراء الشخصي، عبارة عن مطامح روحية فارغة بعيدة عن التقى والخشوع. فهذه كلها تناقض ذلك العمق الذي يتطلبه مثل أعلى له صلة بـ "النور القاهر" الذي يغمر رجل الله. هذا التنديد الذي يتكرر عدة مرات في المأثور الإيراني. (مثلما هو الحال على سبيل المثال الوساوس الغبية الشهيرة التي كانت تساور الملك كيكاوس في الملحمة الفارسية)، إنما يصدر عن روح متجردة عن الدنيوية ولا تكترث بها ولا بحياة المظاهر. إن هذا الحكم إنما يرجع إلى حساسية الشعب الإيراني المناهضة للاستبداد ويتبأر(1) في مؤسسة تتصادم على الدوام مع تطلعات الناس إلى حياة أفضل. شيئاً فشيئاً اتخذ مفهومُ"النور المجيد"(أو: النور القاهر)، الذي كان حُكراً على الملوك في البدء، معنىً جديداً واسعاً مع الإصلاح الزرادشتي، بحيث صار يشمل الإيرانيين عموماً لكي يحل أخيراً على"مرت- إي- أهرار" الإنسان الطاهر والكامل"في الديانة المزدية، مهما كان أصله وعرقه.‏

فالإنسان يمكنه احتياز هذا النور الذي يوزع القوة والعقل ببذل جهود شخصية واعتماداً على مكانته الروحية. لكن لا يناله الظالم ولا الطاغية، بل يظل بعيداً عن متناولهما. فالفقرات 45- 54 من "زمياد- يشت" تصف صراعاً مريراً بين "إسبانتا مانيو(=الروح القدس) و"انكرا مانيو" (=الروح الشرير) في سبيل الحصول على هذا النور المجيد أو القاهر كل من هذين العددّين يعبئ أنصاره وأتباعه الأكثر سرعة. في معسكر الروح القدس نجد"فوهو مانو"(الفكر الصحيح)، و"أشابهيشتا" (النظام الصالح)، و"أتار"(النار، ابن اهورامزدا).‏

وفي المعسكر المضاد يقف"أكام مانو"(الفكر الخبيث)، و"آيشما"(شيطان الغضب) و"داهاكا"(الهُولة ذو الأفواه الثلاثة)، و"اسبيتيورا"(اخ ييما). من كل معسكر يخرج بطل ثم يندحر عسكر الشيطان في النهاية، ويبقى"الخوارانا" في قاع بحر"فوروكاشا" يمسك بالخوارانا جنّي المياه، "ابام نابات". لكن الخوارانا يتخلص بعد ثلاث محاولات متتابعة من الملك الطوراني فرانهرسيان(بالفارسية افرسياب) ويدركه في اللحظة المناسبة البطل فريدون الذي ينقذ إيران من الملك "زهّاق" ZAHHAK ، الطاغية الذي يمثل السيطرة الأجنبية.‏

الجانب الغنوصي من"الخوارانا" نجده، أول ما نجده، في الفقرة 53 من اليشّت XIX من الأفيستا التي تعرض هذا المبدأ الإلهي الذي يجلب"التنوير والامتلاء بالمعرفة"، وهاتان الصفتان يتصف بهما"الأثراوان" ATHRAVAN، رجل الدين في الكهنوت المزدي.‏

كذلك الفقرة 69 من هذا اليشت تعيّن الدور المنجد لهذا "النور الإلهي" الذي يجلب الفرح ويخفف الآلام البشرية.‏

إن مجمل الصفات التي تنسب إلى"الخوارانا" تسمح لنا باعتباره"مبدأً إلهياً" أو"فضلاً سماوياً"، يشع كالهالة على الإنسان العادل والتقي. إن"الخوارانا" مفهوم مجرد، لكنه يمكن أن يبدو للإنسان الواقع تحت المظاهر المادية، أي الكبش الوحشي الذي يتبع الإنسان ويدركه، وكذلك النسر أو الصقر، اللذان يرمزان إلى القدرة الإلهية، وكل هذا على مستوى الأساطير. يجدر بنا أن نلاحظ أن صوفية المسلمين رمزوا إلى المحبوب السماوي بنسر ملكي؛ وهو صورة مستعارة من إيران القديمة. والشمس تتخذ في الفلكلور وفي الأدب الإسلامي الفارسي مظهر عصفور ذي جناحين ذهبيّين(مورغ زارين- بال)، مجاز مستمد من عبادات الشمس القديمة. ولهذه الصورة صلة وثيقة بالألوهية العليا والمبدأ المنير الذي يضيء الإنسان في سعيه إلى بلوغ المعرفة.‏

تكشف لنا هذه الملاحظات الأولية أصول تصوّفيّة انتقائية، العامل الرئيس فيها الذي يتسلم زمام السلطة عن طريق القوة. وهي جهود وفضائل يلذ بها ويتحلّى بها من يستهويه"النور القاهر" ويجعله موضوع الحب الإلهي. هذه الذكريات القديمة مما قبل المزدية احتلت مكاناً لها في الوحي الجديد الذي بشّر به زرادشت، وهو الوحي الذي يتّجه نحو ديمقراطية نسبية فالبنية البطريركية(الأبوية) الابتدائية التي قام عليها المجتمع الإيراني قد تعدّلت بفعل آليتين داخليتين إحداهما ذات صلة بالسلطة المطلقة والاستبدادية، والأخرى ذات صلة بتحرر الشعب والتقدم الروحي للفرد: العنصر الأول هو عنصر الميثولوجيا الكوسموغونية (=المتعلقة بنشأة الكون)، أي"الخوارانا"، وقد ساهم بالفعل في روحانية متطورة، فقد شكّل، بفضل التطورات السابقة على هذه الأخيرة، أحد أسس تصوّفيّة حقيقية في العمق. وباتصاله بالأخوّة التي حضّ عليها الإسلام، قُدّر لهذا"النور الإلهي" أو"الفضل السماوي"، الذي صار يُعرف باسم"نور الولاية"، أن يخلد في أوصاف وصور الأولياء والأبطال، تارة في مظهر الهالة، وطوراً في صورة الشعل الطويلة تحيط برأس الشخص أو حتى بجسده كله. هذه الأشعة؛ وهذه الشعل، ترمز إلى اختراق "الجوهر الإلهي" الذي يقيم في الإنسان.‏

في العهد الإسلامي يحتل مفهوم"الخوارانا"هذا، الذي صار يعرف باسم "الأنوار القاهرة" في الفلسفة التصوّفيّة السهروردية، مكانة راجحة خصص لها هـ. قربان قسماً كبيراً في أعماله.‏

الإسهامات الروحية المزدية:‏

يتناول اليشت الثالث عشر من الأفيستا(فروردين يشت) مفهوماً خاصاً بالمزديّة هو "المعروف في الأفيستا باسم فراواشي) الذي يشكل أحد خمسة أجزاء تؤلف الكائن البشري. هذه العناصر الخمسة هي:‏

الجسد(تان)، والحياة(آهو أو جان)، والنفس(أُروان أو راوان)، والصورة(إيويناك)و (الفروهار) المخلوق قبل ولادة الإنسان. هذا الأخير عنصر خالد يتحد بالنفس ويصعد إلى السماء بعد موت الإنسان. إنه العنصر الأطهر والوحيد الذي لا يهلك، يتيح للنفس أن تظل حية بعد غياب الجسد. جميع الأشياء والمعادن، جميع الكائنات المخلوقة، والكائنات السماوية، حتى اهورا مزدا لها(فروهار) لا يناله دنس ولا يقع في إثم.‏

الـ "يسنا" السادس والعشرون، 4، والـ "يشت" الثالث عشر، 149، يعددان هذه العناصر التي يتكون منها الإنسان باعتبارها"آهو"(في الفهلوية: جان)، الحياة، ويترجمها"درمستتر" إلى "العقل"، و"دائينا" الدين، و"باؤدها" المعنى و"أروان" النفس، و"الفراواشي"(بالفلهوية: فروهار). أما "تان"، الجسد، و"إيويناك"، الصورة، فنجد لهما في النص الفهلوي المعروف باسم"بونداهشن"(كتاب الخلق)، على وجه الخصوص.‏

إذا تركنا جانباً الـ"تان" (الجسد) الهالك والـ"إيويناك"(الصورة)، التي تأتي من الشمس وتعود إليها بعد الموت، فإن "آهو" و"دائينا" يساويان "جان"(الحياة)، ويتميزان تماماً من "أروان"(النفس) ومن"فروهار". الـ"دائينا"(بالفلهوية: دين) المذكور في الأفيستا، غالباً ما يترجم إلى"الدين"، والكلمة شبيهة بالكلمة العربية التي تدل على نفس المعنى، وتستعمل في الأفيستا بمعنى"الضمير" و"الصوت الداخلي" الذي يحث الإنسان على اتباع الطريق المستقيم، ويدل على الفكرة الطيبة والكلمة الطيبة والعمل الصالح. بعد الموت، يتجلى"دائينا" للإنسان التقي في هيئة حورية جميلة الوجه واقفة على جسر"تشنواط" TCHINVAT. على العكس، تظهر للخاطئ في هيئة ساحرة شمطاء قبيحة الوجه، وتكشف للرجل الفاسق، بمنظرها الشنيع، ما ارتكبه من سوء العمل. أما"باوُدها"(في الفهلوية: بود)، وهو القدرة على التمييز والإدراك التي توجه الذاكرة والعقل، فيبقى بعد الجسد ويصاحب النفس (أروان) إلى العالم الآخر. على حين يرتبط"آهو"(الحياة) بالنفخة، تتحمل النفس(أروان) مسؤولية ثقيلة هي مسؤولية الاختيار بين الخير والشر، تُكافأ أو تعذب في الآخرة بحسب موقفها. أو مواقفها في الحياة الأولى. أخيراً، العنصر الأبرز والأخص في المزدية(على الرغم من عدم وجوده في الـ"غاثا"، وهي الجزء الأقدم من الأفيستا الذي بين أيدينا) هو"الفروهار" أو"الفراواشي" الذي يتميز من الحياة والعقل والنفس.‏

يمثل"الفروهار" الطبيعة الإلهية التي تقيم في الجسم البشري. هذا المفهوم، الذي نستغرب وجوده عند فرقة المخلصين للحق(وهم زنادقة في نظر الإسلام الرسمي)، يُسمى"الذات" (كلمة مستعارة من العربية)، وتعني حرفياً"الجوهر". والـ "ذات- دار" هو من يُعهد إليه بجزء من"الجوهر" الإلهي أو الملائكي. وفي موازاة هذه الكلمة يُستعمل اصطلاحاً الـ "ذرّا"(في العربية: ذرّة) والـ"مايا" (الطبيعة، الخميرة، الأساس). المعادل لـ"ذات -دار" هو إذن"ذرّا- دار" أو"مايا- دار" وإذا كان الأمر يتعلق بـ"سُكنى" الله في جسم بشري فإن الشخص"المزُور" يُدعى "شاه- مهمان" أو "خودا- مهمان"(من في جسمه ينزل الله، بصورة وقتية).‏

من الممكن إرجاع بعض مظاهر تعاليم"المخلصين للحق" إلى بعض استعارات لاحقة من فرقة"القرسي" الهندية بواسطة ترجمة غنوص مُبادئ لم نعرف أهميته و توجهاته الصحيحة حتى الآن. في المقابل، إن تشابه الأفكار التي تتصل بـ"الذات" و"الذرّا" و"المايا" والأفكار التي تتصل بـ"الفروهار" لهُو تشابه ذو طبيعة من الطراز الأول.‏

يعتبر"الفروهار" في الأفيستا نوعاً من الروح الحارس الذي ينزل على الأرض في لحظة ولادة الإنسان، لكنه موجود قبله، كل مخلوق(ملائكة، بشر، حيوانات، نباتات، أشياء)، بدون تمييز، يمتلك"فروهار" متميدداً materialsant في هذا العالم، ثم يخلع عنه غلافه الدنيوي بعد الموت. هذا المفهوم ليس بعيد الشبه عن أفكار أفلاطون.‏

تحت تأثير علم التنجيم القديم، تروي النصوص الفهلوية أن جميع الأجرام السماوية تمثل"فروهارات" الكائنات المخلوقة أو التي سوف يخلقها أهورا مزدا.‏

"الفراوردين- يشت" تجعل من"فروهارات" الأخيار القوة المحركة التي تقود العالم، وإليها يخضع حتى الإله الأعلى اهورا- مزدا نفسه. يقول اهورا- مزدا مخاطباً اسبيتاما زرادشت:‏

"أي زرادشت أيها الطاهر، لسوف أبيّن لك الشدة والقدرة والعظمة والنجدة والبهجة التي تقيم في الفراواشي،المظفرين المخيفين- أعني فراواشي الأخيار. كما يهبّون لنجدتي، كذلك يعينونني- أعني الفراواشي المخيفين، فراواشي الأخيار. "‏

"إنه، بجلالتهم وعظمتهم، أي زرادشت، أسوّي نظام السموات العُلى، السموات المنيرة التي تهيمن على الأرض وتحيط بها من البعيد المرئي. كما في البيت، يقيمون في الفضاء السماوي."‏

"إنه، بجلالتهم وعظمتهم، أي زرادشت، أسوّي أمر أردوي سُورا أناهيتا، في المدى البعيد، التي تهب الشفاء للمرضى، أناهيتا عدوة الشياطين، الوفيّة لناموس اهورا(الملائكة)."‏

هكذا يمضي اليشت الثالث عشر حتى الفقرة 85 منه في تعداد الفضائل التي تنسب إلى فراواشي الأخيار والأتقياء. ثم يلي ذلك ابتهال لفراواشي الأبطال والفائزين المزديين، في صورة قائمة أولياء وأشخاص أسطوريين وتقليديين معترف بهم بنوع من الرسمية.‏

يشبه مخطط الفراوردين- يشت، في مجمله، مخطط زمياد- يشت الذي يعقب فيه الثناء على"خوارانا" الجبال تعدادٌ لأسماء"خوارانا" الآلهة والأبطال والمنقذين الأخيرين الذين ينحدرون من أسرة زرادشت.‏

لا يقتصر مجموع عدد الفراواشي الذين يملؤون السماء على العدد المذكور في هذا اليشت، من حيث أن بعضهم لم يتخذ بعد صورة له: إننا نرى في هذه العناصر الروحانية فريقاً من الملائكة يحتل المكان الثالث بعد"الأماشا اسبانتا" (القديسين الخالدين) و"اليزاطا" (الكائنات المختلفة الموكلة بأيام الشهر الثلاثين). إن مفهوم الملائكة، بالمعنى المخصوص للكلمة، الذين يعمرون السموات، هو أقرب إلى مفهوم "الفراواشي"، خصوصاً بسبب وظيفة هؤلاء وكثرتهم. إن ندرة الوثائق عن إيران القديمة تقتضي أحياناً أن نلجأ إلى نوع من استيضاح كتابات العلماء الإيرانيين من الحقبة الإسلامية، على الرغم من أن موافقاتهم الجديدة مستفادة في قسمها الأعظم من الإسلام ومصبوبة في قالب إسلامي. نتكلم بهذا الصدد، من أجل تبيان دور"الفراواشي"، عن دراسة تتناول موضوع الملائكة. يحكي لنا تاج الدين محمد بن عبد الكريم الشهرستاني(479- 548هـ/ 1086- 1153م)، وهو من علماء الكلام المسلمين الذين يلتزمون مدرسة الأشعري، في الوقت الذي يحتفظ فيه باستقلاله الفكري- يحكي لنا بضع وقائع مفيدة بهذا العهد، وهو مؤلف الكتاب الشهير المعروف باسم"الملل والنحل"، الذي تناول فيه الأديان والفرق التي كانت معروفة في عصره. كذلك خلّف لنا عدداً من الكتب والمقالات أحدها بالفارسية اشتمل على واحدة من رسائله. في هذه الرسالة، يدرس درساً عميقاً الفرق بين الخلق والأمر(كن). يذهب الشهرستاني إلى أن الأمر أزلي قديم والخلق عارض أو حادث ephemere، من حيث إنه ليس غير تجل للأمر. وتعزيزاً لما ذهب إليه يستشهد بالآيات القرآنية التالية:‏

سورة الشعراء 26/ 78 وسورة طه 20/50، وسورة الأعلى 78/ 1-3.‏

وفي أولى هذه الآيات يقول إبراهيم: (فإنهم عدولي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين.) وفي الثانية يقول موسى: )قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى..( وفي الثالثة يقول الله لمحمد: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى) يقول الشهرستاني إن إبراهيم تكلم باسمه الشخصي، وموسى تكلم على وجه العموم، ومحمد تكلم على وجه الإطلاق. وهذا يمثل ثلاث مراحل في طريق الكمالPlenitude ، كل منها أعلى من سابقتها. في المرحلة الثانية، يتعلق الأمر بالخلق والهداية في الوقت نفسه، بينما نجد في المرحلة الأخيرة أربعة عناصر: الخلق والتسوية التقدير والهداية.‏

فيما يتعلق بالخلق الجسماني، تتكون التسوية من إقامة التوازن فيما بين العناصر الأربعة التي تؤلف الجسد: الماء والنار والهواء والتراب. والتقدير الروحي يتكون من الهدى الرباني، لكي يتحقق الإتقان. إذن، الخلق والتسوية الفيزيائية يرجعان إلى"الخلق" الفردي(الجسد). أما التقدير والهدى الروحي فيتعلقان بالنفس. من أجل الخلق، سخّر الله عمالاً وأسماهم ملائكة، ومن أجل ميدان الأوامر والنواهي، خلق بشراً وأسماهم أنبياء.‏

أدوات الخلق هم ملك الحياة، وملك الموت، وملك الولادة، وملك الرزق، وملك الآجال. والوسائل المستعملة في الأوامر والنواهي هي: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد. ولا يصح إيمان امرئ إلا إذا آمن بهاتين الفئتين من الوسائط، من أجل الخلق الجسماني والتقدير الروحي، يستند الشهرستاني في هذا الموضوع إلى الآية 285 من سورة البقرة: (… والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.) لقد وضع الله على لسان الملائكة كلاماً شريفاً وأرسل كتباً مطهرة إلى أنبيائه. يصاحب كلّ كائن ملك ويحمل كل ملك كلاماً. والملك يحمل عبء الكلام والكلام ينجز عمل الملك… الأنبياء يسمعون كلام الله ويشاهدون ملائكة الرحمن، بينما يسمع المؤمنون الكلام الذي تضمنته كتب الله. ثم يبين الشهرستاني أن الحركات الطبيعية ثلاث: الحركة في المركز، والحركة من المركز، والحركة إلى المركز. الحركة في المركز: هي الحركة المحورية، والحركة من المركز: هي الحركة الآتية من أعلى، والحركة إلى المركز: هي الآتية من أسفل. والحركات الاختيارية أيضاً ثلاث حركات: حركة الفكر، حركة الكلام، حركة الفعل، أما حركة الفكر فتتعلق بالحركة المحورية لأنها تدور حول العالم، وحركة الكلام حركة الفعل، أما حركة الفكر فتتعلق بالحركة المحورية لأنها تدور حول العالم، وحركة الكلام تتعلق بالحركة الآتية من الأعلى، وحركة الفعل تتعلق بالحركة الآتية من أسفل. والحركات الطبيعية تدخل في ميدان الملائكة والحركات الاختيارية في ميدان الأنبياء. فإذا تطابقت الحركات الطبيعية مع إرادة الملائكة، تخلص مزاج الجسد من متاعب هذا العالم. وإذا تطابقت الحركات الاختيارية مع إرادة الأنبياء، كانت الحالة الروحية تامة في عالم الغيب. وفي الميدان البيولوجي إذا أصابه عيب أو عاهة بحيث يحتل اعتدال مزاجه، عندئذ يضطرب مزاجه الفيزيائي. أما في الميدان الروحي فإذا خالف وصايا الأنبياء وسيطر عليه الهوى بحيث تفقد النفس توازنها، يفسد المزاج الروحي.. كل تسابيح الملائكة وصلواتهم، المقصود منها إنشاء الحركات الطبيعية. وكل عبادات الأنبياء وأفعالهم، المقصود منها إنشاء الحركات الاختيارية. وإنه لأمر غريب أن يوكل الملائكة، وهم كينونات روحية، بالشخص الفيزيائي، وأن يوكل الأنبياء، وهم أشخاص جسمانيون، بالنفس وهي كينونة روحية، في ميدان الطبيعة العاملون جميعاً مجبورون، وفي نطاق الشريعة، العاملون جميعاً أحرار. فملك مكلف بالسهر على تكاثر الجرثومة البشرية، وآخر يقوم بتحويل هذه الجرثومة إلى علقة من دم متجمد، وثالث يرعى نمّو الجنين. وهكذا حتى آخر مرحلة. وتزيد أهمية الملك بزيادة المهمة الموكلة إليه، كذلك، فيما يتعلق بالنظام الروحي، كل نبيّ، منذ آدم حتى محمد، يرتدي معنى تزداد أهميته باطراد.‏

الفكر اللاهوتي عند الشهرستاني، الذي يردد أصداء قديمة، هو لنا ملاذ نلتمس فيه استيعاب مفهوم الـ "فروهار"(أو الفراواشي) وما أدخله عليه من تطوير مفكر إيراني مسلم، بالإضافة إلى أنه عالم بالبدع والمذاهب ومؤرخ للأديان. الدور الوظيفي المعطى لكل ملك من الملائكة يبيّن بجلاء أنه يتعلق بمفهوم مجرد، وأنه ذو علاقة بمهمة"الفروهار" التي يقوم بها في عالم الغيب. ومع ذلك فقد يوجد خلط كينونات المرتبة الأولى(الخالدين السبعة) واليزاطا المزدية بهذه"الكائنات" غير المادية في تفكير الشهرستاني.‏

كان ينظر إلى"الفروهارات" منذ مدة طويلة من مظهرين، أولهما كتمثيلات مجردة، و الثاني باعتبارها كينونات لا شكل لها تتكيف مع الأجسام التي تعيّن لها. هناك مواحدة مدهشة بين المقاطع الأولى من الـ"فروردين- يشت" وشروح الشهرستاني على هذه القوة المحركة التي تسكن وتحكم كافة المخلوقات.‏

في الفقرة الثانية من هذا اليشت، يعلن هورا- مزدا لزرادشت أنه"بعظمة الفراواشي ومجده ينشأ الطفل سليماً في حضن أمه…، وأن أهورا- مزدا يكوّن العظم والشعر والجلد والأمعاء والرجلين وعضو الجنس. "وفي الفقرة الخامسة عشرة يبيّن أنه"بعظمة الفراواشي ومجده تحبل الإناث بصغارها وتنشئهم أحسن تنشئة ويكثر لديهن الأولاد. "الشهرستاني، قبل كل شيء، ينسب إلى الوسطاء السماويين الموكلين بوظائف الجسد والحركات الطبيعية(الحركة المحورية والحركة الآتية من الأعلى والحركة الآتية من الأسفل) ذات العلاقة بحركات الفكر والكلام والفعل. ثم يمضي إلى القول إنه في كل مرحلة من تطور الوجود وكيل أو عميل أو وسيط يسمى والحالة هذه ملكاً: مهمته -مثلاً- أن يسهر على المرحلة الأولى من تطور البزرة البشرية، وآخر ينكبّ على تحويل هذه البزرة إلى علقة من دم مخثر، وآخر يراقب الجنس، وهكذا حتى المرحلة الأخيرة. حتى أنه يقرر أن ما يفرقه عن المأثور المزدي خصوصاً تناسب أهمية هذه الكينونات الوظيفية مع أهمية المهام الموكلة إليها.‏

إن استمرار هذه الفكرة وتطورها في إيران، انطلاقاً من مثيولوجيا ذات نبرة أخلاقية متسامية شكلت تعبيرها الخاص عبر القرون، اغتنت مع ظهور الإسلام بمفاهيم فلسفية وببنية روحية صلبة. من الواضح أن إسهامات روحية حية ذات صلة بهذا العنصر السماوي قد اكتسبت مكانة مرموقة في الحياة الدينية والداخلية لدى الناس في إيران القديمة.‏

أحد الاتجاهات التصّوفيّة كان يظهر في المزديّة انطلاقاً من التفكير في"الفراواشي" الذين أفردت لهم الأفيستا أكبر"يشت" فيها. بينما يبين جزء من هذا"اليشت" القدرة والجلالة اللتين تتصف بهما ادوار"الفراواشي"، يتوجه جزء آخر منه إليهم بالتوسلات ويسألهم العون في الملمّات. ينصح اهورا- مزدا لزرادشت أن يدعو "الفراواشي" الأخيار ويثني عليهم، وهم القديرون المحسنون، إذا انتابه خوف أو أحدق به خطر أو واجه الصعاب وعندما يرتعد خوفاً على نفسه. في الفقرة 23، بعد تبيان الخصوصيات الجوهرية التي تختص بها هذه"الأرواح"، أي حركاتهم السريعة القادرة، تأتي مسألة العون والنصرة لكل من يدعوهم في كفاح وفي سعي وراء نصرة الأخيار، وهي فكرة تتكرر في الفقرتين 27 و 35. أما الفقرتان 40 و 42 فتتطرقان، بالإضافة إلى هذه الأفعال، إلى القداسة التي يتصف بها الفراواشي.‏

بحسب المعطيات الكوسموغونية المزدية، خلق اهورا- مزدا العالم على مرحلتين: أولاً وقبل كل شيء، خلق العالم الروحي المؤلف من الفراواشي، ثم بدأ يظهره إلى الوجود، بعد ثلاثة آلاف عام، انطلاقاً من هذه الصور السماوية، ثم خلق العالم المادي في عام واحد(365 يوماً). وهذا الخلق الأخير تمّ على ست مراحل غير متساوية، سُميّت "غهنبار"، ينطبق على كل منها أحد الأعياد المزدّية الكبرى. في المرحلة الأولى(الخامس عشر من شهر أُردي بهشت)، خلق اهورا السماء. وفي المرحلة الثانية(الخامس عشر من شهر تير)، خلق الماء. وفي الثالثة(الثلاثين من شهريور)، أنشأ الأرض. والنبات خلقه في المرحلة الرابعة(الثلاثين من شهر مهر). وفي المرحلة الخامسة(العشرين من شهر داي) خلق الحيوان. وفي السادسة كانت نشأة الإنسان. والعيد الذي يتفق مع هذه المرحلة يصادف آخر يوم من خمسة أيام تضاف إلى شهر أسفند، ويوافق العشرين والحادي والعشرين من شهر آذار. ويدوم كل من هذه الأعياد خمسة أيام، ومع بداية العيد الأخير يبدأ شهر "فروردين"، فيه تنزل"فروهارت" الأموات على الأرض لكي تزور ذرياتها. الشهر الأول من السنة الشمسية، فروردين، يحفظ دائماً ذكرى هذا الاعتقاد. واليوم الأول من هذا الشهر(الحادي والعشرين من آذار) هو يوم السنة الإيرانية الجديدة، وكان يحتفل بها في بذخ وفي استجمام كبير. وبما أن"فروهارت" الأتقياء والصالحين تعود إلى الأرض، بحسب المأثور، مدة عشر ليال(من 26 اسفند حتى آخر خمسة أيام تضاف إلى آخر هذا الشهر)، تقدم مختلف القرابين إلى"الفراواشي" وإلى المؤمنين الذين يتفرغون إلى تفكر عميق من أجل أن يجتلبوا لأنفسهم وأُسرهم عطف وحماية هذه"النفوس السماوية". يروي البيروني(363- 440هـ / 973- 1048م) إنه في يوم"فراورديجان"، وكان الناس يعدّون أطباق الطعام على شرف الموتى، ويديرون المشروبات، ويحرقون البخور وراء أبواب البيوت، على أمل أن تخرج أرواح موتاهم من أماكن إقامتها فتأتي إلى زيارتهم، في غضون هذه الأيام. ثم يصف أسعد لحظة في هذا العيد، وهي لحظة دخول الشمس برج الحمل.‏

إن ذكريات هذا الاعتقاد القديم، الذي ظل حيّاً في إيران في عيد رأس السنة، لا تدل على الشعبية العظيمة التي كانت مرتبطة بالفراواشي وحسب، وإنما على وجود إحدى ممارسات الاستبطان على مستوى العائلة أيضاً، بدون تمييز موقعها الاجتماعي. لنا ملء الحق أن نذهب إلى أن هذا الاعتقاد كان يشكل في الأصل نظيراً للخوارانا المعروف فيما قبل المزدية، قبل أن يأخذ هذا مدى واسعاً ويفقد صفته الحصرية التي كانت تدعيها سلطة الملك المطلقة، وكانت مرحلة أولية تكشف عن نوع من الجمود الفكري في إيران.‏

غني عن البيان أن هذه الصيغة التصوفية ليست مستقلة عن مفهوم ديني يقوم على ثنائية النور والظلمة التي هي من خواص إيران القديمة. بادئ ذي بدء، هذا المبدأ الشفعي، الكوني والنفسي في ذات الوقت، ليس وقفاً على أي ديانة أو ثقافة. لكن الأساس هو تنظيم وتشييد هذه الثنائية من النور والظلمة في إيران القديمة.‏

هذه الأصالة ترجع بالأحرى إلى الجانب الميتافيزيقي من المزدية الذي يقوم في أساس هندسة معمارية وموازييك من الأساطير الإلهية، التي تُستأرخ أحياناً في المستوى البشري. وبما أن الجانب المجازي في الألوهية العليا يرتد إلى نور يشيع في كل مكان وينير كل شيء، لا يمكن الروحانية المؤسسة على هذا النور، بطبيعة الحال، أن تنتسب إلى مفهوم لا يتمحور حول النور في كل أشكاله وصوره الحسية المتكاثرة.‏

إن ارتباط الخير والشر بهذين المصدرين الطبيعيين، النور والظلمة، اللذين يرتفعان إلى مرتبة الألوهيات ليس -في الروح العقلاني للعصر الميطيقي- إلا نتيجة منطقية ومباشرة لتفكير يبحث عن تفسير مقبول لأسرار الخلق. والحال أن هذه الثنائية، التي تسم بسمتها الفكر الديني في إيران ما قبل الإسلام، يمكن أن تتحول نحو استبطان عميق، إن لم نقل تصوّفي. واضح أن وقائع دينية معينة، مهما كان إيمان الذي يمارسها، تؤثر في المؤمنين تأثيرات مختلفة: بعضهم يتمثلها باعتبارها شريعة ودغماطيقا ذات طابع اجتماعي، وآخرون يُشركون وجودهم بهذه المعطيات وبحسب درجة نضجهم الروحي يطبقون عليها مختلف التفسيرات.‏

إن إلهي الخير والشر، على الرغم من قدرتهما غير المتساوية، شهدا في مسار الفكر الإيراني مرحلة تطورية تميزت بالقيم الأخلاقية. من أجل تثبيت بنيتهما بصورة أفضل، توصّلا، مع ظهور الإسلام، إلى مظاهر جديدة متناقضة تمثل الوجه المزدوج من الطبيعة البشرية.‏

على وجه العموم، المزّديّ الصحيح والإنسان التقي على وجه الخصوص، "مرت -إي- أهراو"، يشترك بالقول والفكر والعمل في صراع كوني بدأ منذ خلق العالم المحسوس، خاضه"إسبانتا- مانيو" (الروح القدس)، الذي يمثل صدور اهورا- مزدا من جهة، مع"أنكرا- مانيو" و"أهرا- مانيو"(الروح الشرير) من جهة ثانية. وإنه يهدف توجيه الإنسان مسلكه الوجهة الصحيحة تتعلق الجهود الشخصية التي يبذلها في"تركيز أفكاره بغية الوصول بنفسه إلى مرتبة الكمال. بهذا الخصوص، أسّس الكتاب الثالث من "دنكارت" (شرح طويل على الأفيستا تم في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) مرتبية لكمال النفس، بحسب اشتراك الإنسان في هذا الكفاح الكوني: "…. أولاً، الناضج الفاضل خير من الشاب الفاضل، من حيث أن الناضج الفاضل عموماً بالإضافة إلى صفة الفضل، قد اخبر فضيلته وظهر فيها بصفة دائمة، وبها قهر الشر. على حين أن الشاب، على الرغم من اتصافه بالفضل، لم يصل بعد إلى الكمال الذي يوجد فيه الفاضل بسبب نضجه.‏

في المحل الثالث يأتي الشاب المجرد من الفضيلة ويليه الشيخ الذي يفتقر إلى الفضيلة. وتفوق الشاب غير الفاضل على الشيخ غير الفاضل إنما يأتي غالباً من كون الشاب غير الفاضل لديه أمل بالوصول إلى الفضيلة عندما يصل إلى نهاية قواه… ".‏

أما فيما يتعلق باطمئنان النفس والرضا الداخلي، فإن كتاب"دنكارت" يرى أن يبذل جهداً بحسب الشريعة، وكان جهده يتعلق بالأشياء التي لا غنى عنها، سواء أحصل عليها أم لم يحصل، إنما يسلم نفسه إلى فعل نعمة ومسرة، الذي يسعى إلى الخير يصل إلى الاطمئنان." أما الذي يتعلق جهده بالأشياء التي يستغنى عنها سواء أحصل عليها أم لم يحصل، فإنما يسلم نفسه إلى الدنيوية والشقاء؛ الذي يسعى إلى الشر لا ينال الاطمئنان." وفي الختام، "لا غنى عن تسلح الجسد والروح بالخير، ويمكن الاستغناء عما يتجاوز ذلك وما يأتي من الشر. "ثم يكرر: "سالمةٌ نفس كل من يعمل صالحاً، ويمكن الاستغناء عن كل من يعمل شراً". لا تقف التعاليم الدينية عند حدود الحضّ على التمسك بالأخلاق الفاضلة، بل تشتمل أحياناً على جانب تصوّفي يشكل الإنسان فيما وراء ديانته، بدون أن يتجرد تماماً من تفكير سكولاستيكي معيّن. هكذا يطرح الفصل 38 من الكتاب الثالث من الـ "دنكارت" تصنيف سعادة الإنسان وشقائه: "سعادة السعادة هي السعادة المستقرة، وكذلك شقاء الشقاء. أما شقاء السعادة فهو سعادة الدنيا(جيتي) التي سرعان ما تزول. السعادة الزائلة تمس الشقاء، والشقاء الزائل يمس السعادة. ".‏

جدير بنا أن نلفت الانتباه إلى أن العقيدة المزدية تنسب عجز الفانين إلى النقص وإلى فساد النفس. بهذه المناسبة، يلاحظ أنه"بحسب تعليم laden(الدين)، الكمال الذي وضعه الخالق في الخلق، من أجل كل إنسان، فيما يختص بنفسه وجسده وقدرته وسلوكه، بدون فساد ولا عيب. وإنما جاء العجز، فيما يختص بالنفس، من نقص المعرفة، من فساد النفس، الذي هو علة الفسق(دنكارت 3، الفصل 45، ص 56).‏

أما القرب الذي يستشعره خليل الله(وهو الوليّ عند صوفية المسلمين) فيعرضه الفصل 59(ص 65) من الكتاب الثالث من "الدنكارت"، كما يعرض نقيضه ولي الشر: "صالحون بعامة هم جميع الذين يؤمنون بدين اورمزد-(أهورا- مزدا) بسبب قربهم من أورمزد الخالق. وخير هؤلاء الصالحين هم الأكثر إخلاصاً لدين أورمزد- وبالتالي هم الأقرب من مبدأ الخير المحض الذي هو اورمزد الخالق. والأشرار عموماً هم الذين يؤمنون بدين فاسد بسبب قربهم من كاناك منوك. Ganaak Monog(روح الشر). وشر هؤلاء هم الذين يخلصون للدين الفاسد، والأقرب إلى مبدأ الشر المحض، كاناك منوك ganaak Monog." هذا التمييز النموذجي لبني الإنسان هو في مستوى النيّات والأعمال المذكورة في الفصل 71(ص 77)من هذا الكتاب. هنا، يحدد النص، إضافة إلى ذلك، أن شرّ الأشرار هم الذين تكون تصرفاتهم وأعمالهم هي الأقرب إلى تصرفات وأعمال"داهاك"، لأنهم جاؤوا بالموت إلى العالم. النبرة توضع على هذا الشيطان ذي الأفواه الثلاثة الذي يتواحد اسمه مع اسم الملك الطاغية الذي يرمز إلى الفساد والتدخل الأجنبي.‏

خارجاً عن معانيهما الاجتماعية، إن موضوعتي الجمع والفرق(وهما موضوعان أثيران عند الصوفية) تعالجان من زاوية سياسية- دينية وطائفية خاصة بالمزدية الرسمية: كثيرة هي أنواع الجمع والفرق؛ منها:‏

1- فيما بين الناس، الجمع بين الإيرانيين، بسبب الشخصية الإيرانية، والفرق عن غير الإيرانيين بسبب شخصيتهم غير الإيرانية.‏

2- فيما بين الإيرانيين أنفسهم، جمع بين المزديين، بسبب قانونهم المزدي، وفرق عن أعداء المزديين، بسبب قانونهم المنافي للمزدية.‏

3- فيما بين المزديين، جمع بين الأبرار بسبب إيتائهم الصدقات وإقامة الصلوات، وفرق عن الأشرار بسبب عدم إيتائهم الصدقات وعدم إقامتهم للصلوات. على رأس هذه الأنواع الثلاثة، يأتي الجمع مع الآلهة، بسبب أنه يضحي لهم ويعطون، والفرق عن الشياطين، بسبب أنه يضحّى لهم ويعطون. والفرق عن الشياطين بسبب أنه لا يضحي لهم ولا يعطون. طبعاً إنه الاتحاد مع الآلهة(قوى الخير) الذي يهيمن على هذه المراكز الاجتماعية ويوجّه الإنسان نحو الكمال والفضيلة.‏

تفسح النصوص المزدية حيّزاً واسعاً للأفكار شبه الغنوصية عن"المعرفة" ومعرفة النفس: فهذه المعرفة لا تنطوي اضطراراً على بداء أو مسارّة طقسية بالمعنى الباطني. فالفصل الثاني والستون من"دنكارت" 3، ص68، يبين الطريقة التي تصل بها النفس إلى المعرفة(الناتجة عن قدرة النفس) وإلى النشوة la joie (الناتجة عن قوة الشهوة). في المقابل، يتناول الفصل 64(ص 70) الإفراط وعيوب المعرفة والنشوة عند البشر، يتكون عيب المعرفة من انحراف عن التعليم الديني يؤدي إلى عدم كفاية المقياس Mesure. "بالنشوة، يقول مؤلف هذا النص، تحفظ المعرفة من التبديد العامي للمعاني، الذي هو أخ زائف faux fiere للمعرفة…" – "بالاتحاد الصحيح والمقيس mesure لهاتين الحقيقتين، يحصل للإنسان vehih(الخير)، أي النشوة والغبطة الشخصية، المقيسة بحسب الطبيعة والصفة المشروعة، الأكيدة، الرحيمة، "إنه في الحقيقة الاتحاد المقيس للنشوة والمعرفة الذي يحول دون الضعف والتبديد والكلمة الخائفة والمزاج غير الحساس.‏

لنبيّن على وجه الخصوص أن جميع هذه الإشارات إلى المعرفة والنشوة لا ترتد، على نحو مؤكد، إلى معنى تفاني(تصوفي أو نفسي). على الرغم من أن المعرفة في التصوف الإسلامي تدل على درجة فائقة من الشريعة وتتيح افتتاناً وانتشاء قلبياً، إلا أن النصوص المزدية ليست محددة حول هذا الموضوع: فهي تتعلق، في المحل الأول، بـ "العلم" Savoir و"الرضا" contentement بالمعنى العام؛ لكن تفسيراً صوفياً لهاتين الكلمتين ليست مستبعداً كلياً، إذا أخذنا بالاعتبار سياق النص. وتتضح هذه المناقشات بصورة أكثر تحديداً وأكثر أهمية عندما تتعلق المسألة بأمراض النفس في تطورها أثناء المعرفة والفضيلة، إنما تأتي من هذين العاملين الدروجيين(اللذين يرجعان إلى شيطان الكذب)، وهما الإفراط والتفريط. التمجيد الذاتي الذي يأتي من الغلوّ أو الغرورالذي يجعل المرء يقول في نفسه: "أنا عالم أنني الأعلى وأنني فوق "والدونية التي تأتي من النقص(التفريط)، وهي التي تجعل المرء يقول في نفسه: "الآخر لا يعلم أنني دون هذا وأنني تحت. "ومن كانت نفسه قد فسدت بهذين العاملين الدروجيين، كان مرضه الدائم أن يقايس نفسه بمن هو فوقه معرفة وفضلاً وفكراً: "أنا أعلم وهو لا يعلم، أنا أعلى منه وأنا فوقه، هو أدنى مني وهو دوني." هاتان العلتان اللتان تصيبان النفس، تمجيد الذات واحتقارها، تمنعان من يعاني منهما من التواضع الذي يؤهله لكي يتعلم من أي شخص كان وأن يتلقى من أي كان زيادة في المعرفة والفضيلة. وعلاج هاتين العلّتين النية التامة والنية المعتدلة، والثانية تولد من الأولى. والنية المعتدلة ترى نفسها والآخرين في نظرة أوحت بها النية التامة… وطريق التواضع هو التعلم من الأدنى الذي لا يعلم، وعندئذ يعلم مالا يُعلم: تخلص النفس من علتي احتقار ذاتها ومن تعظيم ذاتها وتتلقى زيادة المعرفة والفضيلة (دنكارت، الكتاب 3، فصل 104، ص106).‏

يجدر بنا أن نلاحظ أخيراً أن"الرؤية" و"الرياضة الروحية"، هما موضوع بعض الشروح التي اشتمل عيها الفصل 113 من هذا الكتاب الأخير(ص 116- 117). فيه يتحدد"أن نشهد في النفس عدالة الدين مع الحب، في الدين الصالح، هذا الذي يصل إلى الرؤية، هو رياضة المعرفة الروحية. أما أن نشهد طامعين في الـ"جيتي" Geti(العالم المحدث) النبل والجاه والبحث عن الشهرة، فإننا نبدد الكثير من الرؤية والمعرفة التي كنا نحصل عليها في الدين الصالح. ومن يتفكر في الدين الصالح حباً في نفسه، فهذا ينال أيضاً بالغزارة العلم والمعرفة التي نجدها في البحث عن الـ "جيتي" وعن الجاه وما هو مفيد للشهرة. أما الذي يتفكر في الـ "جيتي" بدون طمع، فهذا يرى أيضاً في القلة العلم والمعرفة التي هي وسيلة مفيدة في البحث عن الـ "جيتي"، وعن هذا الفصل، قام الحكماء القدماء بتعليم وجوب تصحيح المزاج أولاً ثم سؤال الـ "خرات" Khrat (العقل).‏

الخلاصة: ما انفكت الروحانية الإيرانية تزداد غنى على مرّ القرون وتُرسي لها قواعد راسخة، لكي تتفتح في اللحظة التي أتيح لها جو ملائم لأن تعبر عن نفسها وتظهر إلى الخارج. للوصول إلى هذه المرحلة الحاسمة، كانت عرفت فترات طويلة من التردد تجرجرت خلالها بين بنيتين متعارضتين في أصلهما.‏

من أجل الحفاظ على امتيازاتها الساذجة،حاولت الأبوية البدائية أن تتزييّ بطلاء من العظمة والنبالة القوميتين في جميع مظاهرها الباذخة الخادعة، وهذا ما استثار تعطشاً إلى المطلقية والأوتوقراطية، في طبقة اجتماعية معينة، حتى لقد بات من الصعب على حرية التفكير والاعتقاد أن تحافظ على نفسها، ومضى الصراع يتلاحق على مرّ الزمان. لئن كانت السلطة المطلقة تستخدم القوات المسلحة والمدرّبة، لقد كان للطبقات الشعبية صنّاعها المؤهّلين للعمل والفكر. زد على ذلك أنه كان هناك جو عام من التضامن الاجتماعي والأخوة بين مختلف فئات الناس بدون أن تكون مرتبطة فيما بينها بميثاق صريح. كل تاريخ الفكر والتمدن الإيرانيين يتسم بهذا الكفاح الكامن والداخلي. فالأعمال الأدبية والفنية والموسيقية، وبصفة عامة العلمية، ليست إلا مظاهر ثابتة من النخبة الفكرية التي أسهم فيها الشعب الإيراني.‏

لذلك تفرض علينا الحال الراهنة للأبحاث وتقدم العلوم الإنسانية، في مثل هذه الأعمال العلمية، أن نضيف فصلاً تحليلياً لهاتين القوتين المتصارعتين مع تجنب الحلول التبسيطية والكلامية Apologetiques.‏

إن ديانة إيران القديمة، على الرغم من أنها ديانة إصلاحية وأقل شركاً من النحل التي تقدمتها، ظلت تحتفظ مع ذلك بشيء من بقايا المعتقدات السابقة. لم تستطع أن تتخلص تماماً من الأساطير الألفية ذات الجاذبية الفعلية، لكن المتجمدة.‏

لئن كان المظهر الميطيقي، وهو المظهر الجذاب، الذي اتخذته الألوهيات المزدية، والأبطال الأسطوريون، يقدم للخيال الشعبي صورة شعرية كبيرة، لقد كانت الاستبدادية العالمية في المقابل، وكذا السطلة الأوتوقراطية، تستمد من محتويات نخبوية معينة لهذا الاعتقاد تسويغاً لمشروعيتها المزعومة. بما أن"النور"- مع جميع المعاني المرتبطة به- يجعل موقع المركز في البانتيون المزدي، ربما كان أصلاً، في كثير من التأملات. تعويضاً عن الصفة الاستبدادية التي تتصف بها ممارسة السلطة من قبل شخص واحد -في الغالب طاغيةً- يعمد التصوف التقليدي إلى نسج قماشته انطلاقاً من هذه الموضوعة. لقد كان من الواضح أن يتجه هذا "التصوف" نحو شُعل النفوس ونورانيتها، بالتوازي مع الصورة الخارجية لهذه الديانة.‏

لقد جعلت الحقبة الطويلة من المحافظة السياسية والدينية في إيران القديمة من الزرادشتية ديناً داعماً للهيئة السياسية وكان وجوده سنداً قوياً لها.‏

بما أن حصرية التعليم كانت حقاً محفوظاً للكهنوت والأسرة المالكة، أخذ كل اتصال حقيقي مع الجماهير ينقطع شيئاً فشيئاً في نهاية الحقبة الساسانية التي انتهت مع قدوم الإسلام. فالسخط الشعبي، والحروب التي لا تتوقف(الداخلية والخارجية)، والآلام البشرية الناشئة عن الطغيان والشقاء، ثم الظلم الاجتماعي وشريعة تجاوزها الزمان- كل هذا خلق مباءة لأعمال التمرد والانشقاق، وأكثر من هذا للتعصب الديني. أمام هذه التعاسات وهذه الأوضاع المؤلمة، راح البعض من المسالمين يفتش عن ملاذ في تفسيرات جديدة لهذه الأساطير والعقائد، عاكفاً على تأمل صوفي من نوع ما وخشوع للقلب.‏

الأورثوذكسية المزدية إذ فقدت حيويتها لم تعد قادرة على تلبية احتياجات النفوس التي تطورت في تلك الحقبة. نحن نتردد في استعمال الإصطلاح المحدد، أعني اصطلاح"التصوف" من أجل تحديد جملة من المواقف والممارسات التأملية الخاصة بإيران القديمة. أما فيما يتعلق بالروحانية فقد تشكلت وتطورت وسط مختلف طبقات المجتمع الإيراني، بالتزاوج مع صور متعددة، فكرية وحسّية.‏

لقد كانت كثرة الفرق الصغيرة الغالية والمتزندقة التي ظهرت في عهود الإسلام الأولى، خصوصاً في المناطق الممتدة بين بلاد ما بين النهرين وغربي إيران وجنوبيها، مؤشراً على انتشار أفكار على هامش الإسلام. هذه الأفكار، على الرغم من أنها بقيت في نطاق الإسلام ولا ترقى تماماً ومباشرة إلى ديانة إيران القديمة الرسمية، أي إلى المزدية، إلا أنها كانت تشكّل مادة للتفكير في أصل صياغة مفهوماتها، وفي الحالة النفسية للناس الذين كانوا يعيشون في هذه الامبراطورية القديمة المنهارة التي دفعها انحطاطها إلى الفوضى والفرقة. إنها عملياً السلطة الملكية، لاسعادة الناس وغبطتهم، التي كانت العامل المسُبب.‏

من بين جميع هذه الحركات السياسية- الدينية الصغيرة، لم تكن واحدة منها تدعو إلى العودة إلى الدين القديم، على الرغم من أن حرية العبادة كانت مضمونة لأتباع زرادشت. فقد كان هؤلاء يعدون من أهل الذمة الذين يؤدون الجزية التي تفرض على غير المسلمين.‏

لاشك أن جميع هذه الفرق الهامشية، الأتقياء الأوائل والصوفية والفتوات(جمعيات أخوية ذات خصائص فروسية يرتبط أتباعها فيما بينهم بميثاق شرف)، كانوا يجنّدون لدى الصناع وأبناء المدن الكبيرة والقرى الذين بحكم مزاجهم وحساسيتهم لديهم نزوع إلى التقوى؛ كانت تحدوهم رغبة في الحفاظ على نقاء الإسلام المؤسس على تعليم القرآن. لقد كانوا ينهلون من خبرة اجتماعية أمدّهم بها عصر الجهالة والطغيان فيما قبل الإسلام وكانوا يريدون، وحُق لهم في ذلك، ألاّ تتكرر الآلام والمآسي البشرية في ظل حكم الأمويين، المولعين بالسلطة. لقد كان هؤلاء في نظر الكثيرين غير متلاءمين مع رسالة الإسلام التحريرية التي جاءت لإنقاذ الشعوب الخاضعة للعبودية والاضطهاد من قبل قادتهم. على الرغم من أن الحركات الانشقاقية في الحقبة الساسانية، الممتلئة بروح الشعب، إذ نالت منافع جمة من المظاهر الشعبية للمزدية. وتخلت عن البنى الأرستقراطية والمحافظة، كانت لم تزل غير معروفة تماماً، إلا أنها سادت جنباً إلى جنب مع روحانية ألفيّة، قائمة بكل تأكيد على أساس النور والصراع بين الخير والشر، وشدّت من أزرها.‏

لقد حان الوقت للفصل فصلاً شديداً بين العنصرين اللذين يؤلفان حضارة قديمة، مؤسسة على المزدية في قسم كبير منها. فهذه، إذ أخذت تتلاشى شيئاً فشيئاً، نتيجة لفقدانها قيمها ترضي العقول المتحررة من الأساطير والأبّهة الكرنفالية التي كانت سمة الملوك المستوثنين.‏

كان العنصر الدائم موجوداً في النفس الخلاقة وفي بحثها عن الجمال، إذ كان وراء صياغة الإصلاحات المزدية في بادئ الأمر. وفيما بعد، عندما اقتصر دور هذه الديانة على السياسة حصراً، ظهر في صور انشقاقات تمثلت في عدد كبير من الفرق التي استوحى منها الصوفية الأوائل وغالبية الفرق الإسلامية الصغيرة التي ظهرت في القرون الأولى: جميعها، وبالنظر إلى التصوف الإسلامي الإيراني(أو بصورة عامة، تصوف البلاد الإسلامية)، استعارت منه جزءاً من مصطلحاتها وتعبيراتها عن أفكارها. هذا الأخير تأسس هذه المرة على الوحي القرآني الذي يفسح مجالاً واسعاً لتنامي الأفكار، السليمة والعميقة. فولاية(قداسة) الصوفية المسلمين لم تبق غير حساسة للخبرات التي سبقتها، ومثلما هي الحال في ميادين الفكر الأخرى والعلوم الأخرى، شجع الإسلام على تبني الحقائق والمفهومات الإيجابية، بعد أن منحها صورة جديدة أكثر تكيفاً مع التقدم الإنساني.‏

إذن، ليس إلى عنصر الوثنية الاجتماعية التي جاءت بها أساطير معينة من عصور قديمة ترجع روحانية إيران ما قبل الإسلامية، بل هي نفسها قد أعيدت صياغتها في قالب الإسلام. تيارات استبدادية معينة، منذ العهد الأموي(أيام حكم يزيد بن معاوية، وأخرى أيام حكم من جاؤوا بعده)، على الرغم من أنها كانت أقل تركيباً مما آلت إليه إبّان التدخل الأجنبي في إيران، هذه التيارات استوحت هذه الظلامية الحكومية(مصدر الجمود في تاريخ الفكر الإيراني) البالغة القلق والهشاشة.‏

تبيّن أخيراً وجود روحانية تميل باطّراد إلى اتخاذ موقف مقاومة سلمية دون الوصول مع ذلك إلى مرحلة التصوفية المزدهرة. في ظل النهضة الإسلامية الجديدة، أثمرت تشكيلةٌ روحية حقيقية، متميزة بمبادئها النفسية، عن سلوكية ممتلئة بالكرامة والإنسانية.‏

طبعاً، لا مجال للبحث هنا عن التصوف الذي أصابه الانحطاط والوهن، التصوف ذي الملامح الفلوكلورية الذي ميّز الانحطاط المتأخر الذي لحق هذه التشكيلة(أو الطائفة) التي كانت تقوم بدور بناء في وقت من الأوقات. كذلك ليس من غرض هذه الدراسة تلك الحالات النفسية التي يخلقها تناول المهيجات إشارةً إلى هذه الطريقة الاصطناعية الواردة في كتيّب مزدي اسمه"كتاب أردا ويراف Livre d, Arda veraf، وهو وليٌّ (قديس) مزدي يجوب أقطار السماء بعد تعاطيه كمية من عقار مخدّر اسمه"منخ" mang (بالفارسية bang والعربية"بنج") مستخلص من نبات"الجو كسيام". وعندما صحا من نومه الطويل منتشياً راح يروي مشاهداته التي تشهد لصحة العقيدة المزدية. لا نريد أن نعقب كثيراً على هذه الحكاية الواردة في الكتاب المشار إليه، التي نالت شهرة واسعة في الأدب المتأخر عند طائفة "البرسيين"، على الرغم من وفرة المادة القديمة عندهم. لقد كتبت أبحاث كثيرة من هذا النوع من هذين القرنين الأخيرين، بدون برهان على سلامة الصيغة التقليدية المزعومة.‏

إن شكوكنا في موضوع استعمال مصطلح"التصوف" للحقبة القديمة تتلاشى خصوصاً، عندما يتعلق الأمر باستمرار هذه"الروحانية" المزدية عند ظهور الإسلام. النصوص المزدية المشتتة، بعد أن أعيد تجميعها ودرسها، تحولت إلى مفهوم أكثر توحيدية لإله النور، مبدأ الحياة والخير. الأدب الفارسي والتصوف في العهد الإسلامي، وهما باقيان على إخلاصهما لأسسهما الإسلامية، إنما ينهلان من هذا الينبوع الفياض، الينبوع الكامن المتمثل في الاستبطان، أعني البحث عن الذات، لقد أعاد الإسلام تنشيط هذه النهضة الداخلية وأعطاها وجهة جديدة بنّاءة متفتحة. لقد تشكل على أرض الإسلام نفسها تصوف بالغ الثراء، لم يتأخر في استعارة وتدوير بعض مصطلحات وتعابير من إيران القديمة لكي يتكون منها أحد الكنوز الروحية للبشرية .‏

عن:‏

ENCYCLOPEDIE DES Mystiquse‏

TOME 3‏

Editions Seghers .. Editions‏

Jupiter , palis 1978.‏

(1) من البؤرة

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 73 – السنة 19 – تشرين الأول "اكتوبر" 1998 – جمادى الأخرة 1419

كلمات البحث الموفِدة:

  • فيديوأيران (1)
38 Views

عن

إلى الأعلى