الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » من تراثنا الساخر اختراع الخراع للصلاح الصفدي د. فاروق اسليم

من تراثنا الساخر اختراع الخراع للصلاح الصفدي د. فاروق اسليم


من تراثنا الساخر اختراع الخُراع للصلاح الصفدي ـــ د.فاروق اسليم

وُلد الصلاحُ الصفدي، خليل بن أيبك، أبو الصّفا بصفد سنة 696هـ، وتوفي بدمشق سنة 764هـ. وقد عرف بكثرة الكتب التي ألّفها، والرسائل التي أنشأها. وكان ينتقي موضوعات طريفة وغريبة، ومنها كتابه (اختراع الخُراع)، فهو نمط جديد في السخرية، يقترب من سخرية أبي العلاء المعري المعتمدة على ثقافة علمية وأدبية عميقة وموسوعية، ويفترق عنها في أن سخرية أبي العلاء جادة صارمة، وسخرية أبي الصفا هزلية ضاحكة.‏

لقد جمع الصفدي في (اختراع الخراع) بين النقد والهزل في أسلوب سخر فيه من مُدّعي العلم بالعربية لغة ونحواً وبديعاً وعروضاً وقافية، ومزج ذلك بالسخرية من المؤرخين والفلاسفة والأطباء ورجال السياسة وغيرهم.‏

وتظهر السخرية الضاحكة في نسيج الكتاب كلّه، وهي مختزلة في عنوانه (اختراع الخراع)؛ فبين لفظتي العنوان علاقة إضافة تربط بينهما، وتجعل الثاني قيداً للأوّل، يحدّده، ويعرّفه وهو قيد ساخر في دلالاته، فلفظة (اختراع) مصدر (اختراع) لها دلالات متنوعة، هي: الاختراق، والخيانة والاستهلاك والكسر والارتحال، والإنشاء، والابتداع، ويجمع بينها معنى القطع والوصل.‏

وأمّا لفظة (الخراع) فتدل على الجنون. وقيل: جنون الناقة، وداء يصيب البعير، فيسقط ميتاً، وانقطاع في ظهر الناقة يجعلها باركة لا تقوم.‏

وإذا أضفنا كلمة (اختراع) إلى كلمة (الخُراع) فسوف تتشابك لدينا دلالات، كلّ منها مع الأخرى، تشابكاً يوحي بابتكار شيء يخالف المألوف مخالفة، تدخل بنا دائرة الجنون والموت الحقيقي أو المجازي.. من شدّة الضحك. وإذا أضفنا إلى ذلك أن جذر الاختراع والخُراع هو (الخرع) -ويعني الرخاوة في الشيء والدهش -فسوف ندرك أننا أمام عنوان مدهش برخاوته وبسخريته الضاحكة، التي تتراءى لنا في أول جملة في الكتاب بعد الاستفتاح باسمه سبحانه عزّ شأنه، وهي: قال أبو خرافة، الهذّاء، القشيري، سامحه الله تعالى.‏

بين أيدينا كتاب مروي عن رجل اخترعه الصفدي، واختار له كنية (أبا خرافة)، ولقباً (الهذاء)، يبوحان ببعد روايته عن الحقائق وبقربها من الأوهام. وقد تحدث أبو خرافة عن حضوره مجلس أدب اخترع فيه أحد الظرفاء بيتين من الشعر، فأخذ أصحاب المجلس في الإعجاب "ممّا اتفق له فيهما من اختلال النظم، واختلاف القافية، وعدم الإعراب، وخلاف أوضاع اللغة، وتناقض المعنى وفساده والتخبيط في التاريخ"، ثم رأى واحدٌ من أصحاب المجلس أن البيتين بحاجة إلى شرح، ينخرط في سلكهما الغريب، فالتزم ذلك بعض من حضر، وانصرف ليلته، ثم صبّحهم بشرح انخرط في سلك ما في البيتين من الغرائب، وقد مهّد لذلك، بحديث عن نسبة البيتين إلى قائلهما، ثم أتبع ذلك بستة أقوال هي: القول في اللغة، والقول في الإعراب، والقول على المعنى، والقول على البديع، والقول على العروض، والقول على القافية.‏

وقد تحدّث المؤلف عن كلّ قول حديثاً مفعماً بالسخرية، واستعان لذلك بأساليب مختلفة أبرزها ما يلي:‏

1-أن ينعت اسم العلم بكنية تناقض معناه، وبلقب يناقض كنيته، كقوله: "حدثني نصير الدين، أبو الهزائم، ثابت" وقوله: حدثني من كتابه أصيل الدين، أبو المفاخر، لقيط" وقوله: "وزعم مؤيّد الدولة، أبو خاذل". ولا يخفى ما تبعثه هذه العبارات من الضحكات الساخرة من الألقاب الفخمة التي شاعت في عصر المؤلف.‏

2-أن يترجم لبعض الأعلام المشهورين ترجمة تخالف الحقائق التاريخية، كقوله: "والفضل: هو السفّاح، أول خلفاء بني أميّة"، وقوله: "ومنه سُمّي عبد الرحيم كاتب مروان بالفاضل" فعبد الرحيم، الفاضل هو كاتب صلاح الدين الأيوبي، وأمّا كاتب مروان بن محمد فهو عبد الحميد الكاتب. وإذا كان في هذه المغالطات سخرية من مدّعي العلم بتراجم الرجال وبالتاريخ فإن في بعضها سخرية من بعض رجال السياسة، ومن ذلك قوله عن بكتوت -وهو اسم علم لأمير تركي، توفي في أواخر القرن السابع- :"بكتوت هذه كانت بعض خطايا النعمان ابن المنذر، اشتراها من نور الدين الشهيد صاحب القيروان..".‏

3-أن ينسب الأقوال والأشعار المشهورة إلى غير أصحابها. ومن ذلك قوله: "وفي أمثال بزرجمهر: لأمر ما جدع قصيرٌ أنفه"، فالمثل عربي جاهلي، وبرز جمهر حكيم ووزير فارسي. ومن الثاني قوله: "ومن هذا الباب قول ابن رشيق في التاريخ:‏

أعزُّ مكان في الدُنا سرجُ سابح * * * * * وخيرُ جليس في الأنام كتابُ"‏

فالبيت للمتنبي، وهو من شعره المشهور.‏

ومن الثالث قوله: "ذكر ذلك ابن برهان، في كتاب السماء والعالم، ووافقه ابن مسكويه في كتابه اللمع، وخطّأهما ابن جنّي في الفوز الأكبر"؛ فكتاب السماء والعالم لأرسطو، واللمع لابن جنّي، والفوز الأكبر لابن مسكويه.‏

4-أن يذكر الخطأ ويسعى إلى تعليله بأساليب متنوعة، ومنها التعليل لصحة الخطأ بآخر، كقوله في إعراب (جارية):‏

"جارية: فاعل الجار والمجرور في كُنت، وهذا واضح لإخفائه".‏

ومنها إنكار الصواب وتعليل صحة الخطأ كادعائه أن (ثعلباً) أنشد: "بنى بئر لحمّامُ" وأن ابن ماسوية أنكر ذلك، وقال لجهله: لا يُقال إلاّ بئراً.. وإلاّ لحمّام، وأن ثعلباً قال له: "البئر محفور إلى أسفل فلهذا جرّه، ولو نصبه لكان مئذنة، والحمّام ضمّها لأنها قُبّة".‏

ومنها أن يورد الخطأ، ثم يصوبه بخطأ آخر، كقوله في إعراب لو: "لو حرف تجرّ الاسم، وتكسر الخبر.. والصحيح أنها من الأفعال الناقصة التي لا عمل لها".‏

وتلك الأساليب مبنية على مخالفة قواعد النحو. وثمة أساليب مشابهة مبنية على مخالفة غير ذلك من علوم اللغة العربية، كقوله: "وأمّا البرد والملبس فربما التبس ذلك على من لا له دربة بعلم البديع، وعدّهما من باب المناسبة، ولا مناسبة بين البرد والملبس، والصحيح أنهما من باب الاتضاد"!!‏

5-أن يفسّر معاني الكلمات تفسيراً مجانباً للصواب بأساليب مختلفة، ومنها شرح الكلمة شرحاً صحيحاً، ثم تقييده بما ينقضه، كقوله في المرآة: "وهي التي يرى الإنسان فيها وجهه إذا كانت في جيبه أعني: السراويل".‏

ومنها أن يُفسّر الكلمة بدلالة تناقض دلالتها، كقوله: "الفضل: هو كلّ شيء ناقص".‏

6-أن يُنطق أصحاب علم ما بأقوال أصحاب علم آخر ومصطلحاتهم. ومن ذلك قوله عن الرواقيين في أثناء شرحه لكلمة الأطلس: "والعمدة في اللغة على أقوالهم"، وكذلك قوله: "وإنكار النحاة للجوهر الفرد يشبه إنكار أرباب العروض ثبوت الخلاء"، فالمتكلمون -ومنهم واصل بن عطاء المعتزلي- هم الذين أنكروا الجوهر الفرد، وأثبتوا الخلاء الذي أنكره الفلاسفة الحكماء.‏

تلك هي أبرز الأساليب التي استعان بها الصفدي ليسخر من علماء عصره وأدبائه وقادته. وهي أساليب تنتزع الابتسامة من الملمّين بعلوم العربية وآدابها، وبالتاريخ والتراجم، وبالتأليف والتصنيف، وبغير ذلك من العلوم والمعارف التي تتراءى في سطور الكتاب، وفيما بينها. وأما الذين لا يُلمّون بتلك الأمور فإنهم غير محرومين من المتعة أيضاً، فثمة أساليب تتناول مفارقاتُها أموراً يدركها عامة الناس فيضحكون لها كقوله: "أكل: هو الحالة المؤدية إلى الجوع لمن هو شبعان" وقوله: "الليل: هو من الزوال إلى أذان العصر في العُرف، وفي اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها" وبذلك تتسع دائرة الذين يخاطبهم المؤلّف، وتزداد أهمية (اختراع الخراع) في تاريخ تراثنا الأدبي الساخر، وتنسيني الجهد المبذول في تحقيقه*‏

*الكتاب قيد النشر

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 78 – السنة 20 – كانون الثاني "يناير" 2000 – رمضان – شوال 1420

37 Views

عن dahsha

تعليقات

  1. montaser قال:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اني حقاً لأفتخر بك يا عمي الغالي

                                                 فاروق اسليم

    اتابع كتاباتك دوماً على الانترنت

    وأفرح كثيراً لك

    أتمنى ان تظل تكتب لأنني سأظل أقرأ لك دوماً      

    تحياتي ……………………….                            ابنك البار :           منتصر اسليم

إلى الأعلى