الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » اللغة العربية » النحو والصرف » مع الدكتور شوقي ضيف في مقدمة الرد على النحاة – د. جميل علوش

مع الدكتور شوقي ضيف في مقدمة الرد على النحاة – د. جميل علوش


مع الدكتور شوقي ضيف في مقدمة الردّ على النحاة ____ د. جميل علُّوش

قدّم الدكتور شوقي ضيف لكتاب "الرد على النحاة" لابن مضاء القرطبي بمقدمة ضافية جعلها مدخلاً للكتاب، تحدث فيها عن عصر الكتاب ومؤلفه ثمّ وصف نسخة الكتاب وبحث في تحقيق نسبتها إلى المؤلف. وأورد بعض الآراء البارزة التي قام عليها الكتاب، وعلى رأسها إلغاء نظرية العامل والعلل الثواني والثوالث والقياس والتمارين غير العملية مما أطال في شرحه وترويجه صاحب كتاب الرد على النحاة، كما أطال الدكتور ضيف في شرحه لآراء المؤلف وتوضيحه لها والإشادة بما توسم فيها من محاسن ومناقب.‏

ولقد عرض ذلك كلّه بطريقة توحي أنّه لم يقرأ كتاباً نحويّاً من قبلُ ولم يمتلئ ذهنه بشيء من آراء النحاة ومذاهبهم ونظرياتهم. فقد تقبل كل ما كتبه ابن مضاء في الموضوع واعتبره كلاماً منزلاً من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلم يوجه إليه أي اعتراض ولم يسجّل عليه أي مأخذ ولم يحاسبه على أية هفوة بل نظر إلى ما كتبه في الرد على النحاة وكأنّه الحقيقة الناصعة والحجة الدامغة لا ينفذ إليه الخطأ ولا يتسرّب إليه الوهم.‏

ليس هذا فحسبُ بل تجاوز ابن مضاء إلى مواقف لا يقبلها ابن مضاء ولا غيره من يُعدّون في النحاة المترخصين المتهاونين بله المتشددين المحافظين. وأنكى من ذلك كله أنّه جعل من نظرية ابن مضاء مدخلاً لتسهيل النحو ولنظرية بقي يدعو إليها ويبشر بها طول حياته بحيثُ كتب حولها كتاباً مستقلاً أصدره قبل بضع سنوات وأطلق عليه اسم "تجديد النحو" وقد تحدثت عن هذا الكتاب في غير هذا الموضع وبينتُ مواطن الضعف والتقصير فيه وتخلخل الأساس الذي قام عليه.‏

ولمّا كان كتاب الرد على النحاة لابن مضاء هو الشرارة التي أشعلت في ذهن الدكتور ضيف فكرة تسهيل النحو، وحفزته لأن يُكوّن منها نظرية يدعو لها ويجاهر بها ويعتدُّها السبيل الوحيد لتسهيل النحو وتخليص النشء -على زعمه- من عقده وإشكالاته، فقد أحببت أن أعود إلى مقدمة ذلك الكتاب وما استوحاه من تلك المقدمة من آراء وتخريجات تجاوزت ما رسمه ابن مضاء وما دعا إليه. ويؤخذ على الدكتور ضيف من ناحية عامة ما يلي:‏

أولاً- أنّه كما سبق أن ذكرتُ لم يجد في كتاب "الرد على النحاة" على ما فيه من عنف وتطرف شيئاً يستحق المحاسبة أو النقد. فقد قبله على علاته وجعله له منهجاً وإماماً.‏

ثانياً- أنّه لم يقف عندما رسمه ابن مضاء في كتاب "الرد على النحاة" بل تجاوزه إلى آراء ومواقف تعدّ خروجاً على النحو وقدحاً في المنطق الذي قام عليه.‏

ثالثاً- أنّه جعل التسهيل غايته الأساسية فيما كتب بهذا الصدد. ومع أنّ التسهيل غاية مهمة في النحو المدرسي التعليمي، فإنه من الجدير بالتنبيه أنّ التسهيل ينبغي ألا يتناقض مع ما ثبت ورسخ من أصول النحو وقواعده.‏

ولأنّي مهتم أصلاً بموضوع النحو فسأغضُّ البصر عما كتبه شوقي ضيف عن المخطوطة والمؤلف وآراء المؤلف البارزة في ذلك الكتاب. فكل ما يهمني هنا هو أن أناقش شوقي ضيف في عدد من الاقتراحات والأفكار التي قدّمها بحجة أنها تسهم في تسهيل النحو وتقريبه من عقول الطلبة وأفهامهم. وهذه نماذج من تلك الآراء والمقترحات:‏

أولاً- اقترح أن يعتبر الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد في مثل قولنا: هل تسافرنّ؟ فعلاً مضارعاً منصوباً لا فرق بينه وبين قولنا: لن أسافر على اعتبار أنّ كلاً منهما ينتهي براء مفتوحة. ومن المعروف أنّ الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد يكون مبنياً على الفتح. والفرق بينهما من النواحي التالية:‏

أ- أنّ الفعل المضارع المنصوب لابدّ أن يسبقه أداة نصب.‏

ب- أنّ المضارع المتصل بنون التوكيد لم تعمل فيه أية أداة. أقصد بذلك أنّ الفتحة فيه لم تكن أثراً لعامل سابق.‏

جـ- أنّ حركة الفعل المضارع المنصوب حركة إعراب في حين أنّ حركة المضارع المتصل بنون التوكيد حركة بناء.‏

د- فإذا وافقنا الدكتور ضيف على أنّ حركة الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد هي حركة نصب فما قولنا إذا سُبق ذلك الفعل بأداة جزم مثل لا الناهية في قول الشاعر:‏

لا تمدحنّ امرأ حتى تجرّبه‏

ولا تذمّنه من غير تجريب‏

فإذا قلنا إنّ الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد هنا وهو "تمدحن" منصوب فكيف نوفق بين قولنا هذا وقولنا إنه مسبوق بلا الناهية التي هي حرف جزم؟‏

ومن الملاحظ أنّ الفعل المضارع المتصل بنون التوكيد أكثر ما يقع بعد أداة جزم مثل لا الناهية أو لم أو لمّا الجازمتين أو إن الشرطية الخ.. فكيف نوفق بين قولنا إنّ الفعل هذا منصوب وقولنا إنه مسبوق بأداة جزم أو شرط؟ وهل يجتمع النصب والجزم بحال؟‏

هـ- إنّ فعل الأمر المتصل بنون التوكيد هو أيضاً مبني على الفتح فهل نحسبه منصوباً؟ نقول:‏

ادرسنّ أو اكتبنّ أو اقفزنّ فيكون فعل الأمر مبنياً على الفتح لاتصاله بنون التوكيد مثل الفعل المضارع تماماً فبأي منطق نزعم أنّ هذا الفعل منصوبٌ؟ ألسنا بهذا الاقتراح نضرب عرض الحائط بالمنطق النحوي ونلغي الفواصل بين الوظائف النحوية؟‏

ثانياً- اقترح الدكتور ضيف أن نلحق الفعل المضارع المتصل بنون النسوة بالمجزومات في نحو: النساء يدرسن. ومن المعروف أنّ الفعل المضارع هنا مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة.‏

ويريد الدكتور ضيف أن يلحقه بالمجزومات على اعتبار أنّه لا فرق بين المضارع المجزوم والمضارع المتصل بنون الإناث. ولا فرق بين الفعلين في ظاهر الأمر ولكنّ الفرق حاصل في الحقيقة والواقع فالمضارع المتصل بنون النسوة قد يجيء في محل رفع أو نصب أو جزم في مثل قولنا:‏

النساء يُسافرن‏

النساء لن يسافرن‏

النساء لم يُسافرن‏

فالمضارع هنا مبني على السكون حقاً ولكنّهُ في محل رفع في المثال الأول لتجرده عن الناصب والجازم وعما يوجب بناءهُ، وهو في محل نصب في المثال الثاني لأنه مسبوق بأداة نصب، وهو في محل جزم في المثال الثالث لأنه مسبوق بجازم. وليست الأحوال الثلاثة سواسية في حساب المنطق النحوي. ولذلك فرّق حذّاق النحاة بين ما يكون مبنياً على السكون وما يكون مجزوماً وجعلوا بينهما فواصل وفوارق. وإذا كان صاحبنا الدكتور ضيف يحتجُّ بتشابه المجزوم والمبني على السكون فهما مختلفان في الحقيقة والواقع إلا إذا جاز لنا أن نعتبر لم وهل ونعم- وكلها أدوات مبنية على السكون- مجزومة.‏

ثالثاً- يقترحُ أن لا تعرب كلمة لا يفيد إعرابها شيئاً في تصحيح الكلام والنطق به نطقاً سديداً… وعلى الرغم من أنّ النطق وإتقانه غاية سامية من غايات تدريس النحو فإنّ هذا القول مردود بالحجج التالية:‏

1- أنّ النحو يتناول أموراً تتجاوز حركة آخر الكلمة إلى أحرفها وهيئة بنائها وطبيعة تركيبها وموقعها من الإعراب.‏

2- أننا لا نستطيع أن نضع حدوداً فاصلة بين الصرف والنحو واللغة وفقه اللغة وعلم المعاني. وكلُّها تعالج موضوعات متداخلة متشابكة. ولم يقُل أحد إنّ هذا الموضوع تنحصر مهمّتُهُ في بحث ما يتعلق بالنطق فقط.‏

3- أنّ أواخر الألفاظ في الإنكليزية ساكنة. ولم يمنع ذلك من أن يكون لها علم نحو يختصُّ بمواقع الألفاظ من الإعراب وصلات بعضها ببعض ودلالات مفرداتها وعباراتها وتراكيبها.‏

ويتبيّن من ذلك كلّه أنّ القول بأنّ الهدف من النحو هو دراسة كل ما يفيد النطق في اللغة ليس صحيحاً. فليس صحيحاً كذلك القبول بما اقترحهُ الدكتور ضيف من وجوب النظر إلى الألفاظ من ناحية شكلية بحتة تراها العين ويقررها البصر، فالعقل له حكمه وحسابه في الموضوع.‏

رابعاً- يزعُمُ الدكتور ضيف- في سبيل تأييد دعوته إلى القول بإلغاء كان وأخواتها وعدّ اسمها مبتدأ وخبرها خبراً- يزعم أنّ الخبر يجيء مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً.‏

ويمثلُ على مجيئه منصوباً بقولهم: ضربي العبد مسيئاً.‏

وعلى مجيئه مجروراً بقوله تعالى: وما ربك بظلام للعبيد.‏

وليس (مسيئاً) هنا خبراً صحيحاً كبقية الأخبار. فقد ذكر النحاة أنه هنا حال سدّ مسدّ الخبر ولم يجعلوه خبراً حقيقياً لسببين:‏

الأول- أنّه ليس مرفوعاً والخبر حكمه الرفع في الأصل.‏

الثاني- أنه ليس المتبدأ نفسه، أعني بذلك أنّ المسيء ليس هو الضرب بل هو العبد والعبد في الجملة المذكورة مفعول به للمصدر المضاف إلى فاعله. ومن المعروف أنّ الخبر إذا جاء شيئاً آخر غير المبتدأ انتصب. وقد نصبه الكوفيّون في ذلك على الخلاف لأنه ليس المبتدأ نفسه.‏

أمّا قوله تعالى: وما ربك بظلام للعبيد. فإنّ الخبر هنا ليس مجروراً كما توهم الدكتور بل هو مجرور بحرف الجر الزائد. فإمّا أن يكون في محل رفع خبراً للمبتدأ إذا اعتبرنا "ما" تميمية أو في محل نصب على أنه خبر "ما" إذا اعتبرناها حجازية. ويرى بعضهم أنها إذا دخلت الباء الزائدة في خبرها كانت شاهداً على أن "ما" حجازيّة لا تميمية أي أنها تعمل عمل "ليس".‏

ويبدو مما سبق أنّ الخبر لا يجيء منصوباً ولا مجروراً كما زعم الدكتور ضيف فهو مرفوع دائماً ولكنه قد يجيء أحياناً ظرفاً منصوباً أو مجروراً بحرف الجر الزائد ولكنه يكون في ذلك كله مرفوع المحل. ومجيء الخبر على هذه الحال لا يبيح لنا القول بأنّ الخبر منصوب أو مجرورٌ حكماً.‏

خامساً- يقترح صاحبنا أن نعرب اسم إنّ وأخواتها مبتدأ منصوباً بحجة أنّ المبتدأ يجرُّ بعد رب وبعد حرف الجر الزائد. ويقول: إذا كانّ المبتدأ يجيء مجروراً فلماذا لا نقول بأنّه يجيء منصوباً؟‏

والواقع أنّ هذا كلّه خلط. فإذا كان الخبر يجيء مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً فماذا بقي لنا من قواعد النحو ومن المنطق النحوي؟ وماذا نقول للطالب الذي يُقبل على تعليمه إذا أردنا أن نبلغه أنّ المبتدأ يجيء مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً؟ ثمّ ماذا في قولنا إنّ الاسم الواقع بعد "إن وأخواتها" هو شبه الاسم الواقع بعد رُبّ أو الواو في مثل قولنا: ربّ قول أنفذ من صول. وقولنا: وليل كموج البحر أرخى سدوله. ألم تجعل النحاة لكل حالة من تلك الحالات وضعاً خاصاً قائماً على مسوّغات عقلية ونحوية سليمة؟‏

سادساً- يزعم الدكتور ضيف أنّ المضاف إليه قلق في موضعه في كتب النحو العربي ولذلك فهو يقترح أن نلحقه بتوابع المفردات. وهو يقول في ذلك: إنّ المضاف إليه أشبه بالتابع وإن لزم الجر. فثلاثة أقلام مثلاً واضح فيها أنّ أقلام تابعة لثلاثة. ومن الممكن أن نقول الأقلام الثلاثة وهي حينئذ تعرب صفة أو بدلاً. منطق الدكتور ضيف عجيب هنا. فهو يقترح أن نلغي المضاف إليه ونلحقه بالتوابع، لأننا نستطيع أن نقول: الأقلام الثلاثة بدل ثلاثة الأقلام.. ومن المعروف أنّ قولنا ثلاثة أقلام مضاف ومضاف إليه في حين أن قولنا الأقلام الثلاثة هو موصوف وصفة وأنّ أحد التركيبين لا يغني عن الآخر ولا يلغيه. فلماذا يجبهنا الدكتور ضيف بمثل هذه الأفكار الحمئة والمقترحات الصدئة؟‏

سابعاً- يقترح المؤلف إلغاء الفاعل أو نائب الفاعل حينما يجيء ضميراً مستتراً في مثل: زيد قام. ويقول: وهو استتار وهمي لا دليل عليه.‏

واقتراح الدكتور ضيف مردود بما يلي:‏

1- أنّ الفاعل يجيء اسماً ظاهراً في مثل: حضر زيد، ويجيء ضميراً متصلاً في مثل: حضرتُ وكتبتُ وحضرنا وكتبنا، فلماذا لا يجيء ضميراً مستتراً في مثل: زيد قام؟‏

2- نحن نقول: زيد حاضر فنعرب (زيد) مبتدأ و(حاضر) خبراً. فإذا قلنا: زيد حضر، وجب علينا أن نعرب (زيد) مبتدأ على النسق السابق. وتكون جملة (حضر) في محل رفع خبر (زيد) ولا يصح أن نعرب (زيد) مبتدأ في الأولى وفاعلاً في الثانية.‏

3- وإذا كانت جملة (حضر) في الجملة السابقة في محل رفع خبر المبتدأ فلابدّ أن نضمر في فعل (حضر) ضميراً حتى يصح تأليف الجملة. ذلك أن الجملة تتكوّن من إسناد فعل إلى فاعل ولا تتكوّن دون ذلك. وعلى هذا الأساس يكون تقدير الضمير شيئاً أساسياً وجوهرياً.‏

4- نقول: زيد حضر، والزيدان حضرا، والزيدون حضروا، فيكون الفاعل هو الضمير المستتر في الجملة الأولى وألف الإثنين في الثانية وواو الجماعة في الثالثة. وليس صحيحاً القول بأنّ ألف الاثنين وواو الجماعة لا محل لهما من الإعراب وأن القصد منهما الإشارة إلى كل من حالة التثنية وحالة الجمع. ولو كان الأمر كذلك لكان في إمكاننا إلحاقهما بالفعل قبل الفاعل في مثل قولنا:‏

حضر الرجلان و حضر الرجال. ولكنّ ذلك ممتنع. مما يدل على أنّ ألف الاثنين وواو الجماعة لا تجيئان علامتي تثنية وجمع بل لابدّ لهما من عمل.‏

5- إذا قلنا: إنّ زيداً حضر. فهل تكون (زيد) أيضاً فاعلاً وبكون الفاعل منصوباً؟ كل هذه الأسباب تبطل اقتراح الدكتور ضيف ومن لفّ لفهُ من دارسي النحو في القول ببطلان مجيء الفاعل ضميراً مستتراً.‏

ثامناً- يقترح إلغاء الحديث في إعراب الجمل، لأنّه على حد زعمه لا يفيد في نطق الكلام. ولا شكّ أنّ هذا نوع من التيسير إذا كان الموضوع منحصراً في تعليم الصغار. أمّا أن يمحى الموضوع كلّه من النحو، فهذا محض تمحّل لأنّ الجُمل تقع موقع الألفاظ المفردة فهي من ثمّ تعمل عملها وتنوب عنها. فحين تقول: مررتُ برجل يزرع فمحل (يزرع) الجر لأنها في محل صفة للفظة (رجل) النكرة. ولو قلنا: مررت بالرجل يزرع، لأختلف الأمر وكانت جملة (يزرع) في محل نصب على الحال تمسكاً بقول النحاة: الجُملُ بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال. وإذا كان هذا التفصيل غير ضروري لطالب في الصفوف الابتدائية فهو جدُّ ضروري في الصفوف العليا وللمتخصصين والمنطق يفرضه. وما دام القول بذلك أمراً معقولاً فلا يمنعُ منه شيء، لأنّ العقل لا يقبل أن تحد حركته حدود. والنحو علم فليس من المعقول أن نجعل حدوده ضيقة ونجعل رسم تلك الحدود وقفاً على حاجة الصغار والمبتدئين.‏

تاسعاً- يقترح الدكتور الامتناع عن بيان محلّ الألفاظ المبنيه والمقصورة والمنقوصة من الإعراب… وكأنه يدعو إلى الاكتفاء بوصف حركات أواخرها دون النظر في موقعها من الإعراب وهذا الاقتراح يلحق سابقه، فما دُمنا نبيّن موقع اللفظة الصحيحة من الإعراب لتحديد حركة آخرها فلماذا نمتنع عن ذلك إذا كانت اللفظة مبنية أو مقصورة أو منقوصة؟ نقول: حضر سيبويه، وسيبويه لفظة مبنية على الكسر، فهل نكتفي بالقول إنها مبنية على الكسر دون تبيين موقعها من الإعراب؟ ولماذا يكون ذكر هذا الموقع محرّماً؟ وكذلك في قولنا: جاء الفتى، وحضر القاضي، يطالبنا الدكتور ضيف بأن نقول: (الفتى) اسم ساكن الآخر دون أية إشارة إلى موقعه الإعرابي.‏

وكذلك (القاضي) وهو بهذا يصف حركة الآخر حقاً ولكنّه يقصّر عن وصف موضع الكلمة من الإعراب وتحديد وظيفتها وتبيين علاقتها بما قبلها أو ما بعدها., وهذا كلّه قصور عن بلوغ الإتقان والكمال في الصناعة النحوية.‏

عاشراً- يقول الدكتور ضيف: ففي إعراب (لولا دعاؤكم) لا تعربُ (دعاؤكم) مبتدأ مرفوعاً والخبر محذوف والتقدير موجود كما يقول النحاة، لأنّ هذا يعود بنا إلى التقدير والتأويل، وإنما نكتفي بأن نقول (دعاؤكم) شبه جملة مرفوعة.‏

وهذا اقتراح عجيب غريب حقاً من النواحي التالية:‏

أ- من المعروف أنّ لو ولولا من أدوات الشرط غير الجازمة ولكل منهما استعمال خاص به. ويجب أن يقترن جوابهما باللام. فكيف تصبح الجملة الشرطية شبه جملة؟‏

ب- متى كان من الممكن مجيء أشباه الجمل مرفوعة ومنصوبة ومجرورة؟ ومن المعروف أنّ شبه الجملة هي جار ومجرور أو ظرف ومضاف إليه. وقد أطلقوا عليها مصطلح شبه الجملة لأنها لا تفيد فائدة كاملة. فكيف يطلق هذا المصطلح على ما لا يمت إليها بصلة ولا يتكوّن لا من جار ومجرور ولا من ظرف؟‏

جـ- إنّ الأخذ بمقترح الدكتور ضيف يخلخل فكرة شبه الجملة في أذهان الطلبة. ويصبح عمل الدكتور كأنه هدمٌ لما اتفق عليه النحاة. ونحن بحاجة إلى شيء نتفق عليه لا إلى أشياء نختلف عليها.‏

ويلحق بهذا البند ما اقترحه من وجوب اعتبار بعض صيغ النداء المنصوبة وصيغ الإغراء والتحذير من قبيل أشباه الجمل المنصوبة، وغير ذلك من أشباه الجمل المجرورة. وكل هذا وما شابهه محض خيال وتوهم لأنّ أشباه الجمل لا تخرج عن أن تكون جاراً ومجروراً أو ظرفاً. هذا عدا أنّ الأخذ باقتراح الدكتور ضيف لا يفيد شيئاً بل هو دعوة إلى الهدم والاضطراب.‏

وهكذا يتجاوز الدكتور ضيف الحدود في تقديم المقترحات ومخالفة أقوال السابقين مما استقام نهجُه واتلاب مجراه. وقد بالغ الدكتور ضيف في ذلك حتى كأنه يعمد إلى تخريب النحو وإخراجه من هندامه الذي نسج على قدّه ومقداره..‏

ولا أقول هذا كلّهُ لأني أنحرج من مخالفة السابقين فقد خالفتهم في مواضع كثيرة وأعلنت ذلك على الملأ ولكنّ المخالفة ينبغي أن تقوم على العقل والمنطق كما ينبغي أن نحاسب النحاة بقواعدهم ومقاييسهم لا بقواعد ومقاييس لم يعرفوها.‏

وصفوة القول أنّ الدكتور ضيف لم يكن موفقاً فيما قدّم واقترح في موضوع تيسير النحو وتسهيل تدريسه. وكانت مقترحاته بعيدة عن روح النحو من جهة ومخالفة للمنطق ومقتضيات العقل من جهة أخرى. ولذلك لم تترك أي صدى لا في الأذهان ولا في الآذان.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق

49 Views

عن

إلى الأعلى