الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الثقافة » التفاعل الثقافي والحضاري في العصر العباسي د.خلف محمد جراد

التفاعل الثقافي والحضاري في العصر العباسي د.خلف محمد جراد


التفاعل الثقافي والحضاري في العصر العباسي ـــ د.خلف محمد جراد

كانت الدولة العباسية تمتد من حدود الصين وأواسط الهند شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن المحيط الهندي والقرن الأفريقي جنوباً إلى بلاد الترك والخزر والروم والصقالبة شمالاً، وبذلك كانت تضم بين جناحيها بلاد السند وخراسان وماوراء النهر وإيران والعراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والمغرب العربي. وهي أوطان كثيرة، تعيش فيها منذ القدم شعوب وأقوام وجماعات متباينة في الجنس واللغة والثقافة، غير أنها لم تكد تدخل في نطاق الثقافة العربية حتى أخذت عناصرها المختلفة تمتزج بالعنصر العربي امتزاجاً قوياً، فإذا بنا إزاء حضارة تتألف من أجناس وعناصر مختلفة، فمضت هذه الأجناس تنصهر في الوعاء العربي حتى غدت كأنها جنس واحد.‏

وقد تميّز العصر العباسي باختلاط كبير بين الأمم المفتوحة وامتزاجها في السكن والمصاهرة وفي الحياة الاجتماعية والمهن والحرف.. الخ، بحيث غدت أحياء المدن الكبرى تعجّ بالعرب والهنود والأحباش والفرس والترك والأكراد والأروام والأرمن وغيرهم، وبحيث أصبح العربي خالص الدم في بغداد (عاصمة العباسيين) نادراً، فالكثرة الكثيرة من أبناء العرب كانت أمهاتهم من السنديات أوالفارسيات أو الحبشيات أو التركيات، وكذلك الشأن في الخلفاء أنفسهم.‏

وكان وراء هذا الامتزاج الدموي بين العناصر والشعوب والأقوام المختلفة امتزاج روحي عن طريق الولاء الذي شرعه الإسلام، والسياسة الحكيمة، التي قامت على التسامح والاحترام المتبادل، فتحول الولاء إلى الكيان الواحد إلى رابطة تشبه رابطة الدم، فالشخص يكون فارساً أو هندياً أو رومياً أو حبشياً ويكون عربي الولاء، بل إن الرقيق كانوا بمجرد تحريرهم يصبحون موالي لأصحابهم ويُنسبون إلى القبائل العربية مثلهم مثل أبنائها الأصليين.‏

وهذا الرقيق إنما كان قلة قليلة بالقياس إلى أحرار الموالي الذين كانت تتكون منهم الشعوب المفتوحة، وقد دخل أكثرهم الإسلام، وامتزجوا بأهله من العرب ونعموا بما يكفل للناس من عدل ومساواة. وحتى من لم يعتنق الإسلام من الموالي (من المجوس الصابئة والنصارى غير العرب) أخذ يندمج من المحيط العربي بفضل ماشرعه الاسلام لهم من حقوق اجتماعية وحرية دينية. وبذلك فتحت بينهم وبين المسلمين أبواب التعاون الوثيق -على مصاريعها- في شؤون الحياة كلها، وحقاً دخل جمهورهم الضخم في الإسلام ولكن دون ضغط أو إكراه أو عنف.‏

وبذلك استطاع الخلفاء العباسيون -بسياستهم المتسامحة، المنفتحة- أن يحدثوا امتزاجاً قوياً بالعناصر والأقوام والشعوب والجماعات المختلفة التي كانت تتألف منها الدولة، وهو امتزاج لم يبلغوه بامتلاك الأرض المفتوحة، إنما بلغوه باحترام الاختلاف والتنوع والتعدد.‏

بالانفتاح وضمان حرية الاعتقاد شعرت الشعوب غير العربية بالولاء للدولة، أسرعت معظمها إلى تعلم لغة القرآن الكريم والحديث النبوي، فلم يمض نحو قرن حتى أخذت العربية تسود في أنحاء العالم الإسلامي، لا بين المسلمين وحدهم، بل أيضاً بين غيرهم ممن بقي على دينه القديم، لا في البيئات التي كانت قد أخذت تستعرب في عهد ماقبل الإسلام: بيئات العراق والجزيرة والشام فحسب، بل أيضاً في البيئات النائية: في إيران ومصر وبلاد أفريقيا الشمالية، فإذا هي تتعرب وتتعرب معها الأطراف الغربية للقارة الأوربية في الأندلس.‏

وكان سكان هذه البيئات يتكلمون لغات مختلفة، ففي إيران كانوا يتكلمون الفهلوية، وفي العراق والجزيرة كانوا يتكلمون الآرامية، وفي بلاد الشام كانوا يتكلمون هذه اللغة ولهجات عربية مختلفة، وفي مصر كانوا يتكلمون القبطية والعربية، وفي المغرب كانوا يتكلمون البريرية بلهجاتها المتنوعة. وكانت اللغة اليونانية قد أخذت تشيع -منذ غزو الاسكندر- في الأوساط الثقافية في كل من بلاد الشام وإيران والعراق والجزيرة ومصر، بينما كانت اللاتينية تشيع في تلك الأوساط بشمالي أفريقيا والأندلس.‏

وفي العهد العباسي أصبحت شعوبها جزءاً أساسياً في المجال الثقافي -الحضاري العربي، لغةً وشعوراً وأدباً وانتماء. وقد اختلف إسراعها إلى هذا الانصهار (التعرّب) باختلاف مواقعها – بعداً أو قرباً- من الجزيرة العربية، فكان أسرعها تعرّباً العراق والجزيرة والشام، وكان تعرّبها جميعاً قد بدأ بقرون قبل الإسلام، فأتمته الفتوح (الإسلامية) سريعاً، وتعرّبت شمال أفريقيا تدريجياً.‏

وفي هذا السياق الحضاري والمناخ الفكري المواتي أقبل الفرس -مثلاً- على التعرّب إقبالاً منقطع النظير، فقد أكبّوا على تعلّم العربية إلى أن أتقنوها واتخذوها سريعاً للتعبير عن أفكارهم وعواطفهم، بحيث لانكاد نتقدّم في العصر العباسي حتى يصبح جمهور العلماء والكتّاب والشعراء منهم، فهم يقبلون على دراسة الشريعة الإسلامية ويتألق فيها نجم أبي حنيفة وتلاميذه، وهم يقبلون على جمع العربية وتدوين أصولها النحوية على نحو ماهو معروف عن سيبويه، وهم يقبلون على صناعة الكتابة على نحو ما هو معروف عن ابن المقفع، وهم يقبلون على الشعر بحيث يصبح أعلامه النابهون منهم على نحو ماهو معروف عن بشار وأبي نواس.‏

وفي ظلّ التسامح الفكري العظيم ظلّت كثير من اللغات الأصليّة متداولة حتى في أكثر البيئات تعرّباً أي في العراق والشام، ونقصد بها الآرامية أو السريانية والنبطية والفارسية والكردية والتركية وغيرها.‏

ونشير هنا إلى الفارسية، التي ظلّت حيّة، مزدهرة، لابين سكان إيران فحسب، بل أيضاً بين سكان المدن في العراق، الذي زحف إليه من عصر بني أميّة جموع كبيرة منهم، وازداد زحفهم في العصر العبّاسي الذي علا فيه سلطانهم. ويدل على ذلك من بعض الوجوه مايرويه الجاحظ عن قاص من قصّاص البصرة ووعاظها هو موسى الأسواري، إذ يقول: "كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب على يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسّرها للعرب بالعربية، ثم يحوّل وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية فلا يُدرى بأي لسان هو أبين"1-.‏

وقد تعلم كثير من العرب الفارسية وأتقنوها، حتى لنراها تدور في مجالسهم. وممّن اشتهر بإتقانه للفارسية الأصمعي العربي القحّ. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ الفارسية شاعت على ألسنة كثيرين في الحياة اليومية لبغداد والكوفة والبصرة، وبسبب ذلك ولأنها كانت لغة الحضارة الفارسية دخل منها إلى العربية ألفاظ كثيرة، وخاصة مااتصل بأسماء الأطعمة والأشربة والأدوية والملابس، ودخل إلى العربية في هذا العصر بعض ألفاظ هندية وخاصة في أسماء النباتات والحيوانات، كما دخل بعض ألفاظ اليونانية وخاصة مااتصل باصطلاحات الفلسفة والطب وأسماء المقاييس والموازين والأمراض والأدوية (مثل القيراط والأوقية والقولنج).‏

ولم تعد هذه الألفاظ والكلمات غزواً للعربية، وكثيراً ماكانت تعرّب بحيث تتفق واللسان العربي، وقد ألف العرب فيها مصنّفات كثيرة تمييزاً لها وتعريفاً بها. وبذلك اتسعت العربية بفضل هذا الاحتكاك الثقافي الواسع، وتحوّلت من لغة البدو القديمة إلى لغة حضارية مع المحافظة على مقوّماتها ومكوّناتها الأساسية وأوضاعها وأصولها الاشتقاقية والصرفية والنحوية2-.‏

وفي الوقت نفسه، وكنتيجة طبيعية لهذا الاختلاط الأممي الكبير شاع اللحن في العربية، وقد ساق الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" جملة من لكنات بعض الأعاجم، وهي لكنات مردّها إلى ماكان يجده نفر من صعوبة التكيف العضوي لمخارج الحروف العربية، التي لاتوجد في لغاتهم، إذ كان منهم من يبدل الراء غيناً والزاي والتاء والشين سيناً والعين همزة والقاف كافاً أو طاء والجيم زاياً أو ذالاً والحاء هاءً والصاد سيناً والظاء زاياً واللام ياءً. ولكن الفصحى ظلّت المثل الأعلى للناس في هذا العصر، وخاصة الطبقة المثقفة، وحتى غير المسلمين أو المؤمنين اتخذوها لسانهم وأدواتهم في التعبير، مما أحالها وعاءً كبيراً لكل ما لقيته من ثقافات في البيئات الحضارية والاجتماعية والبشرية ومن معارف مختلفة متباينة، وهي معارف امتزجت فيها منذ فتوح الاسكندر عناصر شرقية بعناصر إغريقية مكوّنة مايسمّى بـ "الثقافة الهلّينيّة"، حيث إن زحوفه العسكرية شملت مصر وليبيا والشام والعراق وإيران وأفغانستان وشطراً من بلاد الهند، وقد عُني بنشر الثقافة اليونانية في كل البلدان التي احتلها ومضى خلفاؤه الذين ورثوا ملكه على نهجه. وبذلك امتزجت هذه الثقافة بثقافات أمم كثيرة، فتكونت من هذا الامتزاج ثقافة جديدة فيها من فلسفة الإغريق المتشعبة، وفيها من ديانات الشرق وروحانياته وأساطيره ومعارفه الفلكية والطبية وغيرها. وكانت المراكز الثقافية الهلّينيّة قبل الإسلام مدارس مختلفة في الاسكندرية وقيسارية وأنطاكية والرها ونصيبين وحرّان وجند يسابور، فاتصلت الثقافة العربية بعد الإسلام، ولاسيما في العصر العباسي بكلّ هذا التراث وحدث تفاعل بينه وبين المعارف الإسلامية والآداب (الإسلامية) الجديدة، واتخذ هذا التفاعل صوراً كثيرة، منها الترجمة ونقل العلوم، مما سنتحدث حوله لاحقاً وبصورة أكثر تفصيلاً.. وفيها تأثر العرب بالمعارف العملية التطبيقية عند الشعوب الأخرى، مما اضطرهم إلى التعمّق فيها من خلال إنشاء المدن وضبط الدواوين وعمل الأساطيل وإعداد الجيوش والنهوض بالزراعة والميكنة (فنون الحيل كما كان العرب يطلقون عليها). واضطرمت المجادلات بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم، وتعرّفوا عقائدهم وتصوّراتهم وطقوسهم وشعائرهم. ناهيك من تحوّل قسم كبير من أتباع تلك الديانات والعقائد إلى الإسلام بتراثهم العقيدي، بل تراثهم الثقافي والقومي والتاريخي.‏

وقد فصّل في هذه المسألة مؤرخون وباحثون كُثر، سواء من العرب أو من المستشرقين، نذكر منهم -على سبيل المثال- كارل بروكلمان ومؤلفه الشهير "تاريخ الشعوب الإسلامية"؛ لويس غارديه وكتابه "أهل الإسلام"؛ كلود كاهن وكتابه "تاريخ العرب والشعوب الإسلامية"؛ هاملتون جيب وكتابه "التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى".. الخ. بالإضافة إلى مئات المؤلفات العربية والإسلامية بهذا الشأن.‏

مانودّ التركيز عليه هنا أننا أمام حضارة ذات خليط سكاني -ثقافي شديد التنوع- أحياناً أمام انصهار حقيقي تحت الهيمنة الشرفية -على الغالب- للفاتحين المسلمين. ويتكوّن هذا المزيج من القبائل العربية العاربة والمستعربة والآرامية (السريان) والبيزنطيين والإيبيرايين خاصة، ثم الرفد الوفير من القبائل التركية والكردية، في المشرق، والبربر والإيبيريون والفاندال والفيزيغوت في الجناح الغربي. والعامل الارتكازي الأول، الذي يوحّد هذه الشعوب كلها، يتمثل في الإقرار الإجمالي بالسلطة المركزية -الإسلاميّة، وبالإسلام، كعقيدة دينية واجتماعية -ثقافية محورية.‏

وبهذا السياق يقول لويس غارديه: إنّ الجماعات غير المسلمة المرخّص لها العيش وسط أمّة النبيّ ظلّت ناشطة حتى القرن الثاني عشر للميلاد، وبعد ذلك انكمشت في وضع دفاع ذاتي: ففي القرن التاسع، وفي ظلّ السلطان الإسلامي، ظهرت دعوات قويّة إلى المزدويّة (أو المزدكّية)3-؛ كما أن المناظرات الإسلامية المسيحية كانت ناشطة بتشجيع واضح من الخلفاء أنفسهم. ومن جهة أخرى استقبل نصارى ويهود وصابئة من ذوي الكفاية في عدد كبير من ندوات "العلوم الإنسانية" في مجالس الخلفاء، التي سيكون لها أثر قوي في إرساء أسس ممتازة لحوارات عقائدية غاية في الأهمية والتأثير والروعة. وقد أدخلوا فيها، بفعل ذلك، قدراً وفيراً من تأثيرات ماضيهم الثقافي. وستحدث عملية تمازج ذي عنصر إسلامي مهيمن، ولكن دون إهمال للمصادر النصرانية واليهودية والحنيفية وغيرها4-.‏

وللتدليل على الطبيعة الانفتاحية للمجتمع الإسلامي -العبّاسي، يؤكّد لويس غارديه أنّ هذا المجتمع هو الذي خصّص اليهود في تجارة المعادن الثمينة ثم في الهيئات المصرفية، وكذلك كانت المهن الضرورية لحياة الحاضرة ميسّرة لليهود والنصارى.. وكانت أكثرية الأطباء من اليهود النصارى، وهي مهنة محترمة فتحت لهم صدور البيوت، بصرف النظر عن دين وعقيدة أصحابها (5)-.‏

ولا يدخل في بحثنا هذا موضوعُ المناصب والمسؤوليات التي تقلّدها غير المسلمين (من مسيحييّن ويهود وصابئة) في الدول الإسلامية، إذ تناولته أقلام ودراسات كثيرة. نودّ فقط الإشارة هنا إلى الحريّة والتساهل والعطف التي تمتع بها أتباع تلك الديانات كما تشهد بذلك حوادث عديدة. فقد جرت مناقشات دينية في بلاط العبّاسيين بصورة واسعة، كذلك التي جرت في بلاط معاوية وعبد الملك. ومنها الدفاع العقائدي الذي قدّمه طيموثاوس بطريرك النساطرة في سنة 781م دفاعاً عن المسيحية أمام المهدي ولا يزال نصّه محفوظاً إلى اليوم6-. وتحفل المصنّفات والمؤلفات التاريخية الإسلامية بأخبار عن المناظرات الدينية، التي كانت تجري في مجالس الخلفاء وفي حلقات الأدباء والفقهاء والمتكلّمين.‏

وممّا يدلّ على المناخ الفكري والسياسي المتسامح في العهد العبّاسي أنّ وزراء مسيحيّين أُسندت إليهم مهمّات كبيرة، مثل عبدون بن صاعد، الذي يحكى أنه دخل على قاضي بغداد فقام له ورحّب به فأنكر الشهود ذلك7-. وكان للمتقي (940-944م) وزير مسيحي8- كما كان لأحد بني بويه وزير آخر (هو نصر بن هارون). وقد نال أمثال هؤلاء المسيحيّين من أصحاب المناصب العالية ما ناله زملاؤهم المسلمون من الإكرام والتبجيل والعزّ. وقد نشر أخيراً "براءة" منحها المكتفي9- سنة 1138م لحماية النساطرة. وهي توضح مدى العلاقات الوديّة بين رجال الدولة الإسلامية الاسميين وبين المسيحيين بعامّة. وقد كان رعايا الخلفاء العبّاسيين من المسيحيّين ينتمون بالأكثر إلى كنيستين (سريانيّتين) هما الكنيسة اليعقوبية والكنيسة النسطورية، وكانت أكثرية مسيحيي العراق من النساطرة فنال بطريركهم المعروف بالجاثليق10- حق السكنى في بغداد وجعلها مقرّاً لكرسيه. وقد نشأ حول مقر الجاثليق ببغداد المدعو بدير الروم11- حيٌّ للمسيحيّين عرف بدار الروم. وكان للجاثليق سلطة روحية على سبع أبرشيات أو مطرانيات منها أبرشية البصرة وأبرشية الموصل وأبرشية نصيبين. وكان المرشح المنتخب لمنصب الجثلقة يتسلّم من الخليفة "براءة" تسند إليه الزعامة الرسمية على مسيحيّيي الامبراطورية الإسلامية كلّها. وبالمقابل كان لليعاقبة دير ببغداد وأبرشية في تكريت غير بعيدة عن العاصمة. وقد أورد ياقوت12- أسماء نحو ستة أديرة من أديرتهم كانت في الجانب الشرقي من بغداد غير الأديرة التي قامت في الجانب الغربي.‏

ومن أروع الأمثلة على الجوّ المتحرّر والمنفتح والمزدهر في ظلّ الخلفاء العبّاسيّين أنّ المسيحيّين السريان افتتحوا لهم في ذلك الحين مراكز تبشيرية في الهند والصين. وقد أنبأنا ابن النديم13- عن اجتماعه براهب في دار الروم ببغداد كان قد أنفذه الجاثليق مبشراً إلى الصين. وأنّ العمود الحجري المشهور في "سيان فو" بالصين الذي نصب سنة 781م تذكاراً لجهود سبعة وستين مبشّراً سريانياً، وانضمام الكنيسة الهندية وأتباع القديّس توما في مالابار بالقرب من مدراس إلى بطريركية بغداد لدليل على حيوية الكنيسة السريانية وغيرتها الدينية للتبشير بينما كانت تعيش في كنف المسلمين. ثم إنّ حروف الكتابة المتداولة اليوم عند المغول والمانشو قد تحدرت في الأصل عن أشكال كتابية مشتقّة من الأبجدية السريانية التي حملها إلى تلك الأصقاع مبشّرون من رهبان النساطرة14-.‏

وقد لقي اليهود من محاسنة الخلفاء العبّاسيين مثل مالقيه المسيحيون مع مافي بعض الآيات القرآنية من تنديد بهم. والسبب أنّ الدولة كانت قويّة لاتخشى أذاهم، وكان لهم في الدولة مراكز هامة، خصوصاً في عهد المعتضد (892-902م). وكان لهم في بغداد حيّ كبير ظلّ مزدهراً حتى سقوط المدينة. وقد زار هذا الحيّ بنيامين التطيلي حول سنة 1169م فوجد فيه عشر مدارس للحاخامين وثلاثة وعشرين كنيساً15-، منها واحد رئيس مزدان بالرخام المخطط ومطعّم بالذهب والفضة. وأفاض بنيامين في وصف الحفاوة التي لاقاها رئيس اليهود البابليين من المسلمين بصفته سليل بيت داود النبي ورئيس الملّة الموسوّية (ريش جالوثا في الآرامية)16-، أو بصفته في الواقع كبير الحاخامات وزعيم جميع اليهود الذين يدينون بالطاعة للخليفة (في بغداد) والسلطة المركزية. وقد كان لرئيس الحاخامين هذا سلطات تشريعية وروحية هائلة على أفراد طائفته. وقد رُوي أنه كانت له ثروة ومكانة وأملاك وافرة، فيها الحدائق والبيوت والمزارع الخصبة. وكان إذا خرج للمثول في حضرة الخليفة ارتدى الملابس الحريرية المطرّزة وعمامة بيضاء موشاة بالجواهر وأحاط به رهط من الفرسان، وجرى أمامه ساع يصيح بأعلى صوته "أفسحوا درباً لسيدنا ابن داود"17-.‏

وقد مُنح الصابئة لمؤهلاتهم العقلية وخدمات بعض نوابغهم العلمية الحماية والرعاية التي لأهل الكتاب. ويأتي في مقدمتهم ثابت بن قره وغيره من علماء الفلك الحرّانيين، ومن اللامعين بين الصابئة البتّاني الفلكي وابن وحشية المنسوب إليه كتاب "الفلاحة النبطية". ولعلّ جابر بن حيّان الكيميائي الشهير كان منهم أيضاً. إلاّ أن الثلاثة الآخرين قد أسلموا.‏

وقد اقتضت المصلحة العليا للدولة والسياسة العملية -الواقعية لاحتساب الزرادشتيين كأنهم من الصابئيّين، وبذلك توسّع نطاق الذمة فشمل كلّ أهل إيران. وبذلك ظلت الديانة الزرادشتية (وكانت دين الدولة الإيرانية قبل الإسلام) وهياكلها بعد الفتح الإسلامي منتشرة لا في الأمصار الإيرانية فحسب بل في العراق والهند أيضاً.‏

وبقيت فارس بوجه عام خارج حظيرة الدين الإسلامي مدة طويلة بعد فتحها. ولايزال فيها إلى اليوم من أتباع زرادشت نحو تسعة آلاف شخص. وهناك بلاد كالجزيرة الفراتية ظلّت أغلبية سكّانها (إلى مابعد فتحها بخمسة أو ستّة قرون) نصرانية، في أعيادها وتقاليدها وأديرتها وكنائسها وثقافتها.‏

غير أنّ مايعنينا هنا بوجه خاص دور "المجالس" الأدبية والفلسفية والعلمية، التي كانت معلماً ثقافياً رائعاً في ذلك العصر.‏

ففي مجالس ليلية، حرر ابن سينا( 680-1037/م وهو محاط بتلامذة من طلبة الحكمة والعلم والطّبّ، (الفيلسوف المعروف والطبيب الطاجيكي)، الوزير في بلاط همذان آنذاك، عدداً من فصول مؤلفه الكبير "الشفاء". ولاتنفك أخبار بغداد تذكر "المجالس"، التي شكلت لحمة "نشوار" التنوخي (أبو علي المحسن /الأديب والفقيه ت/994م)، كما أنّ التوحيدي (المتوفى في سنة 1010م) يتحدّث عنها بإعجاب عظيم في مؤلفه الشهير "الإمتاع والمؤانسة".‏

كانت المجالس تلتئم غالباً حول وزير أو أمير. ومن أشهرها في القرن العاشر مجلس الوزير ابن الفرات عدوّ الحلاّج. لكن ربمّا قام علماء غير موظفين بإنشاء مجالس أيضاً.‏

كانت "المجالس" تضم جنباً إلى جنب سياسيّين وقضاة ونحاة وكتاب وشعراء وفقهاء ومتكلمين وفلاسفة وعلماء، ودون تفريق بين أثرياء وفقراء. والشروط الحصرية كانت الثقافة والفطنة والأدب والمحاضرة والمناظرة. وكانت تتناول موضوعات متنوعة ولا يبهجها شيء قدر سرعة البديهة والجواب الفوري الموجز المقنع.‏

لم يكن من تفرقة في عرق أو دين أو طبقة أو لون. ففي القرنين (العبّاسيّين) التاسع والعاشر كان الشيعة والسنة يتناظرون ولا يتناحرون.. كان اليهود والمسيحيّون والصابئة والمزدّيون يؤمون المجالس الأرفع مقاماً دون خوف ولا وجل. وكان أمين مجلس أبي محمد المهلبي الشهير صابئياً. وقد حفظ لنا التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" تفصيلات شائقة للمناظرة، التي اشتعلت في مجلس ابن الفرات بين النصراني أبي بشر متّى، (ابن يونس المنطقي)18- والمسلم أبي سعيد السيرافي النحوي المعروف19-. وكان للفيلسوف العربي المسيحي يحيى الكندي مجلسه الخاص، الذي كان يحفل بالمتأدبين والمتفلسفين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات والعقائد المختلفة.‏

والحقيقة أنّ الغالبية المطلقة (إن لم نقل كل) من الثقافات العامة التي كانت مبثوثة في البلدان المفتوحة من أواسط آسيا إلى مشارف البرنس تحوّلت إلى العربية دون حاجة إلى ترجمة منظّمة لسبب طبيعي وهو أن شعوب هذه الثقافات تعرّبت، فكان طبيعياً أن تتحول ثقافاتها وأن لاتنتظر إلى أن ينظّم لها النقل والترجمة. وأهم هذه الثقافات حينئذ الهندية والفارسية واليونانية. وكانت الثقافة الهندية تصل إلى العرب عندئذ من ثلاثة طرق: طريق الفرس وماسقط إليهم منها من قديم وطريق اليمن وجنوب الجزيرة العربية (حيث الصلات التجارية الكثيفة) وعن طريق من دخلوا منهم حديثاً في الإسلام واندمجوا في عرب العراق وسواحل الخليج والجزيرة العربية. ومعروف أن جمهور الهنود يدينون بالهندوسية، والبوذية.. وأطلق العرب عليهم لقب "سُمّنية" من حيث الاعتقاد بأنهم لايؤمنون بشيء سوى الحس. وقد شاعت لفظة "الدهرية" كوصف لهذه العقائد والملل. وقد ناظرهم قديماً جهم بن صفوان (ت 128/745م رأس الفرقة الجهمية أو الجبرية)، وظلّ المعتزلة على نحو مايصوّرهم الجاحظ في كتابه "الحيوان" يردّون عليهم ردّاً عنيفاً20-، وهو مايدلّ على اعتناق بعض العرب تلك الأفكار والتصوّرات والعقائد. وقد تحدّت الشهرستاني مطوّلاً بهذا الشأن في موسوعته "الملل والنحل". وقدّم البيروني (أبو الريحان أصله من خوارزم/ عالم فلكي ورياضي وطبيب ومؤرّخ) أوصافاً دقيقة لطقوس وشعائر وعقائد أقوام الهند في كتابه الرائع "تحقيق ماللهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".‏

ومن الطبيعي أن تتبادل هذه العقائد والملل التأثير فيما بينها، وأن تتشابه في مواضع ومعتقدات وتصورات عديدة. ومن ذلك نشير إلى تأثر المانوية -مثلاً- بزهد البوذيين وطرقهم في الزهد وتحريمهم ذبح الحيوانات.‏

وكانت الثقافة الفارسية الشعبية أبعد تأثيراً في المحيط العربي لهذا العصر، فقد دخل الفرس في الإسلام واقتبس العرب كثيراً من أساليبهم في المطعم والملبس وبناء القصور وتنظيم إدارة الدولة وترتيب الخدم والحشم، وآداب السلوك بين أيدي الملوك والرؤساء.‏

وكانوا يحتفلون معهم بأعيادهم، ويحكون عنهم قصصهم عن رستم واسفنديار وأخبارهم عن ملوكهم وحكمائهم (مثل بزرجمر). وكانت المجوسية ظلت حيّة بمعابد نيرانها ونحلها المختلفة من زرادشتية ومانوية ومزدكية، وماكانت تجتمع عليه هذه النحل من ثنويه أو اعتقاد بأنّ للعالم إلهين: إلهاً للنور وإلهاً للظلمة. وقد أصبح بعض العرب ثنوياً مانوياً على نحو ماكان صالح بن عبد القدوس وكان تأثير المزدكيّة في المجتمع العبّاسي أشدّ عمقاً وانتشاراً، ممّا يتوقعه المرء لتركيزها على مبادئ العدل الاجتماعي، والحث على المساواة والثورة على الظلم والاستعباد والاضطهاد، إضافة إلى ماقيل عن تساهلها في الميدان الاجتماعي وحياة اللهو والتمتع بالملذّات و(ربمّا أنّ هذه المسألة تهمة يراد منها النيل من المزدكية اجتماعياً وقيمياً وتنفير العامّة من دُعاتها ومناصريها).‏

ويرى عدد من الدارسين والمؤرخين أنّ تلاقحاً واسعاً حدث بشكل خاص بين العناصر الإسلامية والمسيحية في المجتمع العبّاسي، حيث نشأ جيل كبير أمهاته من المسيحيات، حاملاً ثقافتهن وكثيراً من طباعهن وعاداتهن وربما بعض معتقداتهن. وكان للمسيحيّة تأثير -من وجوه كثيرة- فقد كانت قبائل عربية كبيرة (مثل تغلب وطيء) على المسيحية؛ وكان مسيحيّو بغداد قد اختصوا بالصناعات المدنية الجديدة مندمجين في حياة الخلفاء والرعية؛ فمنهم كتّاب السلاطين وأطباء الأشراف والعطارون والصيارفة. وكان لقسم منهم دور عظيم بالترجمة من وإلى اللغات اليونانية والسريانية والعربية.‏

وانتشرت في العصر العبّاسي الحلقات العلمية المختلفة. وكان لكل فرع من المعرفة حلقته أو حلقاته الخاصة.. ومن أبرز الحلقات كانت حلقة المتكلمين لما يجري فيها من مناظرات ومحاورات بينهم أنفسهم وبينهم وبين أصحاب الملل والنحل. وكان يتحلّق كثيرون في حلقات اللغويين والنحاة، ويقال إنه كان يحضر حلقة ابن الأعرابي الكوفي زهاء مائة شخص، وكثيراً ماكانت تحتدم المناظرات بين أصحابها على نحو مايُروى عن الأخفش من أنه تعرّض للكسائي في حلقة وسأله عن مائة مسألة محاوراً ومناقشاً مناقشات مستفيضة. وكانت هناك حلقات للفقهاء والمحدّثين والمفسّرين والنحويين وللشعراء والقصّاص وغيرهم.‏

وهذه الحلقات الكثيرة لم يكن يشترط للحضور فيها أي شرط سوى التزام قواعد السماع وآداب الحوار والمناظرة (التي جاء على ذكرها عدد من الأدباء والفقهاء والمتكلمين، وفي مقدّمتهم الغزالي.. ولنا مقالة في "الأسبوع الأدبي" حول هذه المسألة). والملاحظ كثرة العلماء والمتخصصيّن في كل علم وفن، حتى ليروى أنّ النضر بن شُميل تلميذ الخليل بن أحمد حين عزم على الخروج من البصرة إلى خراسان شيّعه نحو ثلاثة آلاف شخص بين محدّث ونحوي ولغوي وإخباري21-. وإذا كانت البصرة قد اشتملت على هذا العدد الوفير من العلماء فإنه ممّا لا شك فيه أن بغداد كانت تضمّ منهم أضعاف ذلك.‏

والظاهرة الثانية تتمثّل بنشوء طائفة من العلماء والأدباء الذين نوّعوا معارفهم تنويعاً واسعاً، إذ كانوا يختلفون إلى جميع الحلقات آخذين بطرف من كل لون من ألوان المعرفة حتى أصبحوا مثقفي عصرهم، الذين يستطيعون التحدّث حديثاً شائقاً في كل صور المعرفة والثقافة. وكانت لهم حلقاتهم، التي يسوقون فيها من الجدال والحوار في أيّ شيء يعنّ لهم. وكانت لهم حظوة في مجالس الخلفاء والوزراء وعلية القوم. ولعلنا لا نتعدّى الحقيقة إذا قلنا إنّ ظهور هذه الطائفة وما حظيت به في المجتمع العبّاسي هو الذي جعل الجاحظ وغيره يحوّلون كتبهم الأدبية إلى دوائر معارف واسعة، فاستقرّ في الأذهان أنّ الأدب هو الأخذ من كل علم وفن بطرف.‏

وإذا كان الخلفاء ووزراؤهم قد أغدقوا على هذه الفئة كثيراً، فإنهم لم يحرموا شريحة العلماء المتخصصين، بل كثيراً ما كانوا يضفون عليهم عطاءاتهم الجزيلة، وجاراهم في ذلك الولاة وكبار القادة وكان أول من سنّ ذلك وجعله تقليداً للدولة المهدي فإنه أكثر من مكافآته للعلماء كثرة جعلتهم يشدّون إليه الرحال من كل أنحاء الدولة، وتبعه في ذلك ابنه الرشيد. وكان المأمون سحابة عطاء وبذل للعلماء والفلاسفة والمتكلمين.‏

وليس من شك في أن هذا التشجيع كان من أهم الأسباب في ازدهار الحركة العلمية والفكرية، إذ كان من يبزغ نجمه في الحلقات لايلبث أن يستدعى إلى مقر الخلافة أو دار الولاية أو دور الوزراء، فإذا العطايا تنهال عليه وإذا الرواتب تفرض له شهرياً. وقد اتسعت في ذلك الحين صنعة الوراقة، وهي تشبه في هذا العصر الطباعة والنشر، وقد مضى العلماء حينئذ يفيدون منها، فاتخذوا لأنفسهم ورّاقين ينقلون عنهم كتبهم ويذيعونها في الناس. وكان مما دفع لرواج الوراقة تنافس كثيرين على اقتناء الكتب واتخاذ المكتبات، وقد أقامت الدولة منذ عصر الرشيد مكتبة ضخمة هي "دار الحكمة" عُنيت فيها أشد العناية بالكتب المترجمة التي تحمل كنوز الثقافات الأجنبية، ولا ريب في أن هذه المكتبة كانت جامعة كبرى لطلاب العلم والمعرفة. في هذا المناخ الثقافي المؤاتي أخذ كثيرون من الأفراد يعنون باقتناء المكتبات، وكانوا يوظفون فيها بعض الورّاقين للنسخ، من ذلك مكتبة اسحق بن سليمان العبّاسي، وكانت تمتلئ بالكتب والأسفاط والرقوق والقماطير والدفاتر والمساطر والمحابر22-، وأضخم منها وأعظم مكتبة يحيى بن خالد البرمكي، إذ قيل إنه لم يكن في مكتبته كتاب إلاّ وله ثلاث نسخ23-، وربما فاق هذه المكتبة عظماً وضخامة مكتبة الواقدي المؤرّخ المشهور (المتوفى سنة 207هـ/786م)، وكانت تشتمل على ستمائة صندوق مملوءة بالكتب24-، وكان له مملوكان يكتبان ليلاً ونهاراً25-. الأمر الذي يدلّ دلالة أكيدة على الأهمية القصوى، التي كان يولاها العلم والمعرفة والاطلاع على تجارب الأمم والثقافات الأخرى.‏

وقد حفظت لنا كتب التراث مجموعة رائعة من المناظرات والمحاورات، التي كانت تجري في مجالس الخلفاء والوزراء والأمراء والأعيان، على نحو مايروى من مناظرة الكسائي الكوفي واليزيدي البصري بين يدي المهدي26- ومايُروى من مناظرة الكسائي وسيبويه بين يدي الرشيد أو بين يدي يحيى بن خالد البرمكي27-. وكانت مجالس البرامكة ندوات كبيرة للمتكلمين والمتفلسفين من كل نحلة يتجادلون فيها ويتجاورون في كل مايعرض لهم من مسائل، وفي ذلك يقول المسعودي: "كان يحيى بن خالد البرمكي ذا بحث ونظر، وله مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل النحل، فقال لهم يحيى وقد اجتمعوا عنده: "قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور والقدم والحدوث والإثبات والنفي والحركة والسكون والمماسّة والمباينة والوجود والعدم والجوهر والطفرة والأجسام والأعراض والتعديل والتحوير والكمية والكيف والمضاف، والإمامة أنصٌّ هي أم اختيار وسائر ماتوردونه من الكلام في الأصول والفروع.. فقولوا الآن في العشق على غير منازعة، وليورد كل منكم ماسنح له فيه وخطر بباله"28-.‏

وكان مجلس المأمون ساحة واسعة للجدال والمناظرة والاطلاع على ثقافات الأمم وآدابها ومعارفها، وكان مثقفاً ثقافة واسعة عميقة بالعلوم الدينية واللغوية والفلسفية وعلوم الأوائل والشعوب الأخرى، فحوّل مجالسه في دار الخلافة ببغداد إلى ندوات علمية تتناول كل فروع المعرفة. وفي ذلك يقول يحيى بن أكثم: "أمرني المأمون أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من بغداد، فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلاً وأحضرتهم وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم"29-. ويمضي ابن أكثم فيقول: إنه لما انتهى ذلك المجلس طلب إليّ المأمون أن أنّوع مجالسه بحيث تكون لكل طائفة من العلماء مجلس. ويعرض طيفور في كتابه "بغداد" كثيراً من هذه المجالس وماطرح فيها من موضوعات مختلفة للجدل والمناظرة. ويصوّر المسعودي ماعاد على الحركة العلمية من هذه الندوات التي غدت كأنها مجمع علمي كبير، فيقول: "قرّب المأمون إليه كثيراً من الجدليين والنظّارين كأبي الهذيل العلاف وأبي اسحق إبراهيم بن سيار النظام وغيرهما، ممّن وافقهم وخالفهم، وألزم مجالسه الفقهاء وأهل المعرفة من الأدباء وأقدمهم من الأمصار، وأجرى عليهم الأرزاق (الرواتب)، فرغب الناس في صنعة النظر وتعلمّوا البحث والجدل، ووضع كل فريق منهم كتباً ينصر فيها مذهبه ويؤيّد بها قوله"30-.‏

وقد كُفلت الحرية الفكرية في هذه المجالس والندوات أو المجامع إلى أبعد حدود ممكنة، بحيث كان كل رأي يعرض للمناقشة العقلية الخالصة، بما في ذلك آراء الزنادقة، كما يذكر الجاحظ31-. فكلّ شيء يناقش في حرية، وكلّ شيء يعرض على بساط البحث والجدل.‏

وكان وراء مجلس المأمون ومجلس يحيى بن خالد البرمكي مجالس صغرى يجتمع فيها العلماء ويتجادلون ويتناظرون، من ذلك مجلس أيوب بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وقد اجتمع فيه يوماً النظام وأبو شمر المتكلم؛ ومن ذلك مجلس أزدي بالبصرة، وفيه يقول صاحب "الأغاني" (أبو فرج الأصفهاني ت 356هـ/967م): "كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وبشّار الأعمى وصالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن أبي العوجاء ورجل من الأزد، فكانوا يجتمعون في مجلس الأزدي ويختصمون عنده"32-. ويتحدّث صاحب "النجوم الزاهرة" (ابن تغري بردي -أبو المحاسن /1409م-1469م) عن مجلس آخر في البلدة نفسها، فيقول: "كان يجتمع بالبصرة عشرة في مجلس لا يعرف مثلهم: الخليل بن أحمد صاحب العروض سُني، والسيد ابن محمد الحميري الشاعر شيعي، وصالح بن عبد القدوس ثنوي، وسفيان بن مجاشع صُفري، وبشار بن برد خليع ماجن، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت الشاعر يهودي، وابن نظير النصراني متكلم، وعمرو بن أخت الموبذ مجوسي، وابن سنان الحرّاني الشاعر صابئي، فتتناشد الجماعة أشعاراً وأخباراً"33-.‏

ومن المؤلفات التاريخية والمصنّفات الأدبية ندرك كيف كان يلتقي أصحاب الملل والنحل والأهواء المختلفة في المجالس، وكيف كانوا يثيرون من المسائل التي تتصل بأهوائهم للمتفلسفة والمتكلمين، ويقال إنّ مجلس يوحنّا بن ماسويه "كان أعمر مجلس بمدينة بغداد لمتطبب أو متكلم أو متفلسف إذ كان يجتمع فيه كل صنف من أصناف أهل الأدب" وكان تلاميذه يقرؤون عليه في هذا المجلس كتب المنطق لأرسططا ليس وكتب جالينوس في الطب34-. وعلى شاكلة مجلسه مجلس حنين بن اسحق35-. ويقال إنّ المأمون رسم له على كل كتاب ينقله إلى العربية أن يأخذ وزنه ذهباً. وكانت لابن أبي داؤد المعتزلي مستشار المأمون والمعتصم والواثق ندوة كبيرة يحضرها من كبار المترجمين والأطباء سلمويه وابن ماسويه وبختيشوع بن جبريل36-.‏

كانت المعرفة والثقافة في كل مكان تقريباً، فأبواب المساجد مفتوحة على مصاريعها لكلّ الورادين ومثلها دكاكين الورّاقين، وكان التعلم مجاناً من حق الجميع. وكان لذلك آثار بعيدة، فإن جمهور العلماء والشعراء لهذا العصر كانوا من أبناء العامّة، ويكفي أن نعرف أنّ أعلام الشعر حينئذ وهم بشّار بن برد وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وأبو تمّام كانوا جميعاً من الطبقة الدنيا في الشعب، فبشّار كان أبوه طيّاناً، وأبو نواس كانت أمه غازلة للصوف ومن هذا الغزل كانت تعوله، وأبو العتاهية كان في صغره يحمل الخزف والجرار على ظهره في شوارع الكوفة يبيعها للناس، وكان أبو مسلم حائكاً، أمّا أبو تمام فكان أبوه عطّاراً؛ وكذلك كان العلماء في جميع فروع العلم، بل كان منهم من يجمع بين علمه وحرفته التي نشأ فيها مثل أبي أحمد التمّار وشعيب القلاّل الذي كان يصنع فعلاً القلال، وهما من المتكلمين. وكان أكثر العامّة يصيبون حظوظاً مختلفة من الثقافة، إذ لم يكن بينهم وبينها أي حجاب ولا أي حاجز، ومن خير مايصوّر ذلك أن نرى الجاحظ يقول: "وسألت بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة37-. وكأن العطارين كانوا أقساماً منهم من يتبع المعتزلة ومنهم من يتبع غيرهم ولابدّ أن كان مثلهم بقية التجار وأصحاب الحرف، فهم يناصرون هذا المذهب أو ذاك، وهم يناصرون هذا الأستاذ أو ذاك ولكل أستاذ أتباعه لا من أوساط المثقفين فحسب، بل من العامة أيضاً، وبذلك نفهم قول صاحب "النجوم الزاهرة" عن النظّام ونشاطه في الدعوة لآرائه الاعتزالية ببغداد إذ يقول: "وفي سنة 220 (للهجرة الموافقة لسنة 799ميلادية) ظهر إبراهيم النظام وقرر مذهب الفلاسفة وتكلم في القدر، فتبعه خلق"38-. ويستنكر الجاحظ تعرّض العامة لمناقشة الملحدين في آرائهم المتطرّفة لعدم إحاطتهم الدقيقة بتلك الآراء وما ينقضها نقضاً من الأدلة، فيقول: "ومن البلاء أنّ كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم وأنه ليس أحد أحق بمحاجّة الملحدين من أحد".‏

وليس من شك في أنّ ذلك كان ثمرة ازدهار التفاعل الثقافي والانفتاح الفكري والتسامح المذهبي -العقائدي في العصر العبّاسي، ممّا أسهم في بروز صفوة من العلماء والأدباء كان جمهورها من أبناء العامّة قادت الحركتين الأدبية والفكريّة قيادة خصبة باهرة، إذ استطاعت أن تكيّف كلّ مانقل إلى العربية من ثقافات متباينة وأن تضيف إليها من واقعها الخاص وتجربتها الذاتية مادعم حضارتنا دعماً عظيماً، فبلغت أوج الازدهار والرفعة والسموّ.‏

ثقافات الأمم: تفاعل ونقل ومشاركة‏

كان من أبرز السمات التي تميّز بها العصر العبّاسي ازدهار الحركتين العلمية والثقافية، بسبب المناخ السياسي والاجتماعي والفكري المؤاتي والاتصال والتفاعل الخصب المثمر بين الثقافة العربية وبين ثقافات الأمم المستعربة، أو المجاورة للحضارة العرّبية -الإسلامية. والواقع أنه كان للأديرة وما بها من حلقات علمية من المدارس النشيطة المتناثرة في جند يسابور القريبة من البصرة وفي نصيبين وحرّان والرّها وأنطاكية والاسكندرية.. لعبت دور هام، خصوصاً في ميدان الترجمة، إذ كانت تغلب عليها جميعاً المعرفة الجيدة للثقافة اليونانية، ناهيك من السيطرة التامة للثقافة والآداب والطقوس السريانية.‏

وفي هذا السياق تقول عالمة السريانيات الباحثة الروسيّة نينا بيغو ليفسكايا في كتابها الرائع "ثقافة السريان في القرون الوسطى"، والذي كان لنا شرف ترجمته إلى العربية39- تقول: كانت القرون الوسطى مرحلة ازدهار فعلي للمدارس السريانية، واستمرت هذه المدارس تقوم بدور المراكز التعليمية الرئيسة حتى القرن الثاني عشر للميلاد. وتضيف: ويجدر بالذكر، أنه قد وصلت من تلك الأزمنة معلومات حول بعض المناطق التي تحولت إلى "مشاتل" للعلم والثقافة ومصادر للتنوير والمعرفة في أقاصي الأقاليم الشرقية"40-.‏

فعلى الطريق الممتدة مابين القوقاز والخليج العربي، ومن آسيا الوسطى إلى شواطئ البحر المتوسط، وعلى حدود إيران ودولة السلاجقة، وبعد ذلك من حدود إيران الساسانية وعلى أراضي الامبراطورية الرومانية -البيزنطية قامت مراكز السريان ذات الأنشطة الاقتصادية (الحرفية والتجارية). ولقد كانت تلك المراكز نقاط فعاليات متعددة الوجوه مابين الدول الآسيوية، وكانت في الوقت نفسه مراكز ثقافية هامة. ففي هذه المراكز التجارية -الثقافية برزت مختلف النظريات والاتجاهات، وتنافست شتى المذاهب والعقائد، التي تعرّف السكان إليها بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية -القومية المختلفة، وكذلك بفضل تحدّثهم باللّغة السريانية التي تحولت عندئذ لمختلف الأقوام والجماعات.‏

لقد استطاعت السريانية أن تشكّل بحقّ الوسيط الفعال مابين الغرب الإغريقي اللاتيني والشرق العربي -الإيراني. فقد لجأ الطرفان (الغرب والشرق) إلى عون السريان كنقلة علوم ومعارف ومترجمين. ولهذا أصبحوا أعضاء بعثات دبلوماسية ووفود، أرسلت إلى بيزنطة من طرف ملوك فارس، كما أدّوا دوراً هاماً ومميزاً مابين الدولة العربية العبّاسية وزعماء أوروبا الجنوبية.‏

إضافة إلى مكانتهم البارزة في ترجمة المصنّفات اليونانية من لغتها الأصلية التي كان كثيرٌ منهم يتقنها إتقاناً عظيماً ومن لغتهم السريانية إلى اللغة العربية. وقد عني الخلفاء العباسيون منذ فاتحة عصرهم بهذا النقل عناية شديدة، فأنفقوا عليه من المال العام مبالغ كثيرة، يتقدّمهم في ذلك المنصور، وفيه يقول المسعودي: "كان أوّل خليفة قرّب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وكان معه نوبخت المجوسي وأسلم على يديه -وهو أبو هؤلاء النوبختية- وإبراهيم الفزاري المنجّم وعلي بن عيسى الإسطر لابي المنجم. وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجميّة إلى العربية"41-.‏

ومعروف كذلك أنّ المنصور استدعى في سنة 148 للهجرة جورجيس بن جبريل بن بختيشوع كبير الأطباء في بيمارستان جُند يسابور ورئيس مدرسته ليكون بجانبه وقد نقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية42-. وتعاقبت من بعده أجيال من أبنائه وأحفاده تخدم الطب والعلوم والترجمة والحضارة العربية. وممّن لمع اسمهم في زمن المنصور في الترجمة أبو يحيى البطريرق المتوفى سنة 180 للهجرة إذ عُني بنقل طائفة من كتب الطب اليوناني (خاصّة كتب أبقراط وجالينوس).‏

وتعدّ الترجمة أحد المقومات الأساسية للتفاعل الثقافي في العصر العباسي، إذ تركت نتائجها الواضحة والبعيدة في عملية بناء الحضارة العربية الإسلامية. وقد أسهم المترجمون إسهاماً عظيماً في مجال التطور الفكري والتقدّم العلمي الذي تميّز به العصر العبّاسي، في القرنين الثالث والرابع للهجرة. وقد كان هؤلاء النقلة من جنسيات وأديان مختلفة، اجتمعوا على تجسيد هدف عظيم واحد ألا وهو خدمة الرقي والتقدّم الحضاري في ظل الدولة العربية، وذلك بنقل ثقافة وعلوم أمم اليونان والفرس والهند إلى اللغة العربية، فحققوا بذلك أسمى مرحلة من مراحل بناء الحضارة العربية. ولولا الجهود الجبارة في هذا الباب (والتفصيل فيها يطول ويحتاج إلى دراسات مستقلة)، لما استطاع العرب أن يصلوا إلى الدرجة التي وصلوا إليها إثر قيام حركة الترجمة ونقلهم لتراث وعلوم الحضارات الأخرى إلى العربية. ومن جهة أخرى، فإن معظم هؤلاء المترجمين، لم يكونوا آلة للنقل في ترجماتهم لمصنّفات الأمم الأخرى إلى لغة الضاد كما يزعم بعض الباحثين، بل إنهم كثيراً ماقاموا بعمل ملّخصات، وتفاسير، وشروح لعدد من الكتب التي قاموا بترجمتها، أضف إلى ذلك تآليفهم الكثيرة جداً في مختلف فروع المعرفة، فقد اختصّ عددٌ منهم بمعارف علمية وفكرية معيّنة.‏

والحقيقة أنّ ماقام به هؤلاء المترجمون في هذا المضمار ليس بغريب عليهم فإنّ جلّهم كان من الأطباء والفلاسفة والفلكيين والرياضيين، الذين بلغوا من الشهرة حداً كبيراً بفضل ماأنتجته قرائحهم الخصبة في هذه الميادين. وقد تمتع قسمٌ منهم بمكانة علمية رفيعة فوق مكانتهم في الترجمة. فمن حنين بن اسحق الطبيب والفيلسوف، إلى يعقوب بن اسحق الكندي الفيلسوف والرياضي والفلكي.. وثابت بن قره الرياضي والفلكي والفيلسوف، ثم عمر بن الفرخان الطبري الفلكي، وأبو بشر متى بن يونس المنطقي، ويحيى بن عدي المنطقي، وعيسى بن اسحق بن زرعة الفيلسوف وغيرهم وغيرهم.‏

وكان واحدهم يتقن لغة أو لغتين عدا اللغة العربية، فمثلاً حنين بن اسحق العبادي (194-260هـ/809-873م) كان يتقن أربع لغات هي: السريانية، العربية، واليونانية والفارسية، وكان مترجماً يتميّز بأقصى درجات الدقة والجودة. ومما يدّلنا على براعة حنين في هذه اللّغات، هو ماخلفه لنا من مصنّفات نلحظ من خلالها معرفته التامة بما ذكرنا من لغات. ففي مجال أسماء العقاقير نرى أن حنين بن اسحق، يضع في بعض الأحيان المصطلح اليوناني لاسم عقار ما يقابله بالعربية والسريانية والفارسية. وبهذا الخصوص يذكر ابن النديم: "كان حنين بن اسحق فاضلاً في صناعة الطب، فصيحاً باللغة اليونانية والسريانية والعربية"43-. ولهذا اختير حنين للترجمة وأؤتمن عليها، وعيّن لها كتاباً عالمين بالترجمة، كانوا يترجمون ويراجع حنين ماترجموا كحُبيش بن الحسن الأعسم44-.‏

إنّ معظم ترجمات حنين بن اسحق لم تكن لنفسه، بل كانت تتم بناء على طلب من القائمين على رعاية حركة الترجمة وأبرزهم في هذا الوقت الخليفة المأمون، الذي عهد إلى حنين أن يتولّى رئاسة "بيت الحكمة"، حيث ترجم حنين في هذه المؤسسة العظيمة القسم الأكبر من نقوله للمأمون وبخاصة الكتب الفلسفية التي كان المأمون مولعاً بها ولعاً شديداً. وفي هذا السياق يذكر الأستاذ فيليب حتّي أنّ: أوّل من رأس معهد بغداد، أي بيت الحكمة، كان حنين بن اسحق.. وكان يعاون شيخ المترجمين (حنين بن اسحق)، في عمله ابنه اسحق وابن أخته حبيش بن الحسن45-.‏

وفي إطار بحثنا هذا نودّ الإشارة بصفة خاصّة إلى الامتنان العظيم الذي كان فلاسفة المسلمين يشعرون به نحو اليونان، وإلى تواضعهم الجمّ عندما يتحدثون عن آثارهم الشخصية في الفلسفة. ففلاسفتنا يتفقون جميعاً على أن الحقيقة التي يسعون إليها عن طريق الفلسفة تسمو على الحدود القومية والدينية، ولايهمّهم المصدر الذي جاءت منه. فهذا الفيلسوف العربيّ يعقوب بن اسحق الكندي يصرّح بوضوح شديد أنّه "ومن أوجب الحقّ أن لانذم من كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزيلة، فكيف بالذين هم أكبر أسباب منافعنا العظام الحقيقة الجدية.. وينبغي أن لانستحي من استحسان الحق واقتفاء الحقّ من أين أتى، من الأجناس القاصية عنّا والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحقّ من الحق، وليس ينبغي بخس الحقّ ولا تصغير قائله ولا بالآتي به، ولا أحد بخس الحق، بل كلٌّ يشرّفه الحقّ"46-.‏

ونشطت الترجمة في عصر الرشيد ووزرائه البرامكة نشاطاً واسعاً، وكان ممّا أذكى جذوتها حينئذ إنشاء "دار الحكمة" أو "بيت الحكمة" وتوظيف طائفة كبيرة من المترجمين بها، ووضع أسس ناظمة لعمل أقسامها ودوائرها المختلفة، وجلب الكتب إليها من بلاد الغرب (الروم وفق التسمية الدارجة آنذاك)، وقام على هذه المؤسسة الكبيرة في عهد الرشيد يوحنا بن ماسويه، وكان طبيباً نسطورياً من مدرسة جند يسابور، وفيه يقول ابن جلجل: "قلّده الرشيد ترجمة الكتب القديمة الطبية، ممّا وُجد بأنقرة وعمورية وببلاد الروم حين سباها المسلمون، ووضعه أميناً على الترجمة، ووضع له كتاباً حذّاقاً يكتبون بين يديه"47-. وإضافة إلى ترجماته فإن له مؤلفات كثيرة في الطب وتركيب الأدوية.‏

وللبرامكة فضل عظيم في إذكاء الترجمة حينئذ، فقد شجعوا بكلّ ما استطاعوا على نقل الذخائر النفيسة إلى العربية من اللاتينية (الروميّة) واليونانية والفارسية والهندية، ومن ذلك طلب يحيى بن خالد البرمكي إلى بطريرك الاسكندرية أن يترجم في الزراعة كتاباً عن الرومية (اللاّتينية). وقد عنوا عناية واسعة بترجمة التراث الفارسي ونرى جيلاً كبيراً ينهض في عصرهم والعصر الذي تلاهم بهذه الترجمة، نذكر منهم آل سهل وعلى رأسهم الفضل بن نوبخت الذي ركّز على ترجمة كتب الفلك48-، وكان يترجم للمأمون في حداثته بعض الكتب الفارسية ويعجب بترجمته49-. ومن أبرز المترجمين للتراث الفارسي حينئذ محمد بن جهم البرمكي وزادويه بن شاهويه وبهرام بن مردانشاه وموسى بن عيسى الكسروي وعمر بن الفرخان وسلم صاحب خزانة الحكمة وسهل بن هرون أحد خزنتها المشهورين50-. ومن أنفس مانقلوه أمثال بزر جمهر وعهد أردشير بن بابك إلى ابنه سابور وكتاب جاويدان خرد في صنوف الآداب ومكارم الأخلاق وكتاب هزار أفسانه وهو أصل من أصول ألف ليلة وليلة. وقد نقل أبان بن عبد الحميد إلى الشعر سيرة أردشير وسيرة أنوشروان. وعلى نحو ما دفع البرامكة إلى ترجمة التراث الفارسي واليوناني دفعوا أيضاً إلى الانتفاع بالتراث الهندي وترجمته، يقول الجاحظ: "اجتلب يحيى بن خالد البرمكي أطباء الهند مثل منكه وبازيكر وقلبرقل وسندباد وفلان وفلان" وقد عملوا في البيمارستان الكبير ببغداد وسرعان ما استعربوا وشاركوا هم وغيرهم من مستعربة الهند في نقل بعض الكنوز الهندية وخاصة في الطب والعقاقير51-. وشمل نقلهم صحيفة طويلة في قواعد البلاغة سجّلها الجاحظ في بيانه52- كما شمل قصّة السندباد وكتباً كثيرة في الحكايات والأسماء مما تولع به العامّة53-.‏

لكنّ موجة الترجمة وتمازج الثقافات وتفاعلها بلغت أوجها وغاية ازدهارها في عهد المأمون، الذي حوّل "بيت الحكمة" إلى مؤسسة متكاملة، بالغة التنظيم والفاعلية، بحيث صارت أشبه بمعهد علمي كبير، وقد ألحق بها مرصده المشهور، الذي عيّن عليه يحيى بن أبي منصور وألحق به طائفة من نابهي الفلكيّين، مثل علي بن عيسى الاسطرلابي ومحمد بن موسى الخوارزمي والعبّاس بن سعيد الجوهري54-. ولم يلبث هذا المرصد أن تحول إلى مدرسة رياضية فلكية كبيرة تخرّج فيها عدد كبير من أشهر الفلكيين العرب.‏

ولعلّ من مآثر المأمون في مجال رعايته لحركة الترجمة، استغلاله لظروف السلم والحرب في علاقته بالروم في سبيل تحقيق بغيته المنشودة والحصول على أكبر قدر مما خلفه اليونان من تراث وفي المجالات كافّة. يقول ابن النديم: "لما استظهر (غلب) المأمون على ملك الروم كتب إليه يسأله إنفاذ مايختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجّاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا مااختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله، فنقل، وقد قيل إنّ يوحنّا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم"55-. ويقول ابن نباته في ترجمته لسهل بن هرون: "جعله المأمون كاتباً على خزائن الحكمة وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أنّ المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لايظهر عليه أحد، فأرسلها إليه، واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هرون خازناً لها"56-.‏

وكل هذه السيول من الترجمة كانت تجري معها سيول أخرى من تراث اليونان والفرس والهند، حتى ليكاد الإنسان يظنّ أنه لم يبق شيء من هذا التراث لم ينقل إلى العربية، سواء منه ما اتصل بالعلوم أو مااتصل بالصناعات أو ما اتصل بالفلسفة والحكمة أو بالعجائب والأسمار والخرافات أو مااتصل بالعقائد والملل والنحل. وكانت كل هذه المعارف والآداب تتجمع في دكاكين الورّاقين (مكتبات ذلك العصر ودور نشر المخطوطات)، ويطلب كل منها مايجد فيه متاعه.‏

وكانت الفلسفة اليونانية والمعارف العلمية أعظم ماحملت هذه العلاقات الثقافية، وقد مضى العقل العربي يهضمها ويتمثلها ويضيف إليها إضافات باهرة، والمتكلمون -وعلى رأسهم المعتزلة- هم أهم من تعمقوا في الفلسفة بجميع شعبها ودقائقها، وقد عرضوها على بساط البحث، واستطاعوا أن ينفذوا إلى كثير من النظريات والأفكار التي لم يسبقهم إليها سابق.‏

وعلى هذا النحو أصبح العقل العربي في العصر العباسي عقلاً متفلسفاً، منفتحاً، كما أصبح عقلاً علمياً، لا من حيث فهمه وفقهه بعلوم الشعوب والحضارات الأخرى، بل أيضاً من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة، حتى ليضيف علوماً لأول مرة في تاريخ الحضارة الإنسانية على نحو ما أضاف الخوارزمي علم الجبر. وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمي وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثاني للهجرة، ممّا نراه جليّاً في العلوم اللغوية والدينية ومباحث الكلام والتاريخ والطب والفلك والرياضيات.‏

ولعلّ علماً لم يزدهر في هذا العصر كعلم الكلام، ويراد بالكلام الجدل الديني في الأصول العقيدية لا عند المسلمين وحدهم، بل عند جميع الملل والنحل. وقد مضى كلّ متكلم مدافع عن عقيدة أو مذهب في ذلك العصر يتسلّح في دفاعه بالفلسفة اليونانية ومايتصل بها من منطق وغير منطق، حتى ليقول الجاحظ بهذا الشأن: "ولا يكون المتكلم جامعاً لأقطار الكلام متمكناً في الصناعة حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة"57-.‏

ومن الناحية العقلية وانتشار الثقافة فقد شهد القرنان الثالث والرابع للهجرة شيوع الفروع العلمية المختلفة التي أقدم العرب على ترجمتها إلى لغتهم العربية، إضافة إلى ماجادت به قرائحهم في كل علم من تلك العلوم. وقد امتزجت في هذا المناخ الحضاري العظيم ثقافات الأمم وعلومها وآدابها امتزاجاً رائعاً في ظلّ خلفاء منفتحين، ومجالس مفتوحة وإخاء اجتماعي لا نظير له. هؤلاء الفرس والهنود يتثقفون الثقافة العربية، وينتجون فيها، وهؤلاء وثنيّو حرّان وسريان العراق وبلاد الشام يغرقون البلاد بالكتب المترجمة عن اليونانية واللاتينية، وهؤلاء الخلفاء يشجّعون الطبّ والفلك والتجريب أولاً لحاجتهم إليها، هذا عدا الفلسفة اليونانية وحكمة الشعوب المختلفة. ونشطت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية نشاطاً هائلاً، حتى إنّ ثبت الكتب المترجمة عن اللغات المختلفة وعن اليونانية خاصة ليأخذ عجبنا، ثم نضجت في القرن الرابع للهجرة الثروتان الفارسية واليونانية، وأخذ العلماء يقبسون منهما ماحلا لهم.‏

وقد شهد القرن الرابع للهجرة صلات ثقافية واسعة بين العرب والفرس والروم والهنود، إضافة إلى الصلات السياسية التي أحدثتها الفتوحات، وبذلك أصبحت اللغة العربية لغة رسمية لعدد كبير من الشعوب تترجم مابينهم من علاقات سياسية وتجارية وثقافية ودينية. وتأثرت بهذا كله حياة العرب وحضارتهم فظهرت آثارها في فلسفتهم وكلامهم وعلومهم وآدابهم.‏

إنّ هذه الحركة الحضارية الرائعة كانت ذات آثار عظيمة في تاريخ النهضة العلمية والثقافية العربية -الإسلامية، والتي ماكانت لتبلغ هذا الطور المتقدم لولا المناخ الفكري -الاجتماعي والسياسي المؤاتيين ولولا التربة الانفتاحية الحضارية الخصبة، التي غذّت فروع المعرفة الإنسانية المختلفة. ولو لم يكن المناخ حضارياً في روحه وجوهره قبل التلاقح مع الثقافات والعلوم العالمية، لما استطاع استيعاب، وتمثّل تلك النزعات والتيارات الفلسفية والفكرية العديدة، وصهرها في بنيته العربية المعروفة بخصائصها ومكوّناتها وملامحها الأهلية، إضافة إلى تطلّعاتها الإنسانية -الكونية الشاملة.‏

***‏

n مصادر البحث وهوامشه‏

1.‏

1. الجاحظ: البيان والتبيين 1/368.‏

2. الدكتور شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، العصر العباسي الأوّل (دار المعارف بمصر، ط6، 1976)، ص92.‏

3. لويس غارديه: أهل الإسلام. ترجمة صلاح الدين برمدا (دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1981)، ص99.‏

4. المصدر نفسه.‏

5. المصدر نفسه، ص100.‏

6. الدكتور فيليب حتّي وآخرون: تاريخ العرب (بيروت، دار غندور، ط5، 1975)، ص423.‏

7. المرجع نفسه، ص424، وياقوت الحموي: معجم الأدباء 2/259.‏

8. التنوخي: الفرج بعد الشدّة (القاهرة، 19-54)، ج2، ص149.‏

9. نقلاً عن فيليب حتّي: تاريخ العرب، ص424.‏

10. بكسر الثاء أو فتحها وهو تعريب (((Catholicos)).‏

11. ياقوت الحموي: معجم البلدان 2/662.‏

12. المصدر نفسه.‏

13. المصدر نفسه، ص349.‏

14. فيليب حتّي: تاريخ العرب، ص425.‏

15. جعل غيره من الرحالين عدد الكُنُس ثلاثة فقط وهو أقرب إلى التصديق.‏

16. تعني في الآرامية "أمير السبي"، ولا يستبعد أن بعض يهود بغداد كانوا من نسل الذين سباهم وجلبهم إلى العراق نبوخذ نصّر سنة 597 وسنة 586 ق.م.‏

17. فيليب حتّي: تاريخ العرب، ص426.‏

18. أبو بشر متّي، هو ابن يونس القنّائي من أهل دير قنّى. كان مسيحياً عالماً بالمنطق، وإليه انتهت رئاسة المنطقيين في زمنه، نزل بغداد بعد سنة عشرين وثلاثمائة للهجرة، وكانت وفاته في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة للهجرة = 908 للميلاد.‏

19. أبو سعيد اليسرافي، هو الحسن بن عبد الله المرزبان السيرافي النحوي؛ سكن بغداد وتولى القضاء بها، وكان من أعلم الناس بنحو البصريّين، وتوفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة للهجرة = نحو 948 للميلاد.‏

20. الجاحظ: الحيوان 4/70 وما بعدها.‏

21. ياقوت الحموي: معجم الأدباء 19/238.‏

22. الجاحظ: الحيوان 1/61.‏

23. المصدر نفسه: ص60.‏

24. ياقوت الحموي: معجم الأدباء 18/281.‏

25. ابن النديم: الفهرست ص144.‏

26. الزجاجي: مجالس العلماء، ص288.‏

27. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 2/271.‏

28. المسعودي: مروج الذهب 3/286.‏

29. طيفور (أحمد بن أبي طاهر): تاريخ بغداد، ص45.‏

30. المسعودي: مروج الذهب 4/245.‏

31. الجاحظ: الحيوان 4/442.‏

32. أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني (طبعة دار الكتب) 3/146.‏

33. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 2/29.‏

34. ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء (بيروت، دار الفكر العربي)، ج2، القسم الأول، ص124، وابن القفطي: أخبار الحكماء (طبعة الخانجي)، ص249.‏

35. حنين بن إسحق (808-873م): طبيب وشمّاس نسطوري، من قبيلة عباد العربية، ولد في الحيرة (العراق). تضلّع من اليونانية. عيّنه الخليفة المأمون على "بيت الحكمة". انصرف إلى الترجمة، فنقل إلى السريانية والعربية بعض كتب أفلاطون وأرسطو وجالينوس. وله مؤلفات عديدة.‏

36. الجاحظ: الحيوان 4/123.‏

37. الجاحظ: الحيوان 5/304.‏

38. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 2/334.‏

39. نينا بيغوليفسكايا: ثقافة السريان في القرون الوسطى. ترجمة الدكتور خلف جراد (دمشق، دار الحصاد، 1990). وفيه فصول إضافية عن المدارس و "الأكاديميات" السريانية في تلك المرحلة.‏

40. المصدر نفسه، ص76.‏

41. المسعودي: مروج الذهب 4/241.‏

42. ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء، ص37.‏

43. ابن النديم: الفهرست، ص294.‏

44. ابن جلجل: طبقات الأطباء والحكماء، ص68-69.‏

45. فيليب حتّي وآخرون: تاريخ العرب، ص380. حيث جاء أنّ المأمون كان يقدّم لحنين من الذهب زنة ماينقله من الكتب.‏

46. الكندي (يعقوب بن اسحق): رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص102.‏

47. ابن النديم: الفهرست، ص382.‏

48. الجهشياري: الوزراء والكتاب (القاهرة: 1938)، ص232.‏

49. ابن النديم: الفهرست، ص174-341.‏

50. المصدر نفسه، ص342، 421.‏

51. الجاحظ: البيان والتبيين 1/92.‏

52. ابن النديم: الفهرست، ص424.‏

53. المصدر نفسه، ص424.‏

54. المصدر نفسه، ص383.‏

55. المصدر نفسه، ص3390.‏

56. ابن نباته: سرح العيون (القاهرة، مطبعة الموسوعات، د.ت)، ص166.‏

57. الجاحظ: الحيوان 2/134‏

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 80

134 Views

عن

إلى الأعلى