الرئيسية » موسوهة دهشة » مواد قيد التصنيف » * مواد منوعة 2 » الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية – المواطنة والتأصيل مقاربة توصيفية لتحديد فاعلية التراث الروحي

الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية – المواطنة والتأصيل مقاربة توصيفية لتحديد فاعلية التراث الروحي


الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية المواطنة والتأصيل مقاربة توصيفية لتحديد فاعلية التراث الروحي – د. مزاري شارف

تحاول هذه المداخلة أن تباشر مهمة التنقيب في الفكر الصوفي والعناية به في البحث العلمي، لأن الاهتمام بدراسة أدبية الخطاب الصوفي –في أدبنا العربي – اهتمام حديث شغل المهتمين بحقل التصوف فاندفعوا للكتابة من حول هذا المعطى الفكري "قراءةً وتنظيراً" لأن نصيته (Texalite) بكلياتها الغيبية والأدبية والجمالية تشكل حضوراً دلالياً في الوعي الفلسفي والديني والنقدي.

ولعل ما يميز حضورها هذا هو نوعية الأسئلة التي تثيرها بوصفها مرجعية أدبية غامضة، الأمر الذي يجعلها خاضعة دوماً للبحث فظهرت رسائل جامعية تصوّب الظاهرة. ويمكن أن نحيل في هذا الشأن إلى الأمير عبد القادر الجزائري نموذجاً. كما شكل الشعر العربي المعاصر وبخاصة شعر التفعيلة نواة لهذه الظاهرة.

كما تسعى هذه المداخلة إلى أن تضع بين أيدي الباحثين والدراسيين توصيفة شاملة لإحدى الطرق الصوفية الجاثمة على تقطيع جغرافي كبير من عالمنا الذي نحيا ونعني بها "الطريقة البرهانية" وهي طريقة متأصلة في تراثنا العربي الصوفي، لما لها من رباطات تحيلها على الفحوى السماوي، ولأنها تستمد أصولها من مرجعية إعلائية إسلامية وفي طليعتها المتن القرآني العظيم.

والواقع أن أكثر الناس –في زماننا هذا – تدور في أذهانهم تساؤلات وافتراضات تجاه هذه الطرق.

وهم من منظور هذه التساؤلات نفترض أنهم ينقسمون إلى أقسام:

فمنهم من تقوده حيرته وقصور إدراكه ومحدودية وعيه إلى إنكار الطرق وعدم الاعتراف برجالاتها جملة وتفصيلاً. فالتصوف كموقف نجد (بعضهم يدينونه ويهاجمونه بضراوة وعنف)1.

ومنهم صنف آخر: لا يمانع ويرى أن أمر الطرق مشروع وهو من الدين، بحكم مرجعيته الدينية الخالصة، حيث (يقفون إلى جانبه أو يدافعون عنه باستماتة وتعصب)2.

ويذكر أن نوعاً آخر (يجاري الناس فيقصدهم عند الحاجة إليهم وينأى عنهم حين يذهب عنه ما مسّه من ضر أو أصابه من شر)3.

وموقف آخر يرى أن في الطريقة قيوداً ومثبطات تشي بها الأوراد الطوال المخصوصة، والتي تميز كل طريقة عن سائر الطرق، الأمر الذي يبعث على القلق والحيرة والاضطراب ويفضي إلى صعوبة تحملّها أو التقييد بها.

وهناك آراء استهدفت اعتبار تراثنا الصوفي ضرباً من البدع وجنساً من التخريف تدفع بصاحبها نحو الانزلاق محققة لآية "وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله"4 وآخرون يرون أنها مفرّقة بين أعضاء جسد واحد يجب أن يشد بعضه بعضاً ويتألم سائره لألم جزء واحد منه)5.

وهناك رؤية تكاد تكون إجماعاً، فحواها: أنه إذا كانت كل الطرق تستمد هويتها من المصادر الإسلامية، فلم لا نختصر المسافة ونرتمي في أحضان هذه المصادر دون اللجوء إلى عنت الوساطة وفرط الوصال.

غير أن أتباع الطريقة البرهانية ومريديها يرون أن أصحاب هذه الآراء جميعاً (لم يحالفهم الحظ ولم تشملهم العناية الإلهية فيكونوا من أهل الاصطفاء الذين اختصهم الله بالمعرفة وأتحفهم بالعلم وأودع في قلوبهم أنوار الهداية)6 ونجد –للأمير عبد القادر الجزائري الصوفي – رأياً يردّ به على من يرون أن الطرق مجرد بدع فيقول: (وأهل طريقتنا رضي الله عنهم ما ادعوا الإتيان بشيء جديد في الدين وإنما ادعوا الفهم الجديد في الدين التليد)7.

إن مفهوم الطريقة –من جانبه المعجمي – يعني الطريق إلى الله أو هو الصراط المستقيم الموصل إلى قربه ورضوانه. وهي من هذه الوجهة تغتدي مسوّغاً دينياً يتماس في طرحاته مع ما أقرته الشريعة الإسلامية.

ولعل تسويغهم ضرورة التمسك بالطريقة، وحاجة المريد إليها يكمن في العاملين الآتيين:

1 – إن دائرة السوء مضروبة عليهم، وعلى رأسهم إبليس عدو الإنسان اللدود والذي يتربص به الدوائر أينما حلّ وارتحل.

ولطالما حدثتنا الآيات القرآنية عن هذه السّطوة وهذا الغدر والمكر والإغواء. وفي هذا نُلغي قوله تعالى: (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)8. ويقول الرسول (ص): "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"9.

2 – إن هناك منازل عليا يتسامى إليها المتحابون تدعى "منازل المقربين" لها قنوات مخصوصة والتزامات معينة تحكمها وتوجهها. وفي هذا المضمار يرى أهل الطريقة البرهانية "أن لله عباداً اختصهّم برحمته وأحلهم في أعلى منازل القرب والاتصال وجعلهم واسطة في كل خير يصل إلى أمة خير البشر (ص) واصطفاهم لخدمة الدين ومحاربة إبليس اللعين. وفضلهم على الأمة مشهود وظلهم الوارف على سائر أعمالها ممدود، هم ماء الحياة لأعلى الهمم ونور الهدى لخير الأمم:

فبذكرهم وحديثهمو *** المسك يفوح وينتشر

وبقاع الأرض لفقدهم *** تبكي ويرق لها الحجر(10).

وفي هذا السياق نلفي لهم تفسيراً جديراً بالمتابعة، وهو أن (خيار الأمة الذين تعلقوا بمحبتهم والتمسوا من الله الرحمة بذكرهم واقتبسوا من أنوارهم واغترفوا من بحار فيوضاتهم وأسرارهم وصفوة الصفوة منهم هم السبع المثاني؟! الذين أتاهم الله لنبيه استجابة للطلب ومناً منه تبارك وتعالى بما أعطى ووهب(11).

غير أن التفسير الذي عليه الجمهور هو أنها فاتحة الكتاب، لأنها سبع آيات من وجهة ولأنها تثنى في الصلوات من وجهة أخرى.

وإذا كانت النظرة في هذا التفسير* قائمة على المرجعية التفسيرية التي تنهض على الظاهر اللفظي المدعوم بالمقاربات البعيدة عن التأويل والافتراضية فإنها غير ذلك في مقام التفسير الصوفي لدى الطريقة البرهانية، حيث تفسيرهم للسبع المثاني ينحصر في مقطع (أنعمت عليهم) وهي إشارة إلى السبع المثاني المرموزين في آيات، كل آية منها أول سورة وكل آية ذات حرفين أولهما الحاء والثاني الميم، وهذه السور في الترتيب يأتي بعضها بعد الآخر، فالثلاثة الأولى منها (تثليث) والأربعة (تربيع)12.

إلى أن يصل بهم تفسيرهم إلى أن القصد من السبع الثاني ضمن التربيع هم أقطاب الطريقة والذين من بينهم، سيدي إبراهيم الدسوقي صاحب الطريقة البرهانية التي نحن بصدد مدارستها وتقديمها حالاً.

وقبل ذلك لا بد من الوقوف على إشكالية مصطلح التصوف، وأيضاً لا بد من الإشارة إلى كبار المشايخ وأئمة التصوف.

(إن الاهتمام بالتصوف قديم تناوله المؤرخون والعلماء العرب والمسلمون، وقائمتهم طويلة، من شاهيرهم: السراج الطوسي، والكلاباذي والقشيري… الخ، كما ألف فيه الفلاسفة كابن سينا والغزالي وابن خلدون: وتجادل فيه الفقهاء والمتكلمون. هذا بالإضافة إلى أعمال بعض المستشرقين كنيكلسون وماسينيون، وغيرهما كثير)13.

ويمكن أن نحيل في هذا الشأن إلى الوعي المبكر الذي أبداه مفكرونا وأدباؤنا والمشتغلون في الفكر العربي أدبه وتاريخه، نحو الفكر الصوفي بحيث تناولوه بالدراسة وألفوا فيه الكثير، ولهم آراء مختلفة تصوبه، من ذلك نجد الغزالي عند تناوله لظاهرة تتصل بالفكر الإسلامي فإنه يفصل فيها. فمثلاً هو يتحدث عن أصناف طالبين للحق نجده (يقسمهم إلى أربع فرق: المتكلمون، والباطنية، والفلاسفة، ثم الصوفية)14.

أما ما يتعلق بإشكالية مفهوم التصوف فإنه –في عرف العامة – مستمد من الصوف ذلك لأن أهل الذكر كانوا يلبسونه. ولو كان هذا لكانت البهائم أولى بهذا الاسم. وعند بعضهم مستمد من الصف بمعنى كانوا يتصففون في حلقات الذكر. وغير هذا، قيل هو مشتق من الصفة. والصفة هم أصحاب النبي (ص) كما جاء في الأثر.

وهناك تعريفات كثيرة منها تعريف الجنيد حيث يقول (التصوف حفظ الأوقات)15 أما ابن الجوزي فيعرفه بأنه (الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً)16 أما الجرجاني فيعرفه بقوله (التصوف الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً فيرى حكمها من الظاهر في الباطن، وباطناً فيرى حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للمتأدب بالحكمين كمال)17.

وهناك تعريف يرقى إلى رؤية فلسفية يضيفه ابن الجوزي (التصوف معنى لا صورة)، ومعنى هذا أن جزءاً من التصوف يكون باطنه خفياً فإن أصحابه كانوا أهل رياضة وزهد وأما الصورة فيقصد بها الشكل الخارجي وتعني عندهم: "أصحاب الخرق".

وللبرهانيين تفسيرهم الخاص للكلمة فهم يقولون: (عمل النبي (ص) نسبان: نسب جسدي واسمه النسب المؤبد، ونسب المحبة وسماه الشرف الرفيع… والصوفية يتكبدون المشاق في حب النبي (ص)… قال (ص) وشوقي إلى إخواني الذين يأتون من بعدي) سأله الصحابة: أو لم نكن نحن إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي. وقال: طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن لم يرني وآمن بي.

فالنسب هذا اسمه المحبة… فأهل الله معناه: أهل الاشتغال بالله… فكل من اشتغل بالله في ليله ونهاره وترقى في مراتب الذكر من ذكر لسان لذكر قلب لذكر اصطلام فيدخل في النسب الرفيع. فالمتصوف مثل موسى مستعجل قال تعالى: "وعجلت إليك رب لترضى18.

أما كبار المشايخ وأئمة التصوف فهم أقطاب أربعة وعنهم تفرعت أغلب الطرق* والزوايا المنتشرة في العالم الآن، ولهم شهرة واسعة استقطبت الأتباع والمريدين الروحانيين وهم:

1 – سيدي عبد القادر الجيلاني المولود سنة 470ه ونسبه الشريف ينتهي إلى سيدنا الحسن السبط بن علي (كرم الله وجهه) وتعرف طريقته بالقادرية توفي سنة 561 ببغداد.

2 – سيدي أحمد الرفاعي المولود سنة 512ه في قرية حسن بالبطائح وسط العراق وينتهي نسبه الشريف إلى مولانا الإمام حسن بن علي كرم الله وجهه من ناحية أمه، توفي سنة 570 ه.

3 – سيدي أحمد البدوي ولد بفاس سنة 596ه وفيها نشأ تنشئة دينية خالصة يقال (إن ميوله إلى الزهد أخذ يظهر منذ نعومة أظفاره حتى لقبه قومه في طفولته بالزاهد)19 ينهي نسبه إلى الحسين بن علي كرم الله وجهه، يقال هاجر أجداده الحجاز وانتقلوا إلى المغرب الأقصى أيام الحجاج بن يوسف الثقفي، توفي ودفن بطانطا بمصر.

4 – أما شيخ الطريقة البرهانية والتي نحن بصدد الحديث عنها –فهو سيدي إبراهيم الدسوقي من مواليد سنة 633ه و (هو العارف بالله إبراهيم الدسوقي الهاشمي الشافعي القرشي توفي سنة 676ه، كان في منزلته كالإمامين الشاذلي* والبدوي في ذيوع الصيت وبعد الشهرة، إذ كان مثلهما شيخ طريقة تنتسب إليه وتعرف باسم البرهانية، كما كان يقوم على الجمع بين الشريعة والحقيقة)20 وضريحه الآن وسط مدينة يطلق عليها الدسوق بمصر وهو المكني بأبي الشرفين لأن نسبه من ناحية أبيه ينتهي إلى سيدنا الحسين ومن ناحية أمه إلى سيدنا الحسن بن سيدنا علي كرم الله وجهه، يضاف إلى ذلك أنه ابن أخت سيدي أبي الحسن الشاذلي.

وهو إمام شريعة وحقيقة، إذ قام يشرح متن سيدي خليل في الفقه، وهو القائل من لم يتشرع لم يتحقق" حتى اغتدت نظرية قائمة بذاتها في التصوف.

إذ (هو من أجلاء مشايخ الفقراء أصحاب الخرق، وكان من صدور المقربين وكان صاحب مقامات ظاهرة ومقامات فاخرة ومآثر ظاهرة… له المعراج الأعلى في المعارف والمنهاج الأسنى في الحقائق… وهو أحد من أظهره الله عز وجل إلى الوجود وأبرزه رحمة للخلق وأوقع له القبول التام عند الخاص والعام أظهر على يديه العجائب وصومه في المهد، وله كلام كثير على لسان أهل الطريقة)21.

والشيخ إبراهيم الدسوقي يعتبر قطباً في زمانه.

وفي هذا المساق يذكر الشيخ محيي الدين بن عربي في باب "ذكر أصحاب مراتب الولاية" قوله:

(فمنهم رضي الله عنهم الأقطاب وهم الجامعون للأحوال والمقامات بالأصالة أو النيابة، وقد يتسعون في هذا الإطلاق فيسمون قطباً كل من دار عليه مقام ما من المقامات وانفرد به في زمانه على أبناء جنسه. ولكن اللقب المصطلح على أن يكون لهم هذا الاسم مطلقاً من غير إضافة لا يكون منهم في الزمان إلا واحد، وهو الغوث وهو من المقربين وهو سيد الجماعة في زمانه)22.

وله كتاب مشهور يسمى "جوهرة الدسوقي" يعتبر المرجع الأول الآن بالنسبة لأتباع الطريقة، إذ منه يستلهمون خطواتهم الأولى في التصوف يقع في 132 صفحة وهو كتاب منير من كلام القطب الكبير أبي العينين إبراهيم الدسوقي القرشي من أعطي العلم الشرعي والحقيقي ضمّنه بعض آداب المريد ونصائح ومواعظ وقصائد. وذلك كله بما فتح الله عليه من فتوح الغيب من رياضة النفس في حظيرة القدس.

وإليكم نموذجاً من كلامه منقولاً من كتاب الجوهرة المذكور:

يقول (أما بعد: فإن العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم الدسوقي اختار الله سبحانه وتعالى في أن الولد يسلك طريق النسك على كتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام والقيام بالفرائض المفروضة والسنن المسنونة والشرائع المشروعة) وهذا يعكس جلياً مقولته " من لم يتشرع لم يتحقق". وفي معرض حديثه عن علاقة المريد بشيخه يقول (وللمريد مع شيخه الأدب وحسن الطلب والتسليم للشيخ وأن لا يتكلم إلا بدستوره ويقول (يقول الله تعالى في حديث قدسي: من أتاني ماشياً أتيته هرولة ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً. إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين).

وفي الفقرة الموالية يشير إلى صنف من الناس يتظاهر بالتمسك بالطريقة ويأتي أورادها ويلتزم بها فيقول:

ألا قل لمن يدعي حبنا *** ويزعم أن الهوى قد علق

فلو كان فيما ادعى صادقاً *** لكان على الغصن بعض الورق

فأين النحول وأين الذبول *** وأين الغرام وأين القلق

وأين الخشوع وأين الدموع *** وأين الركوع وأين الأرق

وقال الأستاذ برهان الملة والدين كما يسمونه (فمن كان من أولادي كان متشرعاً متحققاً نظيفاً عفيفاً وشريفاً شرّفه الكتاب العزيز، قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

وفي مجال الموعظة يخاطب مريديه قائلاً (اسمع يا عديم العقل والرشاد يا كثير الجهل والعناد أما تعلم إن ربك لبالمرصاد. يا من يغلق دون خلقه الأبواب يا من يخلو بالمعصية والفساد، أما تخشى من العذاب وسوء المنقلب والحساب وتنحدر من هذه الدار فإنها دار ذهاب، ومصيرها إلى الخراب).

وفي مجال الوعظ دائماً نلفيه يقول: (واعبد الله وتوكل على الله واقبل وع، واسمع وعظي وفعلي. يا مصلي إن كنت تصلي فاعتدل، واصلح صلاتك وركوعك وسجودك وكذلك الضوء فأحسنه و لا تستعجل ولا تحك قدماً بقدم ولا ترفع رأسه، ولا تتململ وتأدب بين يدي الله ولا تصل وفي بطنك شبهة أو حرام واستغفر كأنك تنظر ربك فإذا لم تنظره فإنه ينظرك.. اقرأ القرآن تؤت بكل حسنة عشراً. واعبد الله العظيم لك أحرى، واتقه سراً وجهراً تسعد دنيا وأخرى).

ويقول في موقف آخر من نفس الكتاب (أما بعد فإن العبد الفقير إلى الله إبراهيم الدسوقي القرشي استخار الله تعالى في أن الولد يلبس الخرقة النظيفة الخفيفة على كتاب الله وسنة رسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام قال رسول الله (ص) أتيتكم بشريعة نقية بيضاء لم يأت بها نبي قبلي لو كان أخي موسى في زماني ما وسعه إلا اتباعي).

ثم يصف الجنة التي بوأها الخالق لعباده الصالحين فيقول (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. رزقهم فيها بكرة وعشية. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر… فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم… اصبر وما صبرك إلا بالله. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين… الصبر على الطاعة خير من أن يلقى في النار ساعة. وقال بعضهم:

سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يأذن الله في أمري

وأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر

وفي الكتاب نفسه يقول (وصيتي إليكم يا أولادي عليكم بخدمة ذي الجلال والإكرام وعظيم الشأن الحنان المنان.. فإن من قصده ووحده وعبده وسجد له وعظمه ورجع إليه وصالحه بدل سيئاته حسنات وغفر لهم الذنوب والزلات)23.

ومن كلامه المضمن في مجلة الجوهرة البرهانية التي تصدر في مقر الطريقة بالخرطوم وفي عددها الأول نجد قوله: (من لم يكن مجتهداً في بدايته لا يفلح له مريد، إن نام نام مريده، وإن قام قام مريده وإن أمر الناس بالعبادة وهو بطال أو ثوبهم عن الباطل وهو يفعله ضحكوا عليه ولم يسمعوا منه…

وينصح المريد قائلاً (يجب على المريد ألا يتكلم قط إلا بدستوري شيخه إن كان جسمه حاضراً، وإن كان غائباً يستأذنه بالقلب، وذلك حتى يترقى إلى الوصول إلى هذا المقام في حق ربه عز وجل فإن الشيخ إذا رأى المريد يراعيه هذه المراعاة رباه بلطيف الشراب وأسقاه من ماء التربية ولاحظه بالسر المعنوي الإلهي)24.

توفي الشيخ إبراهيم الدسوقي رحمه الله سنة 676ه.

وبعده ظهر حفيد لأبي حسن الشاذلي يسمى: أبو المواهب الشاذلي. هذا أخذ الطريقة وسافر بها إلى المغرب حيث التقى بالشيخ سيدي أحمد زروق المغربي، ويعتبر أول من أخذ عنه الطريقة ممزوجة (الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية).

سافر إلى السودان فانتقلت الطريقة معه، وأخذها عنه أبو دنانة… ثم الشيخ فضل وامتدت الطريقة منه إلى الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني، عن طريق أجداده ويرجع له الفضل في إحياء الطريقة البرهانية، وهو المكنى بسيدي فخر الدين المولود بالسودان سنة 1902 وظهر على يديه فتح عظيم لهذه الطريقة بحيث انتشرت في ربوع العالم في السودان ومصر ودول الخليج وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا وأمريكا، وله ديوان شعري اسمه "بطائن الأسرار". يتكون من خمسة أجزاء استفتحه بهذه الأبيات.

فخذوا الكتاب بقوة وعزيمة *** ودعوا الذي عن قولنا يتعامى

المنهج المضمون قد أمليته *** ذا كتابي فاحذروا الأوهاما

فخذوا كتابي مثلما الراوي روى *** عضّوا عليه تلقنوا الإلهاما

وقد قال في إحدى قصائده المقتبسة من الديوان:

هنيئاً لمن أم الحمى وبي احتمى *** هنيئاً لمن يسقى رحيق طريقتي

ومنهجي القرآن والله وجهتي *** وعلمي كنز في قلوب أحبتي

فشأني تأليف القلوب وجمعها *** وسائل غيري في الحقيقة ما فتي

وإذا جئنا إلى نسبه الشريف نجده (من ناحية أبيه ينتهي إلى سيدنا الحسين ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) وهو غوث زمانه القطب الفرد الجامع الكبير المالكي المذهب، التحق بالرفيق الأعلى في الحادي والعشرين من جمادى الثانية سنة 1403 الموافق للرابع أبريل 1983، وله مقام كبير في ساحة مجسد الزاوية، يزار الآن ويحتفل بذكراه كل سنة، ويأتيه المريدون من كل أنحاء العالم أفواجاً وخاصة في مناسبة المولد النبوي الشريف. (رحمه الله).

وهذا هو نسبه الشريف وهو منقول من نسب السيد حسن بن إدريس مستمد من النسخة الأصلية التي نقلها السيد المرشد بلعالية محمد مرشد الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية:

فهو رضي الله عنه السيد/ محمد بن السيد/ عثمان بن السيدة آسيا بنت السيدة كلثومة بنت السيدة تكة بنت السيد/ موسى بن السيد/ عالم بن السيد/ خضر بن السيد علي بن السيد/ نصر الله بن السيد/ موسى بن السيد/ عيسى بن السيد/ شريف بن السيد/ يوسف بن السيد/ عرك الدين بن السيد/ نصر الدين بن السيد/ سراج الدين بن السيد/ عون بن السيد/ هوبر بن السيد/ حسين بن السيد/ نصر الدين بن السيد/ قيس بن السيد/ نافع بن السيد/ قاسم بن السيد/ عمر بن السيد/ عمران بن السيد/ نور الدين بن السيد/ مفرج بن السيد/ الحسين بن السيد/ إبراهيم بن السيد/ محمد بن السيد/ أبي بكر بن السيد/ إسماعيل (ساكن فاس) بن السيد/ عمر بن السيد/ علي بن السيد/ عثمان بن السيد/ حسين بن السيد/ محمد بن السيد/ موسى بن السيد/ يحيى بن السيد/ عيسى بن السيد الإمام/ حسن الخالص الملقب بالحسن العسكري/ بن السيد/ الإمام علي الهادي بن السيد/ الإمام محمد الجواد بن السيد الإمام علي الرضى بن السيد الإمام/ موسى الكاظم بن السيد/ الإمام جعفر الصادق بن السيد/ الإمام محمد الباقر بن السيد/ الإمام علي زين العابدين بن سيدنا الإمام/ الحسين بن السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم جاء من بعده ابنه الشيخ إبراهيم عبده البرهاني بتزكية من أبيه سيدي فخر الدين إذ قال فيه:

من كمال العطاء من فيض وهب *** أيها الناس جاءكم إبراهيم

ما غير إبراهيم ذو حمى *** وبه يلذ المحتمى والرامي

وهي طريقة منتشرة في دول كثيرة من العالم، كما لها مجلات خاصة بها تصدر في لندن بعنوان “BURHANI BULLETIN" ، "برهان بلاغ"، وأخرى بميونيخ بألمانيا ومقرها بهذا العنوان:

TARIKA BURHANIA

SCHWINDSTR. IA

D – 8000 MUNCHEN 40

ولها مقرات أخرى في كندا وفي فرنسا وإيطاليا وغيرها.

وأما مقر الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية فهو: أبناء الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني: ص. ب 1114 الخرطوم. ت 41413.

ومقرها الرئيسي بالجمهورية العربية المتحدة، دار سيدي إبراهيم الدسوقي – عمارة مولانا الإمام الحسين مدخل 1 شقة رقم 1. ت 908761.

أما في الجزائر فمقر الطريقة البرهانية يقع في مدينة سعيدة بإشراف الشيخ بسايح محمد الذي أخذ الاعتماد بتاريخ 22/12/1991 وهي تقوم بنشاطها أسبوعياً في المواسم الدينية والمناسبات الوطنية.

أما أوراد* الطريقة فهي مجموعة في كتيب صغير بعنوان "مجموعة أوراد الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية، أبناء الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني"، وهو مطبوع بأعداد وفيرة لدى مقر الزاوية بسعيدة.

الإحالات

1 – التصوف في الإسلام: عمر فروخ – دار الكتاب العربي – بيروت 1980 ص9.

2 – معجم المصطلحات الصوفية: الشيخ الدكتور أنور فؤاد أبي خزام – راجعه د. جورج متري عبد المسيح – مكتبة لبنان ناشر ص 28.

3 – من كتيب للشيخ محمد عثمان عبده البرهاني ص6.

4 – الآية 30 من سورة إبراهيم برواية ورش.

5 – من كتيب للشيخ محمد عثمان عبده البرهاني ص6.

6 – م. س ص 6.

7 – المواقف: الأمير عبد القادر الجزائري دار اليقظة بيروت.

8 – الآيتان: 82 – 83 من سورة –ص – برواية ورش.

9 – البخاري 2038 مسلم 2170.

10 – من كتيب للشيخ محمد عثمان عبده البرهاني ص12.

11 – م. س ص 12.

* – للمزيد من الإطلاع على تفسيرهم يمكن العودة إلى المصدر السابق من ص14 إلى 18.

12 – م. س ص 14.

13 – معجم المصطلحات الصوفية: الشيخ الدكتور أنور فؤاد أبي خزام – راجعه د. جورج متري عبد المسيح – مكتبة لبنان ناشر ص 28.

14 – المنقد من الضلال: الغزالي ص55.

15 – معجم المصطلحات الصوفية: الشيخ الدكتور أنور فؤاد أبي خزام – راجعه د. جورج متري عبد المسيح – مكتبة لبنان ناشر ص 59.

16 – نقلاً عن م. س ص 60.

17 – نقلاً عن م. س ص 59.

18 – كتاب خاص بنسب الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية ص 17.

* – هذه الطريقة الشاذلية نشرها في الجزائر سيدي أحمد بن يوسف ومنها تفرعت الطرق: الناصرية – الغازية – الشابية – الطيبية – الحنصلية – الزيانية – الدرقاوية – المدنية – الشيخية. يمكن العودة إلى مجلة سعيدة أخبار –ركن الثقافة – العدد 3 جوان 92.

19 – المعرفة: المجلد الثاني عشر – مؤسسة خليفة للطباعة بيروت لبنان 1984 ص 2051.

* – الشاذلي هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، اشتهر بالشاذلي ولد عام 593ه بقرية قريبة من سبتة بالمغرب وتوفي سنة 656 هو قاصد الحج بواد حميصرة بمصر. يمكن العودة إلى المعرفة: المجلد الثاني عشر ص 2050.

20 – المعرفة المجلد الثاني عشر ص 2051.

21 – مجلة الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية العدد الأول 1989 ص9.

22 – م. س ص 15.

23 – الأقوال التسعة الموجودة بين قوسين منقولة من: جوهرة الدسوقي: للشيخ إبراهيم الدسوقي – مكتبة الجمهورية العربية لصاحبها عبد الفتاح بن الحميد – شارع الصنادقية بالأزهر من ص 11 إلى 47.

24 – مجلة الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية العدد الأول 1989 ص9.

* – والأوراد جاءت على الشكل الآتي:

1 – الأساس: وهو يقرأ بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر.

- بسم الله الرحمن الرحيم 100 مرة.

- استغفر الله العظيم هو التواب الرحيم 100 مرة.

- لا إله إلا الله 100 مرة.

- يا دايم 300 مرة.

- اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم 100 مرة.

وهناك أوراد أخرى يؤتيها المريدون تباعاً، وهي تعبر عن مراحل آتية، يستوي في ذلك المتعلم وغير المتعلم من الجنسين.

مجلة التراث العربي – مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب – دمشق العدد 81 – 82

83 Views

عن

إلى الأعلى