الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » جذور ( جينالوجيا ) الشعر الجاهلي دراسة في نقد النقد – د. محمد بلوحي

جذور ( جينالوجيا ) الشعر الجاهلي دراسة في نقد النقد – د. محمد بلوحي


جذور (جينالوجيا) الشعر الجاهلي دراسة في نقد النقد – د. محمد بلوحي*

إن بداية ظهور الفن بعامة والشعر بخاصة عند الإنسان قضية موغلة في القدم، لا يمكن الجزم فيها بحكم، ولا سيما أن الأدلة المادية قليلة، أو منعدمة في بعض المواطن، فإذا أراد الباحث أن يقارب تراثاً شعرياً كتراثنا الجاهلي – اعتمد في الحفاظ عليه على الرواية الشفهية التي تنازعتها الأهواء والعصبيات – فإنه سيصطدم أول ما يصطدم بتباين الآراء والقراءات وتضاربها، وكل قراءة تدعي لنفسها ملك حقيقة الفصل في قضية بداية ظهور الشعر الجاهلي.

اختلف القدماء من الرواة والمدونين والنقاد في أولية الشعر الجاهلي، وألقت هذه القضية بثقلها على القراءات الحديثة، بل وجدت فيها كثيراً من الأقلام ميداناً يجب التمحيص فيه والتدقيق، بالعودة إلى المصنفات التراثية، بل وإلى الكتب المقدسة علّها تجد نصوصاً تقوي بها حجتها وتدعم بها مذهبها.

يرجع اختلاف القدماء في هذه المسألة بالأساس إلى الزخم الذي واكب عملية التدوين في العصر العباسي، والتي كان يهدف من ورائها دارسو الشعر الجاهلي إلى تدوين أكبر قدر ممكن من الأخبار والأشعار قبل اندثارها بذهاب حامليها من الرواة، وكان هدفهم الجمع أولاً ثم التمحيص ثانياً، وذلك بخلاف تدوين الحديث النبوي الشريف الذي راعى فيه المحدثون مقاييس جنبت كثيراً تدوين ما وضع على رسول الله كذباً وذلك من أجل المحافظة على المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية. كان القصد من وراء تدوين أخبار شعراء الجاهلية وشعرهم المحافظة على اللغة الصحيحة لوضع قواعدها، وضبط أحكامها، وكان هذا الاهتمام بالتدوين يقع في الدرجة الثانية إذا ما قورن بمسألة الحديث النبوي التي تتعلق بالشريعة، بل كان بعض الرواة والمدونين يرون أنّ تدوين أخبار الشعراء الجاهليين وأشعارهم لا يرقى إلى مسألة تدوين الحديث النبوي الشريف.

لقد فصل بعض القدماء في مسألة أولية الشعر العربي، فذهبوا إلى أن عمره يمتد بين القرن والقرنين قبل ظهور الإسلام على أكثر تقدير، إذ نجد الجاحظ يقرر أن عمر الشعر العربي قصير بالمقارنة مع عمر الإنسانية السحيق، فهو "حديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله، وسهل الطريق إليه، امرؤ القيس بن حجر، ومهلهل بن ربيعة.. فإذا استظهرنا الشعر، وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام – خمسين مئة عام – وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام"(1)، أما ابن سلام الجمحي فيروي عن عمر بن شبة أنه ليس "للشعر والشعراء أول يوقف عليه، وقد اختلف في ذلك العلماء، وادعت القبائل كل قبيلة لشاعرها أنه الأول.. فادعت اليمانية لامرئ القيس، وبنو أسد لعبيد بن الأبرص، وتغلب لملهل، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دواد.. وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي من أقدم هؤلاء، وأنه أول من قصد القصيد، قال: وهؤلاء النفر المدعى لهم التقدم في الشعر متقاربون، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة بمئة سنة أو نحوها"(2)، ولم تقتصر الإشارة إلى هذه المسألة عند هذين العلمين، بل نجد أن جل الرواة قد ألمحوا إليها في مصنفاتهم ضمن أخبارهم أو تعاليقهم، ولكنهم أشاروا إلى المسألة دون الخوض والتمحيص فيها والتقليب في مضمونها.

يدرك المتأمل في هذه الروايات والأخبار أن جلها يتفق على فترة التأريخ لعمر الشعر الجاهلي ما بين القرن والقرنين كبداية للشعر العربي، وهذا ما جعل المستشرق كارل نارلينو ينتصر لقول الجاحظ ومن ذهب مذهبه من "العلماء العرب الذين قالوا بمدة مئة وخمسين سنة تقريباً للشعر الجاهلي، لم يبعدوا عن الصواب إذا فرضنا أنهم أرادوا بذلك ما وصل إلينا من الأشعار القديمة" 3-إن هذه الإشارة الأخيرة في النص يقرن فيها فرضية هذا المنحى بفرض أن هذا الاتجاه صائب إذا أراد به أصحابه ما وصل إلينا من الأشعار القديمة، أما إذا أخذنا بما لم يصل إلينا، فذاك ما يفتح باب القول بأن المدة التي أشارت إليها المصنفات القديمة والتي ذكرنا بعضها فيما سبق غير دقيقة وغير معبرة عن أوليات الشعر العربي القديم.

فالتضارب الذي وسم مواقف الكثير من القدماء من إشكالية أولية الشعر العربي هو الذي فتح المجال أمام الكثير من المستشرقين لإبداء تحفظ كبير حيال الجزم في هذه الإشكالية، والقول بأنه "ليس من الواضح متى بدأ العرب في نظم الشعر، فبعضهم يرجعه إلى آدم، والبعض يدعي تقديم قصائد من عهد إسماعيل وعلى الرغم من أن ملوك جنوب الجزيرة العربية ألّفوا نقوشهم بلغاتهم ولهجاتهم، فإن الأشعار التي اهتموا بنظمها، حسبما يقول الأثريون المسلمون، إنما كتبت بالعربية التي كتب بها القرآن، لكن يبدو أن الرأي العام يقرر أن الشعر العربي- على الشكل الذي استقر عليه فيما بعد – بدأ قبل ظهور الإسلام ببضعة أجيال قليله"(4) فالشك هو المقياس الأساس الذي تبناه المستشرقون منذ البداية في التعامل مع هذه الإشكالية التي اعتمدت جل أطروحاتها على موروث استعان في نقله له بالرواية الشفهية التي لا ترقى إلى مقام الدليل الموثق سندا، أو ماديا بواسطة الكشوف الحفرية أو المخطوطات الموثقة.

إذا كانت بعض الدراسات العربية الحديثة تسعى جاهدة إلى القول بأن جذور الشعر العربي موغلة في القدم، فإن كثيراً من المستشرقين وبخاصة مرجوليوث على وجه الخصوص حاولوا إثبات أن البداية الحقيقية للشعر العربي إنما ظهرت بعد الإسلام لا قبله "والكمية الهائلة من النقوش التي ترجع إلى ما قبل الإسلام والتي نملكها الآن مكتوبة بعدة لهجات، ليس فيها شيء من الشعر.. ولا يمكن أن تستنتج من النقوش العربية أنه كانت لدى العرب أية فكرة عن النظم أو القافية، على الرغم من أن حضارتهم في بعض النواحي كانت متقدمة جداً.. فإن كان القرآن يتحدث عن الشعر على أنه شيء يحتاج إلى تعلم، فمن المعقول أن نفترض أنه يشير إلى تلك الصنعة التي تستلزم العلم بالأبجدية، لأن القافية العربية تقوم في تكرار نفس المجموعة من الحروف الساكنة، والعلم بنظام نحوي، لأن النظم يتوقف على الفارق بين المقاطع الطويلة والقصيرة، وارتباط بعض النهايات ببعض المعاني، فيمكن إذن أن يكون ما يشهد عليه القرآن هو أنه قبل ظهوره كان بين العرب الكهان المعروفين بأنهم شعراء، ومن المحتمل أن لغتهم كانت غامضة، كما هي الحال لأي ألوان الوحي"(5) وهذا الاستنتاج يقوم على قاعدة فيلولوجية طبقها المستشرقون في دراستهم للشعر العربي القديم.

فمفهوم الشعر والشعراء في الجاهلية والملتبس بكلام وتعاويذ الكهان، وما كان يصدر عنهم من كلام مسجوع مبني على نغم موسيقي متجانس وإيقاع متناغم يتداخل في كثير من الصفات مع الإيقاع الشعري الجاهلي هو الذي خيّل لمرجوليوث وجعله يقرّ ويؤكد أن الذي نصّ عليه القرآن من شعر ما هو إلا سجع الكهان، وشتان بين ما هو شعر وما هو سجع الكهان، وأنهما جنسان وإن التقيا في بعض الخصوصيات التعبيرية فإنهما يختلفان في الكثير منها، لذلك فإن مذهب مرجوليوث يحتاج إلى سند علمي يؤكده، وإلا كان الحكم مبنياً على فرضيات تخمينية لا تجد من النصوص ما تشد به عضدها.

إن إشارة المستشرق كارل نالينو فتحت الباب أمام القراءة العربية الحديثة لتتجاوز الروايات والأخبار القديمة، وتؤسس لقراءة تذهب إلى أن أولية الشعر العربي القديم موغلة في القدم، بل القول أن أول شاعر عربي كان نبياً، وذلك إشارة إلى سيدنا إسماعيل عليه السلام، فنجد نجيب محمد البهبيتي يعنون الفصل التاسع من مؤلفه 6 بأن أبا الشعر العربي الأول نبيّ وهو "إسماعيل أبو الشعر العربي نشأ بعمله في العاربة، واتخذ أول أشكاله على صورة أناشيد يتغنى بها المصلون في صلاتهم بالمعبد، ينظمها لهم إمامهم الديني الذي تولى قيادتهم الدينية بعد أن ترك أبوه له رعايتهم وتعليمهم دين التوحيد الجديد.. ولذا وجد إسماعيل نفسه مسؤولاً عن الصغيرة والكبيرة فيه فهو الإمام، وهو ناظم الأناشيد، وهو مرتلها، والمصلون من ورائه يرددون، والصلاة في المعابد الأولى كلها كانت أناشيد منظومة، تُغنى وتصحبها الموسيقى وإسماعيل هو الموجه لهذا كله، وهو القائم به وعليه. وقد أكسب هذا الماضي الأول الشعر قدسية النبي التي لزمته حتى آخر العهد الجاهلي حتى إن العرب الذين لقنوا هذا المعنى في تاريخهم كله لما تقدم إليهم النبي بالقرآن باعتباره وحيا من الله قالوا له: بل هو شعر مثل الذي كان يُوحى من قبله للشعراء، فشأنه فيما أوحي إليه شأن غيره من الشعراء فيما يوحى إليهم: أي يدافعونه عن ملك ظنوه طالبه" وهي قراءة تنطلق من فرضية تحتاج إلى أدلة موثقة تعضد به ما تذهب إليه، لأن مسألة نسبة بداية الشعر العربي القديم إلى إسماعيل عليه السلام تحتاج إلى ترو وتمحيص دقيق حتى لا نبني أحكاماً علمية بهذه الأهمية على فرضيات غير مؤسسة.

يربط البهيبتي قدسية الشعر عند العرب بالاعتقاد الذي كانت العرب تعتقده من أن الشاعر كان يقوم في قومه مقام النبي، ويحتج بقول أبي عمرو بن العلاء الذي يرويه أبو حاتم الرازي في الزينة بحيث "كان الشعراء في الجاهلية يقومون من العرب مقام الأنبياء في غيرهم"(7)، ويبني عليه البهبيتي حكماً يلتبس حكماً يلتبس فيه عليه بين ما هو شعر وما هو وحي، وحجته في ذلك قراءة رواية أبي عمرو بن العلاء دون المساس من دلالتها الأساسية أو جوهرها بشيء، وبذلك يذهب (إلى القول بأن الذين كانوا يقومون في العرب مقام الأنبياء في الجاهلية كانوا ينورون لهم طريقهم، ويوسعون لهم آفاقهم بالشعر الذي كان العرب –شأنهم في هذا شأن العالم القديم- يرونه إلهاماً يتنزل على الشاعر من وحي قوي قدسية تختار الشاعر من بين الناس لتهب له من العلم ما تصطفيه به دونهم. فهو كيان مقدس يلتف على قوة مقدسة تتحكم فيه، وتعتلج بقلبه، وتفور به، فيهيج على لسانه قولاً منسجماً مستوياً مواجا، ينتقل أثره إلى قلب سامعه، فيتجاوب القلبان بالأصل ورجع صداه ويمتزج النفسان بمعنى واحد، وكأنهما كيان واحد"(8) وتلك موازنة عجيبة من البهبيتي بين ما هو وحي وما هو شعر، وكأننا به لا يفرق بين مصدر كل واحد منهما، بل ويجعل كليهما من مصدر بشري، وذاك ما يدعو إليه الاستقراء، لأن مصدر كل منهما معروف لدى العام والخاص، ولا حاجة لنا بالتفصيل فيه، فالنبي موحى إليه لا دخل له في ما يوحى إليه إلا من جهة التبليغ، أما الشاعر فهو المبدع الخلاق لما يقوله، أما إذا كان يصطلح ويستعمل لفظي النبوة والوحي على غير ظاهر معناهما، بل على دلالة أدبية تنزاح فيها اللفظة عن معناها الأصلي إلى معنى ثان يراد به الإلهام والتفرد قياساً لما ورد في قول النبي (صلى الله عليه وسلم) لما سمع قول الشاعر الجاهلي:

ستُبدي لك الأيّامُ ما كُنت جاهلاً

*** ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّد

فقال: "هذا من كلام النبوة" (9) فذاك رأي مؤسس، لأن اللفظة تأخذ دلالاتها بحسب المعنى الذي يقصد إليه.

يحاول البهبيتي أن يؤسس لرأيه القائل بأن الشعر العربي منبعه إسماعيل عليه السلام، ويورد ما أورده ابن رشيق في العمدة "حكى أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري أن كعب الأحبار قال له عمر بن الخطاب وقد ذكر الشعر: يا كعب هل تجد للشعراء ذكراً في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوماً من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة، ويضربون الأمثال، لا نعلمهم إلا العرب"(10)، وانطلاقاً من هذا النص يصبو البهبيتي إلى التأسيس لطرحه السابق، وبعد قراءة نص ابن رشيق ومناقشته مستفيضة يخلص في النهاية إلى أن (الشعر العربي الأول نشأ في حضن المعبد، وكان نبعه إسماعيل، وهذا هو سر ارتفاع الشعر في معيار القيمة حتى يمس القدسية باعتباره فتحا من فتوح إسماعيل، وهو سر ارتقاء الشعراء إلى منزلة تضعهم في العرب موضع الأنبياء في غيرهم من الأمم، وتصير أشعارهم في صدورهم بمنزلة أناجيل الأنبياء في أسفارهم"(11)، وهي نتيجة تبرر علو منزلة الشعر والشعراء عند العرب في الجاهلية، وتفصح عن جانب من سر اهتمامهم بهذا الفن من القول حتى سموا ما جاد منه بالمعلقات، فعلقت في صدورهم ورووها أباً عن جدّ حتى وصلت إلينا، لكن الذي ينقص رأي البهبيتي النصوص الموثقة التي يعتمد عليها في مثل هذا الطرح، حتى يرقى إلى درجة الطرح العلمي المؤسس، وإلا بقي مجرد افتراض يجد الآخذ به نفسه في نهاية الأمر كمن يجري وراء سراب بقيعة يحسبه ماء حتى إذا وصل إليه لم يجد شيئاً.

نحن لا ننفي نشأة الشعر عموماً وعند العرب خاصة نشأة دينية، ونرى في هذا الرأي جانباً من الصحة، ولكنه لا يرقى إلى درجة اليقين، ولاسيما وأننا نبحث في مسألة لا نملك عليها من الأدلة الموثقة الشيء الكثير، بل ما زالت ميداناً خصباً للبحث والتنقيب، معتمدين في ذلك على العلوم الحفرية، علنا نجد ما يفسر كثيراً من جوانب مسألة أولية الفن عامة عند العرب والشعر خاصة، وهذا ما جعل بروكلمان يقر بصعوبة الفصل في مسألة أولية الشعر عند العرب، فشعر العرب كان –حسب تصوره- "فنا مستوفيا لأسباب النضج والكمال، منذ ظهر العرب على صفحة التاريخ، ولا تستطيع رواية مأثورة أن تقدم لنا خبراً صحيحاً عن أولية الشعر، وإذا فلا يسعنا إلا أن نستخلص من الملابسات المشابهة عند شعوب بدائية أخرى نتائج معينة يمكن تطبيقها أيضاً على العرب، إذا قدمت الأحوال الممكن التعرف عليها عند هؤلاء نقاطاً يعتمد عليها في ذلك"(12).

بذلك يأخذ بروكلمان بمنهج تطبيق الملابسات المشابهة التي وجدت عند الأمم البدائية الأخرى لاستخلاص فرضية حول أولية الشعر عند العرب، مشيراً إلى صعوبة الفصل في هذه المسألة لانعدام الرواية المأثورة التي تقدم الخبر الصحيح الذي يفصل في القضية، وبذلك يؤكد لنا أن أي قول يذهب إليه أي باحث في هذه المسألة هو قول احتمالي لا يقيني، خاضع لمبدأ الأخذ والرد، ولكن على الرغم من هذه الإشارة المبكرة لبروكلمان إلا أن كثيراً من القراءات العربية الحديثة خاضت في هذه المسألة محاولة في بعض الأحيان القول فيها بلغة الجزم، وفي بعض الأحيان الأخرى بلغة الاحتمال.

إن ارتباط الشعر بالحياة العامة للعرب منذ القدم جعل بعض القراءات تربط أولية الشعر الجاهلي بالكثير من المحطات الهامة في حياة الأمة العربية في سيرورة تاريخها الطويل، ولاسيما وأنها كانت أمة تقطن في موطن لزمته الكثير من الظواهر الطبيعية وما ينتج عنها من آثار أخلاقية واجتماعية وسياسية، كان على العربي الاهتمام بها أيما اهتمام حتى يوفر لنفسه أسباب البقاء، ومن أهمها الماء والكلأ وخصوبة الأرض، والدفاع عن النفس والحياض.

يشير جواد عليّ إلى أن أولية الجاهلي لا يمكن أن نقر ببدايتها بنحو قرن أو قرنين قبل ظهور الإسلام كما ذهبت إلى ذلك رواية الجاحظ وغيره، ويصف ذلك بالخطل في الرأي، والفساد في الحكم، إذ يؤكد أن "الشعر أقدم من هذا العهد بكثير، وقد أشار المؤرخ (سوزيموس)Zosimus إلى وجود الشعر عند العرب، وهو من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى تغني العرب بأشعارهم، وترنيمهم في غزواتهم بها، وفي إشارته إلى الشعر عند العرب دلالة على قدم وجوده عندهم، واشتهاره شهرة بلغت مسامع الأعاجم، فذكره في تاريخه. في سيرة القديس (نيلوس) Nilus المتوفى حوالي سنة 430 بعد الميلاد، أن أعراب طور سيناء كانوا يغنون أغاني وهم يستقون الماء من البئر،… والأشعار المروية في كتب التواريخ والأدب عن حفر آبار مكة وغيرها من هذا القبيل، فقد روي أن (عبد المطلب) لما حفر بئر (زمزم)، قالت (خالدة بنت هاشم):

في تُربة ذات غذاة سهله

*** نحنُ وهبنا لعديّ سجله

تُروي الحجيج زعلةً فزعله

وأن عبد شمس قال:

حفرتُ خمّا وحفرتُ رمّا

*** حتّى أرى المجد لنا قد تمّا.(13)

كما يورد نصوصاً كثيرة في التغني بالماء وحفر الآبار. والماء من المصادر الأساسية التي ألبسها العربي القديم لبوس القدسية لما لحياته وحياة الخلق من حوله من ارتباط بوجودها، من هنا يمكن ترجيح الرأي الذي ينتصر إلى ربط أولية الشعر عند العرب بحفر الآبار واستخراج الماء، لذا "نجد في كتب السير شعراً قيل في حفر بئر زمزم، وفي آبار أخرى، مما يدل على أن العرب كانوا قبل هذا العهد، إذا حفروا بئراً، قالوا شعراً فيها، وهو شعر يمكن أن نسميه شعر الآبار، وهو يعود ولاشك إلى عرف قديم، قد يتقدم على الميلاد بكثير، وهو يجب أن يكون من أقدم ما قيل من شعر، لما للبئر من أهمية في حياة العرب"(14)، وبذلك يفصل جواد علي في ربط مسألة أولية الشعر الجاهلي بالبحث عن الماء، فيذهب –بخلاف البهبيتي- إلى إرجاع أولية الشعر عند العرب إلى التغني بالماء وبوجوده، لما للماء ومصادره من أهمية بالغة في حياة العربي في صحراء قاحلة وجود الماء فيها أهم من العبادة والمعابد، وهو رأي تؤسس له النصوص الشعرية المأثورة والتي أورد البعض منها اعتماداً على ما ورد في فتوح البلدان والروض الأنف وسيرة ابن هشام وغيرها من المصادر التراثية التي اهتمت بالموضوع وما ورد فيها من أشعار مأثورة، وإن كانت لا تشكل قصائد مطولة وإنما البيت أو البيتين، لأن العربي في ذلك الوقت لم يكن مهيأ لقول القصائد الطوال، ولكن على الرغم من هذه الأبيات الشعرية القليلة التي تظهر وكأنها نتف شعرية، إلا أنها تشكل نصوصاً مؤسسة يمكن الاعتماد عليها في التأريخ لأولية الشعر العربي.

لم تقصر القراءة الحديثة القول في البحث عن أولية الشعر الجاهلي وبخاصة عند جواد عليّ على ما ورد في الماء من أشعار بل ذهبت إلى القول بأن أولية الشعر عند العرب ارتبطت بالحياة اليومية في سلمها وحربها، ومعاشها ومعادها، إذ لم يقتصر التغني بالشعر على حفر الآبار وحدها، وإنما تغنى به عند بنائهم بناء أو حفرهم خندقاً، أو إقامتهم سوراً، أو قيامهم بزرع أو حصاد، وفي أعمال أخرى يناط القيام بها إلى جماعة في الغالب، وكذلك في الغارات وفي الحروب… ورووا أن من الشعراء الجاهليين من كان يتغنى بشعره، وأن حسان بن ثابت أشار إلى التغني بالشعر بقوله:

تغنّ بالشّعر إمّا كُنت قائلهُ

*** إنّ الغناء لهذا الشّعر مضمارُ

ولابد أن تكون في الأهازيج وفي أشعار الحج، أنغام يرنم على وقعها الشعر، الذي هو شعر الغناء. فإننا نجد من النتف الباقية من الجمل التي يقولها الحجاج في أثناء حجهم، آثار شعر كان مقروناً بالغناء. ونظراً لوجود تماس مباشر بين هذا الشعر وبين الحياة العامة، فإن في استطاعتنا القول إنه قد يكون من أقدم أنواع الشعر عند العرب، وهو شعر لم ينبع من ألسنة الشعراء المحترفين، وإنما خرج على كل لسان، وساهم فيه كل شخص: رجل وامرأة، مثقف وجاهل، حكيم وسوقي. وهو بعد نابع من صميم الحياة، ومن باطن القلب، للترفيه عن النفس، ولتخفيف التعب، ومازال الناس يتغنون عند وقوع مثل هذه الأمور لهم، وهو غناء لم يحظ ويا للأسف بالرعاية والعناية، لذلك لا نجد له ذكراً في الكتب إلا في المناسبات(15)، وهي قراءة نجد أصولها فيما يذهب إليه كارل بوخر K. Bucher في مؤلفه العمل والنغم والذي أشار إليه كارل بروكلمان فأورد فيه خلاصة رأي بوخار الذي يذهب فيه إلى "أن حركات العمل الطبيعية المنتظمة، لاسيما حركات العمل الجماعي، كانت تحث من تلقاء نفسها على التغني بأغان موزونة مصاحبة للعمل وميسرة له تيسيراً نفسياً. وقد رويت لنا عن العرب أيضاً مثل هذه الأغاني التي تصحب العمل"(16). وهو ربط لأولية الشعر عند العرب بالثقافة الشعبية والأصول الأنثروبولوجية.

تمثل الثقافة الشعبية عند الكثير من الدارسين-وبخاصة عند المهتمين بالدراسات الشعبية والأنثرولوجية- المهد الأول للفن بعامة والشعر بخاصة، لاسيما عند أمة كالأمة العربية وعمق ارتباطها بالشعر كفن قولي، لأنه كان المناسب لأمة ترتحل أكثر مما تستقر، وهي قراءة تحمل الكثير من الجوانب التي تؤسس لمذهبها إّا ما راعينا إيغال القضية في القدم، وقلة الأدلة المادية التي تقطع دابر الشك باليقين، وبذلك لا يجد الدارس لمثل هذه القضايا إلا الافتراض والبناء على بعض الأدلة الشفوية بخاصة ما تعلق منها بالعادات والتقاليد المأثورة عن الأمة العربية والتي توارثتها الأجيال أباً عن جدّ مشافهة، وتعلق بها العام والخاص، المثقف والجاهل، الحكيم والسوقي، الرجل والمرأة، فأصبحت ممارسة يومية للترويح عن النفس من عناء الحياة ومتاعبها.

فالقول بشعبية أولية الشعر العربي قول يرتاح له الباحث باعتبار أن الفن عامة والشعر خاصة لم يولد متكاملاً في بنيته الخارجية والداخلية كما وصل إلينا في معلقاته وإنما سبقته محاولات متكررة انفرادية وجماعية حتى استوى على عوده بالشكل الذي وصل إلينا في معلقاته وغيرها من القصائد والمقطوعات التي زخرت بها المصنفات الأدبية القديمة.

إن ربط جواد علي أولية الشعر العربي بالأناشيد والغناء المتصل بالحياة اليومية للعربي، جعله يلمّح إلى إمكانية ربط أولية هذا الشعر بالطقوس السحرية كما يربط ذلك الغربيون، لأن "بين الشعر والسحر صلة كبيرة، بل رأى البعض منهم أن الغرض الذي قصد إليه من الشعر في الأصل هو السحر، ودليل ذلك أن الغناء عند الشعوب البدائية، ليس متسقاً مع نغم العمل وإيقاع اليد العاملة، فنجد الغناء عند البناء أو الجر أو الحفر، أو الزرع لا يتسق مع نوع حركة العمل، وإنما كان يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية، وهو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، أي تشجيع العمل بطريق سحري"(17)، وهي قراءة تستمد أصولها من القراءة التي ذهب إليها (برويس) Preuss في كتابه الحضارة العقلية عند الشعوب البدائية- والتي أوردها بروكلمان في مؤلفه السالف الذكر كذلك- إذ يرى أنه "افتراض لا يقوى على النهوض أمام الحقائق الثابتة في علم الأجناس البشرية، وليس بمقنع لتفسير ما وجده الباحثون عند الأمم البدائية، فإن آثار الغناء المصاحب لحركات العمل الإيقاعية المنتظمة قليلة نادرة، على حين تصاحب الأغاني في كل مكان من الأرض أعمالاً غير مرتبطة بنظم الإيقاع، كالغزل والحياكة، والجدل، مما لا يمكن أن يشتمل على وحدة إيقاعية؛ فلم يكن الغناء في مثل هذه الأحوال متسقاً مع نغم العمل تسهيلاً له كما تقدم، وإنما كان الغناء يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية. وإذاً فلابد أن يكون الغرض الذي قصد إليه الشعر في الأصل، ما دام لم يكن مقصوداً منه مجرد المسامرة، هو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، وتشجيع العمل بطريق سحري"(18)، حتى يجعل من العامل عاملاً منتجاً.

يرى بروكلمان أن المنحى السحري للشعر عند العرب لم يتجل في كل الأغراض الشعرية، بل ظهر في غرض الهجاء دون سواه "فمن قبل أن ينحدر الهجاء إلى شعر السخرية والاستهزاء، كان في يد الشاعر سحر يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحري. ومن ثم كان الشاعر، إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زيا خاصاً شبيهاً بزي الكاهن. ومن هنا أيضاً تسميته بالشاعر، أي العالم، لا بمعنى أنه كان عالماً بخصائص فن أو صناعة معينة، بل بمعنى كان شاعراً بقوة شعره السحرية، كما أن القصيدة كانت هي القالب المادي لذلك الشعر"(19)، وبذلك نجد بروكلمان يقصر ارتباط أولية الشعر عند العرب بالسحر في غرض الهجاء، وفي المرحلة الأولى لظهور هذا الغرض عند العرب، أما جواد علي فيعمم ذلك على الشعر الذي كان يصاحب العمل، وبذلك ينتصر لرأي (برويس) Preuss.

أما مرجليوث فينفي وجود الشعر عند العرب ولو كان موجوداً لأُثّر في "الكمية الهائلة من النقوش التي ترجع إلى ما قبل الإسلام والتي نملكها الآن مكتوبة بعدة لهجات، ليس فيها شيء من الشعر… ولا يمكن أن نستنتج من النقوش العربية أنه كانت لدى العرب أية فكرة عن النظم أو القافية، على الرغم من أن حضارتهم في بعض النواحي كانت متقدمة جداً… فإن كان القرآن يتحدث عن الشعر على أنه شيء يحتاج إلى تعلم، فمن المعقول أن نفترض أنه يشير إلى تلك الصنعة التي تستلزم العلم بالأبجدية، لأن القافية العربية تقوم في تكرار نفس المجموعة من الحروف الساكنة، والعلم بنظام نحوي، لأن النظم يتوقف على الفارق بين المقاطع الطويلة والقصيرة، وارتباط بعض النهايات ببعض المعاني. فيمكن إذن أن يكون ما يشهد عليه القرآن هو أنه قبل ظهوره كان بين العرب الكهان المعروفين بأنهم"شعراء"؛ ومن المحتمل أن لغتهم كانت غامضة، كما هي الحال في ألوان الوحي"(20)، وهو طرح معروف يكاد ينفرد به مرجليوث حول أصل الشعر العربي القديم ومدى صحته، فالعرب لم يعرفوا الشعر ولم ينظموه وأن ما عرف عنهم ما هو إلا ضرب من سجع الكهان وما شابهه من الكلام ذي الإيقاع المتجانس، وأن اسم الشاعر اختلط عند العرب باسم الكاهن، وهو رأي فيه من الغلو الذي لا يصمد أمام الشعر الوافر الذي وصل إلينا من الفترة العربية قبل الإسلام، وإن داخله بعض النحل بفعل الرواية الشفهية.

إن الاختلاف في الطرح حول أولية الشعر الجاهلي هو السمة الرئيسة التي تميزت بها جلّ الدراسات التي تعرضت لهذا الموضوع، وهذا ما حدا بيوسف خليف في مؤلفه (دراسات في الشعر الجاهلي) إلى الوقوف على هذه الحقيقة، لأن "الباحثين مختلفون حول طبيعة هذه التجارب والمحاولات التي بدأ بها الشعر العربي قبل حرب البسوس. وبين أيدينا نظريتان أساسيتان: نظرية قديمة ذهب إليها العلماء العرب منذ عصر التدوين، ونظرية حديثة يذهب إليها بعض المستشرقين، ويتابعهم فيها بعض الباحثين المحدثين"(21)، و..؟.. أن النظرية القديمة تذهب إلى أن أول نشأة الشعر العربي كانت عبارة عن مقطوعات قصيرة أو أبيات قليلة العدد، يرتجلها الشاعر في مناسبات طارئة ليعبر بها عن انطباعات سريعة مؤقتة، ثم أخذ الشعراء يطيلون في مقطوعاتهم، ويزيدون من عدد أبياتهم، خاضعين في ذلك لسُنّة التطور الحتمية وقانون النشوء والارتقاء الطبيعي، حتى تكاملت لهم القصيدة العربية الطويلة في صورتها المعروفة على يد المهلهل في أيام حرب البسوس.

فالمهلهل أخو كليب أول من قصد القصائد الطوال وضمنها الغزل، وذاك ما تذهب إليه بعض الروايات في المصادر القديمة مثل الأغاني، كما تؤكد بعض الروايات في المصدر نفسه أن أول شاعر هو امرؤ القيس، وهو المتأخر زماناً بقليل عن زمن المهلهل، وهذا ما حدا بالمستشرق مرجوليوت إلى القول بأن "الدعوة الخاصة بالمهلهل إنما تستند إلى اسمه، فمعناه: "صانع النسيج الرقيق" والمراد هنا "النسيج الشعري"، بينما تفسير الاسم بمعنى "الصانع" أدى إلى هذه الفكرة العجيبة وهي أنه كان أول شاعر انحرف عن جادة الصدق"(22)، وهي تخمينات وتأويلات لا ترقى إلى مصاف الحجج العلمية الدامغة التي تستند إلى براهين مادية ذات طابع علمي.

فإذا كان البحث في أولية الشعر الجاهلي ينسب للمهلهل أم لامرئ القيس- وهما المتأخران زمنياً- أمراً يجد فيه الباحث صعوبة، فما بالنا بالرأي الذي يذهب إلى أن أولية الشعر العربي تعود إلى آدم أو إسماعيل عليهما السلام أو عاد وثمود، علماً أننا لا نقيم في النسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعراً، فكيف بعاد وثمود؟… ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، فكيف على عهد عاد وثمود.(23)

إن مسألة اللسان الذي كتب به الشعر الجاهلي الأول جعلت القراءة الحديثة تثير قضية تطور اللغة العربية في حد ذاتها والمراحل التي مرت بها حتى وصلت إلينا كما هو الحال عليه في النص الشعري الجاهلي، مستوية موحدة في لغة قريش، لأن "لغة الشعر الجاهلي وهي التي يقال لها اللغة العربية الفصحى-والتي نزل بها القرآن الكريم- هي فرع من مجموعة من اللغات عرفت عند المستشرقين باسم "اللغات السامية"؛ وقد انكبت على دراستها منذ قرنين من الزمان على الأقل مجموعة كبيرة من علماء الغرب يبحثون أصولها وقواعدها وعلاقاتها بعضها ببعض معتمدين في دراساتهم على ما اكتشف من نقوش وكتابات ومخربشات لهذه اللغات في الجزيرة العربية وجنوبي العراق وفي الشام وسيناء"(24). إن هذه اللغات السامية التي تتألف من قسمين: لغات سامية شمالية تمركزت في العراق مثل البابلية والآشورية والكلدانية، وأخرى تمركزت في الشام مثل الكنعانية والفينقية والآرامية والعبرية والأوجاريتية والسريالية والنبطية وغيرها، وثانية سامية جنوبية من اللهجات العربية المختلفة: ويقصد بها: عربية قريش واللهجات الصفوية والثمودية واللحيانية، وهي لهجات عربية شمالية، وجنوبية مثل المعينية والسبئية والقتبانية والأوسانية والحضرمية والحميرية(25). فمسألة أولية الشعر العربي تفضي إلى طرح السؤال طرحاً حاداً: بأي لغة كتب أول نص شعري جاهلي؟، وكيف استوى عبر المراحل حتى وصل إلى لغة قريش فوصلنا بها في المقطوعات والقصائد التي حوتها مدونات الشعر العربي القديم؟.

إن الخوض في مسألة اللغات السامية بين شمالية وجنوبية، والتطورات التي لحقت بنظام اللسان حتى استوى على تكوينه الأخير من اسم وفعل وحرف وأيهما الأول الفعل أم الحرف أم الاسم، ومسألة النطق والكتابة وتطور الكتابة العربية حتى مراحل نضجها الأخير مسائل في غاية الصعوبة والتعقيد والفصل فيها يحتاج إلى دراسة معمقة لا يسمح بها المقام ها هنا بالإضافة إلى أسانيد علمية قوية موثقة.

وهذا ما يصعب على أي قراءة الفصل فيه، مما يبرهن على أن الفصل في أولية الشعر العربي مسألة محفوفة بالمخاطر والقول في أن أول شاعر عربي كان نبياً-كما ذهب إلى ذلك البهبيتي- أو عاد وثمود مسألة تحتاج إلى تدقيق نظر و"أن الجهود التي بذلت عن أولية الشعر العربي لم تتعد نتائجها مرحلة الفروض التي لم يثبت منها فرض بصورة علمية حتى الآن"(26)، وهذا ما يؤكده بروكلمان إذ قال:(27) "لا تستطيع رواية مأثورة أن تقدم لنا خبراً صحيحاً عن أولية الشعر-عند العرب- وإذاً لا يسعنا أن نستخلص من الدراسات المشابهة عند شعوب بدائية أخرى نتائج معينة يمكن تطبيقها أيضاً على العرب"، فالبحث العلمي اليوم بوسائله المتميزة من حفريات واجتماعيات وعلم مقارنة اللغات السامية يمكن له أن ينير طريق البحث في أولية الشعر العربي إذا توفرت له الوسائل الكفيلة بذلك، وإلا بقى البحث في هذه المسألة ضرباً من الافتراضات التي لا تستند إلى سند مادي عتيد.

إن التأريخ لأولية الشعر العربي بعصر المهلهل وامرئ القيس، أي بخمسين ومئة عام أو مئتي عام قبل ظهور الإسلام-كما ذهب إلى ذلك الجاحظ- مذهب لم تستغه القراءة الحديثة معتمدة في ذلك على أن الشعر العربي الذي استوى على هذه الدرجة الفنية الراقية والصنعة المتميزة والموسيقى المبدعة يبرهن على أن هناك مراحل متقدمة تعد بالقرون كانت فترة اختمار وتبلور واستواء قبل أن ينضج بهذا الشكل المتميز عند أقدم شاعرين وصل إلينا شعرهما كالمهلهل وامرئ القيس.

تؤكد القراءة الحديثة في مسألة أولية الشعر العربي أن اللغات السامية ترجع في كتاباتها إلى نوعين من الخطوط، الخط المسند، وهو الخط الذي دونت به اللهجات العربية الجنوبية، ثم الخط المشتق من الخط الآرامي المتأخر وخط النبط وبه كتبت اللغات السامية، والخط المسند أقدم عهداً من الخط المشتق وهو خط العرب الأول، وهناك خط ثان مأخوذ من الخط النبطي والذي يعرف عند المستشرقين بالخط العربي الشمالي، فهو الذي شاع بين ذلك وخاصة على أيدي اليهود والنصارى الذين كانوا يكتبون به حتى كاد يهيمن على الخط المسند، وكان خط العرب عند ظهور الإسلام (28).

أما بأية لغة كتبت النصوص الأولى من الشعر العربي فتلك مسألة وقفت أمامها القراءة الحديثة وقفة حذر نظرا لقلة الأدلة المادية التي تسند عليها فرضياتها مادام (أن كل النصوص التي وصلتنا كانت لهجات عربية أخرى، منها ما هو بعيد عن العربية الفصحى، ومنها ما هو قريب منها وخاصة نقش النمارة النبطي) (29). فالعربية التي وصلنا بها الشعر الجاهلي هي لغة قريش وبها نزل القرآن الكريم، مما جعل القراءة الحديثة تحاول الوقوف عند التعليل الذي يمكن أن تنتهجه لمعرفة كيفية توحد اللهجات العربية تحت راية قريش واتخاذها لغة رسمية، خاصة، وأن اللهجة (تشتمل على ألفاظ وعناصر بعضها قديم جداً يعود عهدها إلى أقدم اللهجات السامية، وبعضها يمثل التطور الذي مرّ على اللهجات في جزيرة العرب في بادية الشام وأطراف العراق، هذا المتأخر ما يشير إلى ابتعاد معناه عن معنى الكلمة الأم، ووروده في معان جديدة تولدت من ذلك التطور)(30).

ولما كان النظر إلى هذه المسألة صعباً بسطت القراءة الحديثة أطروحات وفرضيات حاول فيها الباحثون من أمثال علي جواد في المفصل وشوقي ضيف في العصر الجاهلي، ومن قبلهم المستشرقون نولدكة وجويدي وفيشر وبلاشير تتبع المسألة والميل إلى (الرأي الذي يقول: إن القبائل العربية الشمالية اصطلحت فيما بينها على لهجة أدبية فصحى كان الشعراء على اختلاف قبائلهم وتباعدهم وتقاربها ينظمون فيها شعرهم، فالشاعر حين ينظم شعره يرتفع عن لهجة قبيلته المحلية إلى هذه اللهجة الأدبية العامة، ومن ثم اختفت جملة الخصائص التي تميزت بها كل قبيلة في لهجتها، فلم تتضح في شعر شعرائهم إلا قليلاً جداً" (31)، واختلف هؤلاء الباحثون في أي لهجة وقع عليها الاتفاق لجعلها اللغة الأدبية ذات الطابع الفصيح، وهل كان هذا الاتفاق بدافع العامل السياسي أو الثقافي، باعتبار أن الجزيرة العربية شهدت تحولات عديدة كبرى مروراً ببروز قبائل في نظم الشعر على قبائل أخرى،مما أهل لغتها لأن تكون لغة أدبية وذلك ما يذهب إليه المستشرق نالينو حيث (جمع اللغويون والنحاة منها مادتهم اللغوية، وهي قبائل معد التي وحد ملوك كندة كلمتها تحت حكمهم قبل منتصف القرن الخامس الميلادي، وفي رأيه أنها تولدت من إحدى اللهجات النجدية وتهذبت في زمن مملكة كندة، وصارت لغة أدبية بين العرب)(32)، أما بروكلمان فكان يرى أن (الفصحى كانت لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعاً)(33). وكلها قراءات تقوم على فرضيات تحاول من خلالها التأسيس لتأويلات مختلفة.

هذه الفرضيات والقراءات هي التي حاول حنفي حسنين أن يتتبعها، وهي التي جعلته ينتهي إلى (أنها جميعاً تمثل فروضاً علمية لم يثبتها أي باحث منهم، وإنما هي حدس يختلفون فيه، وبه كثير من التعميم) (34). مما جعله يؤكد أن عوامل دينية وسياسية واقتصادية، ساعدت لهجة قريش على السيادة خلال القرن السادس الميلادي فأصبحت لغة الشعر، وأن قبيلة (قريش استطاعت أن تدمغ هذه اللغة الأدبية الموحدة بطابعها الخاص، وبلهجتها المستقلة، نتيجة لمركز القوة الديني والاقتصادي الذي كانت تحتله خلال القرن السادس الميلادي، وقبيل ظهور الإسلام، حتى إذا نزل القرآن الكريم وجد البيئة اللغوية التي تفهمه دون عناء على الرغم من اختلاف اللهجات، فقبله كان الشعر الجاهلي، يجوب آفاق الجزيرة يحمل مشعل اللهجة الواحدة، فيجد الآذان العربية كلها تطرب له وتتحمس لاستقباله) (35). وبذلك ندرك أن الشعر الذي سبق توحيد اللهجة لم تحفظه العرب، ولم تروه لأنه قيل بلهجات متفرقة استعصى على العرب الحفاظ عليها وعلى شعرها، ولو بحث الدارسون في التراث الشعبي كالأغاني والأناشيد والأهازيج لوجدوا بواكير الشعر العربي في هذه الألوان من الأشعار نظراً للارتباط العميق بالنفس في المرحلة الأولى لتبلور الحس الشعري لدى العربي، هذا الحس الذي ولد مقاطع الغناء والأناشيد والأهازيج الحماسية نظراً لارتباطها بحياته الوجدانية والمعاشية والسياسية وكان الرجز السيد الغالب على هذه المقاطع الغنائية لبساطة موسيقاه وقربها من النثرية المسجوعة ذات الإيقاع المؤثر كالمقطوعة التي أنشدتها هند بنت عتبة ونسوة من قريش في غزوة أحد لتحميس فرسان قريش من المشركين لمجابهة جيش المسلمين، والتي يروى أنها من إنشاد أعرابيات في يوم قار لتحميس الفرسان المقاتلين:

إن تُقبلُوا نُعانق

*** ونفرش النّمارق

أو تُدبرُوا نُفارق

*** فراق غير وامق (36).

وبذلك تحاول هذه الأطروحات أن تذهب إلى أنه في مثل هذه المقطوعة الشعرية تبلورت بواكير الشعر العربي سواء أكان في لهجاته المحلية أم في اللغة الأدبية قبل أن يخطو إلى مرحلة القصيدة ذات المواضيع المتميزة والأخيلة الراقية والموسيقى المتعددة في بحورها المعروفة.

ولئن حاولت القراءة التاريخية أن تفصل في إشكالية أوّلية الشعر الجاهلي، بتبنيها الأطروحات التي فصلنا فيها سلفاً، فإننا ندرك أن المسألة شائكة لا يمكن الفصل فيها بقول: وإنما تبقى المسألة خاضعة للتخمينات والفرضيات التي لا تستند إلى السند العلمي القائم، لأن الإشكالية موغلة في القدم وفرضياتها مبنية على الاحتمال الذي لا يرقى إلى القول الفصل، على الرغم من أن القراءة التاريخية حاولت بكل ما أوتيت أن تبحث في الإشكالية، ويبقى جهدها جهداً يستحق التقدير، كما يعتبر جهداً علمياً أغنى المكتبة العلمية وزودها برؤى لم يكن لها أن تصل إليها لو لم يبذل روادها جهداً من أجل التأسيس لمقاربة إشكالية أولية الشعر الجاهلي، كما لم تقف القراءة للشعر الجاهلي عند هذه الإشكالية بل تعدتها لتبحث في إشكاليات اتصلت مباشرة بما وصل إلينا من نصوص هذا الشعر، فعملت من أجل دراسة وتمحيص مسألة مصادر هذا الشعر وبخاصة ما وصل إلينا عن طريق الرواة.

الإحالات:

(1) الحيوان الجاحظ: تح: عبد السلام هارون دار إحياء العلوم لبنان 1996 1/59.

(2) طبقات فحول الشعراء ابن سلام: تح: محمود محمد شاكر مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر مصر. ص: 3.

(3) تاريخ الآداب العربية كارلو نالينو: دار المعارف مصر ط:2 1970 ص 68.

(4) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث: ضمن كتاب: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر عبد الرحمن بدوي دار العلم للملايين لبنان ط1/ 1979 ص: 93 – (ويقصد بالأثريين المسلمين: رواة الشعر العربي القديم- هيئة التحرير)

(5) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث: ضمن كتاب: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر عبد الرحمن بدوي دار العلم للملايين لبنان ط1/ 1979 ص: 90 91.

(6) الشعرالعربي في محيطه التاريخي القديم نجيب محمد البهبيتي: دار الثقافة للنشر والتوزيع المغرب ط1/ 1987 ص: 71.

(7) الشعرالعربي في محيطه التاريخي القديم نجيب محمد البهبيتي: ص: 71.

(8) المرجع السابق: ص 72.

(9) العقد الفريد ابن عبد ربه: تح: أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأنباري دار الكتاب لبنان لبنان 5/271.

(10) الشعرالعربي في محيطه التاريخي القديم نجيب محمد البهبيتي: ص:75.

(11) المرجع السابق: ص 79.

(12) تاريخ الأدب العربي كارل بروكلمان: تر: عبد الحليم النجار دار المعارف مصر ط/2 1/44.

(13) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي: دار العلم للملايين لبنان مكتبة النهضة العراق ط2/ 1978 9/410.

(14) المرجع السابق: ص 412.

(15) ينظر المرجع السابق: ص9/412.

(16) تاريخ الأدب العربي كارل بروكلمان: تر عبد الحليم النجار 1/44 45.

(17) المرجع السابق: ص9/414.

(18) نفسه: 1/45.

(19) المرجع السابق: ص 1/46.

(20) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث من كتاب: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر: عبد الرحمن بدوي ص: 90-91.

(21) دراسات في الشعر الجاهلي يوسف خليف: مكتبة غريب مصر د.ت د.ط ص: 41.

(22) نشأة الشعر العربي ديفيد صمويل مرجوليوث دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي: تر: عبد الرحمن بدوي ص: 95.

(23) ابن سلام: طبقات فحول الشعراء ص: 11.

(24) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص: 8.

(25) ينظر المرجع السابق: ص 9 10.

(26) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص: 7.

(27) بروكلمان: تاريخ الأدب العربي 1/44.

(28) ينظر: سيد حنفي حسنين: الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) ص: 11.

(29) المرجع السابق: ص: 19.

(30) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص: (20).

(31) المرجع السابق: ص: 20.

(32) الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية (دراسة نصية) سيد حنفي حسنين: ص:21.

(33) المرجع السابق: ص:21.

(34) نفسه ص: 21.

(35) نفسه ص: 23.

(36) التاريخ الطبري: دار المعارف مصر 2/ 208.

* – كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة سيدي بلعباس- الجزائر

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 81-82

170 Views

عن

إلى الأعلى