الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » التحامق في الشعر المملوكي الدكتور محمد عبد القادر شقر

التحامق في الشعر المملوكي الدكتور محمد عبد القادر شقر


التّحامُق في الشعر المملوكي – الدكتور محمد عبد القادر شقر

ملخص البحث

يتناول هذا البحث ظاهرة شعرية برزت بوضوح في العصر المملوكي (648-923ه) هي التحامق. والتحامق سلوك إرادي يلجأ إليه الشاعر للتعبير عن همومه ومشكلاته بأسلوب مضحك، يسخر فيه من نفسه، وينزلها أسوأ منزلة، ليضحك الآخرين عليه، فيكسب من وراء ذلك مالاً وشهرة ومكانة.

وقد تناول الشعراء المتحامقون قضايا كثيرة في أشعارهم؛ كالحديث عن فقرهم وسوء أحوالهم وما يعانونه من إهمال وتدني منزلة في المجتمع، كما انتقدوا مجتمعهم وأهله انتقاداً ساخراً، وكشفوا كثيراً من مفاسده وخباياه، مما يضيف إلى ما كتبه المؤرخون عن العصر المملوكي إضافات مهمة، وهذا ما جعل شعر التحامق وثيقة اجتماعية ونفسية بالغة الأهمية.

ومما يزيد هذا البحث أهمية أن نماذجه محصورة في الشعر الفصيح فقط، وفي شعراء معروفين، حظهم من الشهرة آنذاك كبير.

وقد تناولت في هذا البحث أسباب بروز التحامق في الشعر العربي، من خلال مقدمة سريعة تكلمت فيها على نشأته وأشهر أعلامه في العصر العباسي، ثم أسهبت القول في أسباب بروزه في العصر المملوكي، وذكرت أهم الأهداف التي سعى الشعراء المتحامقون للوصول إليها، كما تحدثت عن موضوعات هذا الشعر وأهم سماته الفنية، وختمت البحث بالكلام على أهم النتائج التي توصلت إليها.

وصيّر لي حُمقي بغالاً وغلمةً *** وكنتُ زمان العقل ممتطياً رجلي(1)

بهذا البيت الصريح العميق الدلالة يوضح (أبو العجل)- وهو شاعر مغمور عاش في بغداد في القرن الثالث الهجري- أسباب انصرافه عن العقل إلى الحماقة، في زمان حصل فيه اختلال في القيم والمفاهيم، ولم يعد عقله قادراً على أن يوصله إلى ما يريد من مال وجاه، فلجأ إلى الحماقة والاستخفاف بالعقل ليحصل على كل ما يريد، فامتلك المال، وبه امتلك الغلمان لخدمته، والبغال لمركوبه، بعد أن كان لا يملك شيئاً يركبه سوى رجله! فأي حق رُفع وأي باطل وُضع! ولماذا استخف هذا الشاعر بالعقل، ولجأ إلى الحماقة؟ أهو أحمق، أم أنه عاقل يدعي الحمق؟ ولماذا يدعي الحمق؟ أهنالك أسباب موجبة لهذا الادعاء، أم أنه انحراف في السلوك؟ وهل هذا السلوك يخصه وحده من بين الخلق، أم أنه ظاهرة واضحة بحاجة إلى دراسة وتحليل وتفسير؟ وهل هذا السلوك يخص عصراً ومكاناً محددين، أم أنه موجود في كل عصر ومصر؟

وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من تعريف التحامق وتحديد معناه. التحامق لغة مأخوذ من "الحُمق والحُمُق: أي قلة العقل.. وانحمق واستحمق الرجلُ إذا فعل فعل الحمقى.. وتحامق فلانٌ إذا تكلف الحماقة.."(2). وهذا يعني أن الحمق خُلُقٌ طُبع عليه بعض الناس، وهو غير التحامق، لأن المتحامق إنسان سوي العقل، وإنما يدعي الحماقة، وليست فيه، كأبي العجل الذي لم يكن أحمق، بل كان يتحامق ليكسب ما يريد.

ولم يكن هذا التحامق وليد عصر وزمن محددين، بل إنه وجد منذ وجد الظلم والاضطهاد، ومنذ أن وجد غني وفقير. وهذا السلوك لم يكن من مبتدعات الشاعر أبي العجل، بل سبقه إليه بعض الشعراء، وخلفه فيه آخرون، عرب وأعاجم؛ فممن سبقه إليه من الشعراء أبو دلامة (زند بن الجون 161ه) وأبو الشّمقمق (مروان بن محمد 200ه)، وهما من الموالي الفرس، وممن خلفه فيه أبو العبر (محمد بن أحمد 250ه) وهو عربي عباسي ينتهي نسبه إلى العباس بن عبد المطلب، عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان شاعراً مطبوعاً صالح الشعر، وله شعر يغنّى به، حتى إن أبا الفرج الأصفهاني أورد بعضاً منه في كتاب الأغاني(3)، ووصف أبا العبر فيه بأنه أديب فاضل، لكنه اضطر إلى التحامق بعد أن ".. رأى الحماقة أنفق وأنفع له.."(4). وقد عاد هذا التحامق عليه بالنفع الكبير؛ إذ "كسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان في عصره بالجد، ونفق نفاقاً عظيماً، وكسب في أيام المتوكل مالاً جليلاً"(5). وفي القرن الرابع الهجري برز هذا السلوك بوضوح أكبر عند شاعرين مشهورين أدارا معظم أشعارهما في العبث والمجون والتحامق، هما ابن حجّاج (حسين بن أحمد 391ه) وهو شاعر من الموالي الفرس، وابن سُكّرة الهاشمي العربي (محمد بن عبد الله 385ه). وكان لنشاط الكُدية (التسول بأسلوب لا يخلو من الحيلة) في القرن الرابع الهجري وما بعده أثر كبير في تطور التحامق، فقد ذكر الهمذاني (398ه) أسماء عدد من هؤلاء الشعراء والمُكدين، وذكر أطرافاً من أساليبهم في الاحتيال، وساق بعضاً من أشعارهم التي تصور ذلك، ولا سيما أشعار الأحنف العُكبري (358ه). ولعل شخصية أبي الفتح الإسكندري- بطل مقامات الهمذاني- نموذج لهؤلاء المكدين. وقد جاء على لسانه شعر يصف التحامق ويحتج له، من مثل قوله في آخر المقامة الساسانية(6):

هذا الزمانُ مشُومُ *** كما تراه غشومُ

الحُمقُ فيه مليحٌ *** والعقلُ عيبٌ ولُومُ

والمالُ طيفٌ ولكن *** حول اللئام يحومُ

فالتحامق إذا سلوكٌ مقصود، بدافع التكسب، بعد أن أدرك الشاعر أن العقل صار غُلاً في رقبة صاحبه، وأن الحمق سيفتح له أبواب الرزق التي سُدّت في وجهه وفي وجوه العقلاء والفضلاء، فسلك هذا المسلك، مضحياً بكرامته وعفته، مضحكاً الناس عليه، مُنزلاً نفسه أسوأ منزلة.

وفي العصر المملوكي (648-923ه) زادت حدة التحامق، فبعد أن كان شعراء التحامق الذين أشرنا إليهم في العصر العباسي من الشعراء الصغار، أو ممن لم يصيبوا شهرة كبيرة صار كثير من الشعراء المتحامقين في العصر المملوكي من كبار شعراء عصرهم، بشهادة كل من ترجم لهم أو تحدث عن أشعارهم، مما يعني أهمية هذا اللون من النظم ورواجه في العصر المملوكي حتى صار ظاهرة تستدعي الدرس والتفسير. فما الأسباب التي هيأت لذلك؟ من الصعب أن نرجع هذه الظاهرة إلى سبب واحد، بل لا بد من اجتماع عدد من الأسباب لتفسيرها. ويمكن الإشارة إلى أهمها، وهي:

1-كثرة الحروب الخارجية (ضد الروم والصليبيين والمغول) والفتن الداخلية (ثورات الخارجين على سلطة الخلافة، والطامعين فيها من الأمراء والنواب وغيرهم، وثورات الأعراب..)، وما نتج عن ذلك من اختلال الأمن، وانعدام الاستقرار، وانتشار الفقر، والخوف من الحاضر والمستقبل معاً، فاتجه الناس وجهات مختلفة؛ فمنهم من تزهد وتصوف، ومنهم من تماجن وتحامق، ومنهم من امتهن اللصوصية والسرقة والاحتيال وقطع الطريق على الناس، ومنهم من اعتزل الدنيا والناس، ومنهم من هجر الأوطان..

2-فساد السياسة والإدارة، وتدني مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وكثرة ما أصاب البلاد من كوارث طبيعية وأوبئة، فقد تسلط المماليك على الحكم، وباتوا هم المتصرفين في مختلف أموره. ومن المعلوم أن المماليك- ومعظمهم من الأتراك- لم تكن لديهم خبرة كافية في شؤون الحكم والإدارة، بل كانت لهم دراية تامة في شؤون الحرب. ومما زاد الطين بلة تولي كثير منهم السلطة، وهم ضعاف صغار السن، حتى بلغ عدد السلاطين الصغار في العصر المملوكي "سبعة عشر طفلاً، منهم ستة أطفال تتراوح أعمارهم بين الثانية والعاشرة من العمر، وأحد عشر طفلاً بين العاشرة والسادسة عشرة، وامتدت سنوات حكمهم جميعاً قرابة نصف قرن"(7). فكيف سيدبر هؤلاء الصغار شؤون البلاد وهم عاجزون عن تدبير شؤونهم هم؟ حتى إن بعضهم لم يكن قادراً على التحكم في أمر طعامه، كالسلطان الناصر محمد بن قلاوُون أعظم سلاطين المماليك؛ إذ منع عنه أمراؤه- عندما كان صغيراً- بعض الأطعمة سنة 698ه(8). لذا كان من الطبيعي أن يتحكم فيهم الأمراء والقواد والنواب والنساء، ويسيروهم كما يشاؤون. كما أن كثيراً من الحكام وصل إلى الحكم عن طريق الاغتيالات والدسائس والمؤامرات، فتحولت عصورهم إلى ظلمة ودم وقمع.

ولم يكن وزراء أولئك الحكام وأمراؤهم وولاتهم أحسن حالاً منهم، بل كانوا امتداداً لهم، ينهبون ويسلبون، متخذين من مناصبهم ستاراً يحتمون به. وكثير من هؤلاء لم يكن لهم خبرة كافية في الإدارة والسياسة، بل إن كثيراً منهم كان أمياً، ومنهم من انتقل إلى منصبه من حرفته؛ فكثر الوزراء والولاة ممن كانوا يعملون طباخين ونجارين ولحامين وفلاحين ومهرجين وقوادين وحلاقين وحلوانية(9). وقد توصل هؤلاء إلى مناصبهم عن طريق الرشوة والمال والقتل والدسائس. ولما كان بقاؤهم في مناصبهم مرهوناً بما يدفعونه للسلطان وغيره من مال، وما يقدمونه له من ولاء غير مشروع كان لا بد لهم من أن يظلموا الناس ليستخرجوا منهم المال الذي سيعينهم في أمورهم تلك، ولو كان ذلك على حساب العدل والدين والأخلاق.

وكان الشعراء ضمير الأمة الحي، يستشعرون المصيبة قبل وقوعها، ويبصرون مواطن النقص والخطر والشر، وينبهون عليها، منتقدين ساخرين(10). وقد سخر الشعراء والعامة من هؤلاء الفاسدين، وأطلقوا عليهم ألقاباً طريفة، تفصح عن ضيق الناس بهم؛ فقد أطلقوا لقب (الفول المقشّر) على الأمير (قطلُوبُغا الفخري) مُقدّم الجيوش الشامية، ولقب (فأر السُّقوف) على محتسب مصر الشريف ناصر الدين، لأنه كان يسترق السمع في الأسواق، ويلاحق الباعة ظلماً، ولقب (حمّص أخضر) على نائب الشام (طشتمُر البدري)، يشيرون بذلك إلى ما كانت عليه نفسه من تقلُّب وتلوُّن. ومن المعلوم أن الحمص الأخضر له قلبان!(11)

لذا كان الناس يظهرون فرحتهم وشماتتهم بعزل هؤلاء الظالمين أو معاقبتهم، كما حدث للأمير علم الدين سنجر الشُّجاعيّ (693ه) وزير الناصر محمد بن قلاوون؛ فقد كان هذا الوزير سيّئ السيرة، كثير الظلم، طموحاً "حدثته نفسه بما فوق الوزارة، فكان في ذلك حتفه وقتله"(12). وقد فرح الناس بذلك؛ إذ حُمل رأسه وطيف به على أبواب الناس ولا سيما الأقباط، فتسابقوا في لطمه باليد والحذاء، حتى "بلغت اللطمةُ على وجهه بالمداس نصفاً، والبولةُ عليه درهماً"(13). وقيل في الشماتة به شعر كثير(14).

وكان الناس يرجون خيراً في القادم الجديد من هؤلاء الحكام، فلعله يكون أفضل من القديم الراحل، لكن آمالهم سرعان ما تذهب أدراج الرياح، وإذا الظالم هو الظالم، ودولة الظلم هي دولة الظلم، كما يقول أبو شامة المقدسي (665ه)(15):

كلما قلتُ دولةُ الحاكم الجا *** بر زالت قامت علينا أُخرى

وقد تضرر الفلاحون كثيراً من سوء إدارة البلاد، ومن كثرة الكوارث الطبيعية- من فيضانات وزلازل وقلة أمطار..- وما نتج عنها من أوبئة وغلاء ومجاعات، فهجروا الريف إلى المدن، لعلهم يجدون ما يسد الرمق، فأهملت الأرض، وقلّت الأيدي العاملة في الريف، وزاد عدد العاطلين عن العمل في المدن، فكثر التسول والتشرد واللصوصية. وهجر آخرون البلاد إلى غيرها لشدة فقرهم، وللبحث عن مصدر جديد للرزق. وقد وصف هذا الوضع أبو الطيب السّبتي، وهو أديب فاضل، ترك القاهرة بعد الغلاء الشديد الذي حل بها عام 695ه قائلاً: "لو وجدتُ بالقاهرة رغيفين ما خرجت منها"(16)، في حين تحول كثير من هؤلاء المشردين والفلاحين إلى السرقة وقطع الطريق، مما دعا الحكومة "إلى المناداة بين حين وآخر بخروج أهل الريف من القاهرة، وعودتهم إلى بلادهم. ولكن لم يُعمل بمثل هذه الأوامر"(17). وفي هذه المجاعات أكل الناس كل شيء، مما يؤكل ومما لا يؤكل؛ فأكلوا الميتة والكلاب والقطط، بل إن بعضهم أكل بعضاً!!(18) مما جعل عدد سكان مصر في العصر المملوكي في تناقص مستمر، ".. من ثمانية ملايين إلى قرابة ثلاثة ملايين"(19) في نهاية حكم المماليك.

وانتشر الفساد في مختلف إدارات البلاد، وكثرت الرُّشا، وصار كثير من الوظائف الكبيرة والصغيرة مرهوناً بما يدفعه المرء من رُشاً في سبيلها؛ ففي سنة 746ه "اشتهر أخذ البراطيل للسلطان، فقصده كل أحد لطلب الإقطاعات والرزق والرواتب"(20). وقد وقفت الدولة موقفاً غريباً من هذه الرشا، فلم تمنعها، بل عملت على تنظيمها، فأحدثت ديواناً لها سمته "ديوان البذل أي ديوان البراطيل"(21)، مهمته تنظيم الرشوة وتوصيلها إلى أصحابها؛ إذ يأتي الطامع في المنصب إلى هذا الديوان، ويعرض مسألته، وينتظر ليعلم مبلغ المال الذي يجب أن يدفعه لقاء ذلك المنصب.

وامتد سيل الرشا حتى وصل القضاء، وكثر تعيين القضاة عن طريقها، وتسابق بعض القضاة في دفع الرشا؛ ففي سنة 911ه تولى القاضي جمال الدين القلقشندي قضاء الشافعية بمصر "وكان قد سعى فيها بثلاثة آلاف دينار، ثم سعى عليه ابن النقيب بخمسة آلاف دينار!"(22). وقد تحدث قاض شاعر هو ابن الوردي (عمر بن مظفّر 749ه) عن فساد القضاء في زمانه من خلال عدد من القضاة، سمى أحدهم، وأسهب في الحديث عنه- في مقامة طويلة- وعن وسائله غير المشروعة في الوصول إلى منصبه، وفي ظلمه للناس(23). وهذا يعني أن على صاحب المنصب أن يجمع ما يستطيع من مال ليسترد ما كان قد دفعه من رشوة لتولي ذلك المنصب، أو ليضمن بقاءه فيه، لأن الطامعين كثيرون، وقد يأتي من يدفع أكثر منه فيأخذ منه منصبه(24). ومن ها هنا كثر تغيير الولاة والقضاة والحكام والوزراء كثرة لافتة للنظر، وبعضهم لم يُمض إلا شهراً في ولايته أو يوماً واحداً(25)، مما أدى إلى انتشار الظلم وضياع الحق والعدل. صحيح أن عدداً من القضاة ظل متمسكاً بدينه وأخلاقه، فلم يسع خلف القضاء لفساد الحكام، وخشيته من ألا يقيم حدود الله، ففضل لزوم بيته على أن يخسر دينه، لكن هؤلاء كانوا قلة، ولقوا من بعض الحكام الفاسدين أسوأ معاملة؛ فقد "ضُرب جماعةٌ من السّلف على أن يلُوا القضاء، فأبوا، وسُمّر بابُ عليّ بن خيران مدة. وما ذاك إلا لأنهم يخشون ألا يقيموا فيه الحق لفساد الزمان"(26)، ومنهم من أودع السجن لجهره بكلمة الحق أمام بعض الحكام الفاسدين(27).

ومما زاد الأمور سوءاً تقاعس كثير من الحكام عن معالجة ما يصيب البلاد من كوارث وأوبئة وغلاء، فلم يفكروا كثيراً في إيجاد طرائق نافعة تحد من جبروت الطبيعة، وتقف عائقاً أمام النكسات الاقتصادية المتتالية، بل انحصرت أفعالهم في دعوة الناس إلى التضرع لله كي يرفع عنهم ما أصابهم، أو في توزيع بعضهم على الوزراء والأمراء لإطعامهم، أو في تحميل أهل الذمة ما أصاب المسلمين من مصائب بسبب فساد أهل الذمة وشربهم للخمور.. بل إن كثيراً من الرؤساء والحكام كانوا يهربون من البلاد إلى الأرياف البعيدة منتظرين جلاء الغمة، فيفسحون المجال بذلك للعامة واللصوص لإحداث الشغب والفوضى والسرقة، فإذا هدأت الأمور "رجع أكثر الرؤساء إلى

القاهرة"(28)، وكأنهم غير معنيين بما يجري للناس.

3-تدني منزلة الشعر والشعراء: فقد ابتعد كثير من الحكام المماليك عن الشعراء لانشغالهم بأمور الدفاع عن البلاد ضد الصليبيين والمغول، أو لانصرافهم إلى القضاء على الفتن السياسية التي كانت تحدث في قصورهم، وهي فتن كان يقودها أمراء ووزراء طامعون في الحكم، ضربوا صفحاً عن مصالح البلاد والعباد، منصرفين إلى الدسائس والمؤامرات، أو لعُجمة كثير من الحكام المماليك، ولا سيما الذين جُلبوا إلى السلطنة كباراً كالسلطان قلاوُون مثلاً، فقد كان "قليل الكلام بالعربي"(29)، وكان الأمير قجماس- وهو أمير مئة، ومُقدّم ألف بالديار المصرية- "لا يُحسن يتلفظ بالشهادتين، فكان مباشرو إقطاعه يدخلون إليه مع أرباب وظائفه فيجدون الفقيه يعلمه الشهادة وقراءة الفاتحة، وهو كالتيس بين يدي الفقيه"(30). وقد وجد أمثال قلاوون اللغة العربية صعبة عليهم، فأقبلوا على الشعراء العاميين، لقرب لغتهم من أفهامهم. ومن هؤلاء السلاطين من كان يأنف الاجتماع بالشعراء، كالظاهر بيبرس مثلاً؛ إذ رفض أن يجتمع بالشاعر البُوصيريّ (محمد بن سعيد 695ه) قائلاً: "لو كنت أجتمع بشاعر لاجتمعت به"(31)، على الرغم من شهرة البوصيري، ومن امتداحه لبيبرس نفسه بقصيدة طويلة ذكر فيها ورعه وحرصه على الدين من خلال تعقبه لشاربي الخمر.

وهنالك خبر مهم يدل على تدني منزلة الشعر والشعراء في العصر المملوكي تدنياً خطيراً؛ إذ كان الشعراء يأخذون أعطياتهم من مال الصدقات، وكأن الشعر وجهٌ من وجوه البرّ، وكأن الشاعر متسول أو ممّن يستحق الصدقة! وقد أُوكل قاضي مصر بذلك، فكان يوقف الصدقات أو يرسلها على هواه؛ فقد أمر بقطع أرزاق الشعراء في إحدى السنوات، واستثنى من بينهم الشاعر أبا الحسين الجزار (679ه)، فما كان من الشاعر ابن تُولُوا المصري (685ه) إلا أن هجاه وهجا أبا الحسين الجزار، جاعلاً من القاضي تيساً. ومن المعلوم أن التيس يخاف الجزار(32):

تقدّم القاضي لنُوّابه *** بقطع رزق البرّ والفاجر

ووفّر الجزار من بينهم *** فاعجب للُطف التّيس بالجازر

وقد صور الشاعر ابن نُباتة المصري (محمد بن محمد 768ه) حال الشعراء في زمانه من خلال الكلام على معاناته، فهو يسعى بين أبواب الممدوحين، حتى خفّ طحاله لطول السعي، ولكن بلا طائل. فما نفع الغزل والعشق والمديح، والشاعر جائع بلا عمل أو كسب؟(33)

يا سائلي بدمشق عن أحوالي *** قف واستمع عن سيرة البطّال

ودع استماع تغزُّلي وتعشُّقي *** ماذا زمانُ العشق والأغزال

طولُ النهار لباب ذا من باب ذا *** أسعى لعمرُ أبيك سعي ظلال

لا حظٌّ لي في ذاك إلا أنه *** قد خفّ من طول المسير طحالي

ومما ساعد على تدني منزلة الشعر كثرةُ الشعراء، وجريان الشعر على كل لسان، مما قلل عدد الممدوحين من غير الشعراء. فمن سيمدح الشاعر؟ وإنه لأمر مضحك مُبك في آن أن يُثاب الشاعر على مديحه بمديح بدل العطاء، فترد بضاعته إليه، كما حصل للشاعر سراج الدين الورّاق (695ه)(34):

وعوّضني على شعري بشعر *** وجازى بالمُحال على المحال

ولستُ ألومُه فيما أتاه *** لعادته قديماً بالبدال

ومن ها هنا لم يعد الشعر من الأشياء التي يفتخر المرء بها، بعد أن كانت القبائل العربية في الماضي تأتي إلى القبيلة التي نبغ فيها شاعر لتهنئها بشاعرها. وقد عيّر الشاعر مجاهد بن سليمان الخياط (672ه) الشاعر الجزار بالشعر، ونهاه عن الافتخار به، قائلاً له(35):

أبا الحسين تأدّب *** ما الفخرُ بالشعر فخرُ

ومن الطبيعي- والحال هذه- أن يُعرض الناس عن قول الشعر، وأن يوصي المتقدمُ المتأخر، والوالدُ الولد بتركه، لأنه يريق ماء وجه صاحبه على أبواب الممدوحين، ويحط من قدره بلا طائل، فلولا علم الأب (ابن الوردي) لحط الشعر من قدره كما يقول(36):

بُنيّ إياك ونظم الشّعر *** فإنه بالعلماء يُزري

والله لولا شُهرتي وذكري *** بالعلم كان الشعرُ حطّ قدري

ونتيجة لكل ذلك اتجه كثير من الشعراء إلى الحرف اليدوية ليكسبوا منها ما يقيم أودهم، ويصون ماء وجوههم من الذل والهوان، فبرزت طائفة كبيرة من الشعراء عرفوا بأصحاب الحرف، كان منهم الشاعر أبو الحسين (الجزّار)، والشاعر سراج الدين (الورّاق)، والشاعر نصير الدين (الحمّامي)، والشاعر ابن دانيال (الكحّال).. وقد امتدح هؤلاء الشعراء حرفهم كثيراً، وبينوا فضلها عليهم؛ فهي التي صانت وجوههم من التذلل للممدوحين اللئام، وصارت هذه الحرف أفضل عندهم من حرفة الشعر، كما يقول أبو الحسين الجزار ممتدحاً حرفته التي جعلته صاحب فضل على الكلاب. بعد أن كان يتذلل بشعره للممدوحين الذين صاروا في نظره كالكلاب(37):

لا تعبني بصنعة القصّاب *** فهي أذكى من عنبر الآداب

كان فضلي على الكلاب فمُذ صر *** تُ أديباً رجوتُ فضل الكلاب

لكن الفساد الاقتصادي ألحق البوار بكثير من الحرف، فقلّ ما بأيدي الناس من مال، مما أثر سلباً في نشاط تلك الحرف، فهجرها أصحابها، وتحولوا عنها إلى السرقة واللصوصية، ومن كابر منهم وبقي محافظاً على حرفته كان عرضة للفقر الشديد، وللسرقة من الآخرين. وقد صور أبو الحسين الجزار متاعبه في حرفته التي امتدحها من قبل، وبيّن كسادها؛ فهو قصاب لكنه غير قادر على أكل اللحم الذي يبيعه للناس، وليس له منه إلا توسيخ الثياب والرائحة الكريهة، وكأنه يشبه كلبه في ذلك(38):

حسبي حرافاً بحرفتي حسبي *** أصبحتُ منها مُعذّب القلب

مُوسّخ الثوب والصحيفة من *** طُول اكتسابي ذنباً بلا كسب

أعملُ في اللحم للعشاء ولا *** أنالُ منه العشا فما ذنبي

خلا فؤادي ولي فمٌ وسخٌ *** كأنني في جزارتي كلبي

لذا فليس له من نصيب الجزارة إلا الاسم، فاضطر إلى شم اللحم بدلاً من تذوقه كما يقول(39):

أصبحتُ لحاماً وفي البيت لا *** أعرفُ ما رائحةُ اللحم

وليس حظي منه إلا اسمه *** قنعتُ من ذلك بالاسم

واعتضتُ من فقري ومن فاقتي *** عن التذاذ الطُّعم بالشّمّ

4-إقبال العامة على هذا اللون من النظم، وتشجيعهم لأصحابه: لما فيه من طرافة، ولأنهم رأوا فيه صدىً لأحوالهم، وتنفيساً عما يعتلج في صدورهم. ولولا هذا الإقبال وذاك التشجيع لما أكثر الشعراء من النظم في التحامق، حتى وصل إلينا منه هذا القدر الكبير، عدا ما ضاع منه في الطريق. لكن هذا الإقبال يشير أيضاً إلى تردّ في الذوق العام، وانقلاب كبير في المفاهيم والقيم، وتحوُّل في التعبير عن الغضب من الفعل إلى القول، ومن الجد إلى الهزل.

5-اعتقاد الشعراء أنهم يجددون: بعد أن وقر في أذهانهم أن الشعراء القدامى سبقوهم إلى شريف المعنى ورائق اللفظ، فلا بأس أن يقولوا الشعر في موضوعات لم يتكلم الشعراء القدامى فيها كثيراً. ومن المعلوم أن عقدة تفوق القديم وحرمته وتقديسه أشياء ظلت قوية وراسخة في أذهان المتأخرين في كل عصر، ولا سيما العصر المملوكي، فهم يسعون إلى مجاراة القديم، ويرغبون في التفوق عليه في آن، على الرغم من احترامهم له، ليثبتوا لأنفسهم ولغيرهم أنهم جديرون بالتقدم والفضل، وأن القدامى ليسوا أفضل منهم.

6-ميل الشاعر نفسه إلى الدعابة والسخرية من كل شيء حتى من نفسه: وهذه الخصلة استعداد فطري عند بعض الناس، وطبعٌ فيهم دون غيرهم، كما نجد خلافها في الآخرين أيضاً. وهذا الاستعداد يجعل صاحبه يسخر من كل شيء يحيط به، فإن لم يجد ما يسخر منه سخر من نفسه. ويبدو أن هذا الميل إلى السخرية كان واضحاً، وما يزال، عند الشعب المصري- لأسباب كثيرة خارجة عن إطار هذا البحث- أكثر من غيره من الشعوب، فمعظم الشعراء المتحامقين في العصر المملوكي كان من مصر.

وقد نتج عن كل ما تقدم ذكره من أسباب بروز التحامق في الشعر العربي في العصر المملوكي اختلالٌ كبير في القيم والمفاهيم، فلم تعد قيم الشرف والعفة والصدق والخلق الكريم.. قادرة على الصمود في وجه مخلفات الظلم والاستبداد كالفقر والتشرد والمرض والخوف.. ومن تمسك بتلك القيم النبيلة عاش حياة لا تختلف كثيراً عن حياة الأموات والمضطهدين، لأن ميزان المجتمع أصابه اختلال كبير، وصارت كفته لا ترجح إلا لذوي المال والسلطان، حتى لو أخطؤوا. كما حصل اختلاف واسع في السلوك ووجهات النظر بين الناس ولا سيما الشعراء تجاه تردي الأحوال تلك؛ فمنهم من كره حياته ما دامت على هذه الوتيرة من الفقر والإهمال وسوء الحال، على الرغم من علو همته وذيوع فضله، وتمنى أن يكون جاهلاً، لأن تعقله لم يجلب له إلا التعب والهم، كما يقول قاضي القضاة الشافعية بمصر ابن دقيق العيد (محمد بن علي 702ه)(40):

سحابُ فكري لا يزال هامياً *** وليلُ همّي لا أراه راحلا

قد أتعبتني همّتي وفطنتي *** فليتني كنت مهيناً جاهلا

واستصوب آخرون خصالاً أخلاقية ذميمة كالنفاق والرياء، بدلاً من الصدق والاستقامة. بل دافعوا عن تلك الخصال، والتمسوا لها الحجج، ورأوا أنها خصال لا يعاب عليها المرء في زمان السوء، بل لا بد منها فيه. وبذا انعكست القيم، وصار الخُلُق الممدوح مذموماً، والمذموم ممدوحاً، كما يقول الشاعر محمد بن رضوان المعروف بالشريف الناسخ (671ه) يدافع عن النفاق(41):

يا من يعيبُ تلوُّني *** ما في التّلوُّن ما يُعابُ

إنّ السماء إذا تلو *** ون وجهُها رُجي السّحابُ

ولزم آخرون بيوتهم بعد أن اعتزلوا الناس، لأنهم لم يروا فيهم إلا النفاق والكذب، فلعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً، كما يقول محمد بن علي الحلبي (660ه)(42):

ولما رأيتُ الناس أصبح وُدُّهُم *** نفاقاً وميناً ما تعدّيتُ منزلي

ونزّهتُ نفسي ثم قلتُ لها اصبري *** ألا كلُّ شيء لا محالة ينجلي

وتزهد بعض الناس ولبسوا الصوف الخشن والملابس البالية اضطراراً لا اختياراً بسبب الفقر الشديد، وكأنهم من فقراء الصوفية، لكن شيخهم لم يكن فقيراً مثلهم، بل كان القائد المغولي (غازان) الذي دخل دمشق فاتحاً عام 698ه، فزاد بظلمه في فقر الناس وتشردهم(43):

ما لبستُ الصوف من عبث *** لا ولا الخُلقان مجّانا

إنه زيٌّ لمن هو من *** فقراء الشيخ غازانا

ودعا عدد من الشعراء إلى العمل، وإلى ترك قول الشعر. صحيح أن قول الشعر شيء هيّن يريح صاحبه من بذل الجهد، لكنه لا يجلب له مع تلك الراحة إلا الذل والهوان(44):

دع الهُوينى وانتصب واكتسب *** واكدح فنفسُ المرء كدّاحه

وكُن عن الراحة في معزل *** فالصّفعُ موجودٌ مع الراحه

فُزتُ بالجهل مثلما فاز بالحلم وفعل الصّنائع البانياسي

***

ومنهم من ذم العقل ودعا إلى التحامق والجهل، ففيهما الرزق والفوز، كقول أبي الحسين الجزار(45):

ورأى ابن دانيال (710ه) أن العقل سبب كل نقص أصاب صاحبه، وأنه قيد في رقبته، وكأن الرزق للحمقى والجهلة، وليس للعقلاء نصيب فيه، فعاش حياته مستخفاً بالعقل، ساخراً من نفسه ومن كل شيء حوله(46):

قد عقلنا والعقلُ أيُّ وثاق *** وصبرنا والصبرُ مُرُّ المذاق

كلُّ من كان فاضلاً كان مثلي *** فاضلاً عند قسمة الأرزاق

ودعا إلى تفضيل صحبة الحيوانات- ولا سيما الكلاب- على صحبة الناس، لأنها وفية ولا تغدر بصاحبها، وتدافع عنه وقت الشدة، وتحرسه من أعدائه إن نام، على عكس بعض الناس الذين صاروا غادرين، لا يؤمن جانبهم(47):

تعلمتُ أخلاق هذي الكلاب *** ومن لي بأمثالها في صحابي

وفاءٌ وصبرٌ وحفظُ الذّمام *** وذبٌّ عن الخيل عند الضّراب

وتسهرُ إن نمتُ في قفرة *** وتحرُسُني من ضواري الذئاب

كلابٌ ولكنها فُضّلت *** على بعض قوم مشوا بالثياب

ولكن لماذا كان الشاعر العاقل يتحامق؟ وما الهدف من وراء إلغاء العقل واختيار الحماقة؟ هنالك عدة أهداف يمكن استخراجها من الشعر الكثير الذي خلفه أولئك الشعراء، أهمها:

1-التكسب: أشار الشاعر أبو العجل- كما مر بنا- إلى هذا الهدف بوضوح، فقد صيّر تحامقُه له بغالاً وغلمة بعد أن كان لا يملك شيئاً كما يقول. وقد رأى كثير من الشعراء في العصر المملوكي أن الزمان- الذي اختلّت فيه القيم والمفاهيم للأسباب التي أشرنا إليها- ليس زمان العقلاء، فكل ما فيه يناقض العقل، أو على أقل تقدير لا يخضع لمقاييس العقل وأحكامه، ولو كان يخضع للعقل لما نالهم منه ما نالهم من فقر وإهمال، ورأوا أيضاً أن السخرية من النفس تجعل الآخرين يضحكون، ولا سيما الممدوحين. وهذا الضحك فاتحة الرضا والقبول. وماذا يريد الشاعر المتكسب بشعره أكثر من أن يرضى الممدوح عنه ويثيبه على شعره، مهما كانت طبيعة هذا الشعر، وصورة صاحبه في نظر الممدوح؟ وهذا الفهم خطير جداً، لأنه يجعل العلاقة بين الشاعر والممدوح علاقة مادية تقوم على التذلل والخضوع والتبعية، وتلغي شخصية الشاعر لتحل محلها شخصية الممدوح برغباتها المختلفة. وليس الأمر كذلك، لكن الشعراء المتحامقين هانت أنفسهم عليهم في سبيل الوصول إلى العطاء الذي سيؤمن لهم ولأولادهم ما يحتاجون إليه في يومهم من قوت ولباس وغير ذلك، ورأوا أنه ليس هنالك فرق بين أسلوب وآخر ما دامت النتيجة واحدة في النهاية وهي العطاء. وفي الشعر العربي القديم- ولا سيما العباسي- نماذج شعرية تعتمد على التحامق، استفاد أصحابها- الذين سبق ذكرهم- أموالاً طائلة، فلماذا لا يحاكيهم الشعراء في العصر المملوكي، ويجعلونهم قدوتهم الحسنة؟

والشعر الذي قيل من أجل التكسب كثير، لا يكاد يخلو منه ديوان شاعر، صغير أو كبير، لكننا لا نريد من شعر التكسب إلا ما جاء منه على أسلوب التحامق. من ذلك قول الشاعر أبي الحسين الجزار يخاطب ممدوحه جمال الدين بن مطروح (649ه)، متذللاً له، جاعلاً من نفسه (عبداً مملوكاً) له، واصفاً سوء حاله في فصل الشتاء الذي فصّل عظامه، فبدا كالميت المنبوش من قبره، لأنه ليس لديه ما يدفع عنه شر البرد سوى لحاف بال. ومن هاهنا يصير لهذا العبد المملوك حقٌّ وحرمة عند ممدوحه كما يقول(48):

يا جمال الدين لي حق *** قٌ على المولى وحُرمه

وبمملوكك همٌّ *** لا يُطيقُ الآن كتمه

هجم البردُ عليه *** هجمةً من بعد هجمه

لا تسل عنه فقد فص *** صل هذا الفصلُ عظمه

وله إثرُ لحاف *** محت الأيامُ رسمه

مات برداً والذي وا *** راهُ ما أتقن ردمه

فهو إذ يُنجشُ منه *** في بقايا القُطن رُمّه

والبوصيري يخاطب ممدوحه ب(مولاه)، ويشكو إليه سوء حاله مع عياله بقوله:

يا أيها المولى الوزيرُ الذي *** أيامُه طائعةٌ أمره

إليك نشكو حالنا إننا *** عائلةٌ في غاية الكثره

وبعد أن يصف سوء أحوال عياله وحاجتهم إلى الطعام يصف شجاراً مضحكاً دار بينه وبين زوجته، وقد انتهى هذا الشجار بأن ضربته زوجته على رأسه بآجرة، بعد أن أسمعته ما لا يليق به سماعه من كلام سيئ. وقد حدث الشجار بسبب فقره، ولأن أخت زوجته لا تطيقه، فأوغرت صدر أختها عليه، وشجعتها على الاستهانة به وتحقيره، ولو وصل الأمر إلى حد الطلاق. فمن كانت حاله كحال البوصيري فله حق على ممدوحه في أن ينظر في أمر مساعدته كما يقول(49):

ويوم زارت أمُّهُم أختها *** والأختُ في الغيرة كالضّرّه

وأقبلت تشكو لها حالها *** وصبرها مني على العشره

قالت لها: كيف تكون النّسا *** كذا مع الأزواج يا غرّه

قومي اطلبي حقّك منه بلا *** تخلُّف منك ولا فتره

وإن تأبّى فخذي ذقنه *** أو انتفيها شعرةً شعره

قالت لها ما عادتي هكذا *** فإنّ زوجي عنده ضجره

أخافُ إن كلّمتُه كلمةً *** طلّقني قالت لها بعره

وهوّنت قدري في نفسها *** فجاءت الزوجةُ مُحترّه

فاستقبلتني فتهدّدئها *** فاسقبلت رأسي بآجُرّه

وباتت الفتنةُ ما بيننا *** من أول الليل إلى بُكره

فحقُّ من حالتُه هذه *** أن ينظُر المولى له نظره

بل إنه يذهب إلى أبعد من هذا بكثير، عندما يخاطب ناظر الشرقية بمصر ليسترد منه حمارته التي استعارها الناظر منه، إذ يجعل من نفسه مملوكاً لذلك الناظر، وكذلك حمارته، كما يجعل نفسه جاهلاً يستحق الفضيحة بين الناس، وحماراً تحمل منه أتانه، لذا لا يحل لأحد أن يأخذ منه هذه الأتان لأنها حامل منه، فقال يخاطب الناظر على لسان الحمارة(50):

"المملوكة حمارة البوصيري:

يا أيها السيدُ الذي شهدت *** ألفاظُه لي بأنه فاضل

ما كان مثلي يُعيرُه أحدٌ *** قطُّ ولكن سيدي جاهل

لو جرّسوه عليّ من سفه *** لقلتُ غيظاً منه: يستاهل

وبُغيتي أن أكون سائبةً *** من بلدي في جوانب الساحل

وبعد هذا فما يحلُّ لكم *** ملكي فإني من سيدي حامل"

و(يستعطف) ابن نباتة ممدوحه بذكر فقره الذي جعله كالموتى، فأحشاؤه منطبخة بالهم لا الطّبيخ، وحلّته (بطنه) ليس فيها من طبيخ إلا الغم، مما جعل عقله في غياب كما يقول(51):

يا صاحب السّرّ وفي ذكره *** للمسك سرٌّ غيرُ مكتوم

عطفاً على ميت من الفقر قد *** أصبح في حالة مرحوم

مُنطبخ الأحشاء بالهمّ لا *** يزالُ في حلّة مغموم

قد أفسدت فاقتُه ذهنه *** فهو مُعافىً مثلُ محموم

ثم يلجأ في موضع آخر إلى استجداء العطاء من ممدوحه استجداء صارخاً، فهو لا يطلب منه إلا أن يتصدق عليه بقُفّة فحم، بعد أن شرح له سوء حاله، وما أصابه من برد شديد جعل جسده يرتعش بعد أن صار لونه أزرق(52):

ما ترى العبد كيف أصبح ما أس *** وأ حالاً وما أذلّ وأحقر

كلُّ صُبح يرومُ بالبرد ذبحي *** فلهذا يقولُ اللهُ أكبر

زُرقةُ الجسم وابيضاضُ ثلوج *** ألبساني ثوب العذاب مُشهّر

فتصدّق وابعث بقُفّة فحم *** إنّ فحمي مضى وكيري تغيّر

ويشير الشاعر صفي الدين الحلّي (750ه) إلى أن التكسب هو السبب الوحيد لتحامقه.. فهو عاقل تماماً، لكنه يتحامق بذكر سوءاته لينال عطف ممدوحه وعطاءه. وقد أشار في قصيدة له إلى تلك السوءات، ومنها: خسة نفسه، وبخله الشديد، وقذارته في المأكل والبدن، ثم ختم القصيدة بقوله لممدوحه شمس الدين: إنني على عكس ما قلتُ، وإنما لجأت إلى هذا التحامق لأنك مللت مني، وأبعدتني عنك، وحرمتني عطاءك، وأنا كالنبات إذا ابتعد عن الشمس- يريد الممدوح- ذبل

وفسد(53):

فهذه الأوصافُ مكسوبةٌ *** أدركها في غُربتي حسّي

قد علم السلطانُ من قبلها *** أني من ذلك بالعكس

لكنّ شمس الدين مُذ ملّني *** صوّح نبتي وذوى غرسي

كذاك كلُّ النّبت من شأنه *** يُفسدُه البُعدُ عن الشمس

2-نقد المجتمع بقصد الإصلاح: رأى كثير من الشعراء مفاسد عصرهم المختلفة ماثلة للعيان، شديدة الضرر بالناس، لكن الحكام لم يحركوا- في كثير من الأحيان- ساكناً لإصلاحها، أو للحد من انتشارها، فعبر هؤلاء الشعراء- من خلال التحامق- عن رفضهم لهذه المفاسد، وأشاروا إليها مراراً، بالتلميح حيناً، وبالتصريح حيناً آخر، لعل أحداً يسمع شكواهم وانتقادهم، فيبادر إلى إصلاح ما فسد. وهذا التوجه مهم للغاية، لأنه يربط الشعر بالمجتمع وبقضاياه التي أغفل المؤرخون كثيراً منها، وأعرض كثير من الشعراء القدامى عنها، لانشغالهم بموضوعات الشعر الرسمي، ولا سيما المديح، فلم تظهر صورة المجتمع وأحوال الناس في دواوينهم، بل إننا في كثير من الأحيان لا نري صورة الشاعر نفسه فيها، فإذا أشار إليها فمن خلال حديثه عن أشواقه ومواجيده، مما يدخل في الشعر المصنوع الذي لا علاقة له بحقيقة مشاعر قائله في كثير من الأحيان.

ولما كان الفساد ضارباً أطنابه في إدارات البلاد المختلفة في العصر المملوكي كان لا بد أن تظهر نتائجه في الأفراد والجماعات؛ فقد اعتنى المماليك بأفراد جنسهم، ولا سيما المقاتلين، وقلّ اعتناؤهم بالجنود العرب، أو ممن ليسوا من جنسهم، فقصّروا في العناية بهم وبرواتبهم وأسلحتهم وخيولهم، بل إنهم أركبوهم البراذين- غير العربي من الخيول والبغال- بدلاً من الخيول الكريمة التي كان ركوبها محصوراً في فئة المماليك.

وقد صور ابن النقيب- وهو أحد هؤلاء الجنود العرب- حاله وحال رفاقه، من حيث الفقر والمرض وسوء السلاح والمركوب. وقد بدأ قصيدته بكلام يسخر فيه من نفسه ومن الجنود رفاقه سخرية مرة، يشير فيها إلى تدني منزلتهم في الجيش وفي نظر حكامهم، وفي المجتمع كله؛ فهم بقايا جنود، وبقايا أشياء، بل هم حكاية وخيال، ووسخ وزبالة:

نحنُ إلا قُطاعةُ الأجناد *** وبراواتُ غُزّ هذا النادي

نحن إلا حكايةٌ وخيالٌ *** وحديثٌ لحاضر ولبادي

نحنُ إلا غُسالةٌ لمرقدا *** رقُدور تفرّغت وزبادي

نحنُ إلا زبالةٌ ضمّها الزّب *** بالُ فوق الأكوام للوقّاد

ثم يفصل ما أجمله في الأبيات السابقة؛ فهم ضعاف الأجساد لا يقوون على الحرب، وليس عندهم جياد كريمة، بل يركبون براذين مسنة لم تعد قادرة على الحرب والجري، وليس على ظهورها إلا الخرق والسروج البالية المرقعة التي لم تستطع ستر عيوبها، فبدا ضعفها ونحولها من تحتها، ولم تكن أسلحتهم أحسن حالاً من مركوبهم؛ فقد كانت رماحهم وسيوفهم عتيقة صدئة لكثرة بقائها في مخازنها وأغمادها، حتى صارت بحاجة إلى حداد يصلحها:

جرّدونا فما قطعنا فردُّو *** نا وقد أحسنوا إلى الأغماد

وعُرضنا على براذين جيش *** ما استعدّت لحملة وطراد

وأُتينا من القماش إليهم *** بخليع مُرقّع وكُداد

وسُروج تطاير الجلدُ عما *** كان من تحتها من الأعواد

كشف اللهُ ذلك السّتر عنها *** فرأينا عوراتهنّ بوادي

ورماح لم تُعتقل لطعان *** وسيوف ما جُرّدت لجلاد

صدئت في الجُفون من كثرة اللّب *** ث وملّت بها لطول الرُّقاد

فهي لا فرق في يد الفارس الكش *** خان منا أو في يد الحداد

فمن كانت حاله هذه الحال أيستطيع خوض المعارك، وعبور نهر الفرات في شهر كانون البارد؟ وكيف سيقوى على الجهاد وما لديه من راتب لا يكفيه للطعام؟(45)

أترى من يكونُ في هذه الحا *** ل مُطيقاً بيكار تلك البلاد

ونخوضُ الفرات في شهر كانو *** ن وكانونُ مُصعبٌ في القياد

كيف أقوى على الجهاد وخُبزي *** ما أراه يكفي لسُفرة زادي

وهذه القصيدة وثيقة خطيرة تفصح عن سوء أحوال (أجناد الحلقة)، وهو سوء ناتجٌ عن الفساد الذي وصل إلى الجيش المملوكي نفسه، مما يشير بوضوح إلى أهم أسباب النكسات التي مُني بها هذا الجيش عبر تاريخه الطويل، كما يعبر الشاعر من خلال هذه القصيدة عن مشاعر رفاقه من الجنود، مما يقل نظيره في الشعر العربي. وقد عبر عن هذا الشعور بالتوحد أمام المصيبة من خلال الضمير الجمعي (نحن) منفصلاً ومتصلاً (نا)، وبارزاً ومستتراً. وقد ظل هذا الضمير الجمعي مسيطراً على القصيدة من أولها إلى ما قبل البيت الأخير فيها، عندما فصل الشاعر نفسه عن نفوس رفاقه، وخصها بالحديث من خلال بيت شعري واحد، مما يشير بوضوح إلى اهتمام الشاعر بالتعبير عن قضية عامة هو طرف فيها، كما يشير إلى إحساس الشاعر العميق بالانتماء إلى الآخرين ممن يجمعه بهم واقع واحد، ومصير واحد.

ويشير شاعر آخر هو أمين الدين جُوبان الدُّنيسري (680ه) إلى فساد بعض الصوفية في عصره ممن يقولون بالاتحاد بين الخالق والمخلوق، اتحاداً تختلط فيه الذات الإنسانية بالذات الإلهية، فيرى الصوفي نفسه فيه والإله شيئاً واحداً؛ يتكلم باسمه، ويصير هو، على مذهب الصوفي المشهور الحسين بن منصور المعروف بالحلاج (309ه)، لكن الشاعر أمين الدين سخر من هؤلاء الصوفية، وانتقدهم انتقاداً لاذعاً من خلال تحامقه هو، فقال(55):

متُّ في عشقي ومعشوقي أنا *** ففؤادي من فراقي في عنا

غبتُ عني فمتى أجمعُني *** أنا من وجدي منّي في فنا

أيها السامعُ تدري ما الذي *** قلتُه؟ والله لا أدري أنا

ويشير الشاعر أبو الحسين الجزار إلى تصدُّر بعض الجهلة المناصب، وهم يظنون أنهم يستحقونها، لكنهم في الحقيقة لا يمتلكون أدواتها، وكل ما امتلكوه منها معلومات يسيرة لا تنقعُ غُلّةً ولا تبُلُّ صدى. وهذا أمر طبيعي حصوله في زمان كثرت فيه المفاسد والتناقضات كالعصر المملوكي، فتوصل بعض الجهلة إلى أسنى المراتب. وقد سخر الشاعر من هؤلاء من خلال تحامقه هو؛ فقد أظهر نفسه جاهلاً لا يعلم إلا القشور، رصيده من المعارف ضئيل لا يؤهله للصدارة، كذاك الذي يدّعي التدين، تعلم آيتين فظن أنه صار مقرئاً(56):

قطعتُ شبيبتي وأضعتُ عمري *** وقد أتعبتُ في الهذيان فكري

وما لي أُجرةٌ فيه ولا لي *** إذا ما متُّ يوماً بعضُ أجر

قرأتُ النحو تبياناً وفهماً *** إلى أن كُعتُ منه وضاق صدري

فما استنبطتُ منه سوى مُحال *** يُحالُ به على زيد وعمرو

وفي علم العروض دخلتُ جهلاً *** وعُمتُ بخفّتي في كلّ بحر

وقد شاركتُ في لغة ونحو *** بلا علم وشاع بذاك ذكري

كأني مثلُ بعض الناس لمّا *** تعلّم آيتين فصار مُقري

ويشير الشاعر إلى مصطلح المشاركة بقوله (شاركت)، وهو مصطلح يراد به الإلمام بعلم من العلوم من غير التعمق فيه. وكان يقال في العصر المملوكي: برع فلان في الطب، وله مشاركة في المنطق. يريد الشاعر أن يقول: إنني أردت التصدر من غير أن أتمكن من العلم، كذاك الجاهل في الدين الذي تعلم آيتين فظن أنه صار مقرئاً.

3-التنفيس عن النفس المحبطة، لإقامة توازن عقلي ونفسي معاً: فقد أحس الشعراء في العصر المملوكي أنهم مهزومون من الداخل، لأنهم لم يستطيعوا أن يحققوا رغباتهم في الواقع، بل كانت العوائق المختلفة أكبر من تلك الرغبات، وبذلك صار التحامق تسرية عن تلك النفوس المهزومة التي لم تستطع الوصول إلى ما تريد، ولم تستطع تغيير الواقع المر، فلجأت إلى السخرية لتقيم ذلك التوازن المنشود الذي حرمت منه في الواقع. وقد تنبه الدّلجيُّ (838ه) لهذا، فألف كتاباً سماه (الفلاكةُ والمفلوكون)، تحدث فيه عن الفقراء من أهل العلم والأدب والفضل، ممن عاشوا محرومين من كل شيء على الرغم من فضلهم، وأشار إلى أهمية السخرية في التغلب على النفس المحبطة المقهورة التي لم يعد بيدها حيلة لدفع المكاره عنها، فقال: "اعلم أن الفلاكة إذا استولت على شخص، وسلبته القدرة على الأفعال انتقل إلى الاسترواح والتنفس بالأقوال، وذلك لما أن في الكلام راحةً وفرجاً وتنقيصاً من ألم الباطن"(57). وفي كتب التاريخ حادثة مهمة تشير إلى سلوك ينطبق على هذا الفهم؛ ففي سنة 853ه ضرب وباء مدمر مصر، فقتل خلقاً بالآلاف، ولكن على الرغم من ذلك شوهد الناس في شوارع القاهرة "وهم يضحكون ويهزلون، على حين كان الوباء يحصد منهم في اليوم الواحد عشرة آلاف نفس على الأقل"(58).

ولم تستطع الأزمات الاقتصادية المتوالية، وما رافقها من ظلم الحكام أن تقتل روح السخرية في نفوس الناس، بل جعلتهم يتعالون على واقعهم الذي لم يستطيعوا تغييره، والاتجاه إلى السخرية من هذا الواقع؛ ففي سنة 694ه تسلطن أمير مملوكي من أصل مغولي هو (كتبُغا)، وتسمى بالعادل زين الدين، وقرّب إليه بني جنسه من المغول، وأسكنهم حياً من أحياء القاهرة اسمه (الحُسينيّة)، وكان هؤلاء المغول وثنيين، فلحق بالمسلمين ضرر كبير منهم. وقد عبر الشاعر شمس الدين محمد بن دينار عن هذا الواقع المر الذي لم يستطع أن يسلب الناس روح السخرية، فقال يصف ما لحق بالعرب المسلمين من ضرر وغلاء بسبب دولة كتبغا ذات الأصل المغولي (المُغليّة الأولى)، وكيف أن الناس صُلقوا وطُبخوا في تلك الدولة التي طبختهم وغلتهم (المُغليّة الثانية)(59):

ربّنا اكشف عنا العذاب فإنّا *** قد تلفنا في الدولة المُغليّه

جاءنا المُغلُ والغلا فانصلقنا *** وانطبخنا في الدولة المُغليّه

4-السخرية بالنفس لتفويت الفرصة على الآخرين حتى لا يسخروا من الشاعر: وقد أشار الدّلجي في كتابه السابق الذكر إلى هذه الناحية، فقال: إن هؤلاء الساخرين بأنفسهم "يسابقون إلى ذكر نقائصهم، ويجعلونها رقةً أدبية، أو نكتة شعرية، أو كلمة هزلية، قبل أن يذكرها غيرهم عنهم، ليصرفوا الناس عن الاشتغال بها، لأن النفوس تكره المعاد، وليكون ذلك أخف على نفوسهم، لما أن الشخص لا يتأفف من نفسه ما يتأففه من غيره، ولا يثقل عليه كلامه ككلام غيره"(60). وفي هذا الكلام شرح واف لهذا الهدف؛ فهؤلاء المتحامقون يسخرون من أنفسهم ليفوتوا الفرصة على الآخرين في السخرية منهم. وماذا سيقول خصومهم في السخرية منهم بعد أن سخروا هم من أنفسهم أولاً؟ وما الفائدة من إعادة ما قاله الشاعر من سخرية بنفسه على لسانهم؟ ثم إن الشاعر لا يتأفف من نفسه كما يتأفف من غيره، ويكون كلامه هو على نفسه أخف وطأة عليه من كلام الآخرين عليها.

5-الترويج للشعر، والرغبة في احتلال مراكز الصدارة في الشعر والمجتمع، بعد أن ظن هؤلاء الشعراء المتحامقون أن تحامقهم سيجلب لهم الشهرة بين الناس. وقد حظي هؤلاء الشعراء المتحامقون بإقبال العامة على أشعارهم، وإعجابهم بها، فزادوا القول فيها. وأن يستجيب الشاعر لرغبات معاصريه- ولا سيما العامة- أمر خطير، لأنه يعني أن ينظم الشاعر كما يريد غيره، لا كما يريد هو. صحيح أن الشاعر لا ينظم لنفسه فحسب، بل ينظم ليقرأ شعره الناس. ولا قيمة للشعر ما لم يقرأه الناس ويعجبوا به، أو ينتقدوه، بل إن انتقاد الشاعر يزيد في شهرته. لكن ذوق الناس- ولا سيما العامة- يحمل كثيراً من الغثاء والضعف والفساد، مما سيؤثر سلباً في شاعرية من يكتب لهم. لكن الشعراء المتحامقين لم يهتموا كثيراً بهذا الأمر، لأنهم كانوا يريدون ترويج شاعريتهم وأشعارهم عند العامة عن طريق التقرب إليها بما تحب. ومما زاد في تقرب الشعراء إلى العامة أن شعر التحامق كان يحمل في طياته كثيراً من النقد الاجتماعي اللاذع، ويعبر عن هموم العامة وقضاياها الأساسية. وقد اضطر كثير من الشعراء في العصر المملوكي إلى النظم في أغراض ليسوا راضين عنها، استجابة لرغبة العامة، ورغبة في سيرورة أشعارهم؛ فالشاعر القاضي ابن الوردي اضطر إلى أن يتغزل بالغلمان، على الرغم من تقواه وورعه ليروج شعره. وقد اعترف بذلك بوضوح فقال(61):

أستغفرُ الله من شعر تقدّم لي *** في المُرد قصدي به ترويجُ أشعاري

لكن ذلك قولٌ ليس يتبعُه *** خناً وحاشاي من أفعال أشرار

فلماذا لا ينظم الشعراء الآخرون في التحامق، راضين أو مكرهين، ما دام هذا اللون من النظم يلقى إقبالاً من العامة ورواجاً عندها؟

موضوعات شعر التحامق:

تعددت موضوعات التحامق في الشعر المملوكي، واختلط بعضها ببعض اختلاطاً يصعب في كثير من الأحيان فصله، لكن النقد الساخر من المجتمع يسود هذه الموضوعات عموماً، وإن كان نقداً غير مباشر في كثير من الأحيان، وكأن الشاعر يحمّل المجتمع والحكام مسؤولية تدني أحواله وأحوال الشعراء الآخرين إلى هذا الحد الذي اضطرهم إلى الشكوى من سوء الحال، واللجوء إلى التحامق والسخرية من النفس سخرية مرة. ويمكن الإشارة إلى أهم هذه الموضوعات:

1-التحامق بذكر أحوال الشاعر الاقتصادية السيئة، من فقر وسوء حال: وهذا كثير في الشعر المملوكي، لأن التكسب كان أهم الغايات التي كان يسعى إليها الشاعر المتحامق، كما أشرنا من قبل. من ذلك قول الشاعر أبي الحسين الجزار يصف فقره الشديد؛ فليس في بيته دثار يغطيه ويقيه برد الشتاء، وليس لديه ما يدفع عنه حر الصيف، فاضطر إلى أن ينفخ شدقه ليكون مخدّة، وأن يفترش ظله ليكون حصيراً(62):

ولم ألق في بيتي دثاراً أُعدُّه *** لبرد ولا شيءٌ يرُدُّ هجيرا

فأنفخُ شدقي إن أردتُ وسادةً *** وأفرشُ ظلّي إن أردتُ حصيرا

ويذهب بعيداً في تصوير فقره تصويراً مضحكاً، فيكمل الصورة التي بدأها من قبل، ويفصّل القول فيها؛ فهو لشدة فقره لبس بيته، وزرّر أبوابه عليه حتى استطاع أن يغسل أثوابه التي لا يمتلك غيرها، وهو- لبرودة بيته- مضطر إلى النوم في الزّبل ليحصل على الدفء، أو مع الكلاب فوق قدر الحلوى أمام دكان الحلواني، في حين كان أصحابه ينعمون بدفء الجمر في بيوتهم العامرة بالخير. ورأى أخيراً أنه –لسوء حاله- يستحق أن يحرق مع النفايات والخرق البالية في مستوقد الحمام(63):

لبستُ بيتي وقد زرّرتُ أبوابي *** عليّ حتى غسلتُ اليوم أثوابي

وقد أزال الشّتا ما كان من حمقي *** دعني فمُستوقدُ الحمّام أولى بي

أنامُ في الزّبل كي يدفا به جسدي *** ما بين جمر به ما بين أصحابي

أو فوق قدر هريس بتُّ أحرُسُها *** مع الكلاب على دكان غلاّبي

ولم تختلف حال ابن نُباتة عن حال الجزار، فهو مثله يتلقى برد الشتاء وثلوجه بجلده، لأنه لا يمتلك أثواباً تقيه ذلك البرد، حتى صار لون جسده أزرق، وكأنه سنجاب يغطيه الثلج الأبيض(64):

يا سيدي عطفاً فإني ميّتٌ *** وفي دمشق اليوم بردٌ قد عتا

زُرقةُ جسمي وبياضُ ثلجها *** سنجابي الأبلقُ أيام الشّتا

ويلجأ أبو الحسين الجزار إلى التحامق من خلال معارضة ساخرة لقصيدتين جاهليتين مشهورتين لامرئ القيس، هما معلقته المشهورة التي مطلعها(65):

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل

وقصيدته الأخرى المشهورة التي مطلعها(66):

ألا عم صباحاً أيها الطّللُ البالي *** وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي

وقد مزج الجزار بين هاتين القصيدتين، مستغلاً إشارة امرئ القيس إلى الطلل البالي الذي لا يجيب سائله، والأحبة الراحلين عنه، فحوّل الجزار قصيدته إلى ذكر سوء حاله؛ فهو لا يبكي على أطلال المحبوبة البالية، بل يبكي على فقد أسماله البالية، على الرغم من أنها لم تعد نافعة لشيء، وهو مضطر إلى سكن القياسر لينعم بالدفء الذي فيها، ولا يعنيه غيرها من أماكن المحبوبة، ويتمنى أن يرتدي ملابس طويلة كأصحاب الفضل والدين ويتباهى بها على أقرانه، أو أن يرتدي ملابس من جوخ تقيه برد الشتاء، فإن حصل على ما يريد فهذا هو المجد الذي يستحقه كما

يقول(67):

قفا نبك من ذكرى قميص وسروال *** ودُرّاعة لي قد عفا رسمُها البالي

وما أنا من يبكي لأسماء إن نأت *** ولكنني أبكي على فقد أسمالي

ولي من هوى سُكنى القياسر عن هوىً *** بتُوضح فالمقراة أعظمُ أشغالي

ولاسيّما والبردُ وافى بريدُه *** وحالي على ما اعتدتُ من عُسرة حالي

تُرى هل يراني الناسُ في فرجيّة *** أجُرُّ بها تيهاً على الأرض أذيالي

ويُمسي عدوي غير خال من الأسى *** إذا بات من أمثالها بيتُه خالي

ولو أنني أسعى لتفصيل جُبّة *** كفاني ولم أطلُب قليلاً من المال

ولكنني أسعى لمجد بجُوخة *** وقد يُدركُ المجد المُؤثّل أمثالي

2-التحامق بذكر العيوب الأخلاقية: من بخل وجبن ورياء وغفلة.. بقصد التكسب وإضحاك الآخرين، كقول صفي الدين الحلي يصف نفسه بالبخل الشديد؛ فهو يخزن الفلس على الفلس، ويزاحم الجمّال في قُوته، ويأكل مع غلمانه فضلة طعام الأمس، فإذا وضع قطعة لحم في القدر تلا عليها آية الكرسي ليحفظها الله ويصونها، وإن رأى في بيته فأرة هجم عليها بالسيف والترس حتى لا تأكل شيئاً مما في بيته، أرغفته لا يصل المرء إليها باللمس والذوق، بل بالسمع والنظر والشم فحسب، فإذا أراد أن يأكل أغلق عليه باب بيته حتى لا يأتيه سائلٌ أو ضيف، وإن فاجأه الضيف عبس في وجهه، ورغبه في الحمية عن الطعام بدل الأكل، فإن اضطر إلى إطعامه فليس هنالك إلا الخبز

والدبس. والويل للضيف إن أكل أكثر من لقمة واحدة، فعندئذ يبادر إلى رفسه في ضلوعه

حتى يكسرها له(68):

يُزاحمُ الجمّال في قُوته *** ويخزنُ الفلس على الفلس

يأكلُ والغلمان في يومه *** فضلة ما قد كان بالأمس

إذا رأى في قدره لحمةً *** تلا عليها آية الكرسي

وإن رأى في بيته فأرةً *** بادرها بالسيف والتُّرس

يُجلُّ أن تُدرك رُغفانه *** حواسُ من يأتيه بالخمس

بالسمع والأبصار والشّمّ قد *** تُدركُ دون الذوق واللمس

يُقفلُ عند الأكل أبوابه *** خوفاً على الزاد من الكبس

فإن أتى ضيفٌ على غرّة *** قابله بالتّعس والنّكس

يلقاهُ بالترغيب في الاحتما *** وبعده بالخبز والدُّبس

فإن تعدّ أكلُه لُقمةً *** رأيت في أضلاعه رفسي

ويتحامق الشاعر المعروف بابن الصاحب (688ه-) بذكر عبثه ولهوه ومجونه، فهو يشرب الخمر، ويمضغ الحشيشة، لذا غاب عن وعيه، ولم يستطع الاهتداء إلى باب مدرسته، فمن يدل ذلك الباب عليه يربح الأجر والثواب كما يقول(69):

جمعتُ بين الحشيش والخمر *** فرُحتُ لا أهتدي من السُّكر

يا من يُريني لباب مدرستي *** يربحُ والله غاية الأجر

وحال ابن دانيال لا تختلف كثيراً عن حال ابن الصاحب هذا؛ فابن دانيال لم يعد قادراً على تعرُّف باب بيته أيضاً، لكن السبب مختلف؛ فزوجته أكثرت من إطعامه حتى جعلته كالغائب عن الوعي، فهو لا يميز نفسه من غيره، حتى إنه لو صُفع على قفاه لظن أن جاره هو المصفوع، نهاره لشدة بلادته كالليل في التساوي، ومُخُّ الجمال والحمير خيرٌ من مخه، فقال يخاطب أحد القضاة:

بك أشكو من زوجة صيّرتني *** غائباً بين سائر الحُضّار

غيّبتني عني بما أطعمتني *** فأنا الدهر مُفكرٌ في انتظار

غبتُ حتى لو أنهم صفعوني *** قلت كُفُّوا بالله عن صفع جاري

فنهاري من البلادة ليلٌ *** في التساوي والليلُ مثلُ النهار

دار رأسي عن باب داري فبالّل *** ه اخبروني يا سادتي أين داري

أين مُخُّ الجمال من طبع مُخّي *** في التساوي وأين مُخُّ الحمار

ثم يتحامق أشد تحامق، ويأتي بالمتناقضات؛ فقد أحس بالبرد الشديد فذهب إلى البحر ليصطلي بالنار، وتجرد للسباحة في السراب لأنه ظنه ماءً صافياً، وربط رجله لأنه وطئ في الحلم على مسمار، وحاول أن يقلع ضرس أحد زبائنه بعد أن آلمه وألحق الضرر به، لكنه فوجئ أنه قلع ذنوبه وآثامه بدلاً من الضرس، وهو كثير النسيان، حتى إنه ينسى أنه نسي، فلا يخافن صاحبه من إذاعة أسراره:

غفر اللهُ لي بما رُحتُ للبح *** ر من البرد أصطلي بالنار

وتجرّدتُ للسباحة في الآ *** ل لظني به الزُّلال الجاري

ولكم قد عصبتُ رجلي برُؤيا *** أوطأتني حُلماً على مسمار

ولكم رُمتُ قلع ضرس ضروب *** بعدما ضرّ غاية الإضرار

فإذا بي قلعتُ بعد عنائي *** واجتهادي القويّ من أوزاري

أنا أنسى أني نسيتُ فلا يخ *** شى سميري إذاعة الأسرار

ثم يصف بطولاته الخارقة التي تذكّر ببطولات (دون كيشوت) الخيالية؛ فقد رأى صورته في صفحة ماء الزّير، فظن أن فيه لصاً مسناً، أبيض الذقن، أسود الوجه، يشبه التيس، فخاف ونادى زوجته أن تعطيه ترسه وسيفه ودرعه ليقاتل ذلك اللص، فإما أن يعيش حياة كريمة وإما أن يموت شهيداً، ثم انهال على الزير ضرباً حتى كسره وسال منه الماء، ولولا الخشية لألقى بنفسه في تيار الماء ليلاحق ذلك اللص:

ولكم قد رأيتُ في الماء شيخاً *** وهو جاث في الجُبّ كالعيّار

شيخ سوء كالثلج ذقناً ولكن *** وجهُه في سواده كالقار

أشبه الناس بي وقد يُشبهُ التّي *** سُ أخاه في حومة الجزّار

فاعتراني رُعبٌ وناديتُ ما كُن *** تُ إخالُ اللصوص في الأزيار

أين تُرسي وأين درعي الحقيني *** أمّ عمرو بصارمي البتّار

إن أمُت كنتُ في الغزاة شهيداً *** أو أعش كنتُ شاطر الشُّطّار

ثم أثخنتُ ذلك الزّير ضرباً *** بحُسامي حتى هوى لانكسار

وجرى الماءُ فاختشيتُ وإلا *** كدتُ أقفو الآثار في التيار

ويعود إلى السخرية من نفسه من جديد؛ فهو كلبٌ مفرداً، وكلبان في التثنية (كالبان: يريد مثنى كلب على سبيل التورية)، وهو ديُّوث له قرنان كالخروف، فإن سقط صار قذراً، وهو أيضاً طبيب بارع، لكنه يصلح لعلاج الحيوانات لا البشر:

أنا كالبان في قوامي وإن أف *** ردتني كنتُ في التّهارُش ضاري

أنا مثلُ الخروف قرناً وإن أس *** قُط فإني أُعدُّ في الأقذار

أنا لو رُمتُ للعلاج طبيباً *** ما تعدّيتُ دكّة البيطار

ويختم قصيدته هذه بذكر ذكائه الحاد، ويفسر الماء بعد الجهد بالماء كما يقال، فيأتي بالبديهيات؛ فهو لشدة ذكائه يعرف أن بابه الخشبي من صنع النجار، وأن بياض البيض يكون فوق صفاره قبل أن نكسر البيضة، وأن كوز النحاس أقوى من كوز الفخار. وبعدُ أليس حفظه لهذه الأشياء أمراً عظيماً على الرغم من تقدمه في السن؟(70)

بعد ما كنتُ من ذكائي أدري *** أنّ بابي من صنعة النجار

أحزرُ البيض قبل ما يكسروه *** أنّ فيه البياض فوق الصّفار

وبعيني نظرتُ كوز نحاس *** كان عندي أقوى من الفخّار

وكثيرٌ مني على شيب رأسي *** حفظُ هذي الأشياء مثل الكبار

3-التحامق بذكر العيوب الخلقية والأشكال والأسماء: كأن يسخر الشاعر من اسمه ولقبه، أو من شكله الخارجي، أو من ضعفه الجنسي.. كقول الشاعر ابن دانيال يسخر من لقبه (شمس الدين)، ويرى أنه شمس، والشمس لابد لها من طلوع، لكن هذا الطلوع لم يكن إلا داء أصاب ضلوعه، يشير إلى سوء حاله وهوانه وقلة حظه(71):

كم قيل لي إذ دُعيتُ شمساً *** لابُدّ للشمس من طُلوع

فكان ذاك الطُّلوعُ داءً *** يرقى إلى السّطح من ضلوعي

وقد سخر الشاعر سراجُ الدين الوراق من لقبه (سراج) وصناعته (الوراق)، وقال فيهما شعراً كثيراً، حتى قيل له: "لولا لقبُك وصناعتك لذهب نصف شعرك")72). وتدور سخريته من لقبه هذا حول شكل السراج وعمله؛ فقد خرج الشاعر في يوم ماطر من أيام الشتاء، فتبلل جسمه بالمطر، وصار يتقاطر منه كما تتقاطر حبات الماء والزيت من القنديل عندما يشتعل(73):

أقولُ في يوم شتاء له *** من سُحبه ما خلّف النّيلا

خرجتُ من بيتي سراجاً وقد *** عدتُ بحمد الله قنديلا

ويسخر في موضع آخر من شكله؛ فهو أبيض البشرة، أشقر الشعر، ذو عينين زرقاوين. وهذا الشكل غريب على العرب الذين تغلب عليهم السمرة في البشرة والسواد في الشعر والعينين: فهو لا يشبه العرب، كما لا يشبه الفرسان لأن مركوبه الحمار لا الفرس الكريم(74):

ومن رآني والحمار مركبي *** وزُرقتي للرّوم عرقٌ قد ضرب

قال وقد أبصر وجهي مُقبلاً *** لا فارس الخيل ولا وجه العرب

ويفضح ابن نباتة نفسه أمام الناس، ويضحكهم عليه بذكر صبوته إلى النساء على الرغم

من ضعفه الجنسي، هذا الضعف الذي جعل نساءه محرمات عليه وكأنهن عماته وخالاته، كما

يقول(75):

يا عجباً لي بعد عصر الصّبا *** مُخالفٌ في كلّ حالاتي

أصبو وقد أصبحتُ من نسوتي *** ما بين عماتي وخالاتي

4-التحامق العبثي بقصد إضحاك الناس فحسب: فقد لجأ كثير من الشعراء إلى إضحاك الناس عليهم، محوّلين النكتة التي تجري على ألسنتهم أو ألسنة العوام إلى شعر، من خلال بيتين أو أكثر بقليل، تسهيلاً للحفظ على العامة، وتكثيفاً للمعنى. وهذا التحول من جديد الشعراء في العصر المملوكي، وهو تحوّل يعكس ما جبلت عليه نفوس الشعراء –ولاسيما المصريين- من سخرية وحب للتندر، حتى لو كان موضوع التندر الشاعر نفسه. لكن هذا التحول لم يقدم شيئاً ذا بال إلى الشعر العربي عموماً، والمملوكي خصوصاً، لأنه مجرد نظم، وإن حوى أحياناً بعض الفن، وهو يشير في النهاية إلى تردي الذوق العام، وضآلة ما للشعراء من ثقافة وموهبة، كما يشير إلى فراغ كبير في حياة هؤلاء الشعراء الذين نظموا في موضوعات بعيدة كثيراً أو قليلاً عن معاناتهم وهمومهم. وأي نفع من أن يصف المرء نفسه بأنه قذر كُرُوش الحيوانات؟ وأي فضل له في أن يجعل موطنه تلك الكروش؟(76):

أيها اللائمي لأكلي كُروشاً *** أتقنوها في غاية الإتقان

لا تلُمني على الكُروش فحُبّي *** وطني من دلائل الإيمان

ويصف ابن نباتة (صُنان إبطه) الذي تفوح رائحته النتنة، فيضطر الشاعر إلى إخفائها بطيّ إبطه، فيبدو وكأنه لص مريب سرق شيئاً وأخفاه تحت إبطه حتى لا يراه الناس(77):

لي صُنانٌ أعاذك الله منه *** كم أُواري إبطي به وأُغطّي

فكأني في الناس لصٌّ مُريبٌ *** أتخفّى وعملتي تحت إبطي

السمات الفنية لشعر التحامق:

1-بنية القصيدة:

آ-إفراد شعر التحامق في قصائد مستقلة، بعد أن كان في معظمه أبياتاً متناثرة في ثنايا القصيدة، مما يشير إلى أهميته في نظر الشعراء أصحاب هذا الاتجاه. وهذا من جديد الشعراء في العصر المملوكي.

ب-بروز مقدمات جديدة لقصيدة المديح في الشعر المملوكي، تقوم على التحامق، بعد أن كان الشعراء يكثرون من المقدمات التقليدية كالمقدمة الغزلية والخمرية والطللية والوصفية. وتحمل مقدمات التحامق دلالة قوية على إحساس الشعراء بذواتهم، والرغبة في التعبير عنها في مطلع القصيدة، وهو مطلع كان يخصصه الشاعر للتعبير عن مشاعره تجاه من يحب، من خلال المقدمة الطللية أكثر المقدمات شيوعاً في الشعر العربي، ولاسيما القديم منه، وإن تخفف الشعراء العباسيون منها كثيراً مفسحين المجال للمقدمة الغزلية لتحل محلها. وكان من الممكن أن يستمر التقديم بالتحامق للقصيدة المدحية لولا سلطة القديم في النفوس التي بلغت حد التقديس، وتشدد النقاد في حماية القديم والدفاع عنه، فعاد كثير من الشعراء إلى المقدمات التقليدية، من غير أن يربطهم بها شيء من الصدق في المشاعر والقول في كثير من الأحيان. وفي هذا خسارة كبيرة للشعر العربي الذي أوشك أن يلقي كثيراً من القيود التي كبلت الشعراء باسم الولاء للقديم والنهج على منواله والمحافظة عليه.

فمن مقدمات التحامق التي تصدرت قصائد المديح في الشعر المملوكي ما قاله الشاعر أبو الحسين الجزار في مديح ناظر ثغر الإسكندرية (صدر الدين بن القرميسينيّ). وقد بدأ هذه القصيدة بمقدمة يصف فيها فقره –بأسلوب المتحامقين- وسوء حاله، من خلال تسعة عشر بيتاً، في حين خص المديح بستة أبيات فحسب، معظمها في تصوير فاقته أيضاً، وشخصية الممدوح فيها باهتة المعالم، فقال في المقدمة:

لي من الشمس خلعةٌ صفراءُ *** لا أُبا لي إذا أتاني الشتاءُ

ومن الزّمهرير إن حدث الغي *** مُ ثيابي وطيلساني الهواء

بيتي الأرضُ والفضاءُ به سُو *** رٌ مُدارٌ وسقفُ بيتي السماء

لو تراني في الشمس والبردُ قد أن *** حل جسمي لقلت إني هباء..

ثم يتابع وصف سوء حاله حتى يصل إلى المديح، فيحسن الانتقال إليه من خلال كلمة (الصدر) التي يريد بها الممدوح على سبيل التورية، فيقول(79):

أنت يا قلبُ بعد فُرقتك الصّد *** ر غريبٌ وهكذا الغرباءُ

لي من جاهه وأخلاقه عن *** د هجير الخُطوب ظلٌّ وماء

ويبدأ بعض قصائده المدحية الأخرى ببيت واحد يذكر فيه اسم الممدوح، ثم يسهب في وصف فقره وسوء حاله على مذهب التحامق، وكأن الغاية من تلك المدحة ذكر سوء حاله لا المديح. كقوله في قصيدة موجهة إلى أحد الأمراء يذكر فيها حرمانه من الطعام والحلوى ولا سيما الكنافة(80):

أيهذا الأميرُ قد أشكل المع *** نى وما زلت عارفاً بالمعاني

فإذا سحّر المُسحّرُ ليلاً *** ألتقي الأمر فيه بالعصيان

كلما بات وهو يأمرُ بالأك *** ل أتى الفقرُ مُقبلاً فنهاني

ما رأت عيني الكُنافة إلا *** عند بيّاعها على الدُّكّان

ولعمري ما عاينت مُقلتي قط *** راً سوى دمعها من الحرمان

ولكم ليلة شبعتُ من الجُو *** ع عشاءً إن جُزتُ بالحلواني..

كما مرت بنا قصيدته التي وجهها إلى ممدوحه جمال الدين بن مطروح، ومطلعها:

يا جمال الدين لي حق *** قٌ على المولى وحُرمه

وفيها يفصّل القول في هذا الحق وفي تلك الحرمة؛ فيذكر الهم الذي لم يعد يطيق كتمه بسبب ما أصابه من برد في الشتاء، وليس لديه ما يقيه شره إلا لحافٌ بال، فبدا وكأنه ميت منبوش من القبر، أو خرقة بالية.

ويفتتح البوصيري قصيدة مدحية له في الوزير ابن حنّا (672ه-) ببيت واحد يذكر فيه هذا الوزير، وكيف أن الأيام تطيعه في أمره، ثم ينتقل إلى وصف فقره وسوء حاله وحال أسرته وخلافه مع زوجته التي ضربته بالآجرة في أربعة وعشرين بيتاً ليس فيها ذكرٌ للممدوح، وكأنه نسيه، أو تناساه عمداً لانشغاله بوصف فقره(81):

يا أيها المولى الوزيرُ الذي *** أيامُه طائعةٌ أمره

إليك نشكو حالنا إننا *** عائلةٌ في غاية الكثره..

ج-وفرة المقطعات: لابد أولاً من أن نشير إلى أن كثيراً من شعر التحامق جاء على شكل مقطعات، في حين تقل القصائد الطوال أو المتوسطة الطول. وهذه المقطعات لم تكن بقايا قصائد طوال ضاع معظمها، وبقي منها بيتان أو أكثر بقليل، بل إن الشعراء قصدوا إليها قصداً لعدد من الأسباب؛ أولها مقدرة المقطعة على التعبير عن فكرة واحدة أكثر من القصيدة الطويلة، لأن الشاعر لو أراد أن يصُبّ فكرة واحدة في القصيدة لضاعت حرارتها، وفقدت توهجها، لأنه سيلجأ إلى التكرار وتوليد المعنى من أخيه، مما سيجعل الأبيات تبدو فضفاضة كمن يلبس ثوباً أكبر من حجم جسده، وثانيها رغبة الشاعر في سيرورة شعره على ألسنة الناس، لأن حفظ بيتين أو ثلاثة أسهل كثيراً من حفظ قصيدة طويلة، وثالثها ضآلة حظ كثير من الشعراء في العصر المملوكي من الثقافة، فيلجأ الشاعر إلى المقطعة لأنه يخشى الإطالة التي قد تكشف ضعف شاعريته، فلا بأس عندئذ أن يركز الناظم جهده في بيتين أو ثلاثة، يودع فيها فكرة واحدة، تستمد وجودها اللغوي من الأدب القديم والقرآن الكريم والحديث الشريف ومأثور الكلام، مع تكثيف شديد للمعنى اعتماداً على مختلف صنوف البديع، "فلم لا يكون كلُّ المتعلمين شعراء ما دام الأمر كذلك"(82). ولعل هذا يفسر كثرة الشعراء من غير الكبار والمشهورين في العصر المملوكي، ووفرة المقطعات.

2-لغة شعر التحامق:

مال شعر التحامق إلى السهولة في المعاني وفي الأساليب على حد سواء. وهذا يعود إلى سبيين؛ أولهما رغبة الشعراء في سيرورة أشعارهم ورواجها عند العامة التي كان حظها من الثقافة ضئيلاً، وثانيهما ضآلة حظ كثير من الشعراء من الثقافة، فانعكس ذلك وضوحاً وسهولة في أشعارهم.

ولما كان التقرب من العامة لنيل رضاها هدفاً سعى إليه الشعراء المتحامقون كان لابد من تسلل كثير من مفردات العامة وتعابيرها إلى ألسنة الشعراء، راغبين بذلك أم مدفوعين إليه بسبب ما أشرنا إليه من ضآلة حظهم من الثقافة، فبرزت ألفاظ وتراكيب عامية، وأخرى أعجمية، لجريانها على ألسنة الشعراء وغيرهم.

فمن أمثلة المفردات العامية قول الشاعر ابن دانيال يصف فقره الشديد الذي اضطره إلى النوم على (طرّاحة) محشوة بالقمل الذي يشبه السمسم المتفرق. وكلمة طراحة عامية تعني الفراش الخفيف الذي يُعدّ للنوم والاضطجاع(83):

مُلقىً على (طرّاحة) في حشوها *** قملٌ شبيهُ السّمسم المُتبدّد

وقد يتصرف الشاعر بصيغة عربية الأصل، فيأتي بصيغة جديدة لا توافق عليها معاجم اللغة العربية، كقول ابن دانيال مستخدماً الفعل (انهرى) بمعنى اهترأ، في مقام التعبير عن فقره وسوء حاله(84):

لم يبق عندي ما يُباعُ ويُشترى *** إلا حصيراً قد تساوى بالثّرى

وبقيّة النّطع الذي لعبت به *** أيدي البلى لما تمزّق و(انهرى)

كما يستخدم الشاعر ابن النقيب جمعاً عامياً مصرياً هو (كوارع) بدلاً من أكارع أو أكرُع. وكلها جمع لكلمة كُراع (ما بين الركبة والكعب)، فيقول يصف نفاق جواده الذي كان يسابق الريح، وحصوله على آخر مسن لا يستطيع المشي، وكأنه بلا (كوارع)(85):

فإذا قيل كم بقي لك رأسٌ *** قلتُ رأسٌ لكن بغير (كوارع)

وكثيراً ما يلجأ الشاعر المتحامق –تظرفاً- إلى التراكيب العامية في معرض كلامه على تحامقه، وهذا أسهل عليه وعلى العامة، كقول الشاعر ابن دانيال مستخدماً التعبير العامي المصري (لا فوقي ولا تحتي)، وهو تعبير يدل على العدم والفقر التام(86):

ما عاينت عيناي في عُطلتي *** أقلّ من حظي ومن بختي

قد بعتُ عبدي وحماري وقد *** أصبحتُ (لا فوقي ولا تحتي)

أو كقول البوصيري يخاطب الوزير ابن حنّا في قصيدته التي يصف فيها سوء حاله وحال عياله، مستخدماً تعبيراً عامياً مصرياً هو (بالخيط والإبرة)، يريد به تفصيل المعنى. وقد مرت

بنا(87):

أُحدّثُ المولى الحديث الذي *** جرى لهم بالخيط والإبره

وقد يلجأ الشاعر إلى استخدام ألفاظ أعجمية في شعره، وهذا كثير في الشعر العربي، ولا سيما في العصر المملوكي، لأن السلاطين المماليك وكثيراً من وزرائهم ونوابهم وأمرائهم وقوادهم كانوا أتراكاً، كما أن حكمهم امتد ثلاث مئة سنة تقريباً، فمن الطبيعي أن تنتشر لغتهم بين العامة، ولاسيما إذا عرفنا أن إتقانها كان شرطاً لازماً من شروط التقرب إليهم في الوظائف الكبيرة وغيرها. من ذلك قول الشاعر أبي الحسين الجزار يصف سوء معاملة الأتراك له باستخدام بعض الألفاظ التركية(88):

وكم قابلتُ تركياً بمدحي *** فكان لما أحاولُ منه يحنق

ويلطمُني إذا ما قلتُ (ألطُن) *** ويرمقُني إذا ما قلتُ (يرمق)

وتسقُطُ حُرمتي أبداً لديه *** فلو أني عطستُ لقال (يشمق)

(ألطُن: الذهب الخالص. يرمق: الإتعاب وسوء المكافأة. يشمق: غطّ وجهك). يريد أن يقول: إن هذا الممدوح لا يقدرني حق قدري، فإذا طلبت منه مالاً لطمني على وجهي، وإذا أشرت إلى عدم تقديره لي رمقني متوعداً، وكأنني بلا قيمة عنده ولا مكانة، حتى إنني إذا عطست قال لي: غط وجهك، أو أشح بوجهك عني. وقد مرت بنا ألفاظ أعجمية أخرى في ثنايا هذا البحث.

3-الصنعة البديعية:

أكثر الشعراء المماليك من الاعتماد على شتى صنوف البديع. معتقدين أنهم يجددون، وأن الإغراق في الصنعة دليل على التقدم والشاعرية، فتسابقوا في إكساء أشعارهم ثياباً من الصنعة المختلفة، لعل من أهمها التورية، يساندهم في ذلك نقاد عصرهم الكبار، الذين رأوا التورية مقياساً للشاعرية والفحولة. فما التورية، وما أهميتها في الشعر؟ التورية "مصدر ورّيتُ الخبر توريةً إذا سترتُه وأظهرت غيره"، كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر، "وهي في الاصطلاح أن يذكر المتكلم لفظاً مفرداً له معنيان حقيقيان، أو حقيقة ومجاز، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويُورّي عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب، وليس كذلك"(89). فالتورية بهذا التعريف امتحانٌ عقليٌّ للسامع، لذا سميت أيضاً (الإيهام) لأن المتكلم يوهم السامع بشيء ويريد شيئاً آخر.

وتكمن أهمية التورية في تحويل ذهن السامع إلى معنى آخر بعيد، قد يكون في ذكره إحراج للشاعر، أو مجلبةٌ للأذى. لذا كانت التورية سلاحاً ماضياً في التنفيس عما في صدور الشعراء تجاه حكامهم الظالمين، لكنها فقدت كثيراً من هذه الأهمية عندما استخدموها في التحامق، فغدت مجالاً خصباً للتعبير عن سخرياتهم من أنفسهم، ففقدت بذلك وظيفتها الأساسية في حماية الشاعر من الظلم والإحراج، ولم تعد وسيلة تساعده في قول ما يريد، بل صارت غاية في نفسها، وامتحاناً للذهن، وكدّاً للعقل.

من تلك التوريات التي قيلت على سبيل التحامق قول الشاعر ابن دانيال يشبه نفسه بالكلب، مادام هذا التشبيه سيجلب له الطعام، فقال يخاطب ممدوحه(90):

دعوتني للعُرس يا سيدي *** فكدتُ أن أحضُر من أمس

وها أنا الليلة في داركم *** فالكلبُ لا يهرُبُ من (عرس)

والتورية في كلمة (عرس)، يريد بها ابن عرس، وهي "دُويبّة كالفأرة تفتك بالدجاج

ونحوها"(91). فالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن هو العُرس بمعنى الزفاف، لكنه ليس المقصود.

ثم يورّي في مهنته –كان طبيباً كحالاً يداوي العيون- التي أصابها الكساد فيقول(92):

يا سائلي عن حرفتي في الورى *** واضيعتي فيهم وإفلاسي

ما حالُ من درهمُ إنفاقه *** يأخذُه من (أعين) الناس

والتورية في كلمة (أعين)، يريد أن يقول: إنني أحصل على المال في حرفتي بصعوبة بالغة، وكأنني آخذه من عيون الناس، وهم لا يريدون إعطاءه لي، أي آخذه قهراً وغصباً. وقد أوهمنا بالمعنى القريب وهو أخذه المال لقاء مداواة عيون الناس. وليس هو المعنى المقصود.

ويوهم ابن نباتة السامع بذكر كلمة (الدقيق) التي يريد بها دقيق القمح، لا دقيق المعنى، بعد أن أصبح فقيراً، همه الحصول على الطعام لا قول الشعر(93):

استنشدوني لطيف شعري *** والقلبُ بالجوع في حريق

وقيل هل من دقيق معنىً *** فقلتُ: لهفي على (الدّقيق)

من كل ما تقدم ذكره نستطيع القول: إن مجتمع العصر المملوكي مجتمع معقد، انعكس تعقيده في الأدب، كما انعكس في غيره، فظهرت فيه اتجاهات وقيم شتى متباينة أشد التباين، إيجابية وسلبية، ومن الظلم أن نصف هذا العصر بالانحدار والانحطاط في الأدب، فكما أبرز هذا المجتمع اللصوص والشطار والمُجّان والمتحامقين، أبرز أيضاً كتاباً وشعراء وقضاة ومتأدبين وعلماء، حظهم من الإجادة والفضل والتقدم كبير. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الكبيرة التي تقف على مفترق الطرق كالمجتمع المملوكي.

واتضح مما قدمنا من أشعار في التحامق اتجاه الشعر العربي بقوة نحو التعبير عن المشاعر الفردية، وتصوير هموم الناس ومشكلاتهم. فلم يعد كثير من الشعر تقليداً أعمى للشعر القديم، أو صبّاً للمعاني في قوالبه الجاهزة، بل صار تعبيراً عن النفس المقهورة التي هزمها حكامها بما أحدثوه من مظالم، وما لحقها من كوارث، لكنهم لم يستطيعوا سلبها روح السخرية، فعبرت من خلالها عن همومها ومشكلاتها. وهذا الاتجاه مهم في تاريخ الأدب العربي، وفي صالحه، لأنه خطا به خطوات واثقة في الاتجاه الصحيح، لكن هذه الخطوات لم يكتب لها الاستمرار طويلاً، وعاد سلطان الأدب القديم قوياً في النفوس، على حساب تلك الاتجاهات الجديدة، وإن لم يقض عليها نهائياً.

ويعدّ شعر التحامق وثيقة تاريخية تكشف عن كثير من جوانب الظلم والفساد اللذين أصابا المجتمع المملوكي، كما يعد وثيقة نفسية تفصح عن أحوال الشعراء والناس الذين استعلوا على واقعهم الفاسد بالسخرية منه ورفضه رفضاً نفسياً، بعد أن تعذر عليهم رفضه بالفعل. صحيح أن في هذه الأشعار مبالغات واضحة، لكن هذه المبالغات تخفي وراءها حقائق ثابتة، زاد الشعراء المتحامقون في تضخيمها ليلفتوا أنظار الحكام إليها، لعل أحدهم يمد لهؤلاء الشعراء يد المساعدة، فيصلح ما فسد، ويقوّم ما اعوج.

لكن رواج هذا اللون من النظم عند العامة وغيرهم من نقاد ذلك الزمان يشير إلى تردي الذوق العام، ولا يحمل كثيراً من الأهمية للشعر من الناحية الفنية، وإن كان مضمونه مهماً ومؤثراً.

ومما يحمد للشعراء المتحامقين تجديدهم الواسع في بنية القصيدة، فألغوا مقدماتها حيناً، واستبدلوا بها مقدمات تصف فقرهم وسوء أحوالهم حيناً آخر، وحاولوا الاستقلال بالتحامق في القصيدة حيناً ثالثاً، لكن جميع محاولاتهم لم تكن قادرة على التصدي لتقاليد الشعر العربي الراسخة، ولاسيما المقدمات، والتغلب عليها، وإن كانت محاولاتهم جديرة بالاهتمام.

الحواشي:

1- طبقات الشعراء ابن المعتز،: 341.

2- لسان العرب: ابن منظور، مادة حمق.

3-انظر الأغاني: الأصفهاني، 23/75-76.

4-المصدر نفسه: 23/85.

5- المصدر نفسه: 23/76.

6- شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني: 106-107. مشُوم: مشؤوم. غشوم: ظلوم.

7- الشعر الشعبي الساخر في عصور المماليك: النجّار 82-83.

8-انظر النجوم الزاهرة: ابن تغري بردي، 8/275.

9-انظر تاريخ مصر: ابن إياس، 919-929، 985، 996-998، 1283.

10-انظر فوات الوفيات: الكتبي، 1/139-140.

11-انظر سكردان السلطان: ابن أبي حجلة، 401، النجوم الزاهرة: وابن تغري بردي، 10/102.

12-13- النجوم الزاهرة: ابن تغري بردي، 8/52.

14-انظر فوات الوفيات: الكتبي، 3/358.

15- الذيل على الروضتين: المقدسي، 225.

16- الوافي بالوفيات: الصفدي، 2/6، وانظر النجوم الزاهرة: ابن تغري بردي، 11/68.

17- بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى: عاشور، 125.

18-انظر النّهج السديد: ابن أبي الفضائل، 77، ذيل مرآة الزمان: واليونيني، 1/498-499.

19- الشعر الشعبي الساخر: النجار، 853.

20- السلوك: المقريزي، 2 ق 3/696، وانظر فيه أيضاً: 3 ق 1/8.

21- النجوم الزاهرة: ابن تغري بردي، 11/262.

22- تاريخ مصر: ابن إياس، 742-741. وانظر إغاثة الأمة: المقريزي، 37-38.

23-انظر ديوان ابن الوردي: ابن الوردي، 197، 325، وانظر تتمة المختصر: 2/501.

24-انظر إغاثة الأمة: المقريزي: 43-44.

25-انظر تتمة المختصر: ابن الوردي، 2/487.

26-انظر معيد النعم: السبكي، 91. سُمّر: أغلق بالمسامير.

27-انظر، تتمة المختصر: 2/434.

28- إنباء الغمر بأبناء العمر: العسقلاني، 1/148.

29- الأدب في العصر المملوكي: زغلول، 2/105.

30- النجوم الزاهرة: 9/52.

31- ديوان البوصيري: 241.

32- النجوم الزاهرة: 7/369.

33- ديوان ابن نباتة: 400. وانظر خزانة الأدب: الحموي، 246.

34- ريحانة الألبا: الخفاجي، 1/422. البدال: استعمال عامي معناه أن يتبادل رجلان امرأتيهما حراماً.

35- نصرة الثائر: الصفدي، 331.

36- ديوان ابن الوردي: 302. وانظر فيه أيضاً: 240.

37- خزانة الأدب: 252. وانظر فيه أيضاً: 249.

38، 39- المغرب ابن سعيد، 4/135. حرافاً: انحرافاً.

40- ابن دقيق حياته وديوانه: 181. هامياً: سائلاً ونازلاً.

41، 42- ذيل مرآة الزمان: 3/19. المين: الكذب.

43- السلوك: 1 ق 3/904. والبيتان لعلاء الدين الوداعي.

44- الغيث المسجم: الصفدي، 2/29. والبيتان لسراج الدين الوراق. وفي كلمة (الراحة) الثانية تورية يريد بها راحة اليد.

45- فوات الوفيات: الكتبي، 4/289.

46- الوافي بالوفيات: الصفدي، 3/52.

47- خيال الظل: حمادة، 219.

48- المغرب: 4/155: يُنجش: يُنبش. رُمّة: خرقة أو عظمة بالية.

49- ديوان البوصيري: 117. وانظر فيه أيضاً: 189. فترة: توان وتأخُّر. ضجرة: من الضجر وهو الضّيق والتبرُّم بالشيء. بعرة: إشارة إلى التحقير والاستهانة به. مُحترّة: تنظر بحدة من شدة الغضب. آجرة: لبنة محروقة معدة للبناء.

50-المصدر السابق: 189. التجريس: عقوبة من عقوبات المماليك "فكان الحكام إذا أرادوا التشهير بمذنب أركبوه ووجهه إلى ذيل الحمار، ويصيح الأطفال صيحات مناسبة، فإن كان لصاً جعلوه يمسك الحلي أو النقود التي سرقها، وإذا كانت الجريمة زنى شهروه بكلمات تدل على عمله". قاموس العادات: أمين، 136-137. وكان الموكلون بهذا المذنب يحملون أجراساً بأيديهم يقرعونها لجذب انتباه الناس.

51- ديوان ابن نباتة: 457. وانظر فيه أيضاً: 531. الحلّة: إناء معدني يُطهى فيه الطعام.

52-المصدر السابق: 235. الكير: جهاز من جلد أو نحوه، يستخدمه الحداد وغيره للنفخ في النار.

53- ديوان صفي الدين الحلي: 625-626. صوّح: يبس حتى تشقّق. ذوى: ذبل.

54-فوات الوفيات: 1/329-330. القُطاعة: الرّغوة. البراوات: جمع براوة، وهو ما يتبقى من قطعة الصابون بعد الاستعمال. الغُزّ: قبيلة من الترك. المرقدار: مصطلح تركي معناه الذي يُعنى بشؤون المطبخ، وقد سمي بذلك لكثرة معاطاته لمرق الطعام وغيره. انظر صبح الأعشى: 5/470. زبادي: جمع زُبديّة: وعاء من الخزف المحروق المطلي بالميناء، يخثر فيها اللبن (المعجم الوسيط: مادة زبد). الوقّاد: الذي يشعل النار في الحمام وغيره. خليع: قديم. كُداد: بال، الأعواد: يريد بها عظام البرذون الناحلة البارزة كالعيدان. الجلاد: الضرب ومقارعة الخصوم. الجُفون: جمع جفن: غمد السيف ونحوه. اللّبث: البقاء. الكشخان: الدّيّوث أو القرنان. بيكار: ميدان القتال بالتركية. خبزي: مصطلح مملوكي معناه راتبي.

55- الغيث المسجم: 1 الصفدي، /106. عنا: عناء، فنا: فناء.

56- المغرب: 4/134-135. كُعتُ: ضعُفتُ وتعبت.

57- الفلاكة والمفلوكون: الدلجي، 167. الفلاكة: هي الفقر والإهمال. المفلوكون: جمع مفلوك، وهو الفقير المهمل بين الناس لقلة حظه وفقره.

58- تاريخ مصر: ابن إياس، 89.

59- المواعظ والاعتبار: المقريزي، 2/22.

60- الفلاكة والمفلوكون: 168.

61- ديوان ابن الوردي: 256. وانظر فيه أيضاً: 310.

62- فوات الوفيات: 4/289.

63-المصدر السابق: 4/292. وانظر المغرب: 4/156. غلاّبي: (بالغين المعجمة) كذا في الأصل، ولعل الصواب (علابي) بالعين المهملة. وهو الذي يضع الحلوى في العلب ليبيعها.

64- ديوان ابن نباتة: 80. وانظر فيه أيضاً: 19، 282، 335. عتا: جاوز الحد.

65- ديوان امرئ القيس: 8.

66-المصدر السابق: 27.

67- ذيل مرآة الزمان: 4/71. وانظر معارضة أخرى للشاعر نفسه في الغيث المسجم: 2/251. دُرّاعة: جُبّة من صوف مشقوقة المُقدّم. القياسر: الخان أو المكان الواسع يكون للخيول والناس والمؤن. توضح والمقراة: موضعان ذكرهما امرؤ القيس في معلقته: فرجيّة: ثوب واسع طويل الأكمام يتزيّا به علماء الدين: المُؤثّل: الأصيل.

68- ديوان صفي الدين الحلي: 625-626. الكبس: الهجوم على الشخص والإحاطة به. النّكس: طأطأة الرأس أو العبوس.

69- البداية والنهاية: ابن كثير، 13/315.

70- فوات الوفيات: 3/337. أصطلي: أستدفئ. الآل: السراب. ضروب: كذا في الأصل، ولعل الصواب: ضروس أي شديد مهلك. العيّار: اللص المحتال. القار: الزّفت. الحومة من القتال: أشد موضع فيه. الأزيار: جمع زير: جرة كبيرة يوضع فيها الماء. الدّكّة: مقعد مستطيل من خشب غالباً يُجلس عليه. البيطار: معالج الدواب.

71- الغيث المسجم: 1/152.

72، 73- خزانة الأدب: 244.

74- الوافي بالوفيات: 1/227.

75- ديوان ابن نباتة: 79.

76- فوات الوفيات: 129. والبيتان للشاعر شهاب الدين بن غانم (737ه-).

77- ديوان ابن نباتة: 287.

78- المغرب: 4/130-130. خلعة: ثوب يُهدى. الطيلسان: "ضربٌ من الأوشحة، يلبس على الكتف أو يحيط بالبدن، خال من التفصيل والخياطة، أو هو ما يعرف بالعامية المصرية بالشال". المعجم الوسيط: مادة طلس.

7- المغرب: 4/141.

80-المصدر نفسه: 4/155.

81- ديوان البوصيري: 117.

82- النقد الأدبي في القرن الثامن الهجري: سلطاني، 186.

83- خيال الظل: حمادة، 34. وانظر فوات الوفيات: الكتبي، 4/219.

84-خيال الظل: 41. النّطع: بساط من جلد، كثيراً ما يُقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل.

85- مطالع البدور: الغزولي، 2/192.

86-الغيث المسجم: 1/88. وانظر خزانة الأدب:66.

87-ديوان البوصيري: 117. وانظر فيه أيضاً: 83.

88-فوات الوفيات: 4/290. وانظر فيه أيضاً: 1/329-330.

89-الحموي، خزانة الأدب: 239.

90=فوات الوفيات: 3/335.

91-المعجم الوسيط، مادة: عرس.

92- خزانة الأدب: 252.

93- ديوان ابن نباتة: 357. وانظر فيه أيضاً: 80.

فهرس المصادر والمراجع

أولاً: المصادر:

1-الأصفهاني أبو الفرج: الأغاني، الطبعة الثامنة، تحقيق لجنة من الأدباء بإشراف عبد الستار أحمد فراج، طبع دار الثقافة، بيروت، خمسة وعشرون جزءاً.

2-امرؤ القيس حندج بن حجر، (1964)، ديوان امرئ القيس، الطبعة الثانية، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع دار المعارف، مصر، سلسلة ذخائر العرب (24).

3-ابن إياس محمد بن أحمد، (1311)، تاريخ مصر المشهور ببدائع الزهور في وقائع الدهور، الطبعة الأولى، طبع المطبعة الأميرية، بولاق، القاهرة، ثلاثة أجزاء.

4-البوصيري محمد بن سعيد، (1955)، ديوان البوصيري، الطبعة الأولى، تحقيق محمد سيد الكيلاني، طبع مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.

5-ابن تغري بردي يوسف، (1972)، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الطبعة الأولى، طبع دار الكتب المصرية، القاهرة، ستة عشر جزءاً.

6-ابن أبي حجلة أحمد بن يحيى، (1957)، سكردان السلطان، الطبعة الثانية، طبع مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.

7-الحلبي صفي الدين عبد العزيز بن سرايا، ديوان صفي الدين الحلي، طبع دار صادر، بيروت.

8-الحموي بن حجة أبو بكر بن علي، (1304)، خزانة الأدب وغاية الأدب، الطبعة الأولى، طبع المطبعة الخيرية، القاهرة.

9-الخفاجي أحمد بن محمد، (1967)، ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا، الطبعة الأولى، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، طبع مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، جزءان.

10-ابن دقيق محمد بن علي، (1960)، ابن دقيق العيد حياته وديوانه، الطبعة الأولى، تحقيق علي صافي حسين، طبع دار المعارف، القاهرة.

11-الدلجي أحمد بن علي، (1385)، الفلاكة والمفلوكون، الطبعة الأولى، طبع مطبعة الآداب، النجف، العراق.

12-سبط بن الجوزي يوسف بن قزا أوغلي، (1370)، مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، الطبعة الأولى، طبع مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، ثمانية أجزاء.

13-السبكي عبد الوهاب بن علي، معيد النعم ومبيد النقم، الطبعة الأولى، طبع المطبعة الأدبية، مصر، مطبوع على هامش كتاب تفريج المهج بتلويح الفرج.

14-ابن سعيد علي بن موسى، المغرب في حلى المغرب، الطبعة الأولى، تحقيق كنوت تلكوست، طبع مطبعة ليدن.

15-الصفدي صلاح الدين خليل بن أبيك،

-(1305)، الغيث في شرح لامية العجم، الطبعة الأولى، طبع المطبعة الأزهرية، القاهرة،

-(1961)، الوافي بالوفيات، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف هلموت ريتر، عدة أجزاء.

-(1971)، نصرة الثائر على المثل السائر، الطبعة الأولى، تحقيق محمد علي سلطاني، طبع مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.

16-العسقلاني أحمد بن حجر، (1399)، إنباء الغمر بأبناء العمر، تحقيق محمد أحمد دهمان، دمشق.

17-الغزولي علي بن عبد الله، (1299)، مطالع البدور في منازل السرور، الطبعة الأولى، طبع مطبعة إدارة الوطن، مصر، جزءان.

18-ابن أبي الفضائل المفضل، النهج السديد والدر الفريد فيما بعد تاريخ ابن العميد، تحقيق بلوشت.

19-القلقشندي أحمد بن علي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، الطبعة الأولى، طبع وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، ثمانية عشر جزءاً.

20-ابن كثير إسماعيل بن عمر، (1358)، البداية والنهاية في التاريخ، الطبعة الأولى، طبع مطبعة السعادة، القاهرة، أربعة عشر جزءاً.

21-مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (1973)، المعجم الوسيط، الطبعة الثانية، بإشراف حسن علي عطية ومحمد شوقي أمين، طبع دار المعارف بمصر، جزءان.

22-المقدسي أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل، (1974)، تراجم رجال القرنين السادس والسابع المعروف بالذيل على الروضتين، الطبعة الثانية، مراجعة محمد زاهد الكوثري، طبع دار الجيل، بيروت.

23-المقريزي أحمد بن علي،

-(1270)، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية، الطبعة الأولى، طبع مكتبة المثنى، بغداد، جزءان.

-(1936)، السلوك لمعرفة دول الملوك، الطبعة الأولى، تحقيق محمد مصطفى زيادة، طبع دار الكتب المصرية، أربعة أجزاء.

-(1940)، إغاثة الأمة بكشف الغمة، الطبعة الأولى، تحقيق محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال، طبع مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.

24-ابن منظور محمد بن مكرم، (1980)، لسان العرب، الطبعة الأولى، طبع دار المعارف، القاهرة، عشرة أجزاء.

25-ابن نباتة محمد بن محمد، ديوان ابن نباتة، تحقيق عبد العزيز قلقلية، مصر.

26-الهمذاني بديع الزمان أحمد بن الحسين، (1962)، شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبع مطبعة المدني، القاهرة.

27-ابن الوردي زين الدين عمر بن مظفر،

-(1970)، تتمة المختصر في أخبار البشر (تاريخ ابن الوردي)، الطبعة الأولى، تحقيق أحمد رفعت البدراوي، نشر دار المعرفة، بيروت، جزءان.

-(1300)، ديوان ابن الوردي، الطبعة الأولى، طبع مطبعة الجوائب، القسطنطينية، تركية.

28-اليونيني موسى بن محمد، (1954)، ذيل مرآة الزمان، الطبعة الأولى، طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، أربعة أجزاء.

ثانياً: المراجع:

1-أمين أحمد، (1953)، قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية، الطبعة الأولى، طبع مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.

2-حمادة إبراهيم، (1936)، خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال، طبع مطبعة مصر.

3-سلطاني محمد علي، (1973)، النقد الأدبي في القرن الثامن الهجري بين الصفدي ومعاصريه، الطبعة الأولى، طبع مطبعة الحجاز، دمشق.

4-عاشور سعيد عبد الفتاح، (1977)، بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى، الطبعة الأولى، طبع في جامعة بيروت العربية.

5-النجار محمد رجب، (1982)، الشعر الشعبي الساخر في عصور المماليك، مقال منشور في مجلة عالم الفكر، المجلد الثالث عشر، العدد الثالث، الكويت

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 83-84

150 Views

عن

إلى الأعلى