الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » السيرة » اكتشاف رسم لأحد سيوف النبي (ص) المعروف ( ب الصمصامة ) على أحد الدراهم المملوكية د. غسان هلال

اكتشاف رسم لأحد سيوف النبي (ص) المعروف ( ب الصمصامة ) على أحد الدراهم المملوكية د. غسان هلال


اكتشاف رسم لأحد سيوف النبي (ص) المعروف (بالصّمصامة) على أحد الدراهم المملوكية ـــ د. غسان هلال(1)

لقد اكتشفت على أحد الدراهم الأصلية الواضحة والوحيدة للسلطان المملوكي الظاهر بيبرس، والمضروب في دمشق المحروسة برمضان سنة 667هـ، اكتشافاً هاماً جداً لم يذكره أحد من الباحثين قبل الآن وهو وجود سيف واضح على ظهر الأسد.‏

أخذت أبحث في المراجع عن ماهية هذا السيف، فتبين لي من خلال كتب ( رسالة الكندي في جواهر السيوف) بأنه رسم للسيف اليمني العتيق يدعى (الصّمصام). وهو سيف مشهور جداً في التاريخ العربي القديم ومصنّع أصلاً من قبل الحميريين (115ق.م- 525م).‏

ذكر الفيلسوف الكندي في الكتاب المذكور وصفاً مفصلاً (بدون رسم) لشكل السيف اليمني العتيق(2)، والذي يتوافق مع شكل سيف الدرهم، أن السيوف اليمنية العتيقة التي يزن الواحد منها ثلاثة أرطال إلا ربع تكون نصالها شديدة الالتواء. وهذا الوصف ينطبق على سيف الدرهم، حيث أن له نصلاً شديد الالتواء أيضاً، (الصورة المكبرة جداً والمائلة لخلف الدرهم، وذلك بالنظر إليه بشكل مائل ومن أعلى الرسم إلى أسفله).‏

وأود أن ألفت الانتباه إلى أن الكندي أشار أنه يوجد على سيلان السيف اليمني العتيق أربع شطب مدورة متساوية، بينما يوجد على سيلان سيف الدرهم أربع كريات متساوية عوضاً عن أربع شطب مدورة متساوية، لأن النقاش لم يستطع نقش هذه الشطب المدورة المتساوية ضمن (0.5)ملم (وهو عرض سيلان سيف الدرهم). كما أنه لم ينقش طرف السيلان المخروط لعدم وجود مسافة كافية لذلك.‏

ومن الملاحظ أن الكندي لم يذكر في رسالته أن بداية القسم المعوج من نصل السيف اليمني العتيق مخروط، لبداهة الموضوع لاسيما أنه ذكر أن طرف سيلانه المتصل بالقسم المعوج منه مخروط، لذلك لا بد أن تكون بداية القسم المعوج من نصل السيف اليمني العتيق المتصل بطرف السيلان مخروط أيضاً ليكون السيف متمادياً بين قسميه السيلان والمعوج.‏

وبعبارة أخرى، لا بد أن يكون هناك تزايد تدريجي في عرض القسم المعوج لاتصال بدايته بطرف السيلان المخروط الضيق.‏

ويبدو أن هذا التضيق الواقع بين السيلان والقسم المعوج هو الذي يعطي هذا السيف مرونته الكبيرة.‏

وهذا ينطبق على سيف الدرهم، حيث يلاحظ أن بداية القسم المعوج منه مخروط أيضاً.‏

يوجد أيضاً خلف رأس الأسد مباشرة، رسم واضح لساق وقدم بشرية، فالصورة أشبه ما تكون برسم لساق وقدم لشخص راكب على الأسد ومتقلداً سيفه.‏

وبما أن الأسد هو شعار الظاهر بيبرس، فمن المؤكد أن الشخص الذي يركبه متقلداً سيفه هو رسم للظاهر بيبرس نفسه، حيث أن من غير الممكن أن يركب شعاره شخص آخر غيره. وهذا ما كان يرمي إليه النقاش من نقشه، رسماً لساق وقدم بشرية خلف رأس الأسد مباشرة.‏

وعليه فالسيف الموجود على ظهر الأسد هو رسم لسيف الظاهر بيبرس وهو (الصّمصام).‏

ومما يؤكد أن سيف الظاهر بيبرس كان سيفاً يمانياً، ما ذكر في (سيرة الظاهر بيبرس "خمسة مجلدات"- التي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب- المجلد الأول ص 775) حين قال الراوي في معرض حديثه عن نزال جرى في حلب بين الأمير بيبرس (أي قبل أن يتسلطن) وأحد الفرسان اللئام (ولما توسط الميدان ولعب بالسيف اليماني، استقبل ذلك الفارس الذي كان نزل إليه، واندفع كأنه الأسد وضربه بالحسام وأطاح رأسه عن الهام.. الخ).‏

وأورد فيما يلي نبذة عن تاريخ هذا السيف المشهور المأخوذة عن دائرة المعارف الإسلامية جزء 14 ص 333-335، وعن الآثار النبوية لأحمد تيمور ص 26، وعن بعض أصحاب السير النبوية.‏

الصّمصامة:‏

الصّمصامة بكسر فسكون، ويقال الصّمصام أيضاً بلا تاء في آخره. سيف الشاعر العربي المقاتل عمرو بن معدي كرب الزبيدي. وذكره بعض أصحاب السير النبوية فيما صار إلى النبي (ص) من السيوف، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كابن سيد الناس في (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ج2، ص 318)، وعلي الحلبي في (السيرة الحلبية، ج2، ص 427). وقد اشتهر بصلابة حده ورهافته، وهو من خيرة سيوف العرب يرتد أصله إلى اليمن وتنسب إليه عراقة في القدم أبعد مما يتصور. ويذكر عمرو نفسه في بيت له يستشهد به كثيراً (ابن دريد ص 311؛ العقد [طبعة سنة 1923م] ج1 ص 46- ج2 ص 70؛ ابن بدرون ص 84؛ تاج العروس‏

ج6، ص 266) أن هذا السيف كان في وقت من الأوقات لابن ذي قيفان من قوم عاد (وهو من عشيرة حميرية)، [انظر Die Arabisch Frage: Hartmann ص 331، 613] ويجعلونه ملكاً من أواخر ملوك حمير من أسرة ذي جدن، على أن المرجح أن الشاعر إنما عنى أن يشير إلى العصر العظيم الذي ظهر فيه سلاحه. وتاريخ الصّمصامة ووقائعه تاريخ متشعب متشابك، بل إن هذا السيف وقع إبان حياة الشاعر في يد رجل من الأمويين هو خالد بن سعيد بن العاص من صحابة النبي (ص). وقد ذكرت الطريقة التي استحوذ بها خالد على هذا السيف بروايات عدة مختلفة، في ابن الكلبي (في كتاب البلاذري) وأبي عبيدة (في كتاب الأغاني) والزهري (في كتاب ابن حبيش) وسيف بن عمر (في كتاب الطبري) ويذكر سيف، أنّ خالداً غنمه في القتال بعد هزيمة عمرو بن معدي كرب، الذي اشترك في الفتنة التي أثارها على الإسلام، المتنبئ الأسود العنسي. ويذكر الثلاثة الأولون أن عمراً نفسه أعطاه لخالد فدية لأخته (أو زوجته) ريحانة التي كانت أسيرة في أيدي المسلمين. وقد نظم عمرو قصيدة بهذه المناسبة جرت المصادر العربية على الاستشهاد بها (ابن دريد ص 49؛ لسان العرب ج 15 ص 240… الخ). ولما توفي خالد بن سعيد في وقعة مرج الصفر إبان فتح الشام (عام 14هـ)، انتقل الصّمصامة إلى ابن أخيه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الذي أضاعه عندما كان يدافع عن الخليفة عثمان إبان حصاره في بيته في المدينة‏

(عام 35هـ). وقد عثر عليه بدوي من قبيلة جهينة ووجد معه في عهد معاوية. وأعيد السيف إلى صاحبه الأول، وظل ينتقل من فرد إلى آخر من أسرة بني العاص إلى أن باعه واحد منهم وهو أيوب بن أبي أيوب حفيد ابن سعيد، للخليفة المهدي نظير ثمانين ألف درهم أو نحوها. ومن ثم احتفظ بالصمصامة أثراً نفيساً بين كنوز العباسيين، واستمرت شهرته في الازدياد، وتغنى بمدحه شعراء مثل أبي الهول الحميري (الجاحظ: حياة الحيوان ج5 ص 30) وسلم الخاسر. ثم انتقل الصمصامة لابنه الهادي ثم للرشيد، وفي الكامل لابن الأثير ما يدل على بقائه عندهم إلى زمن الواثق. وفي أخبار المتوكل أنه كان عنده فدفعه إلى باغر التركي، فقتله باغر به لما غدر به الأتراك. قال ابن نباته في سرح العيون: ومن عند باغر انقطع خبره. وفي خبر رواه المقريزي في (خططه ج1 ص 417) أنه كان بخزانة السلاح الفاطمية بمصر، ثم نُهبت وقُسّمت على الأمراء الذين ثاروا 00000على المستنصر الفاطمي، كبني حمدان وشاور وغيرهم.‏

وبما أنه كان بهذه الخزانة كما ذكر، فيحتمل أن يكون قد وصل إلى الفاطميين بالشراء، من بعض تجار العراق بعد زمن المتوكل.‏

من هذه النبذة عن تاريخ الصّمصامة، نجد أنه استقر أخيراً في مصر، وهذا ما يفسر انتقاله إلى الظاهر بيبرس، حيث أن المصادر التاريخية لم تذكر صّمصاماً آخر غير صّمصامة عمرو بن معدي كرب الزبيدي.‏

وبعبارة أخرى، بما أن سيف الظاهر بيبرس هو بالتأكيد صّمصام كما بينت سابقا،ً. وعهد الظاهر بيبرس جاء بعد عهد المستنصر الفاطمي(3). ووجد هذا السيف مع الظاهر بيبرس بالقاهرة، أي في نفس المدينة التي كانت بها خزانة السلاح الفاطمية، والتي نهب منها هذا السيف وهي بالقاهرة أيضاً. لذلك لا بد أن يكون الصّمصام الذي وصل إلى الظاهر بيبرس هو صّمصامة عمرو بن معدي كرب الزبيدي، خاصة وأن المصادر التاريخية لم تذكر صمصاماً آخر غيره.‏

لذلك فرسم صّمصام الظاهر بيبرس، الموجود على ظهر الأسد، هو في الحقيقة رسم لأحد سيوف النبي (ص) وهو (الصّمصامة). وهذه هي المرة الأولى التي ينشر فيها رسم لهذا السيف المشهور.‏

ويعتبر هذا الاكتشاف ذو أهمية كبيرة في علم المسكوكات الإسلامية، ويعطي الدرهم الفريد أهمية ومكانة كبيرة، من خلال كشفه عن بعض الآثار النبوية.‏

(1)طبيب أسنان سوري.‏

(2)- بعض ما ذكره الكندي في رسالته ( جواهر السيوف) عن السيف اليمني العتيق والذي يخص هذا البحث:‏

تقسم السيوف العتيقة "الكريمة" إلى ثلاثة أقسام، أولها وأجودها اليمان، ثم ثانيها القلعي، ثم ثالثها الهندي المسمى الفاقرون. وفي حمير عرفت السيوف اليمانية الشهيرة التي امتازت بمرونتها وحسن صناعتها. ويصف الكندي السيوف اليمانية فيقول: هي جوهر مستطيل معوج، متساوي العقد ليس بعض العقد أكبر من بعض، القد أربع قدود وهي جميع قدود السيف التي طبعت باليمن، ومنها العريض الأسفل المخروط الرأس، المربع السيلان (هو الجزء القائم من نصل السيف) تربيعاً مخروطاً إلى طرف السيلان، ويجري على نصله أربع شطب (ج شطبة: هي القنوات المحفورة على وجهي نصل السيف لتقلل من وزنه وتجعله أكثر قوة وليونة)، فيها المحفور وهو الذي شطبه شبيهة بالأنهار مدورة الحفرة، ومنها ما شطبه ذات زوايا مربعة من داخل الشطب. وتكون هذه الشطب متساوية في وجه السيف وتسمى شهادست، ومنها ذو ثلاث شطب واحدة في الوسط واثنتان في الشفرتين وهي التي تسمى داست، وهذه تسمية الجاهلية، وأشكال هذه على ما صورنا وعلى هذا الشكل صورة (الصمصام).‏

وأكثر السيوف اليمانية يبلغ عرض نصلها ثلاثة أصابع تامة، ويبلغ عرض أقل ما يكون منها اصبعين ونصف اصبع وهي الخفاف ولا يكون عليها شطب وتسمى القبورية، أما العراض فتكون طولها ثلثة أشبار ونصف، وتكون أوزانها ما بين الرطلين والنصف إلى ثلثة أرطال غير ربع، والذي فيه منها ثلثة غير ربع تكون مضطربة القدود شديدة الالتواء، فإنما تترك مضطربة مخافة أن تدخل النار فينقص أوزانها، وإنما أثمانها بأوزانها.‏

رسم لأحد أشكال (الصّمصام) حسب وصف الكندي له‏

(3) بعد المستنصر الفاطمي جاء الحكم الأيوبي، ومن ثم فترة حكم المماليك، ومنهم الظاهر يبرس ( التحرير).

awu-dam.org/trath/83-84/trath83-84-013.htm

35 Views

عن

إلى الأعلى