المتنبي والموقف الصعب محمد كمال


المتنبي و الموقف الصعب – محمد كمال (1)

ما عرف تاريخنا الشعري علاقة بين شاعر وأمير أشد التصاقاً وأمتن عرى من العلاقة بين سيف الدولة الحمداني وأبي الطيب المتنبي، فهما متقاربان في سنتي الولادة والوفاة، وكل منهما غريب عن الشهباء، وافد إليها، طامع في الاستقرار في ربوعها، وكلاهما خالص العروبة نقي النسب، فسيف الدولة سليل الحمدانيين الذين ينتمون إلى التغلبيين، وكان هؤلاء يقيمون في الجزيرة وديار بكر، وأما أبو الطيب فينتهي نسبه إلى جعفي بن سعد العشيرة الذي كان أبا حيّ من أحياء اليمن، فهو صحيح النسب في عروبته من جهة أبيه وأمه، وبطونهما كانت معروفة بالكرم والفروسية، ولها أيام مقرونة بالحمد والذكر الحسن.

فإذا توغلنا أكثر فيما كان بين الأمير والشاعر من وشائج وصلات طالعتنا نوازع مشتركة في الغاية متحدة في الهدف، وهذه النوازع تتلخص في السعي إلى تأسيس دولة تعيد للكيان العربي مجده الذي كاد يبيد واستقلاله الذي كاد يندثر.

فحين قدم سيف الدولة إلى حلب سنة 333ه كانت تتلامح في ذاكرته صورة قاتمة للخلافة العباسية التي دب في جسدها الضعف والوهن، فأشرفت على الانهيار أمام أطماع الغرباء الذين كان دأبهم أن يتسللوا إلى مناصب الدولة، فيخضعوا البلاد إلى مآربهم، ويقودوا مركب الحكم إلى ما يرضي أهواءهم ويوافق أهدافهم.

وكان في ذاكرة سيف الدولة أيضاً صورة مشرقة وضاءة عن أجداده الحمدانيين الذين كان بينهم وبين خلفاء بني العباس روابط تشتد أحياناً وتضعف أحياناً أخرى، فما يكاد الخلفاء يلاحقونهم في إمارة الموصل ويفتكون بهم، حتى تعود الأمور إلى استقرارها، فإذا هم يسترضونهم ويتوددون إليهم، جاعلين منهم سنداً واقياً ودرعاً حصيناً في وجه القبائل الثائرة والشعوب الطامعة، فقد كان خلفاء بني العباس على تخوفهم من الحمدانيين يعترفون لهم بالوفاء بالعهد والصفاء في العروبة، فهم مهما استبدوا بإمارة الموصل وتحصنوا فيها لا يقصرون بواجباتهم في دفع الضرائب لخزانة الدولة، ولا في مناصرة الخليفة على أعدائه، وليست لهم في كل الأحوال مطامع تتهدد بغداد مركز الخلافة.

كان سيف الدولة إذاً يشهد ذلك كله، ويشارك فيه في كثير من الأحيان، على حداثة سنه ونضارة عوده، فقد ورث صناعة الحرب عن أبيه أبي الهيجاء، وعن أخيه ناصر الدولة، وخاض وهو في العشرين من عمره الحرب مع أخيه، فهاجم بني ضبة فأبلى أحسن البلاء، حتى مدحه الشعراء قبل أن يصير أميراً على حلب تتزاحم على بابه الشعراء، وكان عليه في مطلع شبابه ومقتبل عمره أن يدفع بهمته إلى حماية الخلافة العباسية في بغداد، وأن يقضي سنة 330ه على البريديين أعداء الخليفة المتقي، وهكذا نشأ سيف الدولة نشأة عربية أصيلة، يعززها وعي سياسي عميق بأخطار المخططات الشعوبية المعادية للحكم العربي الذي كان في يده تصريف الأمور وتدبير الأحوال في الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولهذا كان سيف الدولة ناقماً على الترك الذين حاولوا أن يأتمروا به في بغداد، وناقماً على الديلم الذين ما فتئوا يلحقون بالناس الأذى ويريدونهم بالظلم، وناقماً على الفرس لأن العداوة تقليدية قديمة بينهم وبين آل حمدان.

وقد كانت حلب قبل أن يدخلها سيف الدولة تحكم من قبل الولاة الأعاجم الذين كان الخليفة العباسي يغتر بهم فيعينهم عمالاً له في حلب وفي غيرها من الأمصار، أمثال أحمد بن كيغلغ، وأبي قابوس الخراساني ووصيف البكتمري، وهلال بن بدر. ثم حكمها الإخشيديون فولوا عليها أحمد بن سعيد الكلابي الذي استدعى قبيلته بني كلاب من أرض نجد، فعاثوا في حلب فساداً بعد أن عاث فيها بنو تميم من قبل.

وهل كان هذا الوضع السياسي كله أو بعضه بعيداً عن ذاكرة أبي الطيب المتنبي وهو يجمع أشتات نفسه ليلقي بها في حلب بين يدي هذه الدولة الحمدانية الناشئة؟ لقد غادر العراق والدولة العباسية قد بلغت من التفكك والتجزئة حداً لم تبلغه الدولة الإسلامية في سابق عهودها الزاهرة وأيامها العامرة، فقامت دولة البويهيين في فارس، والإخشيديين في مصر وبلاد الشام، والفاطميين في إفريقية، والقرامطة في البحرين، والديلم في جرجان وطبرستان، والبريديين في البصرة وواسط، والحمدانيين في الموصل، مما نبه أذهان الروم وأطمعهم بهذه البلاد، فأخذوا يتحرشون بها بين الحين والحين.

ففي سنة 337ه أقبل أبو الطيب إلى بلاط سيف الدولة مشتت النفس موزع الخاطر، قلقاً، تفترسه الهواجس وتؤرقه الهموم، لعله يجد في الأمير الحمداني الفارس العربي الذي تتحقق على يديه الآمال المرجوة والمطامح المرتقبة، ولعلهما يتآزران معاً في إعادة المجد العربي الأصيل، وانتزاع الحكم من براثن الشعوبيين الذين اقتسموا البلاد وفتكوا بالعباد.

ولا بد هنا من التعرف إلى شخصية هذا الشاعر ومكوناته النفسية التي تحدد سلوكه العملي وموقفه الفكري من الوقائع والأحداث، فقد كان أبو الطيب لا يختلف عن سيف الدولة نبلاً في الروح، وسمواً في النفس، وحباً للفروسية والبطولة، وتصدياً للشدائد والنكبات. وهو القائل:

وإني لمن قوم كأن نفوسهم

بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

إنها النفس التي أبت أن تخضع لقوانين المادة ونوازع الجسد، فنهض بها الإبداع الشعري إلى مرتبة الملوك والأمراء، فما كان يرى أنه أقل منهم شأناً ولا أدنى مرتبة. فها هو ذا يخاطب أبا العشائر الحمداني بقوله: شاعر المجد خدنُه شاعر اللفظ كلانا ربُّ المعاني الدقاق ولا يزري به ما آل إليه أمره من اللجوء إلى كافور الإخشيدي واحتمائه به بعد أن غادر حلب مغاضباً سنة 346ه، وإذا به يتجرأ على كافور بقوله:

وفؤادي من الملوك وإن كان لساني يُرى من الشعراء وكان لا بد لصاحب هذه النفس المتوثبة أن يكون شاعراً منطلق الخيال ولكنه محبط الآمال، إذ كلما عظمت النفس واتسعت مداركها وتشعبت مقاصدها ضاق أمامها الكون، وعجزت عن التكيف مع الواقع، فتنقض عليها الخواطر متضاربة متصارعة، حتى لكأنها في حرب مستعرة بينها وبين عدو قاهر متخيل غير مرئي، يعمل على صدها والحؤول بينها وبين جليل المطالب وعظيم الرغائب، فإذا به يستبد به الضجر فيصرخ قائلاً:

أهمُّ بشيء والليالي كأنها

تطاردني عن كونه وأطاردُ

وحيد من الخلان في كل بلدة

إذا عظم المطلوب قلّ المساعدُ

وأنى لمثل هذه النفس أن تنعم بالراحة والقرار، وأن تتوازن فيها النوازع الشاردة والأماني المتعارضة. وهل للزمن المتقلب بين النور والظلام، والاستقامة والاعوجاج، والخصب والجدب، أن يبلّغ شاعرنا مرتجاه ويحقق له مبتغاه، فتهدأ ثائرة نفسه وتستقر سورة وجدانه، وها هو ذا يصرح بذلك قائلاً:

أريد من زمني ذا أن يبلّغني

ما ليس يبلغه في نفسه الزمن

ولكن المشكلة لا يكمن حلها في الزمن ولا في غيره، لأن النفس الكبيرة كلما رحبت أمامها آفاق الفكر ودروب التأمل أصبحت عاجزة عن إدراك ما تريده ومعرفة ما تتوخاه، فما تكاد تتحقق لها غاية حتى تتولد غايات، ولا يستبين لها هدف حتى تتغلق أهداف. وهذا ما عناه أبو الطيب بقوله:

يقولون لي ما أنت في كل بلدة

وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى

وليت الأمر كان يقف عند معاناة الشاعر مع ذاته القلقة وضميره الممزق، فأمام الشاعر وجود اجتماعي لا يفتأ يناصبه العداء، ويفوّق نحوه سهام الحسد والبغضاء، ولا ذنب له إلا أنه صادق العزيمة صريح الرأي، معرض عن الخسيس من المكاسب والرخيص من المطامع، فإذا به يتقلب مهموم الروح، مغتم النفس، لا يغمض له جفن، ولا يسكن له جنان، فيعلن شاكياً شديد الأسى:

أعادى على ما يوجب الحب للفتى

وأهدأ والأفكار فيّ تجول

على أن قلق المتنبي مهما كان صدى لهموم ذاتية أو معاناة وجدانية فإنه ينم عن قلق سياسي حضاري يعكس تبرمه بالواقع المرير وثورته على شراذم الحكام، وهو القائل:

لا أقتري بلداً إلا على غرر

ولا أمرُّ بخلق غير مضطغن

ولا أعاشر من أملاكهم ملكاً

إلا أحق بضرب الرأس من وثن

يقول هذا وأمام عينيه ملوك جائرون، وولاة لا يتوانون عن ظلم الرعية وقهرها وانتهاب ثرواتها، ودفعها إلى مهاوي الذل والهوان، وهم في قصورهم آمنون، وإلى ملذاتهم منصرفون، فكيف لا تضوى بمرآهم الأجسام وتسقم الأرواح، فتدوّي في أعماقه صرخة ما هي إلا أنين شعب وتوجع أمة، فيقول:

واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تضوى به الأجسام

ولعلنا نجد في هذه الصرخات المغتاظة دليلاً على عمق وعيه السياسي، وبعد نظره في شؤون السلطة والحكم، بل في شؤون النمو الحضاري للأمة بشكل عام، فهو يرى أن مصائر الشعوب في أيدي أصحاب السلطة، فإذا فسدت هذه السلطة وانحرفت بها الأهواء، أو آلت إلى غير أهلها فسدت الشعوب، وفقدت وحدتها وتماسكها، وتخاذلت أمام أعدائها، ويتضح ذلك في قوله:

وإنما الناس بالملوك ولا

تفلح عُرب ملوكها عجم

في كل أرض وطئتها أمم

تُرعى بعبد كأنها غنم

ولهذا فالقوة الحاكمة التي يفترض أن تعيد التوازن الحضاري إلى المنطقة ينبغي أن تكون عربية في الإعداد المادي والمعنوي، عربية في السلاح وعربية في الفكر، ففي مديح أبي الطيب لسيف الدولة يوم بنى مرعش سنة 341ه يقول:

إذا الدولة استكفت به في ملمة

كفاها فكان السيف والكف والقلبا

تُهاب سيوف الهند وهي حدائد

فكيف إذا كانت نزارية عُربا

ولكنها ليست عروبة العرق والعصبية المغلقة، بل هي عروبة تعززها العقيدة ويدعمها الإيمان ويسمو بها التوحيد. وبهذا يكون انتصارها راسخاً وسيادتها مكينة، ففي سنة 343ه سار سيف الدولة نحو ثغر الحدث على الحدود البيزنطية، وكان أهلها قد سلموها بالأمان إلى الدمستق، فنزل بها، وبدأ في يومه فحط الأساس لبناء قلعتها، فخرج إليه الدمستق في خمسين ألف فارس وراجل من جموع الروم والبلغار والصقالبة، فتصدى له سيف الدولة، وحمل عليه بنفسه في نحو من خمسمئة من غلمانه، فقصد موكبه، فهزمه وأظفره الله به وقتل ثلاثة آلاف من جنوده، وأسر خلقاً كثيراً، وأقام على الحدث إلى أن بناها ووضع بيده آخر شرافة منها، وفي هذا اليوم أنشد المتنبي قصيدته المشهورة:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

ثم يصف ببراعته التصويرية تفاصيل المعركة، وما كان من أمر بناء القلعة في أثناء المعركة بقوله:

هل الحدث الحمراء تعرف لونها

وتعلم أيُّ الساقيين الغمائم

بناها فأعلى والقنا تقرع القنا

وموج المنايا حولها متلاطم

ثم يقول لسيف الدولة بعدما رأى من صدق العزيمة وشجاعة النفس وبُعد الهمة حتى تحقق له النصر:

ولست مليكاً هازماً لنظيره

ولكنه التوحيدُ للشرك هازم

تشرّف عدنان به لا ربيعة

وتفتخر الدنيا به لا العواصم

ولم لا يقي الرحمن حدّيك ما وقى

وتفليقه هام العدا بك دائم

هذه التطلعات العربية الخالصة هي التي رسخت الألفة بين سيف الدولة وأبي الطيب المتنبي، هذا بسلاحه وسلطانه، وذاك بشعره وبيانه، فالتقيا على غاية موحدة وهدف مشترك، واتخذ أمير السيف من أمير القلم صوتاً إعلامياً يفصح بكل صدق وإخلاص عن التوجهات السياسية للدولة التي قامت على منهج في التفكير، وأسلوب في العقيدة، وانطلاقة نحو تأسيس كيان.

ولقد كان أبو الطيب، تنفيذاً لهذه المهمة الإعلامية التي اختص بها دون غيره من شعراء البلاط الحمداني، يسارع إلى حضور معظم المعارك التي كان يقودها سيف الدولة، وكان سيف الدولة قد أوصى من يعلم أبا الطيب ركوب الخيل وحمل السلاح وخوض الغمرات لكي يكون لسان صدق لا تفوته واقعة ولا يغيب عنه حدث، فإذا تخلف أبو الطيب عن إحدى المعارك لأمر طارئ استدعاه سيف الدولة بعد ذلك وروى له تفاصيل تلك المعركة وما حققه من ظفر على الأعداء، بل إنه كان يستدعيه لحضور مجالسه العسكرية، ويجعله من بين مستشاريه، فقد وصل مرة رسول ملك الروم للاجتماع بسيف الدولة، فلم يتمكن أبو الطيب من الحضور، فعاتبه سيف الدولة على تأخره وانقطاعه، فأنشده أبو الطيب ارتجالاً معللاً سبب غيابه:

تزاحم الناس حتى لم يجد سبباً

إلى بساطك لي سمعٌ ولا بصر

فكنتُ أشهد مختص وأغيبه

معايناً وعياني كله خبر

وما كان مع ذلك يتحرج من ذكر الهزائم التي قد يمنى بها سيف الدولة، ففي عام 339ه ينتصر الروم في إحدى الوقائع ويأسرون بعض الجنود، فيعزو شاعرنا هذه الهزيمة إلى تقاعس الجيش وضعف همته، ويذكّر الروم ببطولات سيف الدولة وانتصاراته التي لا تنسى فيقول:

قل للدمستق إن المسلمين لكم

خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا

لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق

فليس يأكل إلا الميت الضبع

هلا على عقب الوادي وقد صعدت

أُسد تمر فرادى ليس تجتمع

تشقكم بقناها كل سلهبة

والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع

لقد كان بين الشاعر والأمير ثقة متبادلة ومودة ثابتة تفوقان ما كان بين الشعراء والممدوحين من روابط ووشائج، وإنا لنسمع من أبي الطيب شعراً يخاطب به سيف الدولة ما هو بالمديح المعهود ولا هو بالثناء المأثور، وإنما هو النجوى الصافية التي لا تنبعث إلا من قلب المتيمين ولسان العاشقين، كما في قوله:

فإذا رأيتك حار دونك ناظري

وإذا مدحتك حار فيك لساني

وإذا كنت قد بسطت القول في شخصية أبي الطيب وتكوينه النفسي والفكري، فإنما ذلك توطئة وتمهيد لشرح الموقف الصعب الذي وجد أبو الطيب نفسه مضطراً إلى أن يكون في قلبه، وأن يكون فيه طرفاً فاعلاً لا مجرد مراقب صامت، وذلك الموقف يتلخص في تلك الخلافات التي استعرت بين سيف الدولة وفئة من المعارضين لنظام حكمه من بعض القبائل العربية.

إلا أننا لا نملك معلومات كافية عن التنظيم الإداري والعسكري والاقتصادي الذي كانت تقوم عليه دولة بني حمدان في حلب، فإن مثل هذه المعلومات إذا تم الوصول إليها كفيل بأن يعيننا على تفسير بعض الظواهر التي تنجم عن ط بيعة العلاقة بين السلطة والرعية، ومن بين هذه الظواهر ما كان يقوم بين الحين والحين من فتن داخلية وثورات قبلية كانت تقض مضاجع سيف الدولة، وتعرقل حروبه مع الروم وتفرُّغه لحماية الثغور من هجماتهم المتوالية. وقد خص المتنبي هذه الحوادث الخطيرة بثلاث قصائد من ديوانه كان فيها مع شدة حذره وبعد نظره شديد الإكبار لقدرة سيف الدولة على قمع هذه الفتن وصيانة الجبهتين الداخلية والخارجية في آن واحد، وهذا ما عناه أبو الطيب حين بعث إليه من الكوفة سنة 351ه بقصيدة فيها من عذوبة التعبير وفيض الوجدان وتوهج العاطفة ما ينبئ بعظم الحسرة على فراقه، وفيها يقول له:

أنت طول الحياة للروم غاز

فمتى الوعد أن يكون القفول

وسوى الروم خلف ظهرك روم

فعلى أي جانبيك تميل

غير أن كتب التاريخ التي أشارت إلى هذه الفتن والثورات سكتت عن ذكر أسبابها والعوامل المهيجة لها والدوافع الكامنة وراءها. ومع ذلك فإننا إذا تتبعنا سيرة سيف الدولة وتقصينا وقائعه وأخباره أمكننا استنباط هذه العوامل وتلخيصها فيما يلي:

1- إن سيف الدولة مهما بلغ من مقدرته على صد غارات الروم وحماية البلاد وتأسيس الملك واستقدام العلماء والأدباء والشعراء، لا يعدو أن يكون في رأي بعض رعيته مغيراً فاتحاً، تمكن بقوته العسكرية من احتلال حلب وبسط سلطانه عليها، وهو بذلك قد سحب السيادة من القبائل المرابضة على تخومها، وحرمها من حقها المزعوم في الاستفادة من خيرات البلاد واستغلال مواردها الطبيعية، إذ كانت مرتعاً خصباً لكل وافد، وموطناً صالحاً لكل طامع، ولذلك تألب عليه المتنفذون في هذه القبائل، وأضمروا له العداوة، وجعلوا يهتبلون الفرص كلما سنحت لعلهم يقلقلون كيان الدولة الحمدانية، وينتزعون حصتهم من هذه البلاد. هذا بالإضافة إلى أن الدولة الحمدانية كانت تمثل شكلاً من أشكال نظام الحكم في بغداد وتلتزم به. وهو نظام مدني لا يعترف بالسيادة القبلية ولا يسمح لها بأن تمارس حريتها فاخذت منذ عهود سالفة تتقلص أمام النظام السياسي الجديد.

2- ليس في وسعنا أن نقدر النفقات الباهظة التي كان ينفقها سيف الدولة في سبيل تجهيز جيشه بالسلاح والمؤن والعتاد وغيرها من لوازم الحرب، إلى جانب مرتبات جنوده وأعطيات غلمانه، بالإضافة إلى ما كان يحتاج إليه من مال يغدقه على الشعراء والأدباء وأهل العلم، أو يبني به قصوره وحصونه، فمن أين كانت تأتيه هذه الموارد، وما هي سبل جبايتها وتحصيلها؟ لقد روت كتب التاريخ أن سيف الدولة كان يبيح لنفسه اقتطاع ما في أيدي الرعية وجيوبهم من أموال يختزنونها، أو أراض يجنون خيراتها، أو تركات يخلفونها، لينفق ذلك كله في غزواته المتلاحقة، أو في دعم أبهة الملك، أو في رعاية الفنون والآداب من غير حساب، وكان يستعين على ذلك بقاض جائر مستبد يستصفي أموال الناس بحق وبغير حق، هو أبو الحصين علي بن عبد الملك الرقي، فإذا مات أحد من الناس استولى على ميراثه، وضمه إلى خزينة الدولة قائلاً: "كل من هلك فلسيف الدولة ما ملك، وعلى أبي الحصين الدرك". وتشاء الأقدار أن يقتل هذا القاضي في إحدى المعارك الحربية. فلما كان الأمير الحمداني يتفقد ضحاياه من جنده وقواده في أرض المعركة، بصر بجثة أبي الحصين هذا بين القتلى، فداسها بسنابك جواده وهو يقول: "اذهب لا ردك الله، فقد كنت تزين لي وجوه الباطل". أفلا يمكن أن تستثير مثل هذه الطرائق في الجباية تساؤلات صامتة لا تلبث أن تتحول إلى اعتراض غاضب.

3- كان سيف الدولة يعتمد على القبائل العربية في إعداد جيشه بالرجال المقاتلين، لما كانوا عليه من شجاعة وحمية ودربة على القتال، فهم الذين شاركوه في هجماته على الإخشيديين، في انتصاره عليهم مرة، وفي فراره منهم مرة أخرى. وهم الذين كانوا له خير عون في حماية الإمارة الحمدانية والثغور الإسلامية الشمالية من غارات الروم وتحرشاتهم المتوالية، ولما وقع بعض منهم في الأسر وزجوا في سجون الروم سارع سيف الدولة مدفوعاً بنبل القائد العسكري وشهامته إلى فك أسرهم وإعادتهم إلى أوطانهم بعد أن دفع فديتهم خمسمئة ألف دينار من ماله الخاص. إلا أنه كان يرهقهم من أمرهم عسراً، فما يكاد يرجع من غزوة حتى يتجهز لغزوة أخرى، فما كان في وسع هؤلاء الجنود أن يتحملوا مشقة هذه الحروب المتتابعة، وأن يجدوا فرصة يستجمون فيها ويستريحون من عناء الجهاد(2)، وأنى لهم همة كهمة سيف الدولة وعزيمة كعزيمته، وهذا ما أشار إليه أبو الطيب بقوله:

يكلّف سيفُ الدولة الجيش همّه

وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم

ويطلب عند الناس ما عند نفسه

وذلك ما لا تدعيه الضراغم

فلا يستنكر أبداً أن نرى بعض هؤلاء الجنود يفرون من المعارك متعبين، ناقمين على الأمير نزواته التي لا تشبع وغروره الذي لا يرتوي، فكانت فلولهم تلجأ إلى قبائلها وقد أعياها الجلد والمصابرة لتشعل نار الفتن والثورات ابتغاء التخلص من القائد الذي كان معروفاً بالحزم في إدارة الجيش، والعزم على مواصلة الجهاد. وليس لنا هنا أن نناقش وعي الدهماء السياسي وضرورة تجاوزهم هذا الواقع الصعب من أجل الذود عن الحدود وحفظ الكيان العربي من الاندثار والبيود، فمثل هذه الأمور لا بد أن يقع في كل بلد تستمر فيه حالة الحرب ردحاً من الزمن فتنهك أفراده وتزعزع اقتصاده.

فهذه العوامل الثلاثة مجتمعة بالإضافة إلى غيرها هي التي كانت وراء تشقق الجبهة الداخلية، ووراء ما يسمى بالمعارضة المسلحة، مما أدى إلى تصدع البنية الاجتماعية التي يحتاج رأبها إلى مدة طويلة من السلام والاستقرار، فكان سيف الدولة لا يكاد ينصرف من قتال الروم حتى يلتفت إلى ملاحقة هذه القبائل وإخماد هذه الفتن.

فما موقف شاعرنا المتنبي من ذلك كله؟ أكان يراقب هذه الأحداث ويسكت عنها ممالأة لسيف الدولة وحرصاً على استكمال المسيرة والوصول إلى استقلال الحكم العربي وتحقيق الآمال المنشودة. وهل كان بوسعه أن يظل محايداً في هذا الأمر وهو شاعر الأمير المفضل، وأن يتردد في مباركة انتصاراته على هذه القبائل وتصوير هزائمها المخزية أمام عزيمته التي لا تلين وبأسه الذي لا يقهر. أم كان يخوض غمار هذه الأحداث ابتغاء الإصلاح ورغبة في الائتلاف.

لقد كان أبو الطيب وهو يشهد هذه الأحداث في موقف محرج ومضيق صعب، وذلك لسببين اثنين:

أولهما أنه كان يستصحب بعض أفراد هذه القبائل ويختلط بهم، وكان له منهم أحباء وندماء يجالسهم في أوقات السمر ويحاورهم في ساعات الصفاء، يؤيد ذلك قوله لبعض بني كلاب وهو معهم على مائدة الشراب إذ دعوه لمشاركتهم:

لأحبتي أن يملؤوا

بالصافيات الأكوبا

وعليهم أن يبذلوا

وعلي ألا أشربا

حتى تكون الباترا

تُ المسمعات فأطربا

وثانيهما أن أبا الطيب كان يدرك إدراكاً تاماً أن جيش سيف الدولة مكون في معظمه من أفراد هذه القبائل العربية الخالصة العروبة، وأنه طالما استنجد بهم في غزواته ومعاركه، فما كان منهم إلا المناصرة وحسن الانقياد، فكيف سيكون الأمر إذا قسا عليهم واستأصل شأفتهم، وتركهم وفي صدورهم من الحقد والضغينة ما يجعلهم يخرجون عن طاعته ويرفضون الانصياع له والاستجابة إليه.

ولكن أبا الطيب شاعر فذ ومفكر ملهم، يعرف كيف يخرج من مثل هذه المآزق المحرجة والمواقف الوعرة بسداد رأي وحسن تدبير، فنراه يسارع إلى مهمته الإعلامية من غير أن يعزل رأيه الشخصي ونظرته النافذة، فيمتدح سيف الدولة، ويكبر بطولاته، ويبتهج بانتصاراته على هذه القبائل.

ففي ديوانه تطالعنا ثلاث قصائد بسط فيها الشاعر هذا الموضوع الخطير بسطاً محكماً، وعرضه عرضاً مفصلاً، وأيده بحسن الأداء وجمال البناء، مما يعد وثيقة تاريخية مهمة صدرت عن شاعر شاهد مصور، عاش في كنف الدولة الحمدانية تسع سنوات كان له فيها شأن عظيم ومنزلة رفيعة، وكان مباحاً له أن يشهد وقائع هذه الدولة على الصعيدين العسكري والمدني، وهي على كل حال وقائع مشرفة تدعو إلى الزهو والاعتزاز.

وأولى هذه القصائد كانت سنة 342ه يوم أوقع سيف الدولة ببني عُقيل وقُشير وبني العجلان وبني كلاب ودحر جموعهم بعد أن تناصروا على حربه وتحالفوا على قتاله، فقال أبو الطيب وقد بدأ قصيدته بمدح سيف الدولة وتصوير هزائم هذه القبائل أمامه:

إذا فاتوا الرماح تناولتهم

بأرماح من العطش القفارُ

يرون الموت قُدّاماً وخلفاً

فيختارون والموت اضطرارُ

وأجفل بالفرات بنو نمير

وزأرهم الذي زأروا خوارُ

وأضحى بالعواصم مستقراً

وليس لبحر نائله قرارُ

إلا أن أبا الطيب بعد أن يستوثق من أن نفس الأمير استراحت إلى هذا المديح وطربت لهذا الوصف إذا به يدفع بأبياته إلى الهدف الذي يضمره والمطلب الذي يخطط له، ابتغاء المحافظة على صفوف المواجهة متلاحمة متماسكة، والروم على تخوم البلاد يتهددون ويتوعدون، فيأخذ باستعطاف سيف الدولة واستثارة وجدانه، ويدعوه إلى العفو عنهم والتجاوز عن تمردهم، ويذكّره بأن أولادهم سيكونون في قادم الأيام أجناداً لأولاده، فيخاطبه قائلاً:

لعل بنيهم لبنيك جندٌ

فأول قُرح الخيل المهار

وأنت أبرُّ من لو عُق أفنى

وأعفى من عقوبته البوار

وأقدر من يهيجه انتصار

وأحلم من يحلّمه اقتدار

وما في سطوة الأرباب عيب

ولا في ذلة العبدان عار

وثانية هذه القصائد كانت في سنة 343ه حين أوقع سيف الدولة ببني كلاب وفرق جمعهم، فوقف المتنبي كعادته يشيد بانتصار سيف الدولة عليهم، ويمتدحه بأنه الراعي الأمين الذي لا تروع غنمه الذئاب، والسيف الصارم الذي لا يثلم حدّه الضراب، وأن في يده مصائر النفوس كلها، فأنى لبني كلاب أن تنجو بأنفسها وتفوز بأرواحها، فيفتتح قصيدته بقوله:

بغيرك راعياً عبث الذئاب

وغيرك صارماً ثلم الضرابُ

وتملك أنفس الثقلين طراً

فكيف تحوز أنفسها كلابُ

ثم يسجل أبو الطيب مأثرة كريمة من مآثر سيف الدول تدل على مروءته وشدة حميته، وذلك أن بني كلاب لما فروا من أمامه ظفر بحريمهم ونسائهم فحماهن ومنعهن من السبي والأذى، وأحسن إليهن بجوده وكرمه، اعترافاً منه بوطيد القرابة ووحدة النسب، فسيف الدولة من ربيعة، وبنو كلاب من مضر، وربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان، فهم إذاً عشيرته وهم صحابه، فيقول:

فقاتل عن حريمهم وفروا

ندى كفيك والنسبُ القراب

وحفظك فيهم سلفي معدّ

وأنهم العشائر والصحاب

ثم يخطو أبو الطيب على حذر خطوة أخرى، فيستغل هذه الحادثة، مؤكداً صلة الرحم وآصرة العروبة، مذكراً سيف الدولة بما للكلابيين من فضل في استجابتهم لداعي الحرب ومشاركتهم في صد غارات الروم، فيستعطفه قائلاً:

فكيف يتم بأسُك في أناس

تصيبهم فيؤلمك المصاب

ترفّق أيها المولى عليهم

فإن الرفق بالجاني عتاب

وإنهم عبيدك حيث كانوا

إذا تدعو لحادثة أجابوا

إلا أن أبا الطيب يعود فيقر بالخطأ الذي ارتكبه الكلابيون في التمرد وشق عصا الطاعة، ولكن العفو من شيم المنتصر القادر، لا سيما إذا اعترف المذنب بذنبه ثم تاب عنه، ولعل ما بدر من بعض سفهائهم لا يسوّغ إنزال العقاب بهم جميعاً:

وعين المخطئين همُ وليسوا

بأول معشر خطئوا فتابوا

وكم ذنب مولّده دلال

وكم بُعد مولّده اقتراب

وجرم جرّه سفهاء قوم

وحل بغير جارمه العذاب

ثم يتجرأ أبو الطيب فيثني على شجاعة الكلابيين وتصديهم للأعداء تحت لواء سيف الدولة فيقول:

وتحت لوائه ضربوا الأعادي

وذل لهم من العرب الصعاب

ولو غير الأمير غزا كلاباً

ثناه عن شموسهم ضباب

وتأتي القصيدة الثالثة بعد عام واحد من القصيدة السالفة أي في سنة 344ه، وفيها كما يقول الواحدي يذكر أبو الطيب إيقاع سيف الدولة ببني عقيل وقشير وبالعجلان وكلاب(3)، لما عاثوا في نواحي أعماله، وقصده إياهم، وإهلاك من أهلكه منهم، وعفوه عمن عفا عنه، غير أن الغريب في هذه القصيدة أن أبا الطيب لا يعمد إلى استعطاف سيف الدولة والتخفيف من غضبه على هذه القبائل الثائرة، ولكنه يعمد إلى تصوير شماتته بهؤلاء المتمردين الذين دحروا أمام حزم الأمير الحمداني وقدرته على الفتك بخصومه وتأديبهم على ما بدر منهم من عصيان وخروج عن واجب الطاعة والانقياد. ولعل موقف أبي الطيب هذا ناتج عما رآه من شطط هؤلاء الثائرين وتنكبهم عن جادة الحق والصواب، وقلة حكمتهم في تقدير المواقف ومحاكمة الأمور.

والقصيدة في محاورها السياسية تتعرض لقبيلتين اثنتين، هما قبيلة كعب التي عفا عنها سيف الدولة، فما زادها العفو إلا عتواً وطغياناً، وقبيلة نمير التي ثابت إلى رشدها فألقت السلاح ولزمت الطاعة.

أما قبيلة كعب فقد تزعمت حركة الثورة وتولت كبرها، فتبعتها في ذلك بعض القبائل كقبيلتي قشير وبالعجلان، وفي ذلك يقول أبو الطيب:

أرادوا علياً بالذي يعجز الورى

ويوسع قتل الجحفل المتضايق

فما بسطوا كفاً إلى غير قاطع

ولا حملوا رأساً إلى غير فالق

ولما كسا كعباً ثياباً طغوا بها

رمى كل ثوب من سنان بخارق

ولما سقى الغيث الذي كفروا به

سقى غيره في غير تلك البوارق

ويقول العكبري في شرح البيت الأخير: لما سقاهم الغيث من جوده الذي أخصبت به منازلهم، وتروضت بسقياه مواضعهم، فقابلوا ذلك بالكفر، وتلقوه بقلة الشكر، أرسل عليهم من جيوشه غير ذلك الغيث، فبرقت عليهم السيوف، وهطلت عليهم الحتوف، وعادت البوارق التي كانت تقدم عليهم نعمه، بوارق سلاح أمطرت عليهم نقمه، واستعار البرق للنعمة والنقمة.

ثم تنبعث الحكمة الدامغة على لسان المتنبي من قلب هذا الموقف إذ يقول:

وما يوجع الحرمان من كف حارم

كما يوجع الحرمان من كف رازق

وأما قبيلة نمير فقد كانت أهدى إلى الحق، وأرشد إلى الصواب، إذ رأت مصارع المارقين أمام أعينها، فآثرت الخضوع والاستسلام والانقياد إلى ما فيه السلامة والنجاة، وهذا ما يشير إليه أبو الطيب بقوله:

لوفدُ نمير كان أرشد منهم

وقد طردوا الأظعان طرد الوسائق

أعدوا رماحاً من خضوع فطاعنوا

بها الجيش حتى ردّ غرب الفيالق

فلم أر أرمى منه غير مخاتل

وأسرى إلى الأعداء غير مسارق

تصيب المجانيق العظام بكفه

دقائق قد أعيت قسي البنادق

فسيف الدولة يتناول أموره تناول قدرة، ويحاولها محاولة اعتزام وشدة، فلا يحتاج إلى المخاتلة والمسارقة، حتى إن مجانيقه العظام، مع اختلاف رميها وتعذر ضبطها لتبلغ في إصابة الهدف ما لا تبلغه القسي التي ترمي البنادق الصغار، فهو معان مؤيد، منصور مسدد، وذلك لسعة قدرته وما مكنه الله في رعيته.

وخلاصة القول أن أبا الطيب كان بهذا الموقف يحاول أن يخفف من حدة الصدام بين السلطة والشعب، وأن يقوم بدور الوسيط المخلص لكلا الطرفين، وأن يعيد التوازن إلى السياسة الداخلية بعد أن كادت تعصف بها رياح التمزق والخلاف، إذ كان الروم لا يفتؤون يراقبون من بعيد ما يجري بين ظهراني سيف الدولة، وينتظرون أن يدب الضعف إلى سلطانه، تحيناً للانقضاض عليه، وإيقاع الخسائر بجنوده، لعلهم بذلك ينفذون إلى أعماق البلاد الإسلامية، ويعيثون فيها خراباً وتدميراً. ولقد تحقق حلمهم ذاك الذي طالما داعب خيالهم، وانتظروه سنوات وسنوات، ففي عام 351ه استطاع الروم أن يخترقوا تلك الجبهة الحصينة التي حماها سيف الدولة بعزيمته وعزيمة جنوده، وأن يستولوا على مدينة حلب بجيش قوامه مئتا ألف رجل، فدخلوا المدينة يقتلون وينهبون ويحرقون المساجد ويهدمون البيوت، حتى بلغ عدد القتلى من الأطفال فقط بضعة عشر ألف صبي وصبية، ولم يشف غيظُ نفوسهم بكل ذلك حتى قصدوا دار سيف الدولة فاحتلوها. إلا أن الأمير الشجاع لم يستسلم ولم يلق السلاح، فقد عاد فأجلى الروم عن حلب، وواصل معاركه معهم في شتى الأنحاء الشمالية، إلى أن وافاه الأجل سنة 356ه، وكان رحمه الله قد جمع من نفض الغبار الذي علق بثيابه في غزواته شيئاً وعمله لبنة بقدر الكف وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته بذلك، بعد أن نقل جثمانه إلى ميّا فارقين ودفن هناك.

وبعد، فهذا الجانب من شعر المتنبي الذي حاولت أن أسلط عليه بعض الأضواء أغفله كثير من الباحثين في الأدب والتاريخ، وهو بحاجة إلى وقفة ليست بالقصيرة.

المراجع

- التبيان في شرح الديوان المنسوب إلى أبي البقاء العكبري.

الطبعة الثانية. مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر. سنة 1956.

- سيف الدولة وعصر الحمدانيين. تأليف سامي الكيالي

ط دار المعارف بمصر. سنة 1959.

- شرح ديوان المتنبي لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي.

وقف على طبعه فردريك ديتريصي في مدينة برلين سنة 1861.

- يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر لعبد الملك بن محمد الثعالبي.

تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. طبع في مصر سنة 1947.

هوامش:

(1) ياحث من سورية

(2)- وقد روى ابن خالويه أن سيف الدولة كثرت وقائعه في كل صقع، فبرمت به القبائل، وتحالفت على مخالفته وقتاله.

(3)- وكان أبو فراس في هذه الحملة على مقدمة إحدى قطع الجيش مع سيف الدولة.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 83-84

71 Views

عن

إلى الأعلى