الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » ظاهرة التنغيم في التراث العربي هايل محمد طالب

ظاهرة التنغيم في التراث العربي هايل محمد طالب


ظاهرة التنغيم في التراث العربي – هايل محمد طالب*

1- ملخص:

التنغيم في أبسط تعريف له هو موسيقى العبارة أو الجملة، التي تتلّون بتلوّن الحالة النفسيّة والشعورية للناطق بها، ويهدف هذا البحث إلى دراسة هذه الظاهرة (التنغيم) في التراث العربي بعدما ادّعى كثير من الدارسين أن تراثنا لم يعرف هذا النوع من الدراسة، وسأقتصر في هذا البحث على دراسة جهود النحاة وعلماء التجويد.

2-مقدمة: (قضية التنغيم في التراث):

تثير مسألة التنغيم في التراث خلافاً كبيراً بين الدارسين المعاصرين، حيث انقسمت آراؤهم في ذلك إلى قسمين؛ فذهب قسمٌ من الباحثين إلى أنّ العرب لم يتناولوا هذه الظاهرة ولم يدرسوها ولم يلتفتوا إليها، ومنهم الأستاذ الدكتور تمّام حسّان على ما عُرف عنه من دقّة وتمهّل في الحكم، عندما ذهب في كتابه "مناهج البحث في اللّغة" إلى القول: إنّ العربيّة الفصحى لم تعرف هذه الدراسة في قديمها، وإنّ القدماء لم يسجلوا لنا شيئاً عن هذه الظاهرة(1)، مستخدماً أسلوب النفي الجازم، وهي مسألة لنا فيها وجهة نظر أخرى.

ويذهب براجشتراسر في كتابه "التطور النحوي" إلى مثل ذلك، ولكنّه يقصر نفيه، في تناول هذه الظاهرة في التراث، على النحويين والمقرئين القدماء دون أهل التجويد والأداء حيث يقول: "إنّنا نعجب كلّ العجب من أنّ النحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النغمة ولا الضغط أصلاً، غير أنّ أهل الأداء والتجويد رمزوا إلى ما يشبه النغمة في إجابة مسألة كيف حال العربية الفصحى في هذا الشأن"(2).

والذي يثير التساؤل في قول براجشتراسر هو فصله الحاد بين المقرئين القدماء، وأهل الأداء والتجويد. وكذلك فصله الحاد بين المقرئين وأهل التجويد من جهة، وبين النحويين من جهة ثانية مع أنّنا نعلم أن أغلب النحويين، القدماء خاصة، كانوا قرّاءً وأهل أداء.

والأستاذ محمد الأنطاكي ينفي إشارة النحاة في كتبهم إلى هذا الجانب عندما يقول: "إنّ قواعد التنغيم في العربية قديماً مجهولة تماماً، لأنّ النحاة لم يشيروا إلى شيء من ذلك في كتبهم.."(3).

وإن كنّا لا نرى ما يراه الأستاذ الأنطاكي، من أن النحاة لم يشيروا إلى هذه الناحية، فإننا نقول: إنّ عدم إشارة كتب النحاة إلى هذه الظاهرة، لا يعني أنّ الحديث عنها غير موجود في كتب التراث الأخرى، لا سيما تلك المتعلقة بالدرس الصوتي القرآني.. ولكننا قد نتفّق مع الأستاذ الأنطاكي في مسألة أن علماءنا لم يحددوا قواعد محددة ضمن بحث واحد يجمع قواعد تنغيم العربيّة.

والقسم الثاني من الآراء التي تناولت مسألة التنغيم في التراث، هي آراء لباحثين معاصرين ترى أنّ القدماء أدركوا هذا الجانب، إذ توجد إشارات في كتبهم توحي إلى ذلك، وإن لم يكن لها حاكم من القواعد، ومن ممثلي هذا القسم الدكتور أحمد كشك في كتابه "من وظائف الصوت اللغوي" فقد خصص فصلاً في كتابه المذكور لدراسة التنغيم على أنّه ظاهرة نحوية(4) يقول فيه: "وقدامى العرب، وإن لم يربطوا ظاهرة التنغيم بتفسير قضاياهم اللغويّة، وهم وإن تاه عنهم تسجيل قواعد لها، فإنّ ذلك لم يمنع من وجود خطرات ذكيّة لمّاحة تعطي إحساساً عميقاً بأنّ رفض هذه الظاهرة تماماً أمرٌ غير وارد، وإن لم يكن لها حاكم من القواعد…"(5).

ثم يعرض د. كشك أمثلة تراثيّة تؤيّد ما ذهب إليه، والحقُّ أنّ دراسة الدكتور كشك وإن كانت أفردت لتناول التنغيم من زاوية نحويّة، حيث فسّر بعض الأبواب النحويّة معتمداً على فهمه للتنغيم، فإنّها تعدّ من الدراسات الرائدة في إطار دراسة التنغيم.

ويذهب الأستاذ عبد الكريم مجاهد في ثنايا حديثه عن الدلالة الصوتيّة والصرفيّة عند ابن جني، إلى أنّ ابن جنّي قد أدرك هذا الجانب ويرى أنه "بذلك يظهر فضل ابن جنّي بجلاء ووضوح، ويثبت أنّه قد طرق باب هذه الموضوعات التي تعتبر من منجزات علم اللغة الحديث، وبذلك تحفظ له أصالته ومساهمته"(6).

الملاحظ في قول الأستاذ مجاهد أنّه جعل من التنغيم أحد منجزات علم اللغة الحديث، وهذا أمرٌ مخالفٌ لطبيعة اللغة، إذ لا يمكن أن تكون الظاهرة اللغوية منجزاً يخترع في عصر ما، بل هي نتاج تطوّرٌ زمني طويل، لا يمكن أن يُحدّ بعصر معين.

فالتنغيم ظاهرة موجودة في اللغة، ثم جاءت اللسانيات الحديثة لتوصّفها. ودليلنا على ذلك أن الحديث عما نسميه حديثاً ب- التنغيم، الذي جعل الأستاذ مجاهد "ابن جني" مساهماً فيه، موجودٌ عند غير ابن جني، ولا سيما لدى سيبويه ولدى الفلاسفة(7)، كما سنلاحظ في (2-5)، لذلك يمكن القول: إن ظاهرة التنغيم قد شغلت في علم اللسانيات حيّزاً درسيّاً مستقلاً، وأُفردت لها أبحاثٌ خاصّةً بها، ولم تُكتشف أو تُنجز فجأةً، مع الإشارة إلى أنّ الفضل في ذلك يرجع إلى تلك الإرهاصات البحثية التي نجدها عند الأقدمين من علماء العربيّة.

ومن الدارسين الذين رأوا أنّ التراث قد تناول التنغيم الدكتور رضوان القضماني الذي استشهد بمقبوس من ابن سينا في كتابه الشفاء(8)، والدكتور عبد السلام المسدي، وإن كان يرى أنّ التنغيم لم يحظ من أجدادنا بالبحث المستفيض(9). وإلى مثل ذلك ذهب الدكتور سيد بحراوي(10) والأستاذ المرحوم سعيد الأفغاني(11)، والدكتور غازي طليمات(12) والدكتور أحمد قدور(13)…

وسندرس في هذا الفصل التنغيم في التراث من أجل الوقوف على تناول أجدادنا العرب هذا الجانب، متوخين من وراء ذلك معرفة كيفيّة تناولهم له، ومعرفة المصطلحات التي استخدموها في هذا الجانب، ومعرفة ما إذا كان علماؤنا قد ربطوا بين هذا الجانب وبين الدلالة.

3: التنغيم لدى علماء التجويد:

3-1: إدراك التنغيم لدى علماء التجويد:

إنّ من أقدم النصوص التي وجدتها تندرج في سياق تجويد القرآن الذي يندرج ضمن ما نسميه تنغيم الجملة، ذاك النّص الموجود في كتاب "الزينة" لأبي حاتم الرازي (322ه) حيث يحلل اللفظة (آمين) إذ يقول: "قال قومٌ من أهل اللّغة هو مقصور. وإنّما أدخلوا فيه المدّة بدلاً من ياء النداء كأنّهم أرادوا (يامين)… فأمّا الذين قالوا مطوّلة فكأنه معنى النداء يا أمين على مخرج من يقول: يا فلان، يا رجل، ثم يحذفون الياء: أفلان، أزيد. وقد قالوا في الدّعاء: أربّ، يريدون يا ربّ. وحكى بعضهم عن فصحاء العرب: أخبيث، يريدون يا خبيث. وقال آخرون: إنّما مُدّت الألف ليطول بها الصوت كما قالوا: (أوه) مقصورة الألف ثم قالوا: (آوه) يريدون تطويل الصوت بالشكاية"(14).

يرى أبو حاتم، إذن، أنّ تطويل الصوت –أي مدّته- يدلُّ على معنى النداء وعلى معنى الشكاية، فربط مدّ الصوت بالمعنى. وهذا أمر لا يمكن إدراكه إلاّ بالكلام المنطوق ويقصّر الكلام المكتوب عن نقله وهذا ينقلنا إلى الحديث عن أهمية المشافهة في نقل التنغيم، فقد كان للمسلمين في التلقي الشفهي مناهج دقيقة، إذ كانوا يرون أنّ النقل من الأفواه هو النقل السليم الذي ينفي كلّ لبس يعتريه، فابن الجزري في تعريفه للمقرئ يقول إنه "العالم بالقراءات رواها مشافهة، فلو حفظ "التيسير" مثلاً ليس أن يقرأ بما فيه إن لم يشافهه من شُوفه به، مسلسلاً؛ لأنّ في القراءات أشياء لا تُحكم إلا بالسّماع والمشافهة"(15).

وليس بمستغرب أن يحظى القرآن بكلّ هذه الحظوة والدّقة في النقل الشفوي، فالمشافهة هي المنهج الصارم في إحكام التلقي الشفوي للقرآن، وواضح من قول ابن الجزري الآنف الذكر أنّ من أحكام القرآن ما لا يمكن إحكامه أبداً إلا بالتلقي بالشفهي، فعلامات التفخيم والترقيق، والمد، والقصر، والحذف.. المثبتة كلّها في المصحف المكتوب لا تكفي لتعليمه. أما إعطاء الأصوات حقوقها وترتيبها، وردّ كلّ منها إلى مخرجه وأصله، والنطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسّف ولا إفراط، ولا تكلّف.. فلا يمكن أن نتحقق إلا بوساطة تحويل المصحف المكتوب إلى المصحف بالمشافهة، بل قد يؤدي عدم السماع بالمتعلم خاصة إلى التفريط، فيول‍ّد الحروف من الحركات، أو يطنن النونات بالمبالغة، أو يطيل الممدود.. الخ مما يدخل في إطار العيوب والإخلال بالمعنى.

لقد أدرك علماؤنا وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن التي لا تخرج عن إطار العادات النطقيّة السليمة التي تساهم في تعزيز المعنى وإفهامه دون مبالغة، ولا تخرج، بالتالي، عن كونها تلوينات صوتيّة تدخل ضمن التنغيم السليم للنّص القرآني؛ فمن المعلوم أنّ للقرآن أغراضاً منها: الإعلام، والتنبيه، والوعد، والنهي، ووصف الجنّة والنار، والرد على الملحدين والكافرين… وليس طبيعيّاً ولا سديداً أن تقرأ موضوعات هذه الأغراض كلها بتنغيم واحد. وقد تحدّث الإمام الزركشي (794ه) في كتابه "البرهان" عن وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن، ويذكر أنها تأتي على نحو من أربعين وجهاً(16)، وإدراكه لتنوّع الأساليب في القرآن هو ما دفعه غير مرّة في كتابه المذكور إلى القول: "فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإن كان يقرأ تهديداً لفظ به لفظ المتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم"(17).

ويرى في موضع آخر أنّ القارئ المجيد هو الذي "تكون تلاوته على معاني الكلام وشهادة وصف المتكلّم؛ فالوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والإنذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وفي مثل هذا قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به} (البقرة 121)(18).

فإذا كان التنغيم الباكي مقبولاً مثلاً في آيات الاستغفار والتوبة فلا بد له من أن يختلف عن تنغيم الآيات التي تحضُّ على القتال؛ أي يجب أن يوائم التنغيم المعنى ويظهره، ليجعل المقروء مستقرّاً في ذهن السامع وقلبه، فاللين غير الشدة، والأمر والنهي غير الدعاء والالتماس، والخبر غير الاستفهام، والوعد غير الوعيد.

وهذا ما رآه الإمام الزركشي وأكّده بالآية القرآنية التي أوردها.

ومن أقدم النصوص التي تناولت التنغيم في الدّراسات التي أُفردت لتجويد القرآن الكريم، ما دوّنه أبو العلاء العطار (596ه) في كتابه "التمهيد في التجويد" حيث يقول: "وأما اللحن الخفي فهو الذي لا يقف على حقيقته إلاّ نحارير القرّاء ومشاهير العلماء، وهو على ضربين:

أحدهما لا تعرف كيفيته ولا تدرك حقيقته إلا بالمشافهة وبالأخذ من أفواه أولي الضبط والدراية وذلك نحو مقادير المدّات، وحدود الممالات والملطفات والمشبعات والمختلسات، والفرق بين النفي والإثبات، والخبر والاستفهام، والإظهار والإدغام، والحذف والإتمام، والروم والإشمام، إلى ما سوى ذلك من الأسرار التي لا تتقيّد بالخط، واللطائف التي لا تؤخذ إلاّ من أهل الإتقان والضبط"(19).

فقد جعل العطار مصطلح اللحن الخفي ممّا يُعرف بالمشافهة فقط. كما جعل اللحن الخفي مميّزاً بين المعاني كالنفي والإثبات والخبر والاستفهام… ثم قرن اللحن بالمنطوق وجعله مما لا يتقيّد بالكتابة.

وإمعان النظر في هذه النواحي الثلاث يجعلنا ندخل هذا النّص في سياق الفهم الدقيق للتشكيل التنغيمي.

وكان السمرقندي (محمد بن محمود بن محمد) (780ه) تالي العطّار أكثر دقّةً وتفصيلاً في هذه المسألة، ونجد في كتابه "روح المريد في شرح العقد الفريد في علم التجويد" كلاماً ينمُّ عن فهم علميّ للتنغيم، وذلك عندما يقول: "قال السمرقندي في قصيدته (العقد الفريد):

-إذا (ما) لنفي أو لجحد فصوتُها ار *** فعن وللاستفهام مكّن وعدّلا

-وفي غيرها اخفض صوتها والذي بما *** شبيهٌ بمعناه فقسهُ لتفضُلا

-كهمزة الاستفهام مع من وأن وإن *** وأفعل تفضيل وكيف وهل ولا

قال في الشرح: مثال ذلك: (ما قلتُ)، ويرفع الصوت ب- (ما) يعلم أنّها نافية، وإذا خفض الصوت يعلم أنّها خبريّة، وإذا جعلها بين بين يُعلم أنّها استفهاميّة. وهذه العادة جارية في جميع الكلام وفي جميع الألسن"(20).

وهكذا نلاحظ أن السمرقندي جعل خاصّة رفع الصوت وخفضه أي (التنغيم) عادة جارية في جميع الألسن، وهذا ينمُّ عن إدراك دقيق لهذه الخاصة.

وجعل أيضاً رفع الصوت وخفضه عاملاً في تغيير المعنى، إذ إن فهم ارتفاع الصوت وانخفاضه على هذه الشاكلة لا يقل أهمية ودقة عن الفهم المعاصر للتنغيم.

وقد أدرك السمرقندي وظيفة هذا الارتفاع والانخفاض (التنغيم) في تمييز المعاني، وقدّم مثالاً (أفعل) التفضيل، يقول: "فينبغي أن يفرّق بالصوت بين الذي بمعنى التفضيل والذي ليس بمعنى التفضيل"(21).

وكذلك يجعل التنغيم مميّزاً ل- (لا) النافية في اللام المؤكدة للفعل يقول: "والفرق بينهما أنّه في نحو (لا انفصام) يكتب بألفين، وفي نحو (لاتّبعتم) يكتب بألف واحدة، ويرفع الصوت على (لا) ويخفض على اللام.

فهذا ما وصل إلينا من الأئمة رواية ودراية ومشافهة وبياناً"(22). وهذا يدلُّ على إدراك السمرقندي الوظيفة النحوية للتنغيم، ويدل جعله التنغيم منقولاً إلى اللاحق من السابق رواية ودراية ومشافهة وبياناً، على إدراك واع لهذا الجانب ولأهميته في الدلالة.

ويذكر الدكتور غانم قدوري الحمد أنّ المرعشي (محمد بن أبي بكر المعروف بساجقلي زاده (1150ه) قد استخدم مصطلح النغمة نقلاً عن النسفي(23)، وقد دلّ استخدامه له على فهم التنغيم.

3-2: إدراك علماء التجويد الجانب الوظيفي للتنغيم:

لاحظنا في الصفحات السابقة إدراك الزركشي الجانب الوظيفي لتنغيم النص القرآني حين ربط بين الترتيل الذي يعطي للنص القرآني حقّه من التنغيم ومعاني ذلك النص. وكذلك رأى ابن الجزري أنّ التلقي الشفوي هو الأساس لضبط معاني القرآن، لذلك ربط بين المد والمعنى، يقول عن السبب المعنوي للمد: "وأمّا السبب المعنوي فهو قصد المبالغة في النفي وهو سبب قوي مقصور عند العرب وإن كان أضعف من السبب اللفظي عند القرّاء ومنه مدُّ التعظيم في نحو (لا إله إلا الله، لا إله إلا هو، لا إله إلا أنت) وقد ورد هذا عن أصحاب القصر في المنفصل لهذا المعنى. نصّ على ذلك أبو معشر الطبري وأبو القاسم الهذلي وابن مهران والجاجاني وغيرهم، وقرأتُ به من طريقهم واختاره، ويقال له أيضاً مدُّ المبالغة، قال ابن مهران في كتاب المدّات له إنّما سُمي مدُّ المبالغة في نفي إلهيّة سوى الله سبحانه قال وهذا معروف عند العرب لأنّها تمدُّ عند الدعاء وعند الاستغاثة وعند المبالغة في نفي شيء ويمدّون ما لا أصل له بهذه العلّة. قال والذي له أصل أولى وأحرى (قلت) يشير إلى كونه اجتمع سببان وهما المبالغة ووجود الهمزة، كما سيأتي، والذي قاله في ذلك جيد ظاهر وقد استحب العلماء المحققون مدّ الصوت بلا إله إلا الله إشعاراً بما ذكرنا وبغيره… وقد ورد مدّ المبالغة للنفي في (لا) التي للتبرئة في نحو (لا ريب فيه، لا مردّ له، لا جرم…)(24).

إذن، فابن الجزري يجعل المد، وهو زيادة المط في حرف المد على المد الطبيعي(25)، ذا وظيفة في المعنى. هذا من ناحية، وجعل هذا المد الصوتي من العادات المعروفة لدى العرب، وأكدّ استخدام العرب له، ومثّل لذلك بالدّعاء والاستغاثة، وعند المبالغة في النفي…

3-3: الوقف والتنغيم:

إنّ موضوع الوقف في القرآن الكريم، من الموضوعات الهامّة والأثيرة لدى علماء الدراسات القرآنية. ومن أقدم الكتب التي وصلت إلينا وأُفردت لهذا الموضوع، وسلمت من قبضة الضياع كتاب "إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل" لأبي بكر الأنباري النحوي (328ه) وكتاب "القطع والائتناف" لأبي جعفر النحاس عصريّ أبي بكر الأنباري، يليهما كتاب "المكتفي في الوقف والابتداء" لمصنفه أبي عمرو الداني، وتغلب على هذا الكتاب صبغة جمع مذاهب الأئمة على ما ذكر المصنف نفسه في مقدّمة الكتاب(26)، ومن كتب المتأخرين الهامة التي جمعت وحللت كثيراً من آراء من سبقها في موضوع الوقف كتاب ابن الجزري: "النشر في القراءات العشر".

لقد أُفرد كتاب ابن الأنباري المشار إليه آنفاً لموضوع الوقف في كتاب الله إلا‍ّ أنّه لم يعرض لنا تعريفاً أو تقديماً حول مفهوم الوقف، ولكننا نلاحظ من خلال استعراض الكتاب ربطه بقضايا كثيرة حيث يتحدث مثلاً عن الوقف وعلاقته بالمعنى وبالفهم، يقول: "ومن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه وغريبه معرفة الوقف والابتداء". ويؤكد هذا المعنى في باب ذكر ما لا يتمُّ الوقف عليه، يقول: "واعلم أنّه لا يتمُّ الوقف على المضاف دون ما أُضيف إليه، ولا على المنعوت دون النعت…"(27).

وتأتي أهمية الوقف في أداء العبارة القرآنية من كونه "يوضّح كيف وأين يجب أن ينتهي القارئ لآي القرآن الكريم بما يتّفق مع وجوه التفسير واستقامة المعنى وصحة اللغة وما تقتضيه علومها من نحو وصرف ولغة، حتّى يستتم القارئ الغرض كلّه من قراءته، فلا يخرج على وجه مناسب من التفسير والمعنى من جهة، ولا يخالف وجوه اللغة وسبل أدائها التي تعين على أداء ذلك التفسير والمعنى، وبهذا يتحقق الغرض الذي من أجله يُقرأ القرآن ألا وهو الفهم والإدراك، فإذا ما استطاع القارئ أن يفعل ذلك وتمكّن من مراعاته في وقفه عند نهاية العبارة فإنّه لا شكّ سوف يبدأ العبارة على النحو الذي توفّر له في وقفه، فهو لا يبدأ إلا من حيث يتمُّ به المعنى من جهة وبما لا يباين اللّغة وعلومها من جهة أخرى وهو ما حرصت عليه العرب في أداء عبارتها واهتمت له في كلامها شعره ونثره"(28).

وقد ربط ابن الجزري في كتابه (النشر) بين الوقف والمعنى، يقول: "لمّا لم يمكن القارئ السورة أو القصّة في نفس واحد وجب اختيار وقف للتنفس والاستراحة، وتحتّم أن لا يكون ذلك مما يخلُّ بالمعنى ولا يخلُّ بالفهم إذ بذلك يحصل الإعجاز ويحصل القصد، ولذلك حضّ الأئمة على تعلمه ومعرفته…"(29) ويحدد ابن الجزري طبيعة الوقف بأنه "عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمناً يتنفّس فيه عادة بنيّة استئناف القراءة"(30).

نلاحظ أنّ ابن الجزري جعل الوقف من أجل الاستراحة للقارئ، وربط هذا الوقف بالمعنى، إذ لا يجوز الوقف على ما يختلّ المعنى به. وربط الوقف الصحيح بالإعجاز. كما رأى ابن الجزري أنّ الوقف ظاهرة أدائية تتعلق بالقراءة وترتبط بالمعنى، وأنّ الإخلال به يؤدي إلى تحريف المعنى عن مواضعه(31).

إنّ إدراك هؤلاء العلماء لارتباط الوقف بالمعنى يندرج ضمن العلاقة بين التنغيم والجملة، وقد أدرك هذه العلاقة بدقّة ابن الجزري عندما تحدّث عن أنواع الوقف الذي يحدد نمط الجملة ومن ثمّ معناها وتنغيمها، عندما تحدّث عن أنواع الوقف بقوله: "إنّ الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري. لأنّه إما أن يتمّ أو لا، فإن تمّ كان اختيارياً، وإن لم يتم كان الوقف عليه اضطرارياً"(32).

ثم يعرض ابن الجزري لأنواع الوقف الاختياري، ويتبع ذلك بتحليل نماذج من القرآن الكريم لأنواع الوقف(33)، وهو تحليل ينمُّ عن إدراك دقيق لأهميّة الوقف، يقول: "وليس كلّ ما يتعسّفه بعض المعربين أو يتكلّفه بعض القرّاء أو يتأوله بعضُ أهل الأهواء مما يقتضي وقفاً أو ابتداء ينبغي أن يعتمد الوقف عليه، بل ينبغي تحرّي المعنى الأتمّ والوقف الأوجه وذلك نحو الوقف على (وارحمنا أنت) والابتداء (مولانا فانصرنا) على معنى النداء، ونحو (ثم جاؤوك يحلفون) ثم الابتداء (بالله إن أردنا) ونحو (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك) ثم الابتداء (بالله إنّ الشرك..) على معنى القسم…"(34).

نلاحظ إدراك ابن الجزري، بالاعتماد على دلالة تنغيم الجملة، أنّ الوقف يغيّر معنى الجملة أو العبارة، فينقلها من معنى إلى معنى آخر. مما يجعلها تحمل معنى النداء أو معنى القسم، كما لاحظنا في المقبوس السابق، كذلك نلاحظ أنّ الوقف وتنغيم الجملة هو الذي جعل ابن الجزري يرى أن (مولانا) تحمل معنى النداء، ولا دليل على هذا المعنى غير ذلك؛ ولتوضيح مثال ابن الجزري يمكن أن نحلله على النحو الآتي:

تقول الآية: {ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}/ البقرة: 286/.

آ-الوقف الأوّل حسب فهم ابن الجزري وأثر التنغيم:

"وارحمنا أنت // مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"

الكلام/تحديدي/

أي ارحمنا أنت دون غيرك وقف منادى /بلا أداة/

إذن، إدراك ابن الجزري لهذا النداء الذي تسبّب الوقف به عائدٌ إلى إدراك صوتي تنغيمي، إذ لا دليل على النداء غيره. والخطاب هنا من المؤمن إلى ربّه بواسطة الجملة الإنشائيّة (مولانا).

نلاحظ، هنا أنّ الوقف كان وسيلةً في تحميل الجملة معنى النداء، أما المعنى المغاير فسنلحظه في تحليل الوقف الثاني.

ب-الوقف الثاني حسب فهم ابن الجزري وأثر التنغيم:

"وارحمنا // أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"

جملة أمريّة معطوفة على جملة سابقة لها. وقف كلام خبري؛ التنغيم هنا خبري أي الجملة لم تعد إنشاء كما لاحظنا في الوقف الأوّل.

نلاحظ هنا الاختلاف في المعنى الذي سببّه تغير الوقف، وبالتالي تغيّر تنغيم الجملة وفقاً لذلك، ونلاحظ إدراك ابن الجزري لمعاني الجملة التي تغيّرت بناءً على ذلك.

وبناء على هذا الفهم حلّل ابن الجزري وكذلك ابن الأنباري سابق ابن الجزري عدداً من الأمثلة التي تظهر فهماً لأثر الوقف على معاني الجمل وتنغيمها(35).

3-4: المصطلحات الوظيفيّة لدى علماء التجويد:

تعتبر الدراسات القرآنية من قراءات وضبط وتجويد من أكثر الدراسات العربيّة احتفالاً بالدراسة الصوتيّة؛ وذلك عائدٌ لابتغائها الدّقة في أداء كلمات القرآن وعباراته. ومن تلك العناية بالأداء الصّوتي لآي الذكر الحكيم كان علم التجويد الذي وضع علماؤه قواعد عدة بهدف الوصول إلى التجويد السليم للنص القرآني. وقد استخدم علماء التجويد مصطلحات كثيرة دالة على ذلك، وهي ذات صلة بالتنغيم ودرسه. من حيث دقّة تلك المصطلحات في التعبير عن كيفيّة الأداء والنطق، وهي تصبُّ فيما يسميه علماء الأصوات اليوم ب- (علم وظائف الأصوات) Phonology، الذي يُعنى بالصوت في إطار السياق اللغوي وسأتوقف عند أهم المصطلحات، ولا سيّما تلك التي لها علاقة وثيقة بالتنغيم من حيث الأداء الصّوتي والتأثير على النمط التنغيمي، وسأرتّبها بحسب أوائل الحروف:

*مصطلح التجسيم: هو التغليظ والتفخيم والتحسين(36).

*مصطلح التجويد: هو الإتيان بالقراءة مجوّدة الألفاظ، بريئةً من الجور في النطق بها، لم تهجّنها الزيادة، ولم يشنها النقص بإعطاء الحروف حقوقها، وترتيبها مراتبها، وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وشكله وإشباع لفظه وتلطيف النطق به، على حال صيغته وهيئته(37).

*مصطلح الترتيل: هو مرتبة من مراتب الأداء، وهو ترتيب الحروف على حقّها في التلاوة(38).

*مصطلح التطريب: هو الترنّم بأداء القرآن والتنغّم به(39).

*مصطلح التفخيم: هو امتلاء الفم بصدى الحرف المنطوق مفخّماً، وهو بعكس الترقيق، وبمدلول التغليظ والتجسيم نفسه، إلاّ أنّه مختصٌّ بالراء(40).

*مصطلح مد التعظيم: ويكون في مد ألف (لا) في كلمة التوحيد، وهو ضربٌ من ضروب المبالغة(41).

*مصطلح مد التبرئة: مدُّ الألف في (لا) التبرئة، وهو ضرب من ضروب المبالغة(42).

*مصطلح المبالغة: يقصد من مدّ الصوت بحروف المد، المبالغة في النفي، وهو نوعان: مد التعظيم، ومد التبرئة(43).

*مصطلح الوقف: وهو قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه عادةً بنية استئناف القراءة إمّا بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله لا بنيّة الإعراض(44).

*مصطلح الوقف التام: هو الذي قد انفصل ممّا بعده لفظاً ومعنى(45).

*مصطلح وقف التعسّف: ما يتولّد عنه التحريف(46).

*مصطلح وقف قبيح: وهو الذي لا يجوز الوقف عليه إذا غيّر المعنى أو نقضه(47).

*مصطلح الوقف الممنوع: ما يعطي معنى يفيد الكفر من وجهة نظر الشريعة(48).

________________________________________

* مدرس في قسم اللغة العربية- جامعة البعث- سورية.

(1)انظر: د. تمام حسان: مناهج البحث في اللغة، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب 1979: ص 197-198.

(2)انظر: براجستراسر: التطور النحوي للغة العربية، القاهرة 1929: ص 46-47.

(3)انظر: محمد الأنطاكي: دراسات في فقه اللغة العربية، دار الشرق العربي، بيروت، ط4، بلات: 197.

(4)انظر: أحمد كشك: من وظائف الصوت اللغوي محاولة لفهم صرفي ونحوي ودلالي، القاهرة ط2 1997: 52 وما بعدها.

(5)المرجع السابع نفسه: 57-58.

(6)انظر: د. عبد الكريم مجاهد عبد الرحمن، الدلالة الصوتية والدلالة الصرفية عند ابن جني، مجلّة عالم الفكر، العدد (26) آذار 1982 السنة الرابعة: 79.

(7)انظر الأسبوع الأدبي، العدد (678) تاريخ 2/10/1999.

(8)انظر: د. رضوان القضماني: مدخل إلى اللسانيات منشورات جامعة البعث 1988: 108.

(9)انظر: د. عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس/ 1981: 266.

(10)انظر: د. سيد بحراوي: الإيقاع في شعر السياب: نواره للترجمة، القاهرة 1996: 26.

(11)انظر: سعيد الأفغاني: في أصول النحو، مطبوعات جامعة البعث 1993،: 93-94.

(12) انظر: د. غازي مختار طليمات؛ في علم اللغة، دار طلاس، دمشق، ط1، 1997، ص155.

(13)انظر: د. أحمد قدّور، مبادئ اللسانيات، ص 121، دار الفكر، دمشق، ط1، 1996.

(14)انظر: أبو حاتم الرازي، كتاب الزينة تح: حسين بن فيض الله الهنداني، مطبعة الرسالة، القاهرة 1958: 2/28، والمقصود بالشكاية: الشكوى.

(15)انظر: ابن الجزري؛ منجد المقرئين ومرشد الطالبين تح: محمد حبيب الله الشنقيطي وأحمد محمد شاكر، مكتبة القدس بالأزهر، القاهرة (1350ه): 3.

(16)انظر: الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي: البرهان في علوم القرآن تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، منشورات عيسى البابي الحلبي ط1، 1957: 2/217 وما بعدها.

(17)نفسه: 1/450.

(18)انظر المصدر السابق نفسه: 2/181.

(19)النّص في الأصل في كتاب التمهيد في التجويد لأبي العلاء العطار (569ه) وقد اقتبسناه عن كتاب الدراسات الصوتية لدى علماء التجويد للدكتور غانم قدوري الحمد، مطبعة الخلود ببغداد، ط1، 1986: ص 567.

(20)النص في الأصل في كتاب "روح المريد" وهو مخطوط في مكتبة الأوقاف العامة الموصل الرقم 20/22 مخطوطات مدرسة الحجيان اقتبسناه عن كتاب الدكتور غانم قدوري الحمد الدراسات الصوتي (مرجع سابق) ص 567-568.

(21)المصدر السابق نفسه عن الدراسات الصوتية ص 568.

(22)انظر الحاشية السابقة نفسها، وقد سجّل بعض علماء التجويد المتأخرين في كتبهم ومنهم حسن بن إسماعيل بن عبد الله الموصلي الدركزلي (1327ه) نصاً في كتابه خلاصة العجالة في بيان مراد الرسالة- وهو مخطوط يدل على ما ذكرنا، أورده الدكتور غانم قدوري الحمد في كتابه الدراسات الصوتية (مرجع سابق): ص 569.

(23)انظر د. غانم قدوري الحمد: الدراسات الصوتية –مرجع سابق- ص568، والجدير بالذكر أنّ نص النسفي في كتاب (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) طبعة دار الكاب العربي، بيروت بلا: 2/230.

(24)انظر: ابن الجزري: النشر (تح علي محمد الضباع)- مصدر سابق: 1/344-345.

(25)المصدر السابق نفسه: 1/313.

(26)انظر: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي، إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل (تح: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1971: 1/6.

(27)المصدر السابق نفسه: 1/116 وانظر 1/108.

(28)انظر المصدر السابق نفسه: 1/21-22.

(29)انظر: ابن الجزري: النشر (أشرف على تصحيحه علي محمد الضباع): 1/224-225.

(30)المصدر السابق نفسه: 1/240. وقد ورد تعريف للوقف في قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية، تأليف: د. إميل يعقوب ورفاقه، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، انظر ص 406.

(31)انظر تفصيل ذلك في النشر- مصدر سابق: 1/230-231.

(32)انظر: ابن الجزري: النشر- مصدر سابق: 1/225-226.

(33)انظر: ابن الجزري، النشر- مصدر سابق: 1/226 وما بعدها.

(34)المصدر السابق نفسه: 1/231.

(35)انظر تحليل أمثلة أُخر في: ابن الجزري، النشر، مصدر سابق 1/231 وما بعدها. وانظر أمثلة في ابن الأنباري: إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، مصدر سابق: 1/116 وما بعدها.

(36)انظر محمد مكي نصر: نهاية القول المفيد في علم التجويد، بعناية محمد الضباع، مطبعة البابي الحلبي، مصر (1349ه): ص: 93.

(37)انظر: محمد بن الجزري: التمهيد في علم التجويد، تح: غانم قدوري الحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1986: ص 59.

(38)المصدر السابق نفسه ص 60.

(39)نفسه: ص 56.

(40)انظر: محمد مكي نصر: نهاية القول المفيد –مصدر سابق-: 93.

(41)المصدر السابق نفسه: 131.

(42)نفسه: 131.

(43)نفسه: 131.

(44)انظر: ابن الجزري التمهيد في علم التجويد، مصدر سابق: 179 وانظر المكتفى في الوقف والابتداء لأبي عمرو الداني، تح: عبد الرحمن مرعشلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لنبان، ط1، 1984: 140.

(45)انظر ابن الجزري: التمهيد مصدر سابق-: 179 وأبو عمر الداني: المكتفى- مصدر سابق: 140.

(46)انظر محمد مكي نصر: نهاية القول المفيد –مصدر سابق-: 172.

(47)المصدر السابق: التمهيد: 187، والمصدر السابق المكتفى: ص 148.

(48)انظر أبو عمرو الداني: المحكم في نقط المصاحف، تح: د. عزة حسن، دار الفكر- دمشق، ط2، 1986: 18.

4: التنغيم لدى النحاة:

قد أدرك ابن جنّي مفهوم التنغيم بمعناه المعاصر، على الرغم من أنّه لم يذكر كلمة النبر، وهذا ما نفهمه من قوله لدى كلامه على حذف الصفة: "وقد حُذفت الصفة ودلّت الحال عليها".

وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل. وكأنّ هذا إنّما حذفت فيه الصفة لما دلّ من الحال على موضعها. وذلك أنك تحسّ في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك، وأنت تحسّ هذا من نفسك إذا تأمّلته. وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلاً! فتزيد في قوة اللفظ ب- (الله) هذه الكلمة، وتتمكّن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها أي رجلاً فاضلاً أو شجاعاً أو كريماً أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنساناً إذ تمكّن الصوت بإنسان وتفخّمه، فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنساناً سمحاً أو جواداً أو نحو ذلك. وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنساناً! وتزوي وجهك وتقطبهُ، فيغني ذلك عن قولك: إنساناً لئيماً أو لحزاً أو مبخلاً أو نحو ذلك"(1).

نلاحظ من خلال تحليل قول ابن جنّي أنّه استخدم مصطلحات صوتيّة تدلُّ على معنى التنغيم:

فالتطويح – كما ورد في اللسان: من طوح به ذهب هنا وهناك، وأمّا التطريح فهو من طرح الشيء إذا طوّله ورفعه وأعلاه(2)، والتفخيم إعطاء الصوت قيمة صوتيّة مفخمة. فهذه المصطلحات لها تعلقٌّ بالصوت وبدرجته أثناء النطق به.

وكذلك استخدم ابن جني عبارات، تدلّ على النبر، في قوله: "تزيد في قوة اللفظ" وقوله "تتمكّن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها" فهذه العبارات دالّة على معنى النبر.

4-1: إدراك النحاة لمفهوم التنغيم:

يمكن أن نلاحظ من خلال المقبوس السابق مؤشرات عدة تصبُّ في إطار الفهم الصّوتي للتنغيم؛ من هذه المؤشرات:

-الإشارة إلى الحذف مع وجود ما يدلّ عليه وهو "الحال" والمقصود بالحال سياق الكلام ومواصفات صوتيّة معينة تنوب عن المحذوف وتدلُّ عليه، بل قد يكون الحذف أبلغ، وعدم وجود أحدهما؛ أي الذكر أو الدلالة الصوتية، في سياق الجملة يجعل الحذف غير جائز، ومن هنا قال ابن جنّي: "فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة، فأمّا إن عريت من الدّلالة عليها من اللفظ أو من الحال فإنّ حذفها لا يجوز"(3).

-استخدم ابن جني مصطلحات: "التطويح، التطريح، التفخيم، مط الصوت…" وهي لا تخرج عن كونها وسائل تنغيمية، تساعد على فهم المعنى في السياق، أي أنّ ابن جني وظّف الدلالة اللفظية، التي تعادل الدلالة الصوتية في فهمنا المعاصر(4)، للدلالة على المعنى المقصود. وقد استخدم ابن جني هذه المصطلحات غير مرّة في خصائصه(5)، بالدلالة التي بينّاها نفسها.

وذكر ابن جني هذه المصطلحات للدلالة على تنغيم الجملة أو طريقة نطقها عائدٌ إلى أنّ كثيراً من الصفات النطقيّة لا يمكن تقييدها بالكتابة، وقد يكون هذا ما دفع ابن جنّي، مع ما عرف عنه من دقّة في الملاحظة، إلى الحديث عن إدراك سياق الحال وأهميته وأهمية رؤية وجه العربي وجملة حاله حين يتكلّم، إذ إنّ رواية كلامه مجرّداً عن ذلك قد يُذهب علينا من مقصوده الشيء الكثير. يقول ابن جنّي: "فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو وابن أبي اسحاق، ويونس وعيسى بن عُمر، والخليل، وسيبويه، وأبو الحسن، وأبو زيد، وخلف الأحمر، والأصمعي، ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها، وتقصد له من أغراضها، ألا تستفيد بتلك المشاهدة، وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات، ولا تضبطه الروايات، فتضطرّ إلى قصود العرب، وغوامض ما في أنفسها، حتّى لو حلف منهم حالف على غرض دلّته عليه إشارة، لا عبارة، لكان عند نفسه وعند جميع من يحضرُ حاله صادقاً فيه، غير متّهم الرأي والنحيزة والعقل. فهذا حديثٌ ما غاب عنّا فلم يُنقل إلينا، وكأنّه حاضر معنا، مناج لنا"(6).

يؤكد ابن جني دلالة حال المتكلّم، كما نرى، ودلالة الصوت في إيضاح الدلالة، وهو من هو في الدقّة والملاحظة، وقد علّق الأستاذ سعيد الأفغاني –رحمه الله- على قول ابن جني هذا بقوله: "ونحن نعرف بركة هذا الغوص في كثير من النصوص التي يختلف فيها العلماء لورودها مجرّدة من الإشارة إلى لهجة المتكلّم أو حاله. ترد الجملة عند العرب فيجعلها بعضهم تقريراً وبعضهم استفهاماً حُذفت أداته، وبعضهم استفهاماً أُريد به الإنكار والتهكم… الخ ولو ورد مع النّص حال المتكلّم لا نقطع الخلاف"(7).

ومن أقوال ابن جني الكثيرة التي تندرج في سياق الفهم الواضح للتنغيم، وإن لم يذكر هذا المصطلح، قوله في باب "نقض الأوضاع إذا ضامّها طارئ عليها": "من ذلك لفظ الاستفهام، إذا ضامّه معنى التعجب استحال خبراً، وذلك قولك: مررت برجل أيّ رجل. فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهماً. وكذلك مررت برجل أيّما رجل؛ لأن ما زائدة…"(8) ثم يقول متابعاً: "ومن ذلك لفظ الواجب، إذا لحقته همزة التقرير عاد نفياً، وإذا لحقت لفظ النفي عاد إيجاباً. وذلك كقول الله سبحانه: {أأنت قلت للناس} /المائدة 16/ أي ما قلت لهم، وقوله {آلله أذن لكم} /يونس 59/ أي لم يأذن لكم. وأما دخولها على النفي فكقوله –عز وجل- {ألستُ بربكم} /الأعراف 172/ أي أنا كذلك…"(9).

نلاحظ أنه لا وسيلة، عند تضام الاستفهام مع التعجب واستحالته إلى الخبر سوى الوسيلة التنغيميّة، التي تحوّل المعاني، ذات اللفظ الواحد، من معنى إلى آخر. والحقيقة أنّ هذا الأسلوب، أي تحوّل الدلالة للفظ للواحد إلى معان عدة، هو من الأساليب المعروفة والشائعة في العربية، قديماً وحديثاً، ونقع لمعاني القرآن الكريم. على أمثلة كثيرة جداً، فبالإضافة إلى ما ذكره ابن جني انظر إلى قوله تعالى: {هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون} /الزمر9/ فهذا الاستفهام لا يحتاج إلى إجابة، وإنما الغرض منه النفي، والسامع يعرف ذلك، ويدركه من تنغيم الجملة وحسب.

لقد نقل التنغيم الجملة من معنى الاستفهام إلى معنى النفي. وهو ما نستخدمه كثيراً في لغتنا المعاصرة فنقول مثلاً: كيف تعادي أباك!؟. بلفظ الاستفهام ونحن نريد التعجب والإنكار، وهو ما يؤديه تنغيم الجملة.

وأمّا قول ابن جني: "إذا لحقت همزة التقرير الجملة عادت نفياً كقوله تعالى: {أأنت قلت للناس} نستبعد أن يكون قصد ابن جنّي أنّ هذه الهمزة بذاتها هي التي أفادت النفي ويمكننا القول إنّه بدخول هذه الهمزة على الجملة غيّرت من طريقة تنغيمها، وبالتالي غيّرت من دلالتها فأصبحت تفيد النفي بدلاً من التقرير.

ومن المصطلحات التي استخدمها النحاة في ثنايا حديثهم عن بعض القضايا النحوية التي تندرج في سياق التنغيم، مصطلح الترنم ومد الصوت والتطريب ولا سيما عند سيبويه وابن يعيش، يقول سيبويه في كتابه: "اعلم أنّ المندوب مدعوٌ ولكنّه متفجّعٌ عليه، فإن شئت ألحقت في آخر الاسم الألف لأنّ الندبة، كأنّهم يترنمون فيها"(10) وإلى ما يقارب ذلك يذهب ابن يعيش في شرح المفصّل إذ يقول: "اعلم أنّ المندوب مدعوٌ، ولذلك ذكر مع فصول النداء لكنّه على سبيل التفجّع فأنت تدعوه وإن كنت تعلم أنّه لا يستجيب كما تدعو المستغاث به وإن كان بحيث لا يسمع كأنّه تعدّه حاضراً وأكثر ما يقع في كلام النساء لضعف احتمالهنّ وقلة صبرهنّ، ولما كان مدعواً بحيث لا يسمع أتوا في أوّله (بيا أو وا) لمد الصوت ولما كان يسلك في الندبة والنوح مذهب التطريب زادوا الألف آخراً للترنم"(11).

ثم يقول ابن يعيش في حرف الندبة: "وأما وا فمختص به الندبة لأنّ الندبة تفجّعٌ وحزنٌ والمراد رفع الصوت ومدّه لإسماع جميع الحاضرين"(12).

وواضح من هذه المقبوسات أن استخدامهم مصطلحات (تطريب، مد الصوت، الترنم) ينطوي على دلالة تنغيميّة وذلك لأن "الندبة نداء موجه للمتفجع عليه أو من المتوجع منه والغرض منها الإعلام بعظمة المندوب وإظهار أهميته أو شدّته أو العجز عن احتمال ما به"(13).

وقد جعل خالد الأزهري في شرح التصريح على التوضيح الصيغة السماعيّة "لله درّه فارساً" دالة على التعجب بالقرينة لا بالوضع إذ يقول عنها: "إنّما لم يبوّب لها في النحو لأنّها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة"(14).

والقرينة لا تخرج عن إطار الصورة التنغيميّة للعبارة التي تؤكد أنّ المراد بها الكلام التعجبي وليس أمراً آخر غيره.

هذه الأقوال لعلماء العربيّة، وأمثالها كثير، تجعلنا نستخلص منها أنّ التنغيم في فكر اللغويين حقيقةٌ نطقيّة في كلامهم، وإن لم يجعلوا له قواعد محددة، كما فعلوا في القضايا النحويّة الأخرى.

4-2: مؤشرات فهم التنغيم، وظيفيّاً، لدى النحاة:

يتوقّف فهم المعنى في حالات كثيرة على الطريقة الصوتيّة (التنغيم) ومن هنا تبرز أهميّة دراسة اللغة المنطوقة "والنحو التقليدي لم يميّز بين (اللغة المكتوبة) و(اللغة المنطوقة) على حين أنّ لكلّ منهما نظاماً خاصّاً قد يختلف اختلافاً كبيراً عن صاحبه، بل إنّ هذا النحو ركزّ اهتمامه على /اللغة المكتوبة/.. وقد ترتّب على ذلك أولاً أنّه قدّم قواعد اللغة على أساس معياري وعلى أساس جمالي تقييمي، فهذا استعمالٌ (عال) وذاك (متوسط) وثالث (قبيح) وهكذا نتج عنه ذلك تقدم تفسيرات غير صحيحة لنصوص "موضوعة" لتلائم قواعده، ومن ثم الحكم على ذلك الاستعمال بأنّه شاذ أو استثنائي أو غير نحوي"(15).

لكنّ هذا الحكم ليس مطلقاً إذ إنّنا لا نعدم في تراثنا النحوي بعض الإشارات التي تدل على إدراك هذا الجانب وإن لم يُوثّق قواعديّاً، ولعلّ فيما يرويه السيوطي دليلاً واضحاً على أنّ التنغيم حقيقة صوتيّة نطقيّة في تأويل المعنى إذ يقول: "حدّثنا المرزباني عن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب قال: سأل اليزيديُّ الكسائي بحضرة الرشيد فقال: انظر أفي هذا الشعر عيبٌ؟

وأنشده:

لا يكون العيرُ مهراً *** لا يكونُ المهرُ مهرُ

فقال الكسائي قد أقوى الشاعر، فقال له اليزيدي، انظر فيه. فقال: أقوى لا بدّ أن ينصب المهر الثاني على أنّه خبر كان، فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: أنا أبو محمد.. الشعر صواب إنّما ابتدأ فقال: المهرُ مهرُ"(16).

لقد رأى الكسائي إقواءً وارداً في رفع كلمة (مهر) والصواب نصبها باعتبارها خبراً لكان في رأيه. ولم يفطن الكسائي لما رآه اليزيدي الذي استخدم شيئاً جديداً في تفسير البيت وهو الوقف أو قل التنغيم الذي جعل جملة (لا يكون)- التي ضغط عليها حين النطق وأخذت مطّاً صوتياً لم يعهد لها بعيداً عن هذا السياق –لا صلة بينها وبين ما بعدها فهي توكيد لما قبلها من حديث"(17).

ومن الإشارات الواضحة التي تدل على إدراكهم علاقة تنغيم الجملة وطريقة قراءتها بالمعنى ما ذهب إليه ابن الشجري في أماليه في ثنايا حديثه عن ورود الاستفهام بمعان متباينة له وذلك عندما قال: "ويكون توبيخاً كقوله: {أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً- أفبالباطل تؤمنون- أتعبدون ما تنحتون- كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم…} وكذلك هي توبيخ في قراءة من قرأها بلفظ الخبر…"(18).

وتبرز أهميّة التنغيم في التأويل النحوي، ويمكن أن نأخذ مثالاً الخلاف في همزة الاستفهام، فقد ذكر القرّاء أنّه يجوز حذف همزة الاستفهام في الكلام، فيصبح الكلام بلفظ الإخبار ويدلُّ المعنى على الاستفهام، قال تعالى: {وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمّهنّ قال: إنّي جاعلُك للناس إماماً قال ومن ذُرّيتي} (البقرة 124). فالتقدير: أو من ذُرّيتي؟(19).

وتابعه الأخفش فأوضح أنّ قوله تعالى: {وتلك نعمةٌ تمُنُّها عليّ} /الشعراء 22/. على تقدير الاستفهام(20)، وأنكر المبرّد حذف همزة الاستفهام بلا دليل على الحذف، فأنكر أن يكون بيت عمر بن أبي ربيعة:

ثم قالوا: تحبُّها قلت بهراً *** عدد الرمل والحصى والتراب

قيل: إنّه إخبار لا استفهام، والمعنى، ثم قالوا: أنت تحبّها.

لعل أهمّ ما نلحظه في العرض السابق حول أداة الاستفهام إنكار بعضهم حذف الهمزة بلا دليل ورؤيته بيت عمر بن أبي ربيعة على التقرير (الإخبار) وتأكيد بعضهم الآخر أنّ بيت عمر المذكور هو استفهام وهذا الخلاف يؤكد وجود ظاهرة التنغيم والاعتماد عليه في تأويل البيت، فمّن يسلّم بأنّ هذه الجملة استفهام عوّل على لفظها بنغمة الاستفهام لذلك تأوّل الاستفهام ولاشيء غير ذلك، وهو محقٌّ فيما رأى وأوّل، أمّا مّن رأى أنّها تقرير فقد لفظها بنغمة التقرير، وهو محقٌّ في ذلك، أي إنّ كلا الرأيين صواب والاختلاف نابعٌ من الوجهة التنغيميّة، ولا سيما أننا علمنا اعتماد العلماء أصحاب هذه الآراء والتأويلات على السماع في تدوين القاعدة النحويّة، وعلى ذلك نقيسُ الآيات القرآنية الواردة في الاقتباسات السابقة.

والملاحظة الثانية الهامة نلمسها في قول الفرّاء السابق الذكر، الذي أجاز فيه حذف همزة الاستفهام في الكلام ثم قال إنّ الكلام يصبح بلفظ الإخبار ويدل المعنى على الاستفهام"، واستشهد بالآية القرآنية المذكورة، ولو أمعنا النظر في هذا القول لما وجدنا فيه أية قرينة تدل على معنى الاستفهام، كما ذكر الفرّاء، سوى دلالة صوتية تنغيميّة وقعت على الجملة. وهذا ما نلحظه أيضاً في الشاهد القرآني الثاني الذي عرضه الفراء. فهذا يدلُّ على إحساس الفرّاء بهذه الظاهرة في تقديم معنى الاستفهام، وإن لم يسمّها باسمها. والفرّاء كما هو معروف من النحاة المتقدمين الذين اعتمدوا اللغة المنطوقة (السماع) في تسجيل الظاهرة اللغويّة.

4-3: مطل الحركات لدى ابن جنّي:

يرى ابن جنّي في المطل ظاهرةً صوتيّة دلالية خاصّة بالحركات القصيرة والطويلة، وتمطل الحركات (الألف + الواو + الياء) للدلالة على الندبة يقول ابن جني: "والمعنى الجامع بين التذكّر والندبة قوّة الحاجة إلى إطالة الصوت في الموضعين"(21). ويقول أيضاً "ويدلُّ على أنّ العرب لما أرادت مطلهنّ للندبة وإطالة الصوت بهنّ في الوقف، وعلمت أن السكون عليهنّ ينتقصهّن، ولا يفي بهنّ أتبعتهنّ الهاء في الوقف توفيةً لهنّ. وتطاولاً إلى إطالتهنّ، وذلك قولك: وازيداه، واجعفراه، ولا بدّ من الهاء في الوقف، فإن وصلت أسقطتها، وقام التابع غيرها في إطالة الصوت مقامها، وذلك قولك: وازيدا، واعمراه.."(22).

وكذلك تمطّل الحركات للإنكار، فقد ذكر ابن جني مدّة الإنكار بقوله: "نحو قولك في جواب من قال: رأيت بكراً: أبكرينه! وفي جاءني محمد: أمحمدُنيه، وفي مررت على قاسم: أقاسمنيه! وذلك أنّك ألحقت مدّة الإنكار، وهي لا محالة ساكنة، فوافقت التنوين ساكناً، فكسر لالتقاء الساكنين فوجب أن تكون المدة ياءً لتتبع الكسرة"(23).

ويوضّح ابن جني الدلالة من المد الإنكاري حين يتحدّث عن هذه المدّة أألف هي أم ماذا؟ يقول: "إنّ أخلق الأحوال بها أن تكون ألفاً من موضعين: أحدهما: أنّ الإنكار مضاه للندبة. وذلك أنّه موضع أريد فيه معنى الإنكار والتعجب، فمطل الصوتُ به وجعل ذلك أمارة لتناكره، كما جاءت مدّة الندبة إظهاراً للتفجّع، وإيذاناً بتناكر الخطب الفاجع، والحدث الواقع.

فكما أنّ مُدّة الندبة ألف، فكذلك ينبغي أن تكون مدّة الإنكار ألفاً. والآخر أنّ الغرض في الموضعين جميعاً إنّما هو مطل الصوت، ومدّه وتراخيه، والإبعاد فيه لمعنى الحادث هناك، وإذا كان الأمر كذلك فالألف أحقُّ به دون أختيها؛ لأنّها أمدّهن صوتاً… فأما مجيئها تارة واواً، وأخرى ياءً فثان لحالها، وعن ضرورة دعت إلى ذلك؛ لوقوع الضمة والكسرة قبلها. ولولا ذلك لما كانت ألفاً أبداً"(24)

نلاحظ ربط ابن جني بين مطل الصوت وبين دلالته على الندبة إظهاراً للتفجع في حروف المد.

4-5: جرس الصوت عند ابن جني:

يرى ابن جني أنّ لكلّ صوت جرساً خاصّاً به حسب مخرجه يقول: "اعلم أنّ الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً، حتّى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمّى المقطع أينما عرض له حرفاً. وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطّنت لذلك وجدته على ما ذكرته لك؛ ألا ترى أنّك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، فتجد له جرساً ما، فإن انتقلت منه راجعاً عنه، أو متجاوزاً له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى غير الصدى الأوّل وذلك نحو الكاف، فإنك إذا قطعت بها سمعت هناك صدىً ما فإن رجعت إلى السقاف سمعت غيره، وإن جُزت إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين"(25).

نلاحظ استخدام ابن جني للصفات السمعيّة في عرضه لخصائص الصوت، بل نرى ذلك أيضاً عند وصفه لأصوات العلة وشكل الفم والحلق عند النطق عندما يقول: "والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف، ثم الياء، ثم الواو وأوسعها وألينها الألف، إلا أنّ الصوت الذي يجري في الألف مخالفٌ للصوت الذي يجري في الياء والواو، والصوت الذي يجري في الياء مخالفٌ للصوت الذي يجري في الألف والواو. والعلة في ذلك أنك تجد الفم والحلق في ثلاث الأحوال مختلف الأشكال، أما الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحتين غير معترضين على الصوت بضغط أو حصر، وأما الياء فتجد معها الأضراس سُفلاً وعُلواً قد اكتنفت جنبتي اللسان وضغطته، وتفاجّ الحنك(26) عن ظهر اللسان، فجرى الصوت متصعدّاً هناك، فلأجل تلك الفجوة ما(27) استطال. وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين، وتدع بينهما بعض الانفراج ليخرج فيه النفس، ويتّصل الصوت. فلمّا اختلفت أشكال الحلق والفم والشفتين مع هذه الأحرف الثلاثة اختلف الصدى المنبعث من الصدر، وذلك قولك في الألف "أ أ" وفي الياء "إي" وفي الواو "أو"(28).

ومن هنا يشبه ابن جني الحلق بالآلة الموسيقية (الناي) يقول: "ولأجل ما ذكرنا من اختلاف الأجراس في حروف المعجم باختلاف مقاطعها، التي هي أسباب تباين أصدائها، ما(29) شبّه الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الأنف غُفلاً بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على حروف الناي المنسوقة، وراوح بين عمله(30)، اختلفت الأصوات، وسُمع لكلّ خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قُطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة"(31).

ولا خلاف بين الباحثين أنّ صفة الصوت اللغوي أو جرسه كما أراد ابن جني تعتمد على حفز الهواء إلى عضلة الحبال الصوتية وهذا ما أكده ابن جني في المقبوس السابق.

5-خاتمة:

هذا استعراضٌ لبعض آراء النحويين وعلماء التجويد لا يدّعي صاحبه أنّه استقصى فيه كلّ شيء، وإنّما كان هدفه إظهار حقيقة مفادها أنّ التراث العربي قد أدرك مسألة التنغيم في اللُّغة، كما أدرك أهميتها؛ لذلك إن أصبت فيما ذهبت إليه فلله الحمد والشكر، وإن أخطأت فحسبي أجر الاجتهاد.

صلى الله عليه وسلم

قائمة المصادر والمراجع:

*إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عزّ وجل، أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي، تح: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، دمشق، مجمع اللغة العربية 1971.

*الإيقاع في شعر السياب، سيد بحراوي، مصر، نوارة للترجمة 1996.

*الأساس النطقي-الفيزيقي لتنغيم العربية في التفكير الفلسفي، هايل محمد الطالب، دمشق، الأسبوع الأدبي، العدد (678) تاريخ 2/10/1999.

*البرهان في علوم القرآن، الإمام بدر الدين الزركشي، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، دار إحياء الكتب العربية، منشورات البابي الحلبي، ط1، 1957.

*التشكيل التنغيمي في المنظومة اللغوية العربية، هايل محمد الطالب، رسالة ماجستير، جامعة البعث (2000).

*التشكيل الصوتي في اللغة العربية، سلمان العاني، تر: ياسر الملاح، جدّة، النادي الأدبي الثقافي، ط1، 1983.

*التطوّر النحوي للغة العربية، براجستراسر، القاهرة، 1929.

*التفكير اللساني في الحضارة العربية، عبد السلام المسدي، ليبيا، تونس، الدار العربية للكتاب 1981.

*التمهيد في علم التجويد، محمد بن الجزري، تح: غانم قدوري الحمد، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1986.

*الخصائص، ابن جني، تح: محمد علي النجار، بيروت، دار الهدى للطباعة والنشر ط2، بلا.

*الدراسات الصوتية لدى علماء التجويد، غانم قدوري الحمد، بغداد، مطبعة الخلود، ط1، 1986.

*الدراسات الصوتية لدى علماء التجويد، حسين العبود (رسالة ماجستير) جامعة دمشق 1993.

*دراسات في فقه اللغة العربية، محمد الأنطاكي، بيروت، دار الشرق، ط4، بلا

*دراسات في علم اللغة، كمال بشر، دار المعارف، 1969.

*الدلالة الصوتية والدلالة الصرفية عند ابن جني، عبد الكريم مجاهد عبد الرحمن، مجلة عالم الفكر، العدد (26) آذار، السنة الرابعة 1980.

*سر صناعة الإعراب، ابن جني، تح: حسن هنداوي، دمشق، دار القلم، ط1، 1985.

*شرح المفصّل، ابن يعيش، بيروت عالم الكتب، القاهرة، مكتبة المتنبي، بلا.

*في أصول النحو، سعيد الأفغاني، حمص، منشورات جامعة البعث 1991.

*في علم اللغة، غازي طليمات، دمشق، دار طلاس، ط1، 1997.

*في الوقف والابتداء، أبو عمرو الداني، تح: عبد الرحمن مرعشلي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1984.

*قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية، إميل يعقوب ورفاقه، بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 1987.

*كتاب الزينة، أبو حاتم الرازي، تح، حسين فيض الله الهمذاني، القاهرة، مطبعة الرسالة، 1958.

*مبادئ اللسانيات، أحمد قدّور، دمشق، دار الفكر، ط1، 1996.

*المحكم في نقط المصحف، أبو عمرو الداني، تح: عزة حسن، دمشق، دار الفكر، ط2، 1986.

*مدخل إلى اللسانيات، رضوان القضماني، منشورات جامعة البعث 1988.

*معاني القرآن، الفرّاء، تح: أحمد يوسف نجاتي وزميله، طبعة دار الكتب المصرية 1955.

*مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام، نخ: مازن المبارك وزميله، مراجعة سعيد الأفغاني، منشورات جامعة البعث.

*مناهج البحث في اللغة، تمام حسان المغرب، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1979.

*منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ابن الجزري، نخ: محمد حبيب الله الشنقيطي ورفيقه، مكتبة القدس بالأزهر (1350ه).

*من وظائف الصوت اللغوي، محاولة لفهم صرفي ونحوي ودلالي، أحمد كشك القاهرة، ط2، 1997.

*النحو العربي والدرس الحديث، بحثٌ في المنهج، عبده الراجحي، بيروت دار النهضة، 1979.

*النحو الوافي، عباس حسن، مصر، دار المعارف، ط3، بلا

*النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، أشرف على تصحيحه علي محمد الضباع، بلا.

*نهاية القول المفيد في علم التجويد، محمد مكي نصر، بعناية علي محمد الضباع، مصر، مطبعة البابي الحلبي (1349ه).

________________________________________

(1)انظر: ابن جني: الخصائص، تح: محمد علي النجار، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت، ط2، بلا: 2/370-371.

(2)انظر: ابن منظور: اللسان، مادة (طرح)، مادة (طوح).

(3)انظر: ابن جني: الخصائص- مصدر سابق: 2/371.

(4)ويرى ابن جني أنّ هذه الدلالة اللفظية هي أقوى أنواع الدلالات يقول في باب "في الدلالة اللفظية والصناعية والمعنويّة: "اعلم أنّ كل واحد من هذه الدلائل معتدٌ مُراعى مؤثر؛ إلا أنّها في القوة والضعف على ثلاث مراتب:

فأقواهنّ الدلالة اللفظيّة، ثم تليها الصناعيّة، ثم تليها المعنوية" الخصائص مصدر سابق- 3/98 وانظر 2/161.

(5)انظر، ابن جني، الخصائص –مصدر سابق-: 1/240-241.

(6)انظر المصدر السابق: 1/248.

(7)انظر: سعيد الأفغاني، في أصول النحو، منشورات جامعة البعث 1991: ص 93-94، وقد عرض الأستاذ الأفغاني أمثلة على ذلك في حاشية ص 94.

(8)انظر: ابن جني، الخصائص –مصدر سابق-: 3/269.

(9)انظر: ابن جني، الخصائص –مصدر سابق-: 3/269.

(10)انظر سيبويه: الكتاب، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت لبنان، ط2، 1998: 1/375.

(11)انظر: ابن يعيش: شرح المفصل، عالم الكتب، بيروت، مكتبة المتنبي، القاهرة: 2/13.

(12)انظر المصدر السبق نفسه: 2/120.

(13)انظر: عباس حسن، النحو الوافي، دار المعارف مصر، ط3، بلا: 4/ 89.

(14)انظر: خالد الأزهري: شرح التصريح على التوضيح، 2/86.

(15)انظر: د. عبده الراجحي، النحو العربي والدرس الحديث، بحث في المنهج، دار النهضة، بيروت 1979: 47.

(16) انظر السيوطي، الأشباه والنظائر، تح: إبراهيم محمد عبد الله منشورات مجمع اللغة العربية 1986 3/245.

(17)انظر: أحمد كشك، ومن وظائف الصوت اللغوي، محاول لفهم صرفي ونحوي ودلالي: 61. وأرى أنّ اليزيدي تقصّد أن يوقع الكسائي بالخطأ فقرأ البيت للكسائي بنغمة توحي أن به لحناً، وعندما أوّل هو معنى البيت قرأ البيت بتنغيميه الصحيح بوقف عند جملة (لا يكون)، والابتداء بجملة (المهر مهر)؛ وذلك من باب المنافسة بينه وبين الكسائي.

(18)انظر ابن الشجري (ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة العلوي ت (542ه)، الآمالي الشجرية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، بلا، 265.

(19)انظر: الفرّاء: معاني القرآن، تح: أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار، طبعة دار الكتب المصرية 1955: 1/76.

(20)انظر: ابن هشام: معنى اللبيب عن كتب الأعاريب، تح: د. مازن مبارك ومحمد علي حمد الله، مراجعة سعيد الأفغاني، منشورات جامعة البعث: 1/20.

(21)انظر: ابن جني، الخصائص، مصدر سابق،: 3/129.

(22)انظر: ابن جني، الخصائص، مصدر سابق: 3/129. وانظر: سر صناعة الإعراب، تح: د. حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط1، 1985: 1/72-73 وما بعدها، حيث فصّل القول في هذه الناحية.

(23)المصدر السابق نفسه: 3/154.

(24)المصدر السابق نفسه: 3/155.

(25)انظر سر صناعة الإعراب: مصدر سابق 1/6.

(26)تفاجّ: تباعد.

(27)ما: هنا زائدة وترد كذلك كثيراً عند أبي الفتح والحاشيتان (3) و(4) نقلاً عن حسن هنداوي محقق سر صناعة الإعراب.

(28)سر صناعة الإعراب: 1/8.

(29)أرى أنّ (ما) هنا زائدة ولا سيما وأنها قد سقطت من إحدى النسخ التي اعتمد عليها المحقق، انظر سر الصناعة 1/8 حاشية (17).

(30)ورد في سر صناعة الإعراب تح مصطفى السقا وزملائه، مصر 1956 ص 20 بدلاً من كلمة (عمله) كلمة (أنامله) وأرى أن الكلام يستقيم مع هذه الكلمة أكثر من كلمة (عمله) التي اعتمدها محقق الطبعة الحديثة د. حسن هنداوي.

(31)سر صناعة الإعراب 1/98.

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 91 – السنة الثالثة والعشرون – أيلول "سبتمبر" 2003 – رجب 1424

36 Views

عن tamir_malas

إلى الأعلى