الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الفلسفة والمنطق » الدراسة فوق التشكيلية عند الفلاسفة المسلمين – أمينة طيبي

الدراسة فوق التشكيلية عند الفلاسفة المسلمين – أمينة طيبي


الدراسة فوق التشكيلية عند الفلاسفة المسلمين – أمينة طيبي (*)

تقديم:‏

إذا كان الفلاسفة العرب والمسلمون ساقوا مصطلحاتهم من الفكر اليوناني أو الإغريقي، فإن فكرهم ظل عربياً صرفاً صافياً، وعندما نعالج الجانب الصوتي في دراستهم نلفي مصطلحات أخرى لا علاقة لها بالفكر اليوناني، بل إن تلك المصطلحات في عمقها ودقتها تجاوزت ما توصل إليه النحاة واللغويون ممن عاصروهم، وإن أكثر تلك المصطلحات كانت ولا تزال محل تقدير وإعجاب من قبل المعاصرين.‏

لقد تناول الفلاسفة جانباً مهماً من جوانب الدراسة التشكيلية الصوتية، بل أكثر من ذلك تناولوا جانباً أغفله غيرهم في حين عدّه المعاصرون مهماً في مجال الدراسات الصوتية، ألا وهو الدراسة غير التشكيلية الأدائية، كالنّبر والتنغيم ومن قبلهما المقطع. وربما يرجع ذلك لاهتمامهم بالتركيب اللغوي فحسب في حين أن هذه الظواهر أدائية غير تشكيلية.‏

المقطع:‏

يجمع أغلب علماء الأصوات على أن الدراسة الصوتية للأصوات مفردة من حيث المخارج والصفات غير كافية باعتبارها تخضع "لقواعد معينة في تجاوزها وارتباطاتها ومواقعها" (2)، وعليه فدراسة التشكيل الصوتي تقتضي دراسة الظواهر التي لا ترتبط بالأصوات في ذاتها بل بالمجموعة الكلامية بصفة عامة "كالموقعية والنبر والتنغيم" أي دراسة سلوكها داخل التركيب.‏

وللغة أنظمتها المتعددة، منها النظام الأصواتي الذي يخضع لتوزيع منسجم، حيث لا يتعارض فيه صوت مع آخر، والنظام التشكيلي الذي لا يتعارض فيه موقع مع غيره، وكذا النظام المقطعي والنبري والتنغيمي، فهي منظمة من النظم، يؤدي كل منها وظيفة بالتعاون مع باقي النظم.‏

لم يتفق علماء الأصوات على تعريف واحد للمقطع، ومرد ذلك اختلاف الرؤى حول الوظيفة الأكوستيكية الفيزيائية أو الوظيفية أو النطقية للمقطع، ومع ذلك هم يتفقون على أهميته في الدراسة الصوتية باعتبار كلام الإنسان عبارة عن مقاطع صوتية، فالمقطع "يشكل درجة في السلم الهرمي للوحدات الصوتية، والتي يتشكل كل منهما من أصغر وحدة تسبقه الوحدة الصغرى (الفونيم) ثم يأتي المقطع المكون من فونيمات بترتيب معين، ثم تأتي مجموعة النغم (قطار المقاطع) المحتوية على النبر وعلى تتابعات من مجموعات النغم" (3).‏

فالمقطع، هو مجال العمل الذي تشتغل عليه باقي الظواهر التشكيلية من نبر وتنغيم، وهو "الوحدة الأساسية التي يؤدي الفونيم وظيفة داخلها" (4).‏

مثل هذه الدراسة لم تكن بعيدة عن العلماء الأوائل بل إن المبحر في تراثنا اللغوي ليقف على بعض الأمور التي يذهل أمامها باحث تزاحمت عليه كل أنواع الآلات، في حين لم يتوفر لديهم إلا حس مرهف وذكاء حاد، وقدرة هائلة على التذوق.‏

فما خلفه الفلاسفة وعلماء الكلام في دراستهم للمقاطع العربية يدنو كثيراً من تلك التي نلمسها اليوم في البحث الصوتي الجديد، فقد عرضوا للمقطع بمعناه العلمي المعهود في الدرس الحديث، كما أدركوا المقاطع الرئيسة في العربية، بل إن الفارابي قام بربطها ومعطيات الدرس العروضي عند قدامى النحاة واللغويين.‏

إذ يطل علينا الفارابي من بين الفلاسفة الذين كان لهم باع هام في مجال الدراسات الصوتية، بأعماله الجليلة التي من ضمنها كتابه الضخم الذي ألفه وهو "الموسيقى الكبير"، فتناول فيه الصوت اللغوي الإنساني الدال، والمقطع الصوتي بما يظهر قدرته على الإفادة من فكرة المقطع في دراسة أوزان الشعر، وحسن تصرفه بالمصطلح وإطلاقه تسمية المقطع القصير على ما يقابل الصامت المتبوع بمصوت قصير، والمقطع الطويل على ما يقابل الصامت المتبوع بمصوت طويل، واستعمال كلمة حرف بما يقابل مصطلح الصوتية (الفونيم) وغير ذلك من مسائل الدرس الصوتي الحديث المهمة.‏

أما المقطع (5) عنده فهو حصيلة اقتران حرف غير مصوت (صامت) بحرف مصوت (صائت)، يقول: "المقطع مجموع حرف مصوت وحرف غير مصوت (6) "، وهما نوعان فصّل فيهما أيما تفصيل، المقطع القصير والطويل، يقول: "وكل حرف غير مصوت أتبع بمصوت قصير قرن به فإنه يسمى المقطع القصير، والعرب يسمونه الحرف المتحرك، من قبل أنهم يسمون المصوتات القصيرة حركات (7).‏

وكل حرف لم يتبع بمصوّت أصلاً، وهو يمكن أن يقترن به، فإنهم يسمونه الحرف الساكن، وكل حرف غير مصوت قرن به مصوت طويل فإنا نسميه المقطع الطويل (8).‏

ثم يربط المقطع الطويل بالسبب الخفيف فيقول: "وكل مقطع طويل فإن قوته قوة السبب الخفيف، فلذلك يعد في الأسباب الخفيفة، وكل ما لحق الأسباب الخفيفة لحق المقاطع الطويلة، وسائر ما يركب تركيباً أزيد مما عددناها فإن جميعها مركبة إما عن أسباب وإما عن أوتاد وإما عنهما جميعاً. وكل سبب خفيف فإنّه يقوم مقام نقرة تامة تعقبهما وقفة. كذلك كل مقطع طويل" (9).‏

الأمر الذي يجعلنا ندرك أن الفارابي أدرك العلاقة بين المقاطع والأسباب، ممّا يدعو إلى القول إن الدراسات العروضية في روحها هي عبارة عن دراسة للمقاطع في اللغة العربية، ثم يتابع هذا الربط مقارناً ما توصل إليه بنتائج الدراسات العروضية آنذاك قائلاً: "وكل حرف متحرك أتبع بحرف ساكن، فإنّ العرب يسمونه السبب الخفيف. وكل حرف متحرّك أتبع بحرف متحرّك، فإنهم يسمونه السّبب الثّقيل، والسّبب الثّقيل متى أتبع بحرف ساكن سموه الوتد المجوع، لاجتماع المتحركين فيه، والسبب الخفيف متى أتبع بحرف متحرك سموه الوتد المفروق لافتراق المتحركين فيه بالسّاكن المتوسط، والسّبب الخفيف متى أتبع بحرف ساكن سمّي الوتد المفرد لانفراد المتحرّك فيه. والسبب الثّقيل متى أتبع بمتحرّك فلنسمه نحن السبب المتوالي لتوالي المتحرّكات الثلاثة فيه" (10).‏

فالمقطع الطويل عند الفارابي يتألف من حرف غير مصوت أي صامت ومصوت طويل، دون أن يفصل بينهما مصوت قصير من جنس المصوت الطويل، مما يدل مرّة أخرى أن الفارابي كان يدرك أنّ المصوتات الطويلة إشباع للقصيرة فقط لا أنها نشأت من مدّها "الحروف المصوّتة إذا مدت حركاتها أدنى مد كانت قريبة من سبب خفيف" (11)، ونجد هذه المقاربة للسبب الخفيف في قوله "وكلّ مقطع طويل، فإن قوّته قوّة السبب الخفيف، فلذلك يعدّ في الأسباب الخفيفة، وكلّ ما لحق الأسباب الخفيفة لحق المقاطع. وكلّ سبب خفيف فإنّه يقوم مقام نقرة تامّة تتبعها وقفة، وكذلك كلّ مقطع طويل "فهذا المد الداخل على المصوت القصير الذي كان يشكل قمة المقطع القصير يؤدي إلى جعله مصوتاً طويلاً يمثل قمة المقطع الطويل (12).‏

فالفارابي يسبق الدرس الصوتي الحديث كثيراً في نفيه لوجود مصوت قصير قبل المصوت الطويل، والصوامت (الحروف) عنده، إما "أن تردف بمصوتات قصيرة، وإما أن تكون ساكنة وإما أن تردف بمصوتات طويلة" (13).‏

فالفارابي على هذا أول من استعمل المقطع بمفهومه الاصطلاحي، وإن كان يستعمله في بعض الأحيان بالمعنى اللغوي، كقوله مثلاً: "والألحان المسموعة من الآلات منها ما صيغت ليحاكى بها ما يمكن محاكاته من الألحان الكاملة، أو لتجعل تكثيرات لها وافتتاحات ومقاطع واستراحات إليها من خلال المحاكاة" (14).‏

إذن يذكر الفارابي نوعين من المقاطع في العربية متجاوزاً الأنواع الأخرى، فسمي الأول مقطعاً قصيراً، والآخر طويلاً، إلا أنه تحدّث عن الطويل المفتوح فقط، أي الحرف المتبوع بمصوت طويل، كما ربط بينه وبين السبب الخفيف، لأنهما يشكلان نغمة واحدة، كما أورد الفارابي نوعاً ثالثاً غير أنّه لم يسمّه مقطعاً بل دعاه "السّبب المفرد".‏

وحين ترجم الفارابي كتاب أرسطوطاليس قدم للدرس الصوتي العربي خدمة لا نظير لها، تتعلق بالمقطع الصوتي، فكانت دراسته ردّاً على كل من أنكر جهود الأوائل فيما يتعلق بالدراسات فوق المقطعية، ومع أن العمل كان في البداية عبارة عن ترجمة إلا أنه أضاف إليه الكثير من الأمور التي تؤكد أنه كان في كل مرة يقرن ما توصل إليه الفارابي في اللغة اليونانية، بما لمسه في اللغة العربية، فالمقاطع مثلاً لا معنى لها وهي مفردة في اللغة اليونانية، إلا أن الفارابي لاحظ في العربية بعض المقاطع التي تبقى دالة على معنى وإن كان يختلف عن المعنى الذي تعطيه وهي متوالية كقوله: "أما المقطع الواحد من مقاطع الاسم فليس بدالّ، لكنه حينئذ صوت فقط" (15) يريد بالمقطع: مجموعة حرف مصوّت وحرف غير مصوّت، فإنّه متى أخذ شيء منه جزءاً لاسم مفرد لم يكن دالاً على جزء المعنى الذي دلّ الاسم على جملته، لكنّه يكون حينئذ كحرف واحد فلذلك جعله صوتاً فقط. وينبغي أن يُؤخذ هذا على أنّه جزء بالإضافة إلى اسم ما يشار إليه، فإنّ كثيراً من أجزاء الاسم ربّما كان اسماً مفرداً لم يقصد به حيث أخذ جزءاً للاسم المفرد أن يكون جزءاً له، على أنّه قد كان اسماً دالاً، مثل قولنا: أبكم، في العربيّة، فإن قولنا: أب، وقولنا: كم، كلّ واحد منهما دالّ على انفراده، لا من حيث هو جزء للاسم، ولكن يُقال في أمثال هذه: إنّ أجزاءها دالة بالعرض" (16).‏

وفي موضع آخر، تناول علاقة الدال بالمدلول، نجده يقول: "وذلك أنّهم يقولون: إنّ كلّ لفظة دالّة ينبغي أن تكون محاكية للمعنى المدلول عليه، ومعرّفة بطبعها لذات ذلك الشّيء، أو لعرض يكون علامة للمدلول عليه خاصّة، وتكون اللّفظة بطبعها محاكيّة، مثل قولنا: هُدهُد للطّائر الذي يحاكي هذه اللّفظة صوته الخاصّ به. ومثل العقعق، ومثل خرير الماء، وربّما لم تكن اللّفظة بأسرها مُحاكية، ولكنّ بعض أجزائها مثل: زُنبور وطُنبور، فإنّ المقطع الأوّل من زنبور يحاكي زميمه إذا طار، وطنبور يحاكي الجزء الأوّل من هذه اللّفظة صوت الآلة، وربّما كان حرف واحد من حروفه محاكياً له أو لعرض من أعراضه" (17).‏

وقد أشار إخوان الصفا قبل الفارابي إلى مصطلح التقطيع، لكنهم أرادوا به الحروف المفردة، إذ قالوا: "الكلام صوت بحروف مقطّعة دالّة على معان مفهومة من مخارج مختلفة" (18)، غير أنّ الجاحظ، يخالفهم، وإن كان استخدم مصطلح "التقطيع" أيضاً غير أنه مسّ بقوله المفهوم الحديث، حيث قصد تجزئة الكلام، فمما جاء في كلامه قوله: "الصّوت هو آلة اللّفظ، والجوهر الذي يقوم به التّقطيع، وبه يوجد التّأليف، وفي موضع آخر نجده يقول: "ولا تكون الحروف كلاماً إلاّ بالتّقطيع والتّأليف" (19).‏

ومن أقوال المتكّلمين، التي تجعل القارئ يشعر بفهم صاحبها لحقيقة المقطع كما تعرفه اللّسانيات الحديثة، وإن لم يصرّح بلفظ الكلمة، قول القاضي عبد الجبّار عندما تناول "جنس الصّوت": الأصل في هذا الباب أنّ جنس الصّوت، قد يختلف الوجه الّذي يحدث عليه، فقد يكون صوتاً مفيداً غير مقطّع، وقد يكون مقطعاً في جنس واحد، وقد يكون مقطعاً في جنس على وجه يتّصل تارة في الحدوث وينفصل في أخرى" (20)،وتوصّله إليه كان نتيجة لتطبيق المنهج الطّبيعي الفيزيائي في دراسته الأصوات، واقتران ذلك بالبعد الزّمني للحدوث.‏

ومن الفلاسفة الذين تناولوا أيضاً المقطع بالمفهوم الصوتي الحديث ابن سينا الذي ورد في حديثه عن المقاطع ما يلي: "المقطع الممدود والمقصور كما علمت، يؤلّف من الحروف الصّامتة وهي التي لا تقبل المدّ البتّة مثل الطّاء والباء، والتي لها نصف صوت، وهي التي تقبل المدّ مثل السّين، والرّاء والمصوّتات الممدودة التي يسمّيها مدّات، والمقصورة وهي الحركات" (21).‏

فابن سينا على غرار الفارابي أدرك هو الآخر، أركان المقطع، أو حدوده وهي الحروف المصوّتة أو الصّامتة كما يسمى اليوم، والمصوّتات بفرعيها، الممدودة، أي الطويلة، والمقصورة، أي القصيرة، أو كما سماها النّحاة الحركات.‏

وعلى غرار الاثنين، يطل علينا فيلسوف آخر، قيل عنه الكثير هو ابن رشد، ورغم ذلك تبقى دراسته في هذا المجال، من أقدرها وأقربها إلى روح الدرس الصوتي الحديث، فكان أوّل من أشار إلى حقيقة التقسيم المقطعي، من حيث كون المتكلّم لا يستطيع الأداء المستمرّ، فيتحيّل على ذلك بأن يتوقّف عن هذا الأداء بين برهة وأخرى توقّفا لا يكاد يحسّ به (22). مضيفاً أنّ لتلك الوقفات الزّمنية بين أجزاء اللّفظ، ذات أهميّة بالغة في إدراك المعاني، لأنّ هذه الألفاظ "إذا وردت مشافعة في الذّهن، لم يتمكّن الذّهن من فهم واحد منها حتّى يرد عليه آخر" (23). وهذا في نظره شبيه بما يعرض لمن يحبّ أن يتناول شيئاً من أشياء سريعة الحركة، فإنّه لا يتمكّن منها" (24).‏

ويستخدم ابن رشد المقطع بدلالته العلميّة كما يعرفها الدرس الصوتي الحديث، فهو عنده حصيلة ائتلاف يحدث بين "الحرف المصوت وغير المصوت" (25)، ويجزئه بناء على الزمن المستغرق في نقطة إلى مقطع ممدود، وهو ما اقترن فيه صوت صامت بمصوّت طويل، وآخر مقصور، ويتشكّل من اجتماع صامت يتبعه مصوّت قصير. ويبدو هذا التّقسيم لديه في حديثه عن مواطن النّبر في العربيّة وكيفية حدوثه، فيقول: "العرب يستعملون النّبرات بالنّغم عند المقاطع الممدودة فلا يستعملون فيها النّبرات والنّغم إذا كانت في أوساط الأقاويل أو في أواخرها. أمّا المقاطع المقصورة فلا يستعملون فيها النّبرات والنّغم إذا كانت في أوساط الأقاويل. وأمّا إذا كانت في أواخر الأقاويل، فإنّهم يجعلون المقطع المقصور ممدوداً، فإذا كانت فتحةً أردفوها بألف، وإن كانت ضمّةً أردفوها بواو، وإذا كانت كسرةً أردفوها بياء… وقد يمدّون المقاطع المقصورة في أوساط الأقاول إذا كان بعض الفصول الكبار ينتهي إلى مقاطع مقصورة في أقاويل جُعلت فصولها الكبار تنتهي إلى مقاطع ممدودة، مثل قوله تعالى: (وتظُنُّون بالله الظُّنُونا ((26) وبالجملة إنّما يمدّون المقطع المقصور عند الوقف" (27).‏

فابن رشد على هذا أدرك المقطع بقسيمه إدراكاً علميّاً واعياً تقرّه معطيات الدرس الصّوتي الحديث. بل أكثر من ذلك لم يكتف هذا الفيلسوف بالمقطع مصطلحاً وحيداً لضبط المفهوم المعروف، بل نجده إلى جانب ذلك يستخدم مصطلح "السلابي" Syllabe (28) الذي نقله من اليونانية إلى العربية منتهجاً سبيل التّعريب ليزاوج بينهما من حيث الاستعمال عند تناوله للظّاهرة.‏

لقد نصّ ابن رشد على أنّ المقطع هو كلٌّ لا يتجزّأ من حيث هو كميّة متكاملة، تحكمه علاقات مع كلّ أجزائه. ويستدلّ على ذلك بالمقابلة الحسيّة بين الشّبيه ونظيره فيأخذ من اللّحم الذي يتكوّن من الأرض والماء والنّار مثالاً لذلك، فيقارن بينه وبين السّلابي من حيث "أنّ هذه إذا انحلّت وفسدت ليس ينحلّ المقطع إلى مقاطع واللّحم إلى لحوم، كما تنحلّ الأشياء المجموعة إلى تلك التي اجتمعت منها، أعني لا يحدث فيها عن الاجتماع شيء زائد… فالحروف هي الّتي نسبتها إلى السُّلابي نسبة النّار والأرض إلى اللّحم… فالسّلابي شيءٌ آخر هو، وليس هو الحروف، أي الحرف المصوّت والّذي لا صوت له، بل شيءٌ آخر أيضاً" (29).‏

على أنّ ابن رشد نبّه إلى تميّز المقطع وتفردّه، متعدّياً في ذلك ائتلاف الأجزاء المشّكلة والمكوّنة له، فهو من هذه النّاحية شبيه بالكائن الحيّ الذي "ليست هويّته مجرّد حصيلة أجزائه، وإنّما هو في حقيقة أمره حاصل مجموع العناصر المرّكبة له مع شيء آخر. فالمقطع لا ينتج عن مجرّد ضمّ عناصر متجانسة كالكُدس (30) من الحبوب، وإنّما اجتماع عناصر تنصهر لتكوّن منها شيئاً جديداً يخالفها جوهرياً" (31).‏

ويتجلّى أكثر في قوله: "إذ تقرّر أنّ ههنا أموراً مرّكبة، لم يجتمع منها شيءٌ واحدٌ بالفعل كالمرّكبة من الأشياء التي لا يكون منها واحدٌ إلاّ بالتّماس مثل الكدس المجموع من حبوب كثيرة، بل يكون المجتمع فيها بحيث يحدث عنه شيءٌ زائدٌ غير المجتمعات من غير أن يكون المجتمعات أنفسها، مثل المقطع الذي يحدث عن اجتماع الحرف المصوّت وغير المصوّت، فإنّ المقطع ليس هو اجتماع الحروف التي تولّد منها، بل هو شيء زائدٌ على الحروف" (32).‏

أبدى ابن رشد اهتماماً بالغاً بحقيقة المقطع وحدوده، إذ رأى أنّ هناك أشياء، أجزاءُ حدّها ليست حدوداً لأجزائها، وهناك أشياء بعضُ حدودها حدود لأجزائها، كالدّائرة ونصف الدّائرة، وهناك أشياء أجزاء، حدّها حدود لأجزائها كالمقطع (33). قال ابن رشد: "إنّا نجد بعض الأشياء حدّ أجزائها غير داخل في حدودها مثل حدود أجزاء الدّائرة، فإنّها ليست منحصرة في حدّ الدّائرة، وذلك أنّ ثلث الدّائرة وربع الدّائرة ليس هو داخلاً في حدّ الدائرة، ولا حدّ الدّائرة منحّلاً إلى حدودها، بل الدّائرة مأخوذة في حدّ الجزء. وأمّا حدود المقاطع ففيها كلمة الحروف التي تركّب منها المقاطع، وذلك أنّ الحروف منها مصوّت وغير مصوّت، والمصوّت منه ممدود ومنه مقصورٌ، والمقطع الذي يأتلف من حرفين: مصوّت وغير مصوّت، فإن كان المقطع مقصوراً قيل في حدّه إنّه الذي يأتلف من حرفين مصوّت وغير مصوّت، فكان منحصراً في حدّه حدّ الحرف المصوّت وغير المصوّت، وكذلك المقطع الممدود ينحصر في حدّه حدّ الحرف الغير مصوّت والمصوّت الممدود، وليس ينحصر في حدّ الدّائرة حدّ نصفها ولا حدّ ربعها، وذلك معروف بنفسه" (34).‏

ومع أن المقام لا يحتمل أكثر من هذا، فإن إطلالة على التراث الفلسفي تؤكد أن الفلاسفة المسلمين عرفوا المقطع بمعناه الاصطلاحي الذي يعرفه به الدرس الصوتي الحديث، كما اهتدى رواده إلى جل المقاطع الأساسية التي يقوم عليها النسيج المقطعي في للغة العربية.‏

2/ النبر:‏

النبر عبارة عن وضوح نسبي يتميز به صوت أو مقطع من بقية الأصوات أو المقاطع الأخرى التي تجاوره في البنية التركيبية، ويسخر المتكلم لتحقيق هذه الحالة جهداً عضلياً أعظم (35).‏

فالضغط الذي يصاحب عملية النّبر، عامل مساعد من بين مجموعة عوامل أخرى، لكنّه يبقى الأقرب، لأن النّبر في حدّ ذاته يُعرف بدرجة الضّغط على الصّوت أكثر ممّا يعرف بأي شيء آخر أو لأنّ الضّغط في صورتيه: صورة الضّغط وصورة النّغمة يتّسع مجال تطبيقه على النّبر أكثر ممّا يتّسع مجال العوامل الأخرى (36).‏

والواقع أنّ النّبر في الكلمات العربية "من وظيفة الميزان الصّرفي لا من وظيفة المثال، فنحن إذا تأمّلنا كلمة "فاعل" نجد أنّ الفاء أوضح أصواتها لوقوع النّبر عليها وباعتبار هذه الصّيغة ميزاناً صرفياً نجد أنّ كلّ ما جاء على مثاله يقع عليه النّبر بنفسه الطّريقة مثل: قاتل، جالس" (37).‏

وهناك نبرٌ آخر يتعلّق بالسّياق "هذا النّبر الذي في السّياق إنّما يكون من وظيفة المعنى العام، أي أنّه نبر دلالي. ومعنى هذا أنّ في اللغة العربية نوعين من موقعية النّبر في التّشكيل الصّوتي" (38).‏

يرى الدّارسون العرب المعاصرون أنّ العرب القدامى لم يهتمّوا بهذا النّوع من الدّراسة، وأنّ اللّغة العربية غير منبورة (39)، مع أنّ العربيّ شديد الحرص على بيان مقاصده الكلامية وأغراضه النّطقية، وهذا لا يتحقّق إلاّ باستخدام هذا الملمح التّمييزي فيضغط على بعض أجزاء كلامه للبيان، والتّوضيح، ثمّ إنّ النبر يعرف من فعل المتكلّم لا من فعل السّامع (40).‏

تردّد مصطلح النبر في موروثنا اللّغوي لكن بمعنى الهمز، أي تحقيق الهمزة في الكلام. أمّا الفلاسفة المسلمون فقد كان لهم باع في هذا المجال إذ نجد أنّهم مسّوا هذا المجال مسّاً علميّاً حديثاً في بعض جنباته، وإن لم ترق دراستهم في هذا الباب تلك الّتي ألفيناها في المقطع. فها هو الفارابي يعرض للنّبرة في الكلام في أكثر من موضع من كتابه مقيّداً إيّاها بالزّمن، مقرّراً أنّ مدى نغمتها لا يتجاوز زمن إحداث وتد، يقول في ذلك: "النّبرات نغم قصار، أطول مدّاتها في مثل زمان النّطق بوتد" (41) ومن أحاديثه الّتي وظّف فيها النّبرة بمعنى الضّغط، أو إطالة زمن النّطق بمقطع ما عمد المتكلّم إلى إبرازه أكثر ممّا يجاوره من مقاطع أخرى لغرض قصدي، قوله: "الحروف المتحرّكة إذا مدّت حركاتها أدنى مدّ أو قرنت حركاتها بنبرات كانت قريبة من سبب خفيف" (42)، أي أنّ مداها الزّمني الأدنى يعادل زمن إنتاج سبب خفيف.‏

ومن نصوصه أيضاً التي تقرّب من خلالها أكثر إلى روح معطيات الدّرس الصّوتي الحديث قوله: متى توالت متحرّكات كثيرة وتناهت إلى متحرّك ووقف عليه فإنّه ربّما جعل المتحرّك الأخير ممدوداً أو مقروناً بنبرة" (43)، فالنّبر يبلغ مداه على حدّ قوله مع الحركة الطّويلة، وهو ما تقرّه الدراسات العلمية الحديثة.‏

إلاّ أنّه كثيراً ما كان يبعدنا عن اليقين، ويضعنا أمام استفسارات حول حقيقة إدراكه لحقيقة النّبر، ولا سيما عندما ربطه ب"النّغمة"، كقوله: "النّبرات نغم قصار" (44) وقوله أيضاً: "المصوّتات القصيرة… لا تمتدّ من النّغم ما دامت على قصرها، فإذا ساوقت النّغمة امتدّت حتّى لا يفرّق بينها وبين الطّويلة" (45)، غير أنّ المتبصّر في مثل تلك الأقوال يدرك أن الفارابي قد ربط النّبر القائم على الإشباع بالنّغمة، لما يتميّز به من موسيقيّة، ويظهر ذلك جليّاً في قوله: "إنّ النّغمة الّتي يمتدّ معها أحد هذه الثّلاثة لهي أنقى في السّمع، ليس ذلك لغيرها" (46)، ولعلّ القصد من الثلاثة، هي الحركات الطويلة الثلاثة، وهي الأنصع في البيان إذا ما كنت تمثّل النّواة، أو أعلى قمّة إسماع، تفتقر إليه القصيرة.‏

كما يوافق النحاة واللغويين في عدّ الهمز المصطلح المرادف للنّبر، إذ يقولون: "إمّا الهمز والنّبر فيجعل افتتاح كلّ واحد من المصوّتات الإثني عشر… والأجود أن تجعل افتتاحات الألف والممزوجات الّتي تميل إلى الألف، وإن جعلت افتتاحاً لحرف الياء، وما مال إليه من الممزوجات، أو المتوسّطات بين الياء والألف لم يبشّع به مسموع النّغمة، ومتى جعلت افتتاحاً للواو والممزوجات المائلة إليها أكسبت النّغم بشاعة المسموع" (47).‏

ويرى الفارابي أنّه إذا أردنا إطالة الصّوت رُمنا المصوّتات الطّويلة منبورة، وينصّ على ذلك في قوله: " "متى زيدت في القول خفيت حتّى لا يؤبه بمكانها، أو أن تكون بحيث إذا ظهرت، لم تكن تلك زيارة تغيّر دلالة القول، وهذه الحروف هي الهمزة والنّبرة" (48).‏

فالنّبر على هذا حرفٌ لا يقوى على تغيير الدّلالة، كما أنّ ثمّة فارقاً بسيطاً بينهما، لقوله: "إنّ النّبرة هي أيضاً همزة بوجه عامٌ، وبينهما فرق يسيرٌ" (49) لكن ما هو ذلك الفرق؟ هذا ما لم يفصح عنه الفارابي.‏

ويطلّ علينا من المتكلّمين، القاضي عبد الجبّار الّذي رأى أنّ "النّبرة رفع الصّوت عن خفض" (50)،وقد ربط النّغم بصفاء المخارج لقوله: "أمّا النّغم فهي نفس الحروف، ويكون من بعض النّاس أحسن لصفاء مخارجه" (51)، وغير بعيد عن المعنى اللغوي، للنّبر نُلفيه يتحدّث عن الضغط، رابطاً إيّاه بشدّة الصّوت فيقول: "أمّا شدّة الصّوت فقد تكون لتزايد أجزاء الحروف، ويمكن أن تكون لقوّة الأسباب، والأوّل أقرب عندي"، فشدّة الصّوت، تنتج عند قوّة الأسباب (52)، وهو الرّاجح عنده لأسباب، يذكرها في قوله: "إنّ قوّة الأسباب إذا لم توجب زيادة الحروف لم يكن لها تأثير، بل القول بأنّ الأسباب قويّة لا وجه له، إلاّ أن يرجع به إلى زيادة أجزائه، وزيادة أجزائه تقتضي زيادة الحروف" (53).‏

فالنّبر على هذا عند القاضي عبد الجبّار، علوٌّ يلحق صوتاً ما، فيزيده نصاعة وبياناً دون غيره من الأصوات الأخرى، داخل التركيب الواحد، ويعود ذلك كلّه إلى شدّة الصّوت التي تدعو إلى الزّيادة في أصواته، وبالتّالي الزّيادة في أصواته.‏

أمّا ابن سينا فهو أكثر من بلور المفهوم الاصطلاحي للنّبر، ولا سيما بعد أن تعرّض للزينة في الكلام، فالكلام عند ابن سينا يتشكّل من الحروف، وممّا يقترن به من هيئة ونغمة ونبرة (54).‏

بل إنّ ابن سينا ذهب إلى أبعد من ذلك، أثناء معالجته الخصائص الفيزيائية للصّوت اللّغوي، إذ تطرّق إلى عناصر تركيب الحدث الكلامي، وهما نفس المتموّج وحال المتموّج، ويقوم هذا الأخير إلى تنبير المقاطع وتلوين أجراسها بأنغام خاصّة عن طريق ما سمّاه بالحدّة والثّقل في قوله: "أمّا نفس التموّج فإنّه يفعل الصّوت، وأمّا حال المتموّج في نفسه من اتّصال أجزائه وتلمّسها، وتشظّيها وتشذّبها فيفعل الحدّة والثّقل، أمّا الحدّة فيفعلها الأوّلان، وأمّا الثّقل فيفعله الثّانيان" (55).‏

أضف إلى ذلك أنهما عاملان من عوامل النّصاعة في الأصوات، أمّا عن الأسباب المتحكّمة فيهما، وكذا العوامل المؤثرة في زيادتهما ونقصانهما فيقول: "الحدّة سببها القريب تلزّز وقوّة وملامسة سطح وتراصّ أجزاء من موج الهواء النّاقل للصّوت، وأنّ الثقل سببه أضداد ذلك" (56).‏

بل أكثر ممّا تقدّم كلّه، نجد ابن سينا يشير إلى دور النّبرة في تحديد الدلالة لقوله: "من أحوال النّغم: النّبرات، وهي هيئات في النّغم مديّة غير حفيّة، يبتدئ بها تارة، وتخلّل الكلام تارة أخرى، وتعقّب النّهاية تارة ثالثة، وربّما تكثّر في الكلام، وربّما تقلّل، ويكون فيها إشارات نحو الأغراض، وربّما كانت مطلقة للإشباع… ولتفخيم الكلام وربّما أعطيت هذه النّبرات بالحدّة والثّقل هيئات تصير بها دالّة على أحوال أخرى من أحوال القائل أنّه متحيّر أو غضبان أو تصير به مستدرجة للمقول معه بتهديد أو تضرّع أو غير ذلك، وربّما صارت المعاني مختلفة باختلافها مثل أنّ النّبرة قد تجعل الخبر استفهاماً، والاستفهام تعجبّاً وغير ذلك، وقد تورد للدّلالة على الأوزان والمعادلة (57)، وعلى أنّ هذا شرط وهذا جزاء، وهذا محمولٌ وهذا موضوع" (58). حيث ربط ابن سينا النّبر أو النّغم بوظيفة الإبراز الجمالي الصّرفي.‏

وممّا قاله أيضاً في السّياق ذاته، أي الوظيفة الجمالية للنّبر على صعيد البنية النّحوية، لا سيما "في أقسام اللّفظ المركّب، فيجب أن لا تخلّل هذه الأقاويل الطّويلة إلاّ النّبرات التي لا ينغم فيها، وإنّما يراد بها الإمهال فقط، وربّما احتيج أن تتخلّل النّبرات الألفاظ المفردة إذا كانت في حكم القضايا، خصوصاً حيث تكون على سبيل الشّرط والجزاء كقولهم: لمّا التمس، أعطيت، فيكون بين التمس وبين أعطيت نبرة إلى الحدّة، وهو عند الشّرط، وبعقب أعطيت نبرة أخرى إلى الثّقل، وهي للجزاء" (59).‏

تحدّث ابن سينا عن النّبر، وأضفى عليه مسحات قاربته من معطيات الدّرس اللّغوي الحديث، ولم يربطه بالهمز، كما فعل النّحاة، وإن كان في وصفه لصوت الهمزة، ما يسوّغ ربطهم (60) للصّوت بهذه الظاهرة الأدائية.‏

فالنّبر على هذا فكرة مسّها الدّارسون العرب القدامى، وتبلورت أكثر عند الفلاسفة المسلمين، لكنّها كانت تفتقر في روحها إلى دراسة نظريّة مفصّلة، مثلما خصّوا بعض الظواهر الأخرى، كما أنّهم لم يتحّدثوا عن مواطن النّبر في الكلمة العربية، ممّا فتح باب التّشكيك أمام بعض الدّارسين اللّغويين من عرب ومستشرقين.‏

ومع ما توفّر من مادّة نزرة في هذا المجال فإن المتأمّل في عمقها يستطيع أن يردّ بسهولة آراء منكري وجود النّبر في اللّغة العربيّة (61).‏

3/التّنغيم:‏

التّنغيم في أبسط تعريف له هو موسيقا العبارة أو الجملة، الّتي تتلوّن بتلوّن الحالة النّفسية والشّعورية للنّاطق بها.‏

تثير مسألة التّنغيم في التّراث العربي إشكالية بين الدّارسين العرب المعاصرين، حيث يرى قسم منهم أنّ القدامى لم يتناولوا الظّاهرة بالدّراسة والتّحليل (62).‏

إلاّ أنّ عدم إشارة بعض كتب القدامى إلى هذه الظّاهرة، لا يعني أنّ الحديث عنها ليس موجوداً في بعضها الآخر، لا سيما أن المادّة الصوتية لم تقتصر على الكتب النّحوية، أو اللّغوية، أو القرآنية، بل تعدّتها إلى كتب أخرى بعيدة عن الاختصاص، كما هو الحال مع الفلاسفة.‏

أمّا القسم الآخر من المعاصرين فيرى أنّ كتب القدامى لا تخلو من إشارات حول الظّاهرة (63)، لكنّها لا ترقى إلى تلك التي توّصلت إليها الدّراسات اللّغوية الحديثة.‏

والأصل في اللّغة أن تكون منطوقة، أمّا الكتابة فصدى لنقلها وتصويرها، مستحدثة رموزاً تترجم أصواتها، ولمّا كان التّنغيم واحداً من الظواهر الآدائية التي تحكم اللّغة المنطوقة، فمن غير الممكن ألاّ يتناول الدّارسون القدامى الظّاهرة ولو تناولاً طفيفاً.‏

والثّابت من الرّوايات الموجودة في الكتب التّراثية، أنّ العرب احتكمت في كلامها إلى التّنغيم وظيفياً لإبراز مقاصدها دون التّصريح بالمصطلح، ومن ذلك ما نصّ عليه الجاحظ في قوله: "لا تكون الحروف كلاماً إلاّ بالتّقطيع والتّأليف، وحسن الإشارة باليد والرّأس، من تمام حسن البيان باللّسان، مع الّذي يكون مع الإشارة من الدلّ والشّكل والتفّتل والتثنّي، واستدعاء الشّهوة وغير ذلك من الأمور" (64)، ومن القول نلمح وعي الجاحظ لظاهرة التّنغيم التي تستكمل ما لم تستطعه الأصوات في سلسلتها التّركيبية، بل قد نجد في الدلّ والشّكل، والتفتّل، والتثنّي، ما لم تقدر الأصوات على تجليته.‏

فرّق الفلاسفة بين مصطلحين اثنين، وهما النغمة عندما يتعلق الأمر بالكلمة المفردة، والتّنغيم إذا أرادوا الكلام مصطلحين عليه ب"اللّحن"، يقول الفارابي: "إذا أردنا أن نقرن القول بنغم مؤلّفة، فإنّا نعمد أوّلاً فنحصي عدد نغم اللحن، ونحصي عدد حروف القول غير المصوّتة، وما كان فيها من المصوّتة أضفناها إلى غير المصوّتة وعدّدنا كلّ مصوّت مع غير المصوّت المقرون به كحرف واحد، ثم نقايس بين العددين فبالضّرورة تكون نغم اللّحن، إمّا مساوية في عددها لحروف القول، وإمّا أقلّ عدداً منها" (65).‏

فمصطلح "اللّحن" عند الفارابي قد أخذ بعداً دلالياً جديداً، حيث أراد به التّنغيم المصاحب للألفاظ، فهو جماعة النّغم التي تصاحب الحروف، والعلاقة بينهما قائمة، كما يتوضح ذلك أكثر في قوله: "أمّا ترتيب النّغم في أجزاء اللّحن فإنّه على أنحاء كثيرة، فمنها ما أجزاؤها حادّ النّغم والتّالي له ثقيل النّغم. وعلى هذا التّرتيب إلى أن تنفذ أجزاء اللّحن" (66).‏

ويذهب الفارابي إلى أنّ اللّحن يؤلّف من النّغمات المتناظرة، أو المتقابلة من حيث الحدّة والثّقل، أو الارتفاع والانخفاض، وأنّ اللّحن يتدرّج من الحدّة إلى الثّقل، أو يتصعّد من الثّقل إلى الحدّة، وفي ذلك يقول: "الألحان التي أجزاؤها حادّة وأواخرها ثقيلة، إنّما تؤلّف باستعمال الأنواع آخذة من جانب الأحدّ إلى جانب الأثقل، وعكس ذلك باستعمال الأنواع آخذة من جانب الأثقل إلى جانب الأحدّ. أمّا التي إحدى أجزاء نغمها ثقيلة والأخرى حادّة إلى أن تنفد أجزاؤها، فإنّ صنعتها أن يخلط بين الأنواع المتناظرة، وكذلك التي يكثر فيها الارتفاعات والانحدارات وتتوالى نغمها على أن تنحطّ في بعضها وترتفع في بعض، فهو أن يخلط بين الأنواع المتناظرة" (67).‏

هنا نجد الفارابي يهتدي إلى أنّ اللّحن ينشأ من تباين درجات النّغم المصاحبة للألفاظ، وأنّ النّغمة بالمقابل تتشكّل من تمايز الأصوات مفردة بين حدّة وثقل، أو بين ارتفاع وانخفاض، لذلك قال إنّ النّغمة "إذا أردنا أن نمدّها فلا بدّ من تطويل الحرف القصير، فيصير ذلك الحرف القصير كأنّه طويل" (68)، ومن ذلك قوله عن النّغمة "التي تبتدئ من غير المصوّت تمتدّ مقترنة بالمصوّت الطّويل الذي هو رديف غير المصوّت" (69). ويمضي موضّحاً فكرته قائلاً: "متى كان غير المصوّت ساكناً وجعلناه بداية نغمة فلا بدّ من تحريك ذلك السّاكن وتطويل المصوّت القصير" (70).‏

ويستخدم الفارابي النّغم والنّغمة للدّلالة على المعنى نفسه، وهو ما يعرف لدينا اليوم ب"التّنغيم"، والذي يختلف باختلاف درجات الإسماع لقوله: "النّغم الأصوات المختلفة في الحدّة والثّقل التي تتخيّل أنّها ممتدّة" (71). وأمّا الأقاويل التي لا نغم فيها فهي مبتذلة على حسب قوله: "الأقاويل المبتذلة كلّها قد يبلغ بها المقصود في تفهيم السّامع، وإن لم تكن الأصوات التي بها تخرج الأقاويل نغماً مختلفةً في الحدّة والثّقل" (72).‏

ويهتدي الفارابي إلى انزلاق النّغم من صوت إلى آخر، بنغمات متفاوتة، ولعلّ ذلك ما كان وراء قوله: "يلحق النّغم تغييرات منها أن تخالف في الشّدّة واللّين أو في التّقصير والتّمطيط… وقد يلحقها تغيّرات في أنفس النّغم، وذلك بالإبدالات، فإنّه متى كان حقّ مكان في الجزء الثّاني مثلاً، أن تكون فيه نغمة حادّة فتبدل مكانها نغمة ثقيلة، أو ثقيلة فتبدل مكانها نغمة حادّة، وهذا التّغيير قد يمكن أن يلحق الأجزاء كلّها" (73).‏

وأكثر من ذلك، يشير الفارابي إلى الوظيفة الدّلالية للنّغم أو التّنغيم في قوله: "ومن فصول النّغم الفصول التي بها تصير دالّة على انفعالات النّفس، والانفعالات عوارض النّفس، مثل: الرّحمة والقساوة والحزن والخوف والطّرب والغضب واللّذّة والأذى وأشباه هذه، فإنّ الإنسان له عند كلّ واحد من هذه الانفعالات نغمة تدلّ بواحد واحد منها على عارض من عوارض نفسه، وهذه إذا استعملت خيّلت إلى السّامع مع تلك الأشياء التي هي دالّة عليها" (74). فالأداء وما يحمل من تنغيمات له أثر كبير في نفوس السّامعين، ومتابعتهم، وحسن إصغائهم، وفهم مرادهم.‏

فالنّغم عنصر من عناصر الأداء وعدم إتقانه يؤدّي إلى عدم الوضوح، وكثيراً ما لا نعرف مراد أحدهم، لعدم معرفته بطرائق الأداء الجيّدة، وأكثر ما يكون هذا الإبهام عند غير أهل اللّغة المتكلم بها.‏

ولمّا كان النّغم أو التّنغيم ظاهرة أدائية، فإننا نجدها كثيراً في المأثور عن العرب، شعراً كان أو نثراً، لما فيه من وظائف، تحدّث عنها الفارابي في قوله: "وسائر الأحوال الأخر، سوى التي وصفناها، أربعة منها ما يفيد السّامع اللّذاذة وأنق المسموع، ويكسب اللّحن بهاءً وزينةً، ومنها ما يوقع في النّفس تخيّلات أشياء على نحو من التخيّلات التي لخّص أمرها. ومنها ما يكسب الإنسان انفعالات النّفس، مثل: الرّضا والسّخط والرّحمة، والقساوة والخوف والحزن والأسف وما جانس ذلك، والرّابع هو الذي يكسب الإنسان جودة الفهم لما تدلّ عليه الأقاويل التي قرنت حروفها بنغم الألحان" (75).‏

ونجد الفارابي قد حاكى بعض اللّغات الأخرى، فساق على نسقها بعض المصطلحات ممّا لم يسبقه إليها أحد من علماء العربية، اشتقّها من طبيعة الانفعال نفسه، فيقول: "أمّا فصول النّغم التي بها تكسب انفعالات النّفس فجلّها ليست لها عندنا أسماء، وإنّما نشتقّ أسماء أصنافها من أسماء أصناف الانفعالات، فلذلك يجب أن نعدّد الانفعالات ثمّ نجعل أسماء هذه الفصول من فصول النّغم مأخوذة عن أسماء تلك، فيسمّى ما يكسب الحزن إمّا المحزّن، وإمّا الحزنيّ، وإمّا التّحزين، وأحسب بعض النّاس يسمّي هذا الصّنف من الفصول التّحزينات، وما يكسب الأسف أسفياً، وما يكسب الجزع جزعيّاً، وما يكسب العزاء والسّلوة معزّياً أو مسلّياً، وما يكسب المحبّة، أو البغضة محبّباً أو بغضيّاً، وما يكسب الرّحمة وضدّها، والخوف وضدّه مخوّفاً أو رحمياً، أو أن تُجعل أسماؤها غير هذه الأشكال بحسب ما هو معتاد عند أهل المعرفة باللّغة من أهل ذلك اللّسان وكذلك في سائر الانفعالات" (76).‏

ثمّ يعود ليتحدّث عن أحوال النّغم الدّالة على انفعالات النّفس، فيقول: "النّغم الانفعاليّة هي بالجملة ثلاثة أصناف، منها ما يكسب الانفعالات التي تنسب إلى قوّة النّفس، مثل: العداوة والقساوة والغضب والتهوّر وما جانس ذلك. ومنها التي تكسب الانفعالات التي تنسب إلى ضعف النّفس، وذلك مثل: الخوف والرّحمة والجزع والجبن وما أشبه ذلك، ومنها التي تكسب المخلوط من كلّ واحد من هذين الصّنفين، وهو التوّسط" (77).‏

يقابل الفارابي مفهومه للنّغم بما أثر عن علماء العربية، يقول في ذلك: "النّغمة التي تأخذ نهاية اللّحن، متى كانت طويلة أو كانت مهزوزة، فإنّ العرب تسمّيها الشّرقة، لأنّ هذه اللّفظة تدلّ في لسانهم على شيء يبقى في حلق الإنسان، والنّغمة التي تأخذ نهاية اللّحن فتهزّ تُتخيّل كأنّها نغمة تتردّد متموّجة في الحلق، فلذلك اشتقّوا لها هذا الاسم. ومتى كانت تلك النّغمة قارّة سمّوها الاعتماد، ومتى انتهت إلى هاء ساكنة سمّوها الاستراحة" (78).‏

وعلى سمت الفارابي سار ابن سينا في نظرته للظاهرة، مستعملاً أثناء معالجته لها مصطلحين، هما: النّغم أو النّبرات، ويعود سبب حدوثها إلى اختلاف الأصوات حدّة وثقلاً، إذ يقول في ذلك: "أمّا حال المتموّج في نفسه من اتّصال أجزائه وتملّسها، أو تشظّيها أو تشذّبها فيفعل الحدّة والثّقل" (79)، ثمّ راح يتعمّق في الأسباب الفيزيائية الفاعلة لمسبّبي النّغم، فيقول: "إنّ أسباب سبب الحدّة صلابة المقاوم المقروع أو ملامسته أو قصره أو انحرافه أو ضيقه إن كان مخلص هواء، أو قربه من المنفخ إن كان أيضاً مخلص الهواء. وإنّ أسباب سبب الثّقل أضداد ذلك من اللّين والخشونة والطّول والرّخاوة والسّعة والبعد، وإنّ كلّ واحد من هذه الأسباب يعرض له الزّيادة والنّقصان، وإنّ زيادتها تقتضي زيادة المسبّب لها، ونقصانها يقتضي نقصان المسبّب لها" (80).‏

ثمّ يسند إلى النّغم أو النّبرات دوراً وظيفياً يتمثل في إبراز انفعالات المتكلّم، وما يريد إيصاله إلى المستمع من معان، كذا يشير إلى الملامح التّمييزية بين المعاني النّحوية للنّغم، فيقول: "وربّما أعطيت هذه النّبرات بالحدّة والثقّل هيئات تصير دالّة على أحوال أخرى من أحوال القائل، أنّه متحيّرٌ أو غضبان، أو تصير به مستدرجة للمقول معه بتهديد أو تضرّع أو غير ذلك، وربّما صارت المعاني مختلفة باختلافها مثل أنّ النّبرة قد تجعل الخبر استفهاماً، والاستفهام تعجبّاً وغير ذلك. وقد تورد للدّلالة على الأوزان والمعادلة وعلى أنّ هذا الشرط، وهذا جزاء" (81).‏

هذا، وقد استقرّ ابن رشد في معالجته للظاهرة على مصطلح واحد هو "النّغم" (82)، فرأى أنّ العرب لا تستخدمه كثيراً لإيثارهم الوقفات في نهاية الأقاويل، فيقول: "إنّ عادة العرب في النّغم قليلة" (83)، ويجلّي ذلك أكثر في قوله: "إنّ من سلف من الأمم كانوا يزنون أبياتهم بالنّغم والوقفات، والعرب إنّما تزنها بالوقفات فقط" (84).‏

ومع قلّة وروده في اللغة العربية، فإنها لم تخل منه في أحيان كثيرة، فقد كانت العرب تستعمله "عند المقاطع الممدودة في أوساط الأقاويل، أو في أواخرها. أمّا المقاطع المقصورة فلا يستعملون فيها النّبرات والنّغم إذا كانت في أوساط الأقاويل. أمّا إذا كانت في أواخر الأقاويل فإنّهم يجعلون المقطع المقصور ممدوداً" (85).‏

وإلى الوظيفة الدّلالية يذهب ابن رشد فيقول: "تستعمل في القول الخطبي لوجوه منها لتخييل الانفعالات، أو الخلق. وذلك أيضاً لثلاثة أوجه: أحدها عندما يريد المتكلّم أن يخيّل أنّه بذلك الانفعال، أو الخلق عند السّامعين، مثل أنّه إذا أراد أن يخيّل فيه الرّحمة رقّق صوته، وإذا أراد أن يخيّل فيه الغضب عظّم صوته وكذلك في الإخلاق وإنّما كان ذلك كذلك، لأنّ هذه الأصوات توجد بالطّبع صادرةً من الذين ينفعلون أمثال هذه الانفعالات" (86).‏

أمّا أكثر أصناف القول استعمالاً للنّغم لأغراض مقصودة فهي تلك الخطب المتلوّة المشحونة بالمنازعات، لأنّ أصحابها يعملون على حشد كلّ ما يرونه مساعداً على الإقناع والغلبة. فأنسب مجال لتوظيف النّغم هو "الخطب التي تتلى على جهة المنازعة، لأنّه إنّما يحتاج إلى الاستعانة بجميع الأشياء المقنعة في موضع المنازعة لتحصيل الغلبة. وأمثال ذلك في الأشعار، الأشعار التي كانت بين جرير والفرزدق" (87).‏

لعل هذه الجولة السريعة في الموروث الصوتي عند الفلاسفة، تدعم حجتنا إذا ما قلنا إن العرب القدامى ضبطوا مصطلحاتهم ضبطاً دقيقاً عالجوا من خلاله بعض المظاهر الصوتية معالجة علمية محضة، بدليل تأييد الدراسات الصوتية الحديثة لها، لذلك كان الأجدر بنا لو التزمنا بتلك المصطلحات ما دامت صحيحة، إنها على الأقل ستحول دون هذه الفوضى المصطلحية التي يعيشها عالمنا العربي، ومع ما أوجده المعاصرون من مصطلحات فإن ذلك لا ينفي مطلقاً أن ما لدى القدامى كان خاطئاً، لكن لكل عصر خصوصيته، بل إن هذه الوجهة الجديدة لم تأت من عبث، إنما عن طريق تطور العلم الخاص، لذلك لا بد من مصطلحات ومفاهيم خاصة، تواكب التطور التكنولوجي، والتفصيلات التي أفرزت في هذا المجال.‏

مراجع البحث:‏

1 البيان والتبيين: الجاحظ، تح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة ومكتبة الهلال بيروت، ط 3، 1968.‏

2 التطوّر النحوي للّغة العربية، إخراج وتصحيح د/رمضان عبد التوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة ودار الرفاعي، الرّياض، 1982.‏

3 التّفكير اللّساني في الحضارة العربية، د/عبد السلام المسدّي الدار العربية للكتاب، ليبيا وتونس، 1981.‏

4 تلخيص الخطابة لابن رشد، تح: عبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، دار القلم، لبنان، د ط، د ت.‏

5 دراسات في فقه اللّغة، محمد الأنطاكي، دار الشرق العربي، بيروت، ط 4، دت.‏

6 رسالة أسباب حدوث الحروف، ابن سينا، تحقيق الدكتور محمد حسّان الطّيان ويحيى مير علم، تقديم ومراجعة الدكتور شاكر الفحام والأستاذ أحمد راتب النفاخ، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، ط1، 1982.‏

7 رسائل إخوان الصّفا.‏

8 شرح الفارابي لكتاب أرسطوطاليس في العبارة، عني بنشره وقدم له ولهم كوتش اليسوعي، وستانلي مارو اليسوعي، دار المشرق، بيروت، ط 2، دت.‏

9 الشفاء، الطبيعيات، النفس، ابن سينا، تح: الأب د/جورج قنواتي، وسعيد زايد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975.‏

10 ظواهر التّشكيل الصوتيّ عند النّحاة واللّغويّين العرب حتّى نهاية القرن الثالث الهجريّ، رسالة مقدمة لنيل درجة دكتوراه الدولة في اللغة، إعداد الطالب مهدي بوروبة، السنة الجامعية 1422 1423 ه/المرافق ل 2001 2002 م).‏

11 العربيّة الفصحى نحو بناء لغويّ جديد، هنري روبرت فليش، تر: د/عبد الصّبور شاهين، منشورات دار الشّرق، بيروت، د ط، 1983.‏

12 كتاب الموسيقى الكبير، أبو نصر محمد الفارابي، تحقيق وشرح غطاس عبد الملك خشبة، مراجعة وتصدير د/محمد أحمد الحفني، دار الكتاب العربي للطابعة والنشر، القاهرة، د ط، د ت.‏

13 محاضرات في الألسنيّة العامّة، فرديناند دوسوسير، ترجمة يوسف غازي، ومجيد النصر، دار النعمان للثقافة، جونيه، لبنان، دت، دط.‏

14 المغني في أبواب التّوحيد والعدل، للقاضي أبي الحسن عبد الجبّار، الجزء السّابع (خلق القرآن)، قوّم نصّه إبراهيم الأبياري، بإشراف د/طه حسين، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر، دت، دط.‏

15 مناهج البحث في اللّغة، تّمام حسان، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، دط، دت.‏

* كلية الآداب جامعة الجيلالي اليابس الجزائر.‏

(2) مناهج البحث في اللغة "تمام حسان، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، د ط، دت، ص 139.‏

(3) محاضرات في الألسنية العامة، فرديناند دوسوسير، ترجمة يوف غازي، ومجيد النصر، دار النعمان للثقافة، جونيه، لبناه، دت، دط، ص 27.‏

(4) ظواهر التشكيل الصوتي عند النحاة واللغويين العرب حتى نهاية القرن الثالث الهجري ص 271.‏

(5) تردد مصطلح المقطع في غير موضع من مؤلفات النحاة واللغويين القدامى، لكنّه حمل معاني متعدّدة، حيث نجد عبارتي "حروف المقطع والحروف المقطّعة" قاصدين بها الحروف المفردة في مقابل المتصلة أو المجموعة؛ إذ نجد الفرّاء يقول حين عرض لعامل الرّفع في لفظة (كتاب) من قوله تعالى: (الر كتابٌ أُحكمت آياتُهُ (حيث رأى أن العامل في هذا اللّفظ "حروف الهجاء التي قبله كأنّك قلت: الألف واللاّم والميم والراء من حروف المقطع كتاب أنزل إليك مجموعاً" معاني القرآن 1/318.‏

كما علّل ابن قتيبة تصدير الله عزّ وجلّ بعض السّور بتلك الحروف المقطّعة بقوله: "يجوز أن يكون الله عزّ وجلّ أقسم بالحروف المقطّعة كلّها، واقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها فقال: الم وهو يريد جميع الحروف المقطّعة" تأويل مشكل القرآن 300.‏

أما ابن جني فيورد مصطلح المقطع لكن بمعنى المخرج، إذ يقول: "الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده، واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً" سر صناعة الإعراب 1/9، ويعود الضمير إلى الصوت، والعرض راجع إلى المقطع، ومن هنا نفهم أن ابن جني يسمي المقطع هنا حرفاً، والمعروف أن المقطع هو مخرج الحرف لا الحرف. ينظر مناهج البحث في اللغة، د/ تمام حسّان 219.‏

(6) شرح كتاب أرسطوطاليس في العبارة ص 49‏

(7) كتاب الموسيقى الكبير 1072.‏

(8) المصدر نفسه 1072 1079.‏

(9) المصدر نفسه 1072 1079.‏

(10) المصدر نفسه 1072 1079.‏

(11) كتاب الموسيقى الكبير 1085.‏

(12) المصدر نفسه 1078 1079.‏

(13) كتاب الموسيقى الكبير 1097.‏

(14) نفسه 68 96.‏

(15) ويقصد به أرسطو، فهوهنا يتطرق لفكرة أرسطو شارحاً إيّاها.‏

(16) شرح كتاب أرسطوطاليس ص 49.‏

(17) شرح كتاب أرسطوطاليس ص 50.‏

(18) رسائل إخوان الصّفا 3/114.‏

(19) البيان والتبيين 1/79.‏

(20) المغني في أبواب التّوحيد والعدل، للقاضي أبي الحسن عبد الجبّار، الجزء السّابع (خلق القرآن)، قوّم نصّه إبراهيم الأبياري، بإشراف د/طه حسين، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر، د ت، د ط، ص: 7/6.‏

(21) كتاب الشفاء، الفنّ التاسع (الشّعر) ابن سينا ص: 65، نقلاً عن "التّفكير اللّساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا وتونس، 1981، ص: 261 262.‏

(22) ينظر تلخيص الخطابة، ابن رشد، تحقيق عبد الرّحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ودار القلم، بيروت، لبنان، ص: 284 285.‏

(23) تلخيص الخطابة 284.‏

(24) تلخيص الخطابة 284.‏

(25) التفكير اللّساني في الحضارة لاعربية ص 262، نقلاً عن تفسير ما بعد الطبيعة 2/1016.‏

(26) الآية 10 من سورة الأحزاب.‏

(27) تلخيص الخطابة 286 287.‏

(28) Syllabe منقول من الأصل اللاتيني Syllaba الذي يعود إلى اللّفظ اليوناني Sullaba وهي الصّيغة التي قام ابن رشد بتعريبها بنظر: التفكير اللّساني في الحضارة العربية، ص 263 نقلاً عن تفسير ما بعد الطّبيعة، ص 2/1017.‏

(29) التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص 263 نقلاً عنتفسير ما بعد الطّبيعة 2/1017.‏

(30) الكدس: أنواع الحبّ المحصود، ينظر: القاموس المحيط 2/780.‏

(31) التفكير اللساني في الحضارة العربية ص 263 نقلاً عن تفسير ما بعد الطّبيعة، لابن رشد 2/1015.‏

(32) التفكير اللساني في الحضارة العربية ص: 263 نقلاً عن تفسير ما بعد الطبيعة 2/1016.‏

(33) التفكير اللساني في الحضارة العربية ص: 263 نقلاً عن تفسير ما بعد الطبيعة 2/1016.‏

(34) التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 263 264 نقلاً عن تفسير ما بعد الطبيعة، ص 2/891 892.‏

(35) مناهج البحث في اللغة، تمام حسان، ص: 194.‏

(36) مناهج البحث في اللغة، تمام حسان، ص: 195.‏

(37) مناهج البحث في اللغة، تمام حسان، ص: 195.‏

(38) مناهج البحث في اللغة، تمام حسان، ص: 195.‏

(39) كهنري فليش في كتابه "العربية الفصحى نحو بناء لغوي جديد"، ترجمة: د/عبد الصّبور شاهين، منشورات دار المشرق، بيروت، لبنان، د ط، د ت، ص 49، إذ رأى أنّ النّبر "فكرة كانت مجهولة تماماً لدى النّحاة العرب، بل لم نجد له اسماً في سائر مصطلحاتهم، تلك التي كانت بالرّغم من ذلك وافرة غزيرة ذلك أنّ نبر الكلمة لم يؤدّ أيّ دور في علم العروض العربي، وهو المؤسّس على تتابع مجموعة من المقاطع الطّويلة والقصيرة المحدّدة، وهو على هذا كمّي، ولقد لزم واضعو هذا العروض الصّمت إزاء موضوعه، تماماً كما فعل النّحاة"، أو برجستراسر، الذي أنكر وجود أيّ "نصّ نستند عليه في إجابة مسألة: كيف كان حال العرب الفصيحة في هذا الشّأن، وممّا يتّضح في اللّغة نفسها، ومن وزنها وشعرها، أنّ الضّغط لم يوجد فيها، أو لم يكد يوجد فيها، وذلك أنّ اللغة الضّاغطة كثيراً ما يحدث فيها حذف الحركات غير المضغوطة، وتقصيرها، وتضعيفها، ومدّ الحركات المضغوطة "ينظر: التطوّر النّحو للّغة العربية، إخراج وتصحيح د/رمضان عبد التوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة ودار الرفاعي، الرّياض، 1982، ص: 73، بل وحتى بعض العرب.‏

(40) - Harcourt brace- lade forged – A course in phonetique. P 97. – javanovitch- USA- 1994.‏

(41) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1173.‏

(42) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1084.‏

(43) المصدر نفسه 1085.‏

(44) المصدر نفسه 1173.‏

(45) المصدر نفسه 1074 1075.‏

(46) المصدر نفسه 1120.‏

(47) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1117 1118.‏

(48) المصدر نفسه 1119.‏

(49) نفسه 1117.‏

(50) تاج العروس مادة (نبر).‏

(51) المغني في أبواب التوحيد والعدل، ص: 7/206.‏

(52) المصدر السابق 7/206.‏

(53) المصدر السابق 7/206.‏

(54) التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 265 نقلاً عن كتاب الشّفاء (فنّ الشّعر) لابن سينا، ص: 67.‏

(55) رسالة أسباب حدوث الحروف، ص: 59.‏

(56) الشفاء، ص: 3/10.‏

(57) الموضوع في لغة الفلاسفة، بمعنى المسند إليه في عرف النّحاة، والمحمول، المسند.‏

(58) التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 266 نقلاً عن الخطابة لابن سينا، ص: 198.‏

(59) المرجع السابق، ص: 225 226 نقلاً عن كتاب الشفاء، الخطابة، ص: 224.‏

(60) يقول ابن سينا عن الهمزة، إنها صوت يحدث "عن حفز قوّي في الحجاب وعضل الصّدر لهواء كثير، ومن مقاومة الطّرجهالي الحاصر زماناً قليلاً لحفز الهواء، ثمّ اندفاعه إلى الانقلاع بالعضل الفاتحة وضغط الهواء معاً "ينظر: رسالة أسباب حدوث الحروف، ص: 72؛ لعّل القوّة التي يتطلبها النطق بصوت الهمزة هي التي دفعت النحاة واللغويين ربط الظاهرة بمصطلح الهمز، ولمّا كان الهمز يعني: الضغّط عبّروا عن الظاهرة اللغوية بهذا المصطلح، ممّا يؤكد أنّهم كانوا أقرب إلى التعريف الاصطلاحي للنّبر، لأنّ هذا الأخير يعني أيضاً الضّغط والارتكاز.‏

حتى سيبويه ربط الهمزة بالضّغط، في قوله: "الهمزة نبرة في الصّدر تخرج باجتهاد" ينظر: الكتاب 4/489.‏

(61) عرفت اللغة العربية النّبر، والدّليل تلك الأمثلة التي ساقها بعض اللّغويين ممّن مسّوا الظّاهرة تحت مصطلح غير النّبر، كابن جنّي الذي تحدّث عن: "التّطويح، والتّطريح، والتّفخيم، والتّعظيم، ممّا يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك: وأنت تحسّ هذا من نفسك، إذا تأمّلته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثّناء عليه. فتقول: كان والله رجلاً، فتزيد في قوّة اللّفظ، وتتمكّن في تمطيط اللاّم وإطالة الصّوت" ينظر الخصائص، ص: 2/370 371.‏

وقبله أورد المبرّد قوله: "… وتجيء في فاعل، والفعالُ، نحن: قاتله قتلاً، وراميته رماءً، وكان الأصل: فيعالا، لأنّ فاعلتُ على وزن: أفعلتُ، وفعللتُ، فكان المصدر كالزّلزال، والإكرام، ولكنّ الياء محذوفة من فيعال، استخفافاً، وإن جاء بها ف: مُصيبٌ" ينظر: المقتضب 2/100.‏

ومن النّصوص القديمة التي تثبت هذه البنية الصّوتية عند أهل الأندلس، ما سجّله لنا ابن حزم، حول جنوح أهل الأندلس إلى إطالة الصّائت القصير كما في: "عنب فيقولون: عينب"، وينظر: الأحكام في أصول الإحكام، ضبط وتحقيق محمود حامد عثمان، دار الحديث، القاهرة، ط1، دت، ص: 1/30.‏

(62) منهم الدّكتور تمّام حسّان الذي يرى "أنّ العربية الفصحى لم تعرف هذه الدّراسة في قديمها، وأنّ القدماء لم يسجّلوا لنا شيئاً عن هذه الظّاهرة" ينظر مناهج البحث في اللغة، ص: 197 198.‏

ويذهب محمد الأنطاكي مذهبه، عند يقول: "إنّ قواعد التّنغيم في العربية قديماً مجهولة تماماً، لأنّ النّحاة لم يشيروا إلى شيء من ذلك في كتبهم "ينظر: دراسات في فقه اللّغة، محمد الأنطاكي، دار الشرق العربي، بيروت، ط4، د ت، ص: 197.‏

ومن غير العرب، يذهب برجشتراسر إلى مثل ذلك، حيث يقول: "إنّنا نعجب من أنّ النّحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النّغمة ولا الضّغط، أصلاً، غير أنّ أهل الأداء والتّجويد رمزوا إلى ما يشبه النّغمة في إجابة مسألة كيف حال العربية الفصحى في هذا الشّأن" ينظر: التطور النّحوي للّغة العربية، ص: 46 47. منبّهاً إلى إشارات أهل التّجويد والأداء، والملاحظ أنّه فصل بين المقرئين وأهل الأداء والتجويد، حيث لا يجب الفصل، لأنّ القدامى كانوا يجمعون بين أكثر من تخصّص، فتجد النّحوي نفسه اللّغوي، ونفسه المقرئ، كأبي عمرو بن العلاء، إذ كان هذا العبقري، نحويّاً ولغوياً، وقارئ البصرة.‏

(63) كالدّكتور أحمد كشك الذي يقول: "وقدامى العرب، وإن لم يربطوا ظاهرة التّنغيم بتفسير قضاياهم اللّغوية، وهم وإن تاه عنهم تسجيل قواعد لها، فإنّ ذلك لم يمنع من وجود خطرات ذكيّة لمّاحة تعطي إحساساً عميقاً بها، ورفض هذه الظّاهرة تماماً أمرٌ غير وارد، وإن لم يكن لها حاكم من القواعد…" ينظر، "من وظائف الصّوت اللّغوي، محاولة فهم صرفي ونحوي ودلالي"، د/أحمد كشك، القاهرة، ط2، 1997، ص 57 58.‏

كما يرى عبد الكريم مجاهد في ثنايا حديثه عن الدّلالة الصّوتية والصّرفية عند ابن جنّي أنّ هذا الأخير قد مسّ هذا الجانب ويقول في ذلك: "بذلك يظهر فضل ابن جنّي بجلاء ووضوح، ويثبت أنّه قد طرق باب هذه الموضوعات التي تعتبر من منجزات علم اللّغة الحديث، وبذلك تحفظ له أصالته ومساهمته". ينظر: "الدّلالة الصّوتية والدّلالة الصّرفية عند ابن جنّي"، د/عبد الكريم مجاهد عبد الرّحمن، مجلّة عالم الفكر، العدد 26، آذار 1982، السّنة الرّابعة، ص: 79.‏

إلاّ أن الحديث عن التّنغيم لم يكن عند ابن جنّي، بل عند علماء آخرين، كسيبويه، والفلاسفة على الخصوص.‏

(64) البيان والتّبيين، 1/79.‏

(65) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1100.‏

(66) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1168.‏

(67) المصدر نفسه، ص: 1168 1169.‏

(68) المصدر نفسه، ص: 1098.‏

(69) المصدر نفسه، ص: 1099.‏

(70) ‏

(71) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1090.‏

(72) المصدر نفسه، ص: 1092.‏

(73) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1159 1160.‏

(74) المصدر نفسه، ص: 1071.‏

(75) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1171.‏

(76) المصدر نفسه، ص: 1178.‏

(77) المصدر نفسه، ص: 1179.‏

(78) كتاب الموسيقى الكبير، ص: 1165 1166.‏

وهذه المصطلح "الشّرقة" من بين المصطلحات التي لم أصادفها فيما اطّلعت عليه من كتب تراثية بالمعنى الذي أراده الفارابي.‏

(79) رسالة أسباب حدوث الحروف، ص: 59.‏

(80) رسالة أسباب حدوث الحروف، ص: 59 نقلاً عن كتاب الشفاء، ص: 3/10.‏

(81) التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص: 266 نقلاً عن الخطابة، ابن سينا، ص: 198.‏

(82) لم يكن الفارابي أو ابن سينا فقط ممن استعملوا مصطلح "اللّحن" للدّلالة على ما نعرف ب" التّنغيم"، لكن المصطلح ورد عند القرّاء أيضاً، يقول أبو العلاء العطّار (596ه): "وأمّا اللّحن الخفي فهو الذي لا يقف على حقيقته إلاّ نحارير القُرّاء ومشاهير العلماء، وهو على ضربين:‏

أحدهما لا نُعرف كيفيته ولا تدرك حقيقة إلاّ بالمشافهة وبالأخذ من أفواه أولي الضبّط والدّراية وذلك نحومقادير المدّات وحدود الممالات والملطفات والمشبعات والمختلسات، والفرق بين النفي والإثبات، والخبر والاستفهام، والإظهار والإدغام، والحذف والإتمام، والرّوم والإشمام، إلى ما سوى ذلك من الأسرار التي لا تتقيّد بالخطّ، واللّطائف التي لا تؤخذ إلاّ من أهل الإتقان والضّبط "ينظر: الدّراسات الصوتية لدى علماء التّجويد، د/غانم قدوري الحمد، مطبعة الخلود ببغداد، ط1، 1986، ص: 567 نقلاً عن: كتاب التّمهيد في التّجويد لأبي العلاء العطّار.‏

حيث ربط العطّار مصطلح اللّحن الخفيّ بما يعرف بالمشافهة فقط، كما جعله مميّزاً بين المعاني كالنّفي والإثبات والخبر والاستفهام. ثمّ قرن اللّحن بالمنطوق ونفى عنه الكتابة، والمتمعّن في هذه النّواحي جميعاً يدرك أنّ العطّار كان يلمّح أو يشير إلى التشكيل التّنغيمي.‏

(83) تلخيص الخطابة 286.‏

(84) المصدر نفسه 251.‏

(85) ‏

(86) ‏

(87) تلخيص الخطاب 252.‏

http://awu- dam.org/trath/98/turath98- 017.htm

69 Views

عن

إلى الأعلى