الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » الحكمة وتطورها في شعر أبي تمام (عرض وتحليل) د.هاشم صالح مناع

الحكمة وتطورها في شعر أبي تمام (عرض وتحليل) د.هاشم صالح مناع


الحكمة وتطورها في شعر أبي تمام (عرض وتحليل) ـــ د.هاشم صالح منّاع(*)

الحُكُم لغــة: العلم والفقه والقضاء العدل، وهو مصدر (حكم يحكُمُ)، وأصله: المنع، يقال: حكمتُ عليه بكذا، إذا منعته من خلافه. ومنه اشتقاق (الحكمة)، لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال(2). والحكمة: هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق من الصناعات ويتقنها: حكيم، وهو: ذو حكمة. أي: عالم. والحُكمُ والحكمة من العلم(3). وقد ورد في الحديث الشريف: [... وإن من الشعر حكماً]. ويروى: "لحكمة"(4)، أي: كلاماً نافعاً يمنع من الجهل والسفه، وينهى عنهما. ويقال: أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها(5).

والحكمة: قول بليغ موجز يحاول سنّ نظم خلقية يتبعها الناس فيما يرضونه من خصال وسلوك، أو ما ينكرونه من أفعال وعادات، تصاغ في بيت شعر أو مثل، أو عبارة أنيقة موجزة غزيرة المعنى، ذات دلالات بعيدة(6)، تؤدي ما يؤديه المثل، إلا أنها لم تشع في الجمهور، هذا ما يقوله السيوطي(7). بمعنى أنها إذا شاعت على الألسن صارت مثلاً. أقول: لابدّ من توافر شروط في كل منهما للتمييز بينهما، من ذلك أن الحكمة لا يشترط فيها أن ترتبط بحادثة أو مناسبة، بينما المثل لابدّ من ارتباطه بذلك، ثم إن الحكمة تسمو في معانيها ولا تسفّ في لفظها، هدفها توجيه النفس الإنسانية إلى الكمال، وتدعوها إلى الفضيلة والمنفعة، وتنهاها عن الجهل أو الوقوع في الخطأ، وليس هذا من هدف المثل الذي قد ينحطّ في لفظه، ولا يدعو إلى الفضيلة والخلق. كما أن الحكمة يشترط فيها أن يسلّم بها الجميع لأنها تدعو إلى الأخلاق وتنهى عن الرذائل(8).

وقد أزال السيوطي اللبس في قضية الحكمة والمثل، ذلك أن أمهات الكتب التي عُنيت بهذه القضية أحكمت عناوينها تحت المثل والأمثال، وأغفلت الحكمة والحكم، وهذا يعني أنهم ذهبوا إلى ما ذهب إليه السيوطي، وتوافقوا معه من حيث أنه لا فرق بين (الحكمة) و(المثل) إلا في الشيوع… ولذا، نطمئن بأن ما يخص الحكمة من شروط وخصائص هي واحدة، إلا من بعض القضايا التي أشرنا إليها…

وإذا ما أردنا أن نحدد بعض شروط الحكمة، فإنها تتمثل في: أن ترضى العامة والخاصة بها، في لفظها ومعناها، يتناقلونها فيما بينهم، ويتفوهون بها في السراء والضراء… وهي تتناول أخلاق الأمة، وتفكيرها، وعقليتها، وعاداتها، وحضارتها، وتقدمها، فبالحكم كانت تعارض كلامها، فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية غير تصريح(9). إذن، الحكمة تمثل قيماً كثيرة منها: دينية، وتاريخية، واجتماعية، وسياسية، وعقلية، وتربوية، لأنها تعكس بيئة المجتمع وحياته الأخلاقية، وتصرفات الفرد فيه، لأنه ابن بيئته.

وفضيلة الحكمة تتمثل في متصرفاتها، وحسن واقعها في جهاتها(10). يقول أبو هلال العسكري: "إني ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان بعد سلامته من اللحن، كحاجته إلى الشاهد والحكمة والمثل والكلمة السائرة فإن ذلك يزيد المنطق تفخيماً، ويُكسبه قبولاً، ويجعل له قدراً في النفوس، وحلاوةً في الصدور، ويدعو القلوب إلى وعيه، ويبعثها على حفظه، ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجاولة في ميادين المجادلة، والمصاولة في حلبات المقاولة، وإنما هو في الكلام كالتفصيل في العقد، والتنوير في الروض، فينبغي أن يُستكثر من أنواعه، لأن الإقلال منها كاسمه إقلال والتقصير في التماسه قصور، وما كان منه مثلاً سائراً فمعرفته ألزم، لأن منفعته أعم، والجهل به أقبح"(11).

ويجتمع في الحكمة أربعة أمور لا تجتمع في غيرها من ضروب الكلام، وهي: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهذه هي نهاية البلاغة(12).

وقد حرصت العرب على الحكمة والمثل، ومالت إليهما، لأنهما يمثلان منطق الحياة البسيطة، وفلسفتها الفطرية، بهما يحللون الواقع، ويفسرون طريقة الفهم والاستيعاب، ويعللون منهج التفكير، ويصورون الحياة في شتى مناحيها… والحكمة تصدر عن خبرة طويلة، وتجربة عميقة، ولذلك كانت "تتصرف في أكثر وجوه الكلام، وتدخل في جُلّ أساليب القول، أخرجوها في أقواها من الألفاظ، ليخف استعمالها، ويسهل تداولها، فهي من أجلّ الكلام وأنبله، وأشرفه وأفضله، لقلة ألفاظها، وكثرة معانيها، ويسير مؤنتها، على المتكلم، مع كبير عنايتها، وجسيم عائدتها. ومن عجائبها أنها من إيجازها تعمل عمل الإطناب، ولها روعة إذا برزت في أثناء الخطاب، والحفظ مُوكّل بما راع من اللفظ، وندر من المعنى"(13).

وقد عُدّت الحكمة نوعاً من العلم منفرداً بنفسه، قائماً بذاته، "لا يقدر على التصرف فيه إلا من اجتهد في طلبه، حتى أحكمه، وبالغ في التماسه، حتى أتقنه… ومن لم يُعن بها من الأدباء عناية تُبلّغه أقصى غاياتها، وأبعد نهاياتها، كان منقوص الأدب، غير تام الآلة فيه، ولا موفور الحظ منه(14). ومما لاشك فيه أن الحكمة "أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عمّ عمومها…"(15).

وقد وردت الحكم في ثنايا القصائد عند الشعراء، ولم تكن مستقلة بقصيدة، ذلك أنها تخدم غرض القصيدة، وتحقق هدفها في موضوعها، وتدعم فكرتها، وتقوي بناءها وتسري بها إلى عقول الناس، لتلامس الإحساس، بكل يسر وإيناس، فتجعلها خالدة… ولذلك فضل العلماء والنقاد الحكم أن تكون متناثرة في القصائد ـ مهما كان غرضها ـ عن ورودها متوالية في قصيدة مستقلة، فها هو ذا الجاحظ يقول: "لو أن شعر صالح بن عبد القدوس، وسابق البربري كان مُفرّقاً في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات، ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق. ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالاً لم تسر، ولم تجر مجرى النوادر. ومتى لم يخرج السامعُ من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع"(16).

وقد ظلّت الحكمُ عند العرب تمثل الفطرة السليمة، التي تعتمد على البساطة، من خلال نظرتهم إلى فلسفة الحياة وتجاربها، إلى أن سقطت الدولة الأموية، وقامت على أنقاضها الدولة العباسية سنة (132هـ)، عندئذ "انتشرت حركة النقل، وشاعت الثقافات العالمية بين العرب، وانهال العلماء على كل علم يتدارسونه ويقعدونه، شاع التفكير الفلسفي، وراح العرب ينقلون الحكم والأمثال من الهنود والفرس واليونان، ويضيفونها إلى حكمهم وأمثالهم… واشتهر من هؤلاء: ابن المقفع، وأبو تمام، والمتنبي، والمعري… فأبو تمام له معان عميقة، وأدلة منطقية"(17).

ويُعدُّ أبو تمام شاعر الحكمة في عصره بلا منازع، سئل المتنبي عن نفسه وعن أبي تمام والبحتري، فقال: "أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري"(18). وقد علّق ابن الأثير على هذا بقوله: "ولعمري إن المتنبي أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه"(19). ويقال: "إن أبا تمام كان كالقاضي العدل، يضع اللفظة موضعها، ويعطي المعنى حقه بعد طول النظر والبحث عن البينة، أو كالفقيه الورع يتحرى كلامه، ويتحرّج خوفاً على دينه"(20).

كان أبو تمام مثقفاً بثقافة تفوق ثقافة الشعراء المعاصرين له، يقال: إنه لما رحل إلى مصر طلباً للتكسب، أخذ يسقي الماء في المسجد الجامع (مسجد عمرو بن العاص)، وكان يستمع إلى ما يُلقى في حلقاته من أمالي العلم والأدب، ويتنقل من حلقة إلى حلقة، ويصغي إلى شيء من القصص، وإلى شيء من التاريخ، وإلى شيء من الشعر، وإلى شيء من الفقه والحديث والفلسفة وغيرها، ويحفظ ما استطاع أن يحفظ… وقد تمكن من حفظ القرآن، الكريم، ويقال: لا يوجد شاعر من شعراء العربية تأثر بالقرآن تأثر أبي تمام به(21). ويروى عن أبو تمام أنه قال: "لم أنظم شعراً حتى حفظت سبعة عشر ديواناً للنساء خاصة دون الرجال"(22). وقيل: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع(23). ولما قدم بغداد، جالس بها الأدباء، وعاشر العلماء، واتصل بالشعراء، وكان خيارهم ديناً وأدباً وشعراً وأخلاقاً(24). وكان يزاوج بين العقل والحسّ، ويعبر عنهما تعبيراً زخرفياً، ويمزج بين الثقافات، وألوان الشعر مزجاً طريفاً، إذ أخذ شعره يستوعب عناصر الثقافات المختلفة من عربية وإسلامية وفارسية وهندية ويونانية، ويحوّلها إلى زخرف عقلي جديد، يسيطر عليه التعبير بهذا اللون الفلسفي(25). لقد نهل أبو تمام ثقافته الأولى من المساجد، واغترف من بحر اللغة والفلسفة والفقه وبلغ إلى ذروة الثقافة التي عرفها عصره، وكانت ثقافته تمتزج امتزاجاً عميقاً بشعره… إن موقفه الفلسفي من الأشياء جعله يفترض عليها الافتراضات، ويبدع الحيل الذهنية والنفسية، ليخرّجها تخريجاً آخر لم يسبق إليه إلا إلماماً أو أنه بكر، شبه تام. كما أن قدرته على التجريد العقلي والنفسي كشفت له أبعاداً أخرى ونوعاً من التآلف بين المعاني، فليس هناك معنى غريب عن الآخر، وإن بدا ظاهره مبايناً لسواه. فالمعاني تنحدر لديه من رحم واحد، ومن سلالة واحدة، وصلة النسب بينها لا يعرفها غير الشاعر(26). ويقول الآمدي: "صار كثير مما أتى به من المعاني لا يُعرف، ولا يعلم غرضه منها، إلا مع الكد والفكر، وطول التأمل، ومنه لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس"(27).

ولعل الأسباب التي دفعته إلى ذلك تتمثل في ثقافته الواسعة، وخاصة ثقافته في الفلسفة والمنطق، واعتماده على الحكمة التي تقوم على الإدراك العقلي، إذ أخذ يقيم الحجة، ويثبت البرهان، ويأتي بالدليل، حتى لا يترك مجالاً لأي دارس أن يشكّ فيما يقول…

ونجد أن أبا تمام في الحكمة تمثل نوعين، هما: القديم والحديث، يتمثل القديم بالتقليد، ويتمثل الحديث بالتجديد والتطوير، فهو لم يتخلّ عن القديم، ولم يبق أسيراً له، لكنه لم يذمه، ولم يهجره، لأنه يتكئ عليه، وينهل منه، ويتمثّله، ويقلّبه، ويتعمق به، ويسبر غوره، من أجل أن يكسبه حلّة جديدة تساير عصره، إذ اتخذه جسراً ليحلق به في آفاق انتشار العلوم، ونقلها عن الأمم الأخرى، فهو لا ينظر وراءه، بل يتطلع إلى رحاب المعاصرة، آخذاً على عاتقه تلك النقلة النوعية التي أثارت من حوله المعارك النقدية والأدبية، المتمثلة بين المؤيدة والمعارضة، وفتح باب الاجتهاد في هذا الباب، مما جعله يحمل لواء توظيف معطيات العصر في الفن الشعري. فهذا لا يضيره، ولا يقلل من شأنه… وظل ذلك خاضعاً لثقافته، وتجاربه، وخبراته، وملاحظاته، ومشاهداته، ومدرسته التي اختطها لنفسه…

وفي هذا البحث سنعرض لنوعين من الحكمة، يتمثلان في: الحكمة التقليدية التي تقوم على الفطرة المثقفة، والحكمة التي تقوم على الفلسفة والمنطق والبرهان. فالنوع الأول شاع في ثنايا قصائده، وقد يكون في عبارة أو شطر، أو بيت أو أكثر، وهو في موضوعات شتى، لا يقف عند موضوع بعينه، لأن الحكمة قد ترد في المديح أو الرثاء أو الوصف أو في غيرها. وقد يصعب علينا، أحياناً، الفصل بين النوعين، لأننا أمام شاعر يختلف عمّن سبقه في تجربته، وثقافته، ومشربه، وبيئته. ومن الظلم أن نقول عن أي شاعر: إنه نسخة مطابقة عن غيره من الشعراء، أو أن نقوم بمقارنة بينهما، إلا إذا تطابقت كثير من الشروط منها: الثقافة، والخبرة، والمعاصرة، والبيئة، والمدرسة التي ينتمي إليها كل منهما…

ولا نعني بالحكمة التقليدية أن الشاعر قد أخذ تلك المعاني وسلخها من الشعراء الذين سبقوه، إنما نعني بها تلك الحكم التي جاء بها الشاعر، وأطلقها من خلال تجربته، دون إخضاعها لثقافته العميقة التي تقوم على الفلسفة والمنطق، وإيراد الدليل، وإقامة البرهان من أجل إقناع المتلقي بصحة ما يذهب إليه… وهذا النوع عنده جدير بأن نعرض له، وأن نقسمه إلى قسمين: الأول يتمثل في توظيف التراث الذي يعبر عن مدى تغلغله في أعماقه، وتأثيره في انفعالاته، ورسوخه في وجدانه، وأثره في ثقافته، فهو يتأمل التراث المتصل بالحياة اتصالاً مباشراً، يتعمقه، ويقلبه، ويفسره، فيخرجه من خلال نظرته إلى ما يحيط به، فيطبعه بطابعه الخاص، على الرغم من أن بعض هذا التراث قد مثل مرحلة فطرية بدائية، عبرت عن نفسية متأملة بالحياة في شتى مناحيها، بقصد أو بغير قصد… ومما يؤكد ما ذهبنا إليه من توظيف التراث المتمثّل بالمثل، قوله: (من الوافر)

لكلّ من بني حوّاء عُذرٌ ولا عُذرٌ لطائيّ لشيم(28)

فها هو ذا يعترض بالمثل القائل: "جود طيئ" و(طيئ) يضرب المثل بها، لكون (حاتم) و(أوس بن حارثة) ابن لأم منهم، وهما آية في الجود والكرم(29). وقد تمكن من خلال هذا التعبير أن يحول الفكرة النظرية إلى واقع حسي، تطبيقي، ملموس، إذ شاهد الناس ذلك الكرم، وخبروا جود صاحبه، ورأوا عطاءه بالعين والمشاهدة.

وكان (البرّاض بن قيس الكناني) أحد فُتاك العرب الذين يضرب بهم المثل في الفتك، إذ فتك بـ(عُروة الرّحال) في غير حرب، فجرّ ذلك حرب الفجار، التي كانت بين قيس وكنانة، وشهدتها قريش ورئيسها حرب بن أمية، ولذلك يقال في المثل: "فتكة البّرّاض"(30)، فأخذه أبو تمام ليعبر به عما يجول في صدره من أن الفتى الجدير هو من يغترب، ويهزل في اجتياز الفلوات، كأنه حية كثيرة الحركة والوثوب، ويكون له في كل يوم بصرف الليالي فتكة مثل فتكة (البرّاض)، يقول: (من الخفيف)

والفتى من تعرّقتهُ الّليالي والفيافي كالحيّة النّضّاض

كُلّ يوم له بصرف الّليالي فتكةٌ مثلُ فتكة البرّاض(31)

فقد تمكن الشاعر من تحويل الفكرة النظرية ـ التي لا يمكن تصديقها، ولا الاقتناع بما ذهب إليه، لأنها مجرد فكرة ـ إلى واقع يمكن تحقيقه، عن طريق توظيفه المثل الذي عرفه الناس، وعاينوه، وعرفوه عن تجربة.

ولا غرابة أن نجد الشاعر يتكئ على الأمثال الموروثة، وخاصة أن شعره هو يضرب به المثل، يقال: "شعر أبي تمام"(32). يقول الثعالبي: ومن أشهر ما قيل في المثل "عين القلب"، قول أبي تمام: (الكامل)

ولذاك قيل من الظُّنون جليّةٌ صدقٌ وفي بعض القُلُوب عُيونُ(33)

فهو يشير إلى أن حدس القلوب، ويقينها يكشفان الحقيقة الخفية، فكأن في قلوب بعض القوم عيوناً ترى وتنبئ بالغد.

وهاهو ذا يتحدث عن مسافرين هزلوا من وعثاء السفر حتى بدوا كالرماح نحولاً، والليل يحدق بهم، ويغشاهم من كل صور، وقد ارتحلوا في سبيل أمر قد يتحقق، وقد ينبو سعيهم فيه، وفضلهم في أنهم نزعوا إليه، ولا عاد عليهم إذا قصرت بهم الأحداث عنه، يقول: (من الطويل)

وركب كأطراف الأسنّة عرّسُوا على مثلها والّليلُ تسطُو غياهبُه

لأمر عليهم أن تتمّ صُدُورُهُ وليس عليهم أن تتمّ عواقبُه(34)

فقد ضمّن شعره المثل القائل: "صدرُ الأمر وعجُزُه"(35). وحين يقال: إن "العيون طلائع القلوب"(36)، فإن الأمر واضح، والهدف جلي، وهو قول شائع معروف على المستوى الجمعي، لكن أبا تمام استفاد منه، وجعل القلوب طلائع الأجساد، ذلك أنه ما ألمّ به من شيب في رأسه حتى تولّد منه الهموم التي اعترت قلبه وأضعفته، كما أن القلوب تسبق الجسد في التأثر بكل نعيم أو بؤس، يقول: (من الخفيف)

شاب رأسي وما رأيتُ مشيب الرّ (م) أس إلاّ من فضل شيب الفُؤاد

وكذاك القُلُوبُ في كُلّ بُؤس ونعيم طلائعُ الأجساد(37)

وما دمنا نتحدث عن القلوب، فحريّ بنا أن نشير إلى استخدامه حكمة شائعة، تشير إلى أن لسان المرء ينضح بما في قلبه، يقول: (من الوافر)

وممّا كانت الحُكماءُ قالت لسانُ المرء من خدم الفُؤاد(38)

إن توظيف الحكم والأمثال السائرة، تدل على عظم أهميتها، وعمق معانيها، وقوّة تأثيرها، ولذلك يلجأ الشعراء إليها، لأنها تمدّهم بقوة نفسية، تعالج ما حاك في صدورهم وثار، فتساعدهم على الإبداع الفني، على الرغم من بعد الزمن بين صدورها الأصلي وبين توظيفها بعد شيوعها، فالتوظيف لها، هو إحياء لها، إذ يكسر الحواجز الزمنية بين الصدور والتوظيف، وهذا يعني أن الفن له تأثير عميق، والبيئة لها امتدادها، والحياة متواصلة متجددة، لا انقطاع فيها، وهذا ما يفسر إلحاح أبي تمام على الاستفادة من ذلك التراث بطريقة عجيبة، يظهر فيها براعة وإبداعاً عظيمين. انظر معي حكمته التي يوظف فيها المثل القائل: "داء الأسد"، أي: الحمى، لأنها كثيراً ما تغزو الأسد، حتى إنه قلّما يخلو منها ساعة(39)، يقول أبو تمام: (من الطويل)

فإن يكُ قد نالتك أطرافُ وعكة فلا عجبٌ أن يُوعك الأسدُ الوردُ(40)

ويضرب المثل في (إبر النحل) في الوصول إلى المحبوب بمقاساة المكروه، لكن أبا تمام أخذه، ووظفه في المعاناة التي يجدها الإنسان في تحصيل المعالي، يقول: (من الطويل)

ذريني أنل ما لا يُنالُ من العُلا فصعبُ العُلا في الصّعب والسّهلُ في السّهل

تُريدين تحصيل المعالي رخيصةً ولابُدّ دُون الشّهد من إبر النّحل(41)

ونلاحظ من خلال هذه الأمثلة أن الشاعر ـ على الرغم من إبداعه ـ في توظيف الموروث، بقدر ما يخدم تفكيره، وموضوع تعبيره، ظل أسيراً لذلك الموروث الذي قيّده، وحرمه من الانطلاق إلى عالم أرحب، إذ ظل حبيس النفس، وما تنزع إليه في حدود تكاد تكون محدودة، وبقدر ما يسمح له التراث بذلك، لأن ما أتى به كان قد صدر عن تجارب سبقته، وأحداث مرت بغيره، ووقائع مضى عليها الزمان. وعلى أية حال، فإنه بمقدرته الشعرية التي يضرب بها المثل كان قادراً على أن يسخر تلك الأمثال لخدمة موضوعه، وينقلها إلى صورة ذهنية خاصّة به، ويطبعها بطابعه الفني. والأمثلة على ذلك كثيرة نكتفي بهذا القدر منها(42). أما النوع الثاني من حكم أبي تمام التي أصدرها من خلال تجاربه النفسية وأحاسيسه التي تفاعلت مع تلك التجارب، تكاد تشترك ـ من حيث هي حكم ـ مع الشعراء الآخرين، وهي معان مجردة من الأحداث والوقائع، فيها خصائص الحكمة، تخاطب الذهن، وتلامس الإحساس، لا الحواس، لكنها تُعنى بالذهن أكثر من عنايتها بالإحساس، فهي مزيج بين هذا وذاك، لأنها لو اعتمدت على الإحساس فقط دون الذهن لكانت تعبيراً ذاتياً يعبر عن إحساس فردي لا جماعي، قد يقبلها الناس وقد يرفضونها، وبما أنها صدرت على سبيل الحكمة، فلابدّ أن تتوافر فيها شروط حتى تكون حكمة، من أهمها أن يُسلّم بها الجميع، ويُقرّوها، لأنها تدعو ـ غالباً ـ إلى الفضيلة لا الرذيلة… ونحن نتّفق مع الجاحظ ـ كما ذكرنا ـ فيما ذهب إليه من أن القصيدة إذا كانت كلّها حكماً لم تسر، ولم تجر مجرى النوادر، وهذا جلي في قصيدة لأبي تمام تضم سبعة عشر بيتاً، كلّها في الحكمة، اقتطفت منها قوله: (من الطويل)

أللعُمر في الدُّنيا تُجدُّ وتعمُرُ وأنت غداً فيها تمُوتُ وتُقبرُ

وهذا صباحُ اليوم ينعاك ضوؤهُ وليلتُهُ تنعاك إن كُنت تشعُرُ

تحُومُ على إدراك ما قد كُفيتهُ وتُقبلُ بالآمال فيه وتُدبرُ

ورزقُك لا يعدُوك إمّا مُعجّلٌ على حالة يوماً وإمّا مُؤخّرُ

ولا حولُ مُحتال ولا وجهُ مذهب ولا قدرٌ يُزجيه إلاّ المُقدّرُ

لقد قدّر الأرزاق من ليس عادلاً عن العدل بين النّاس فيما يُقدّرُ

فلا تأمن الدُّنيا إذا هي أقبلت عليك فما زالت تخُونُ وتُدبرُ(43)

نلاحظ أن هذه الحكم تتوالى دون انقطاع كالسيل المنهمر، وهي تلامس الذهن بطريقة متواصلة، ولا تعطيه فرصة للتدقيق والملاحظة والمعاينة، تقرع السماع، وتتوالى على الذهن، بيسر وسهولة، وخاصة أن الشاعر يتكئ على المعاني الدينية من خلال ثقافته الإسلامية الواسعة، وحفظه القرآن الكريم، فهو بهذا التأثر يدغدغ عواطف المتلقين، ويمتعهم بحكم تنساب انسياباً بشكل جميل رائع… ونجده يلح إلحاحاً كبيراً على الموروث الديني، وينهل منه لأنه هو الذي يبل الصدى، ويغذي الروح، انظر معي في جمال التعبير في قوله حين يتحدث عن الصبر، ليخلص إلى أن الطاعة والقبول بما قدّر الله يوليّان الأجر: (من الطويل)

فصبراً ففي الصّبر الجلالةُ والتُّقى ولا إثم إن خُبّرت أنّك جازعُ

فقد يأجُرُ اللّه الفتى وهو كارهٌ وما الأجرُ إلاّ أجرُهُ وهو طائعُ(44)

ويبدو أن فكرة الصبر يجد فيها الشاعر متنفساً، على الرغم من أنها فكرة دينية، ذلك أن العقل لا يفطن، ولا يهتدي إلى الصواب في حلّ المعضلات، إذ إن الصبر هو الذي يقوم مقامه، وينسي آثار النُّوب والمصائب، وحري بالمرء أن يحتسي من كأس الصبر، وإن كان كفّه لا يحتوي مالاً، كما أن العقل ذاته يبدو دون جدوى إذا لم يزيّن بالمال في وجوهه كلها، يقول: (من البسيط)

ما يحسمُ العقلُ والدُّنيا تُساسُ به ما يحسمُ الصّبرُ في الأحداث والنُّوب

الصّبرُ كاس، وبطنُ الكفّ عاريةٌ والعقلُ عار إذا لم يكس بالنّشب(45)

نرى الشاعر من خلال المشاهدة والملاحظة، يفضل الصبر على العقل، ويجعل الصبرُ الفقير غنياً بقناعته وصبره، أما العقل فلا طائل منه، بل هو بحاجة إلى مال ليستر به عيوبه ونقائصه…

والحديث عن الصبر يدفعنا إلى أن نسوق مثالاً آخر، لما فيه من جمال وروعة، انظر معي تأويل أبي تمام، ونظرته التي تتجلّى في أن يسكب الإنسان الدمع بقدر ما يشاء، وينزح ماءه من عينيه كي يزيل ماء الوجد، أي يدع الوجد يجف وينقضي، يقول: (من الكامل)

لست الفتى إن لم تُعرّ مدامعاً من مائها والوجدُ بعدُ بمائه

لكنه يردفه ببيت آخر، يرى فيه أن عقل الإنسان يتبدّى عبر ما يظهر من أسى أو صبر، يقول:

وإذا رأيت أسى امرئ أو صبرهُ يوماً فقد عاينت صُورةً رائه(46)

ونراه يسدي من خلال حكمه النصح والإرشاد للناس كل الناس، بأنه من يراهن الأيام عمّا تطلع به فلابد أن تنكل به وتبخسه، فإذا ما خاب في مسعاه الكريم، فإن عذره أن القضاء عارضه، يقول: (من الطويل)

ومن قامر الأيّام عن ثمراتها فأحج بها أن تنجلي ولها القمرُ

فإن كان ذنبي أنّ أحسن مطلبي أساء ففي سُوء القضاء لي العُذرُ(47)

ولم تكن الحكمة تعالج موضوعاً بعينه، بل تناولت موضوعات شتى، لأن الشاعر يصدرها من خلال تجارب في هذه الدنيا الواسعة إذ تصادفه الهموم فتثير مشاعره، وتلهب أحاسيسه، فيختزنها، في داخله، وتبدأ بالغليان، فتترسب الشوائب، وتبقى المعاني، وتطفو الحكمة التي هي صفوة تلك المعاني وزبدتها وخلاصتها، فتخرج في ثوبها القشيب، لتطرق الآذان بلا استئذان.

وهذه جملة من الحكم تدل على صحة ما ذهبنا إليه، فها هو ذا يقول: إنه لو أقام الواعظ مقام الحازم الفاعل لاغتنيت بما اتصفت به من ذكاء وحزم: (من الكامل)

لو كان يغنى حازمٌ عن واعظ كُنت الغنيّ بحزمه وذكائه(48)

وهو يرى أنه لا فائدة من نزول الغيث، ولا نفع من انهمار الأمطار، إذا كان الإنسان قد مات ظمآن من شدّة الصدى والعطش، قبل نزولها، يقول: (من الطويل)

وما نفعُ من قد مات بالأمس صادياً إذا ما سماءُ اليوم طال انهمارُها(49)

ويؤكد في حكمة أن تحقيق المعالي والوصول إليها لا يكون عن طريق القول الذي لا طائل منه، وإنما يكون ذلك التحقيق بالعمل الفعلي، يقول: (من الطويل)

إذا المرءُ أبقى بين رأييه ثُلمةً تُسدُّ بتعنيف فليس بحازم(50)

والأمثلة على هذا النوع التقليدي كثيرة، نكتفي بما أوردناه ها هنا(51)، فهي تعكس مدى عمق تجارب الشاعر وطول خبرته، ومقدرته على رصد المشاهدات، وتمكنه من تسجيل الملاحظات التي تمرس بها من خلال قراءته للواقع.

أما النوع الآخر فهو الذي يتمثل في إطلاقه الحكمة التي صدرت عن طريق تجاربه في الحياة، ونظراته إليها، وتأملاته في تصاريفها، يختزنها حتى تختمر، يقلّبها، ويحلّلها، وينتقيها، فيصوغها شعراً، كما هو الحال في النوع الأول، ولكنه هاهنا يخضعها لإعمال العقل، وكدّ القريحة، ويعرضها من خلال أسلوب فلسفي منطقي، يتوافق مع فلسفة الكلاميين، إذ يأتي بالدليل على إقامتها، والبرهان على صحتها، والحجة على منطقيتها، ولعل الأسباب التي دفعته إلى ذلك، تتمثل في: ثقافته الواسعة، وخاصة إطلاعه المعمق على الحكم التي تُرجمت من الهندية والفارسية واليونانية، إلى جانب معرفته بعلوم الفلسفة والمنطق، مما دفع به إلى اعتماده على الحكمة التي تقوم على الإدراك العقلي، إذ لا يترك لأي دارس أن يشك فيا يقول… وكأنه هو نفسه يشك فيما أورده من كلام يصلح أن يكون حكمة، ينظر فيها نظرة المتهيّب الشاكّ، يعرضها على الذهن، فيجد أنها قد تحتمل الظن والشك، فلابد من التدليل عليها، وإثباتها، من أجل أن تكون مسألة واضحة يُسلّمُ بأمرها، وكأنها مسألة رياضية، لا تقبل نقاشاً سفسطائياً لا طائل منه، يزنها في كفتي ميزان، ويساوي بينهما دون أي زيادة أو نقصان، ثم يطلقها، وهو موقن بأنها تدنو من النفس، وتدخل إلى القلب وتقرع الآذان بلا استئذان، وكأنه يريد أن يريح الذهن من عناء التفكير في صحة ما ذهب إليه، ليجعله يسلم بمسلمات ماثلة أمامه من خلال الحس والإدراك، وليس هناك مجالٌ لأن يرفض هذه أو تلك…

انظر معي قوله: (من الكامل)

وإذا أراد اللهُ نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسان حسُود

لولا اشتعالُ النّار فيما جاورت ما كان يُعرفُ طيبُ عرف العُود

لولا التّخوُّفُ للعواقب لم تزل للحاسد النُّعمى على المحسُود(52)

نلاحظ أن البيت الأول يقوم بذاته، فهو حكمة، يجري مجرى المثل، لشيوعه وشهرته، وهو ليس بحاجة إلى غيره، لإثباته، لأن الشعر تعبير عن إحساس وانفعال، ليس بحاجة إلى إعطاء الدليل، أو إثبات صحة ما يقول، لأنه لو كان عليه أن يأتي بالبرهان لتحوّل الشعر إلى شعر تعليمي أو علمي عقلي ليس فيه من الشعر إلا الوزن والقافية. إذن لا يطلب من الشاعر أن يثبت صحة فكرته، ولا الإتيان ببرهان، لأن ذلك من شأن العلوم الرياضية لا شأن التعبير عن عواطف، الذي قد يتفق مع الواقع، وقد يختلف، لكن ثقافة الشاعر هي التي تدفعه إلى طريقة التناول، لأنه ينظر إلى ما حوله بنظرة معمقة مختلفة عما يصدر عن إنسان غير مثقف. ولذلك يخضع التعبير لطريقة التفكير، وعمق التجربة، وطول الخبرة، ومدى تفاعل الشاعر بالثقافات الموروثة والمعاصرة على حدّ سواء… ولذلك نرى أن البيت الأول يدور حول الفضيلة التي نسيت أو اختفت، فسخر الله لها لسان حاسد، يبحث عنها، وينفض عنها ما ران عليها من غبار الزمن، ويكشفها بعدما كانت طيّ الكتمان، وفي عالم النسيان، فأخذ يلهج بذكرها حسداً، وينشر فضيلتها كرهاً وجهلاً، ولا حباً، ولا قصداً، من غير أن يعرف أنها فضيلة، ولو هلم ذلك لما نشرها، أو تحدث فيها. هذا المعنى يكفي أن يكون حكمة عظيمة، لكن الشاعر نظر إليها، وتفحصها، وكأنه شكّ في وصولها كما خطط، أو شكّ في مدى قبول الناس لها كحكمة، لأنها تعبير معنوي، قد تتطابق مع الواقع، وقد تخالفه، ولذلك، أردفها ببيت آخر يصلح أن يكون حكمة أو مثلاً دون حاجته لغيره في الوزن أو المعنى، لكنه يدعم الأول، ويشد من أزره، ويؤيده، ويثبته، ويحققه. والفرق بين البيتين يتمثل في أن الأول معنوي، والآخر حسي، ذلك أن الرائحة الطيبة المنبعثة من العود لا تعرف إلا إذا احترق ذلك العود، وتبقى الرائحة دفينة، مخبأة، في العود إلى أن تتحقق عملية الاحتراق التي حصلت من اشتعال النار مصادفة…

فالشاعر وفّق في توفير بيئة ملائمة لموضوعين مختلفين، يتحدان فيها، ويتلاءمان، فهما صنوان لا يفترقان، فالأول: مقدمة نظرية افتراضية، والآخر: برهان منطقي، يقوم على الدليل… وكأنه يريد أن يحول هذا الدليل العقلي إلى معنوي، إذ أراد أن يقول: إن نار الحسد تثير عرف الأخلاق فيمن حسد. وبعد أن أتم الشاعر الفكرة، واقتنع بها أخذ يعطي النتيجة التي يريد أن يصل إليها بكل اطمئنان، إذ اتبع البيتين ببيت ثالث، يقول فيه: لولا أن عاقبة الحسد مذمومة معيبة، لكان للحاسد النعمة على المحسود، لأنه يظهر من فضله ما كان مستوراً، ومن كرمه ما كان خافياً ثم إن المحسود متى علم بحسد الحاسد ازداد في اكتساب المكارم، وابتناء المعالي، فكان حسده سبباً له. وكما نلاحظ في هذه الأبيات الثلاثة، أن الأول: حكمة افتراضية، والثاني: برهان لذلك الافتراض، والثالث: نتيجة وخاتمة. وقد ذهب الآمدي إلى أن هذه المعاني من مخترعات أبي تمام… يبعث شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره، وتفسيره، واستعارة معانيه، فبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ لفظ وأحسن سبك(53).

إن الحكمة التي يوردها أبو تمام في ثنايا قصائده، يبثها في نزعة فلسفية، بأسلوب منطقي، تدعم آراءه، وهذا التطور هو تطور طبيعي، يواكب تطور الفكر في عصره، وازدهار الثقافة، وتقدم العلم بشتى أنواعه، ذلك أن الشاعر يقدم فكرة ذهنية، تعتمد على التجارب في الحياة، قوية في مضمونها، موجزة في لفظها، إلا أنها تقرر حقائق نتيجة لمشاهداته وملاحظاته… والشعر، لا يحكم عليه من خلال الصواب أو الخطأ، ولا من باب الصدق أو الكذب، فأعذبه أكذبه، إنما يحكم عليه من خلال صدق الانفعال، الذي يتحد بالنفس، ويعبر عنها تعبيراً ذاتياً صادقاً، وإن كانت الحكمة أيضاً تمثل معالم الحياة، إلا أنها تدرك بالعقل، فأبو تمام "يذهب إلى ما يملأ الأسماع من اللفظ مع التصنيع المحكم طوعاً وكرهاً، ويأتي بالأشياء، ويطلبها بكُلفة، ويأخذها بقوة… إذ كان يُكره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك في شعره"(54). انظر قوله: (من الطويل)

وطُولُ مُقام المرء في الحيّ مُخلقٌ لديباجتيه، فاغتترب تتجدّد

فإنّي رأيتُ الشّمس زيدت محبّةً إلى النّاس أن ليست عليهم بسرمد(55)

يرى الشاعر أن من طال مكوثه في قوم هان لديهم، وأنفوا منه، كالثوب الذي ذهبت ديباجته، وزينته، ورونقه، فإذا اغترب تجدد، وغدا موضع اشتياق، مثله مثل الشمس التي إذا غابت أثارت الشوق إليها في كل غداة. فالبيت الأول حكمة مستقلة تامة قائمة بذاتها، تصلح أن تكون مثلاً لشيوعها، وهي مزيج بين قضيتين: معنوية، وحسية، إلا أنها تجتمع في مسألة تقريرية، تتمثل في التجدد والتجديد، وهي خلاصة تجربة ومشاهدة، تعالج، بل تضع قانوناً يمكن أن يطبق في كل حالة مماثلة، في حسن تشبيه، عبر الزمن، لأنها تصلح لكل زمان ومكان. إذن، هي عبارة عن مشاهدات وملاحظات، ترصد الواقع، وتبيّن، العلاقات بين الأسباب والمسببات، وخاصة حينما يوردها الشاعر في ربط الاغتراب بالتجدد، فالعلاقة بينهما علاقة أبدية لا تنفك عراها ولا تنفصم، ولا تتحقق الثانية دون الأولى، فلابدّ من وجود الاغتراب حتى يتحقق التجدد، فالتجدد دون الاغتراب مستحيل. وعلى أية حالة، فإن هذا يتمثل في افتراض ـ على الرغم من أنه أصبح قانوناً مسلّما به ـ يحتاج إلى إقامة الدليل، وإثبات البرهان على صحته… فيأتي البيت الثاني ليعبر عن معنى حسي، يسلم به الجميع، ويقرونه، وهو صالح أن يكون حكمة مستقلة أيضاً، لكنه يتحد مع الأول، ويقويه، ويؤكده، فيجعل منهما مقدمة ونتيجة، ويبدع في رسم صورة كلية بديعية منهما، وإن كانت تلامس الذهن، وتُدرك بالعقل، من خلال إخضاعها لعلم فلسفي منطقي، يقوم على المجادلة والبرهان، والشعر ليس بحاجة إلى ذلك…

وقد ذكر ابن الأثير أن هذا المعنى مبتدع لم يسبق إليه الشاعر، وغيره كثير(56). ويذكر ابن رشيق القيروان أن أبا تمام: "كان أكثر المولّدين اختراعاً، وتوليداً فيما يقول الحذاق…"(57)، ويذهب القيرواني إلى التفريق بين الإبداع والاختراع ـ وإن كان معناهما في العربية واحداً ـ قائلاً: "إن الاختراع خلقُ المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قطّ. والإبداع: إتيان الشاعر باللفظ المستظرف الذي لم تجر العادةُ بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له: بديع، وإن كثر وتكرر الإبداع، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ، فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع، فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق".

ويرى الناقد إيليا الحاوي في معنى البيتين السابقين: "أن ثمّة من الإبداعية التي خص بها أبو تمام، وهي تنطوي على ما لا حدّ له من الإيحاء والتأليف بين وجه الإنسان ونفسه، وماهيته كلها وأخلاقها، وكأن الزمن يعبر كما يعبر بكل شيء. وهذا كلّه في المعاناة الحسية والنفسية غير المتياسرة، وغير المرتجلة، والصورة والفكرة تتناوبان في التجسد والتعبير، إلا أن الصورة تظل الأسمى"(58).

ولم تكن الحكمة عند أبي تمام تعالج موضوعاً بعينه، لا تتعدى غيره، فالغزل لـه نصيب أيضاً من الحكمة، يقول: (من الكامل)

نقّل فُؤادك حيثُ شئت من الهوى ما الحُبُّ إلاّ للحبيب الأوّل

كم منزل في الأرض يألفُهُ الفتى وحنينُهُ أبداً لأوّل منزل(59)

وعلى الرغم من سهولة الألفاظ ورقتها، فإنها تجمع الصلات بين الأشياء، وتوثقها، وتُآلف بينها، وتنطوي على قدر كبير من الإيحاء، يقوم على المعاناة الحسية والنفسية، وإن كان البيت الأول يمثل ذلك الإيحاء النفسي العميق، فإن الشاعر يبسطه بصورة جمالية، على شكل حكمة، وكأنه يفترض، ويقرر، وهو بحاجة إلى دليل وبرهان لإثبات ما ذهب إليه. ولذلك يوازن بين قضيتين، الأولى: افتراضية، تتمثل في أن الحب يطرق القلب لأول مرة وهو خال من أي تجربة سابقة، ولذلك تبقى آثاره مزلزلة إياه، مؤثرة فيه وراسخة، مهما طال الزمن، وتعاقبت الهموم، لأنها ذكريات جميلة، خففت هموم الحياة في وقتها، وزرعت فيه بذور السعادة والحرية، فالذكريات مهما كانت في هذه التجربة بحلوها ومرها تبقى ملاذاً للتسلّي، ولذلك فإن الحب الأول هو الحب الذي لا يُنسى البتة، مهما مال الإنسان إلى غيره، أي: هو الأول والأخير: والأخرى: ثابتة، مُجرّ‍بة، مُسلّم بها، تتمثل في أن الإنسان يتعلّق قلبه بالمنزل الأول الذي كان فيه مسقط رأسه، وقد نشأ فيه وترعرع، وعاش فيه تلك الطفولة التي لا تُنسى، فمهما ألف في حياته من منازل، وسكنها، بسبب رحلاته، وتنقلاته، على اختلاف أماكنها وأزمانها، فإنه لا محالة سيبقى آلفاً لبيته الأول، متعلقاً به، يحنّ إليه، ويتوق إليه صباح مساء، وهذا من أكبر نعم الله في أنه زرع حب الأوطان المتمثلة في المنازل والديار في قلوب البشر، ولولا ذلك لما سُكنت أخابث الأرض. فالبيت الأول إذن هو ملاحظة وافتراض يحتاج إلى دليل وبرهان، فيأتي البيت الثاني معللاً ومؤكداً صحة ما ذهب إليه الشاعر، عن طريق الإقناع والحجة، بأسلوب فلسفي منطقي، وهذا النوع يمكن أن نسميه "إن صحّت هذه التسمية، ذلك أن الشاعر يعتمد على قدرته الفنية وثقافته العميقة لإثبات اليقين النفسي بالحقائق الشعرية.

‘ن الشاعر لا يفرض شعره على الآخرين، لكنه يحاول أن ينقل تجربته التي مرّ بها كما هي، وينفس التأثر، لتعبر عن ملاحظاته التي استكشفها، وهو يرى أ،ه من الضروري أن ينقل تلك التجارب والنظرات إليهم، لتكون عبرة لهم، تخدمهم في حياتهم، وتجعلهم يتعاملون مع ما يحيط بهم في ضوء تلك التجارب، ذلك أن الشاعر يرى ما يراه الناس، لكنه يرى ما لا يرونه، مع أنه شاخص أمامهم، لأنه ينظر بعين مختلفة عنهم، وله إحساس مرهف، يرى الأشياء به، وينفذ إلى ما وراءها، ولا يقف عن ظاهرها، بل يستكشف خفاياها الكامنة وراء الظاهر منها.

ويلح أبو تمام في كثير من حكمه على إعمال العقل، الذي يحدد الأشياء، ويستنتج منها ما قبله العقل، ويصنفه، ويُحكمُه في شعره، فيخرجه كما خطط له، ذلك أنه يدرك الأشياء بعقله، مع عدم إغفال ما يعاني منه في نفسه، فهو حكيم في التوفيق بينهما، وإقامة العلاقة القوية بينهما. انظر قوله: (من الطويل)

فإنّ الفتى في كُلّ ضرب مُناسبٌ مناسب رُوحانيّةُ من يُشاكلُ

ولم تنظم العقد الكعابُ لزينة كما تنظمُ الجمع الشّتيت الشّمائلُ(60)

فالبيت الأول يمثل حكومة افتراضية تدور حول العلائق الروحية، التي تؤلف بين ذوي النسب الواحد. والآخر يبرهن الأول ويدعمه، ذلك أن الأخلاق المتماثلة تجمع وتؤلف بين أصحابها، كما تجمع الحسناء حبات العقد وتؤلف بينها.

ويقول في حكمة أخرى: (من الكامل)

لا تُنكري عطل الكريم من الغنى فالسّيلُ حربٌ للمكان العالي(61)

فالشطر الأول يقرر حقيقة، خبرها العقل، ووصل إليها بالتجربة والمشاهدة، وهي تصف عادة أو طبعاً، وتحكم عليه من خلال تعبير يصلح أن يكون حكمة افتراضية، ولكنها تحتاج إلى دليل، فيأتي الشطر الثاني، يبرهنه، ويحققه، ذلك أن الشاعر يقول: لا تعجبي أن يكون الكريم فقيراً بسبب جوده وسخائه وعطائه، فإن السيل الناتج عن هطول الأمطار لا يألف الأمكنة العالية، ولا يستقر فيها، بل يتولّى عنها إلى الوديان المنخفضة، فهو يشبه حالة بحالة، الأولى أضعف من الأخرى، لأن المشبه به أقوى من المشبه، ذلك أنه يؤتى به لأنه معروف على المستوى الجمعي، ولذلك يلجأ الشاعر إلى توظيفه، لتقريب الصورة، وإقناع المتلقي بما يذهب إليه، لأن المتلقي يسلم بما هو مقتنع به، من خلال مشاهدته هو، وبما أن الشاعر قد وضع الافتراض للمتلقي مقابل ما يُسلّم به، ومساوياً له، إذن لا بدّ أن يُسلّم بالافتراض، وهذا يعتمد على الإقناع العقلي، عن طريق أسلوب الفلسفة والمنطق.

وفي حكمة أخرى يقول: (الطويل)

ينالُ الفتى من عيشه وهُو جاهلٌ ويُكدي الفتى في دهره وهو عالمُ

ولو كانت الأرزاقُ تجري على الحجا هلكن إذن من جهلهنّ البهائمُ(62)

يرصد الشاعر في البيت الأول سلوك الناس وطبائعهم، وتصرفاتهم، وحياتهم، ويرى ما تؤول إليه كل فئة منهم، ما يناله الفتى في حياته وهو جاهل، وما يمنّى به الفتى في دهره وهو عالم، ولذلك وصفهم، وحكم عليهم، بأسلوب منطقي، وأردف ذلك بحكمة أخرى، تقول: إنه لو كانت المخلوقات تنال رزقها بالعقل لكانت البهائم قد هلكت من جهل عقلها وإقلاله، لأن رزقها على الله. إذن، البيت الثاني يبرهن الأول، ويقوم عليه، ويحققه, ويثبته. ونرى أن الشعر صورة معبرة عن الذات، والنثر فكرة تعبر عن الذات أيضاً، لكنها تعبر عن فكر، والحكمة تعبر عن فكر أكثر ما تعبر عن صورة، ولذلك نجد أن الحكمة هي أقرب إلى النثر منه إلى الشعر.

وما دمنا نتحدث عن الرزق والغنى، فحريّ بنا أن نذكر قوله: (من الكامل)

إنّ العزاء وإن فتى حُرم الغنى رزقٌ جزيلٌ للّذي لا يُرزقُ

هممُ الفتى في الأرض أغصانُ الفتى غُرست وليست كُل عام تُورقُ(63)

فهو يتكئ على مبدأ الصبر، الذي هو من التراث الديني، لأن الصبر رزق جميل لامرئ لم يُرزق مالاً، ولم يوسّع عليه رزقه. وهمم الفتى في الأرض، مثل أغصان قد لا تُؤتى ثمارها كل عام. فالأشطر الثلاثة الأولى افتراض في ثوب حكمة، يأتي الشطر الرابع ليبرهنها، ويثبتها. فالأسلوب المتبع هنا وفيما سبق هو أسلوب فلسفي، يسعى إلى الإقناع عن طريق الحجة والدليل. وكما نلاحظ فإن الثقافات المتعددة عند أبي تمام، والمتمثلة في: الدينية والأدبية والعلمية والفلسفية قد امتزجت مع بعضها بعضاً لتؤلف سنفونية يضرب على أوتارها نغماته التي اختارها في باب الحكمة.

يقول في إساءة الدهر له، إنه ذكره بعهد الإقبال والسعادة والهناءة، ويضرب مثلاً لذلك. يتمثل في العسل الذي لا تعرف حلاوته إلا بمرارة الحنظل، أي لا تعرف الأشياء إلا بأضادها، يقول: (من الطويل)

إساءةُ دهر أذكرت حُسن فعله ولولا الشّرى لم يُعرف الشّهدُ ذائقُه(64)

نلاحظ أن القضيتين متوافقتان، الأولى مجرد فكرة افتراضية، يصف فيها طبائع المجتمع، من خلال مشاهداته وتجربته، يطغى عليها العنصر العقلي، ثم يأتي بصورة حسية، تصلح أن تكون حكمة أو مثلاً مستقلاً، ليؤكد ما ذهب إليه.

ونختم أمثلتنا(65) بقوله: (من الطويل)

وما خيرُ حلم لم تشُبهُ شراسةٌ وما خيرُ لحم لا يكُونُ على عظم(66)

نلاحظ أن الأسلوب الفلسفي المنطقي في هذا البيت هو السمة البارزة، ذلك أنه يرى أن الرحمة المطلقة، والحلم الخالص في الحياة، والصفح المتواصل، لا يجدي، ولا يستقيم إلا إذا قابله القوة المطلقة، وشابه المعاقبة السريعة، واجتمع معه الغلظة. إذن، نجده يدعو إلى الجمع بين المتناقضات والمزاوجة بينهما. ومن وجهة نظره فإن عدم الجمع بينهما هو غير الطبيعي، وهو التناقض في الحياة، ولا يجوز الانفراد في أحدها دون الأخرى، وكأنه يريد أن يقول: الحلم المطلق لا خير فيه إلا إذا اجتمع مع العقاب، والعقاب المطلق لا خير فيه إلا إذا اجتمع مع الحلم المطلق، فهما صنوان لا يفترقان، مثلُ ذلك مثل اللحم الذي لا يكون على العظم، فاللحم دون عظم لا خير فيه، وكذلك العظم بلا لحم لا فائدة منه. فالشطران يمثلان جمع المتناقضات، وعلى الرغم من هذا التناقض، فإنها صورة طبيعية واقعية ضرورية وحتمية، ومع ذلك فإن الشطر الثاني جاء برهاناً على الأول الذي يحمل الفكرة الافتراضية…

وبعد هذا العرض لنوعين من الحكمة عند أبي تمام، نلاحظ أنه ظلّ في النوع الأول يدور في رحاب الحكمة التي شارك فيها من سبقه، بخصائصها، وأساليبها، وأهدافها، وإن كان يخضعها في بعض الأحيان إلى نوع من الإبداع في الحيل الذهنية والنفسية…

أما النوع الآخر، فهو الذي أبدع فيه وبرع، وابتكر واخترع، وتفرد به وتميز من غيره، لم يسبق إلى مثله، يحلق في عالمه دون نظير، يشدو به بألحانه الخاصة، إذ استفاد من الحكمة كحكمة، وأخذ يطورها بمفهومه، وقدرته على كشف أبعاد الحقائق، وما تنطوي عليه من بعد نفسي. فالمعاني الذهنية والنفسية تتآلف عنده، وتتوحد، من خلال التأمل والتحري، والمعاناة، إذ "كان يقع على اليقين النفسي الصامد، والذي يخلف آثاره غير المتعفيّة في النفس. لقد كانت صلته وثيقة بالحقائق الشعرية، وإن كساها غالباً حللاً فكرية، وخرجها عبر التعليلات والأقاويل. فعبر التأمل والتفكير العميق أدرك المرحلة الثانية من فهم ماهيات الأشياء في الوجود، ومال إليها وبات يبدع في التعبير عن تلك الصلات العجيبة، مما كان يصدم ذائقة عصره"(67).

إذن، هو فارس يمتطي صهوة التعبير الفلسفي المنطقي، بطريقة لا يجارى بها، وبقدرة فائقة على استخلاص وتمثُّل الصور الذهنية الفكرية، يأتي بالدليل، ويقيم الحجة، ويثبت بالبرهان، بطريقة علمية ذهنية نفسية شعورية، يوحّد بينها، خشية أن يخضع شعره لعملية رياضية تقبل الصواب والخطأ، تخرجه من دائرة السلامة الشعرية الشعورية التي تعبر عن الذات، ولذلك كان حذراً من هذه القضية، إذ أخذ يتأمل الصورة، ويوحدها بالنفس، حتى لا تنتظم في سلك النظريات العلمية الرياضية… لكنه كان يقرر حقائق إنسانية، أدركها العقل، ووصل إليها عن طريق التجربة العميقة والخبرة الطويلة، تدعمها ثقافات كثيرة منها: الدينية والعلمية والفكرية والأدبية والفلسفية، فهو بحق شاعر مفكر محلل مفسر، طوّر الحكمة التقليدية إلى حكمة هي أقرب إلى الحقائق منها إلى الشعر بطريقة جمالية تعبيرية فنية، وإن كانت تتحد وتتآلف مع صور ذهنية عقلية تقوم على التعليل المنطقي، والأسلوب الفلسفي، والمنافحة لإثبات قناعاته، من خلال مشاهدته وملاحظاته في رصد الواقع، والتأمل في الحياة، والتعبير عن طبائع البشر، وتصوير سلوكياتهم…

المصادر والمراجع

*أبو تمام الطائي (حياته وشعره)، د. هاشم مناع، دار الفكر العربية، ط1، بيروت 1994.

*البداية والنهاية، ابن كثير، مكتبة المعارف، ط2، بيروت 1405/1985.

*البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ط5، القاهرة 1405/1985.

*تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول)، د. شوي ضيف ، دار المعرف، ط7، القاهرة 1978.

*ثمار القلوب، الثعالبي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة 1985.

*جمهرة الأمثال، أبو هلال العسكري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش، دار الجيل، ط2، بيروت 1408/1988.

*حسن المحاضرة، السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط1، القاهرة 1387/

1968.

*خزانة الأدب، البغدادي، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ط2، القاهرة 1408/ 1988.

*سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، ابن نباتة المصري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت 1406/ 1986.

*سير أعلام النبلاء، (ج11)، الذهبي، تحقيق صالح السمر وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط1، دمشق وبيروت 1408/ 1988.

*فيض القدير (شرح الجامع الصغير للسيوطي، المناوي، دار المعرفة، بيروت 1391/ 1972.

*الشعر الجاهلي (خصائصه وفنونه)، د. يحيى الجبوري، مؤسسة الرسالة، ط4، بيروت 1403/ 1983.

*العقد الفريد، أحمد بن عبد ربه، تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1404/ 1983.

*العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، تحقيق محمد قزقزان، دار المعرفة، ط1، بيروت 1408/ 1988.

*في الأدب الجاهلي، د. هاشم مناع، دار المنار، ط1، دبي 1417/ 1996.

*الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د. شوق ضيف، دار المعرفة، ط10، القاهرة 1978.

*لسان العرب، ابن منظور.

*المثل السائر، ضياء الدين بن الأثير، تحقيق د. أحمد الحوفي، ود. بدوي طبانة، دار نهضة مصر للطباعة، ط2، القاهرة 1973.

*مجمّع الأمثال، الميداني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار القلم، بيروت (د.ت).

*مختصر تاريخ دمشق، (ج6) ابن منظور، تحقيق محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، دار الفكر، ط1، دمشق 1404/ 1984.

*المزهر، السيوطي، تحقيق علي محمد البجاوي وآخرين، المكتبة العصرية، بيروت 1986.

*المصباح المنير، الفيومي.

*مصطلحات نقدية من التراث الأدبي العربي، محمد عزام، وزارة الثقافة، دمشق 1995.

*الموازنة بين أبي تمام والبحتري، الآمدي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية، بيروت (د.ت).

*النثر في العصر الجاهلي، د. هاشم مناع، دار الفكر العربي، ط1، بيروت 1993.

*وفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت (د.ت).

________________________________________

* أستاذ في جامعة عجمان.

(2) ـ المصباح المنير، ولسان العرب (حكم).

(3) ـ لسان العرب (حكم).

(4) ـ فيض القدير (شرح الجامع الصغير) 2/524 (رقم 2457 و2458). ولسان العرب (حكم).

(5) ـ فيض القدير (شرح الجامع الصغير) 2/524.

(6) ـ الشعر الجاهلي، خصائصه وفنونه، ص403.

(7) ـ المزهر 1/486.

(8) ـ انظر مزيداً من التفصيل: النثر في العصر الجاهلي، ص161- 172.

(9) ـ و: في الأدب الجاهلي، ص387-390.

(10) ـ انظر: جمهرة الأمثال 1/3.

(11) ـ السابق 1/4/.

(12) ـ مجمع الأمثال 1/6.

(13) ـ جمهرة الأمثال1/ 4-5.

(14) ـ السابق 1/5.

(15) ـ العقد الفريد 3/3.

(16) ـ البيان والتبيين 1/206 (كان صالح بن عبد القدوس شاعراً حكيماً من الوعاظ، والمتكلمين، ومن الوعاظ بالبصرة ـ سنة (160هـ). انظر: وفيات الأعيان 1/245. وتاريخ بغداد 4844. وسابق البربري: هو أبو سعيد، له أشعار حسنة في الزهد. انظر: خزانة الأدب 4/164).

(17) ـ مصطلحات نقدية، ص192.

(18) ـ شذرات الذهب 3/144. والمثل السائر 3/227.

(19) ـ المثل السائر 3/227.

(20) ـ العمدة 1/266.

(21) ـ انظر: تاريخ بغداد 8/248. وسير أعلام النبلاء 11/64. وسرح العيون، ص324. وحسن المحاضرة 1/559. ومختصر تاريخ دمشق/ 179. وتاريخ الأدب العربي، العصر العباسي الأول، ص269. وأبو تمام الطائي، ص66.

(22) ـ المثل السائر 3/252.

(23) ـ وفيات الأعيان 2/12.

(24) ـ تاريخ بغداد 8/248. والبداية والنهاية 10/300. وانظر مزيداً من التفصيل: أبو تمام حياته وشعره، ص16 وما بعدها.

(25) ـ الفن ومذاهبه في الشعر العربي، ص256- 262.

(26) ـ مقدمة شرح ديوان أبي تمام، إيليا حاوي، ص7- 8.

(27) ـ الموازنة بين الطائيين، ص125.

(28) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص495.

(29) ـ ثمار القلوب، ص117.

(30) ـ ثمار القلوب، ص170.

(31) ـ شرح ديوان أبي تمام، 343، (وتعرقته، أهزلته. والنضاض: الكثير الحركة والوثوب).

(32) ـ ثمار القلوب، ص170.

(33) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص606.

(34) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص90.

(35) ـ ثمار القلوب، ص339.

(36) ـ السابق، ص342.

(37) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص151.

(38) ـ السابق، ص160.

(39) ـ ثمار القلوب، ص383.

(40) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص230، (الورد: الأحمر).

(41) ـ ثمار القلوب، ص507. لم أجد البيتين في الديوان.

(42) ـ انظر: مثار القلوب، ص201 و215 و216 و222 و 250 و324 و 325 و 331 و422 و427 و428 و435 و563 و565 و584 و909 وغيرها كثير. وانظر جمهرة الأمثال 1/62 و91 و109 و248 و265 و310 و350 و358 و517 و553 و573 و2/65 و141 و165 و202 و243 و248 و283.

(43) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص963.

(44) ـ السابق، ص675.

(45) ـ السابق، ص938، (النشب: العقار والمال).

(46) ـ السابق، ص641.

(47) ـ السابق، ص950، (قامر: راهن. وثمراتها: نتائجها وغياباتها. وأحج به: أحرى بها. والقمر: الغلبة في القمار).

(48) ـ السابق، ص641.

(49) ـ السابق، ص884.

(50) ـ السابق، ص533.

(51) ـ الحكمة عند أبي تمام كثيرة متناثرة في ديوانه، ولا تكاد قصيدة تخلو منها، انظر المصدر السابق، ص32 و43 و64 و348 و479 و503 و559 و566 و643 و672 و694 و884 و893 و909 و917 و932 و938 و940 و946 و964. وانظر: أبو تمام حياته وشعره، ض133- 134 و138- 139.

(52) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص169. وانظر: العمدة 2/980، وسرح العيون، ص327.

(53) ـ الموازنة، ص124 و379.

(54) ـ العمدة 1/261 و377.

(55) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص197- 198. وجمهرة الأمثال 2/165. (الديباجة: الشخصية. أراد الوجه والمكانة الأدبية. وأخلق: عطل وأفسد. وسرمد: دائم) وانظر حكمة أخرى في: شرح ديوان أبي تمام، ص575، عن طول مقام الشيء.

(56) ـ المثل السائر 2/23.

(57) ـ العمدة 1/453.

(58) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص9.

(59) ـ السابق، ص764.

(60) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص470 (والكعاب: المرأة التي نهد ثديها).

(61) السابق، ص 452. (العطل: الخلو من الزينة).

(62) السابق، ص 503. (يكدي: يعثر ويفتقر).

(63) ـ السابق، ص842.

(64) ـ السابق، ص224.

(65) ـ انظر مزيداً من الأمثلة: السابق، ص44 و48 و60 و432 و645 و683 و884 و903 و938. وانظر كتاب: أبو تمام حياته وشعره، ص133-134 و138-139.

(66) ـ شرح ديوان أبي تمام، ص909.

(67) ـ السابق، ص9.

awu-dam.org/trath/101/turath101-014.htm

241 Views

عن

إلى الأعلى