الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » الأدب العربي الحديث و التراث تحولات العلاقة وخصوصيات الأجناس د. أحمد جاسم الحسين

الأدب العربي الحديث و التراث تحولات العلاقة وخصوصيات الأجناس د. أحمد جاسم الحسين


الأدب العربي الحديث والتراث تحولات العلاقة وخصوصيات الأجناس – د.أحمد جاسم الحسين*

1- إشارات أولية:

مستجدات

كل عصر تقتضي إشكاليات فكرية واجتماعية، وتفاعلات أدبية وفنية خاصة به، منها ما هو مطروق سابقاً ومنها ما هو مستجد؛ تصنع للعصر الذي تنمو فيه تمايزاً يجعله مختلفاً عن العصور الأخرى، وفي نظرة عجلى إلى تاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة من خلال قضاياه التي مايزت عصراً عن الآخر نكتشف أن هذه القضايا/ الظواهر أثير بعضها من النقاد، وبعضها من الأدباء، وقسم انتُبه إليه في عصره، وقسم في عصور لاحقة بحيث يمكن أن تشكل هذه القضايا روائز نستطيع أن ندرس من خلالها الأدب في كل عصر، وما تفرد به عن سواه.

في الأدب العربي الحديث الذي يمتد نحو قرنين من الزمن (القرن التاسع عشر والعشرون بحسب ما يرى عدد من الباحثين) وُلدت مجموعة من الأجناس الأدبية النثرية، وحدثت تحولات جوهرية في مفهوم الشعر؛ مما أدى إلى نهوض ثلة من القضايا الشعرية والنثرية المرتبطة بسياقاتها الاجتماعية وحواضنها الفكرية، وقد عرفت هذه القضايا بتعددها، وتنوعها، وتداخلها، وتجدّدها الدائم سواء أكانت قضايا نقدية أم قضايا فكرية؛ حيث أثرت وتأثرت بحركة الأدب العربي الحديث، إذ نشأ بعضها على أنه ثنائيات ذات طابع نقدي أدبي، وبرز بخاصة: القديم والجديد، والتراث والمعاصر، والوطني والقومي، وقسم ظهر بهيئة قضايا فنية: الوحدة العضوية، التجريب، توظيف الأسطورة، ومنها ما ظهر بصورة أسئلة إشكالية من مثل: ما هي العوامل التي تتحكم في رحيل الأجناس الأدبية أو ظهورها؟ وهل الأجناس الأدبية الجديدة قادمة من الغرب أم أنها منبثقة من تراثنا؟ وما مدى صلة هذه الأجناس بالواقع؟ وما هي العوامل التي تؤدي إلى ظهور تحولات جوهرية في الأجناس الأدبية؟

لا تسلم قضية مما سبق في أسباب ظهورها أو تجليات هذا الظهور من التداخل والتقاطع مع القضايا الأخرى أياً كان العامل الرئيس في ظهورها سواء أكان من إفرازات الواقع، أو بفعل المثاقفة مع الغرب، أو التفاعل مع التراث.

وقد نالت علاقة الأدب مع الواقع، وكذلك علاقته مع الغرب اهتماماً نقدياً وأدبياً كبيراً طرحها النقاد والمهتمون عبر مفاهيم عديدة منها: الانعكاس والمرجعية والتبعية والانقياد والمثاقفة..

أما التفاعل مع التراث فكان هو الآخر مكوناً رئيساً، وعاملاً فاعلاً في حركة الأدب العربي الحديث حيث حكمته تصورات، وأثرت فيه آليات مختلفة تنوعت، وتبدلت وفقاً للجو النقدي والفكر السائد؛ إذ تأثرت بالمذاهب الرائجة عبر تاريخ الأدب العربي الحديث من اتباعية وواقعية ورومانسية… وكذلك تأثر بالمناهج النقدية الحديثة التي ساهمت في إخصاب قراءة جديدة فيه؛ ولم ينفصل عن حركة الواقع العربي مما أدى نتيجة لكل ما سبق إلى إحداث تحولات متتالية في تاريخ النظر إليه.

لقد استعملت مفاهيم ومصطلحات عديدة لمقاربة التفاعل وفقاً لظروف كل مرحلة منها: المحاكاة والتقليد والاستلهام والهروب والتناص والمثاقفة والجدلية.. لكن معظم هذه المقاربات اقتصر على علم أو جنس أو مرحلة من مراحل الأدب العربي الحديث، وكثير من تلك المقاربات كانت عبر موازنة التفاعل مع التراث مع قضايا أخرى كالعلاقة مع الواقع أو التفاعل مع الغرب، مما أسهم في كشف أهميتها قياساً لغيرها وكيف كان الموقف منها؛ بخاصة أن هذه الظواهر الثلاث عوملت أحياناً كأقطاب متعارضة، فهم منها أن حضور إحداها يلغي الأخرى بحيث انعكس ذلك على السمة الأبرز التي تعرف بها التجربة الإبداعية؛ كأن توسم بأنها تراثية أو واقعية وتغلب حضور الآخر مع ما جرّه ذلك من أحكام قيمة وتبعات تحكمت فيها عوامل أدبية وغير أدبية.

بيد أن هذه المقاربة تحاول أن تستمد خصوصيتها من خلال التركيز على جوانب في هذه الظاهرة لم تلتفت إليها أعين الباحثين كثيراً من مثل تناول الظاهرة في تحولاتها، وخصوصية كل جنس أدبي في التخويض فيها، وكذلك النظرة الكلية الشمولية والسعي للإمساك بالملامح العامة أكثر من الانشغال بالتفاصيل، غير أن هذا لم يسمح لهذه المقاربة بالنأي عن الأمثلة، والإشارة السريعة إلى جهود أبرز الأعلام المؤثرين من خلال نماذج مختارة في كل جنس أدبي في كل طور بهدف تشخيص المقولات وتجسيد النتائج، وهذا يدخل في لب أهداف هذه المقاربة حيث تسعى لتوصيف التحولات والملامح الرئيسة أكثر من سعيها لاستقصاء النماذج، والوقوف عند مختلف الجهود.

ولتحقيق بعض مما سبق كان الاعتماد على التوصيف؛ واللجوء إلى الفرش التاريخي المكثف للأطوار بهدف تحديد ملامح السياق المحيط بالظاهرة، وكذلك اللجوء إلى التحقيب عبر استعمال مصطلح الطور لعله يشير إلى التغيرات المتتالية التي حدثت، وهو ما تفترضه طبيعة هذا النمط من المقاربات التي لا تتغيا أكثر من أن تكون محاولة في فلسفة الظاهرة والقبض على تحولاتها، ولعل هذا يدفعها للافتراض أنها لبنة قابلة للتطوير، وأن انشغالها بملامح الظاهرة المفصلية لا يمنع الدخول لاحقاً في التفاصيل سواء من الباحث نفسه أو من سواه.

وقد استدعى ذلك الاستفادة من بعض المقاربات السابقة التي تناولت الظاهرة بخاصة تلك التي تصب في الأهداف نفسها، أو تحمل توجهات متقاطعة مما سترد الإحالات إليه في سياق البحث.

2- التراث وتعدد المفاهيم:

"التراث من القضايا الفكرية التي بقيت مشتعلة طوال فترة حياة ما يدعى بالأدب العربي الحديث إذ شكل الشاغل الأبرز لمفكري عصر النهضة العرب بخاصة وتباينت المواقف منه، ومن مفاهيمه، وكانت المشكلة الأبرز في كيفية التعامل معه، إذ إن الموقف منه يتطلب رؤى وأفكاراً لها تبعاتها الفكرية والدينية والاجتماعية، لذا فإن المنهج المقترح للتعامل معه استحضر رؤى تنظمه وتحدد وجهته؛ لأن العلاقة معه علاقة بقضية أمة وفكر ومنهج في التحليل مثلما هي علاقة بقضية أدبية وفكرية ونقدية(1)"

وقد تحول التراث مثله مثل قضايا كثيرة إلى قضية ذات طابع جدلي نتيجة كثرة المشتغلين فيه وشعورهم بضرورة بلورة موقف منه، وتحديد آلية للتواصل معه؛ لأن الأمم في مرحلة إعادة البلورة غالباً ما تستنجد بتراثها.

أثبت الواقع أنه كلما نهضت فلسفة حديثة أو آلية قراءة وتفكير تطلب ذلك مقاربة جديدة لإشكالية التراث ولغيره من الشواغل الفكرية للأمة التي تعيش حالة غير متوازنة لشعورها بالضعف ولأنها تعيش على الفتات العالمي بعد أن كانت أمة مصدرة للحضارة والفكر.

وبناء على ما سبق فإن عرض بعض مفاهيمه عند ثلة من المفكرين والنقاد ربما يكون مفيداً لأنها البناء الفكري الذي تؤسس عليه التصورات الأخرى، وقد عرف التراث تعريفات متعددة منها أنه: "الجانب الفكري في الحضارة العربية الإسلامية: العقيدة والشريعة واللغة والأدب والفن والكلام والفلسفة والتصوف"(2) وهذا المفهوم يقصر التراث على ما أنتجته الأمة العربية والإسلامية وبذلك يقترب من فهمه في الطور الأول في الأدب العربي الحديث حيث كان ذا بعد عربي وإسلامي ربما لقلّة الترجمة والإطلاع آنئذ ولإشكالية تكوين الهوية التي أخذت بالتبلور بصورة جديدة، وقد قصره هذا المفهوم على الجانب الفكري الذي تتسع رقعة دلالته ليشمل معظم ما أنتجته الأمة.

وميز باحث آخر بين نوعين منه الحي والميت: "هو كل ما مضى من قيم ووصل إلينا حياً أو ميتاً فهو تراث، ونميز فيه بين نمطين: ما وافق عصره وصلح له وانقضى بانقضائه، وما وافق الإنسان واستمر به ولمصلحته وعاش حتى الوقت الراهن"(3) وهذا التعريف يشتكي من قصره على القيم وإهماله لمنتجات الشعوب الأخرى إلا إن كان قصد بالقيم منتجات الحضارة، ومما يسجل لهذا التعريف تفريقه بين الحي والميت في التراث؛ إذ ليس كل ما في التراث قابلاً للحياة دائماً وذا عمر لا ينفد.

ووسّع باحث آخر فهمه له ليعني: "التقاليد والعادات والتجارب والخبرات؛ إذ هو جزء أساس من موقف الإنسان، وعد بأنه تراكم خبرات وخزان أفكار ورؤى"(4).

وفرّق مهتمون بين جزأين من التراث: الجزء الموجود في التراث الذي يميز أمة من الأمم، والجزء الذي يشكل مشتركاً ليكون قسماً من التراث الإنساني، بخاصة أننا أمة-كما يرى أحد الباحثين-تمتاز ثقافتها منذ عصر التدوين إلى يومنا هذا "أن الحركة داخلها لا تنسجم في إنتاج الجديد بل في إعادة إنتاج القديم"(5) وهذه مقولة خطيرة يبدو التسليم بها صعباً؛ لأن الواقع والماضي يمدنا بصور تناقض هذه المقولة، ولعل صحتها في مرحلة تاريخية أو في بلد أو انطباقها على شريحة اجتماعية لا يجعل منها أيقونة يوصف فيها فكر أمة…..!

وقد أعطاه بعض الباحثين أهمية كبيرة تبعاً لفهمهم له حيث رأوا أنه روح الأمة ومتى ما تخلت عنه تكون قد تخلت عن هويتها، ولا نعتقد أن شخصاً أو أمة يمكنها أن تفعل ذلك(6).

وفهم التفاعل مع التراث أحياناً على أنه الأصالة التي قيل إنها العودة إلى الجوانب المشرقة في التراث للانطلاق نحو المستقبل، وهي مؤشر على أن الحاضر لم يقطع صلته بالماضي(7). وقد ترافق ذلك بدعوات للتأصيل الذي هو إحياء للذاكرة وليس اجتراراً أو إعاقة للتجديد، ولعل هذا هو التعامل الأمثل معه فلا الحاضر يقطع مع الماضي ولا الماضي يسعى إلى جر الحاضر إليه.

وتاريخ النظر إلى التراث لم يخلُ من حدة أحياناً، مما دعا نفراً إلى القطيعة معه ظناً منهم أنها الحل؛ لأنه-كما يرون-يخل بمعطيات الأمة والعودة إليه هروب من مواجهة الواقع كما يرى دعاة ذلك(8)، وقد كشف التراث-على عكس هذه الدعوة-أن لديه القدرة على تقبل كل وجهات النظر التي طرحت فيه، وهذا ينم على غنى في نصوصه وقابلية للتعددية.

وقد مر الموقف منه وتحديد مفهومه بأطوار عديدة في القرن العشرين تبعاً لحالة الأمة ومتطلباتها ومعاناتها، وهي التي تعتاش على التراث الحضاري للأمم الأخرى، ولعله من حقها أن تبحث لها عن مخرج ملائم.

ولعل التغيرات التي أصابت مفهوم التراث طبيعية، فهذا شأن القضايا الإشكالية التي تتفاعل مع السياق المحيط، وهو سياق شهد كثيراً من التغيرات التي كان لابد أن تترك أثرها في مفهومه؛ بخاصة دور التحولات الرقمية والتقنية والإنترنت والفضائيات، وهذا جعل الحديث عن ثبات المفاهيم في ظل العولمة أمراً أقرب إلى الخيال منه للواقع، دون أن ننسى دور ما يضيفه الباحثون المتميزون من أفكار إلى المفاهيم مما يسهم في تحولها الدائم، وهاهنا لابد من التساؤل-وهو تساؤل غير بريء-عن بعض القضايا التي تمس هذه المقاربة من بعيد أو من قريب: هل ما أنتج في القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين هو أدب حديث؟ ألم يدخل في أنّه أصبح هو الآخر تراثاً لما ينتج الآن؟ وبالتالي هل تسمية أدب حديث لا تزال تنطبق عليه؟ وهل هناك إمكانية لطرح تسمية ذات بعد زماني مثل: الأدب في القرن التاسع عشر والأدب في القرن العشرين؟ أليس من الضروري التفريق بين أدب معاصر وحديث؟

3- تفاعل الأدباء العرب المحدثين والتراث

كل تغير في الفكر الإنساني في العصر الحديث-وما أكثر تلك التغيرات-كان يفتح آفاقاً لقراءة العلاقة مع التراث من جهة، وإنارة جوانب متعددة من هذا التراث من جهة أخرى، وقد تأثر هذا التفاعل بالقراءة الساعية إلى الهرب إليه طوراً؛ واستعادته لإسقاطه على الحاضر تارة؛ والبحث عن محايث فيه لما يحدث في الواقع أحياناً، أما التراث الذي قصده الأدباء العرب كما يظهر في نصوصهم فهو الآخر له خصوصيته؛ إذ كان في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يعني من جملة ما يعني النصوص الشعرية القديمة وكذلك النصوص النثرية المكرسة مثل المقامات إضافة إلى التأثر اللغوي، وفي الطور اللاحق تم توسيع المفهوم ليصل إلى الإنساني وكذلك ليلتفت إلى نصوص أخرى غير شهيرة، وسرعان ما صار يحمل في الطور الأخير-انسجاماً مع التغير في مفهومه-دلالات متعددة اتسعت لأنواع مختلفة مما أنتجته الحضارات الإنسانية، ولتتنوع طرق حضوره من طور إلى آخر، وتتعدد آليات مقاربة هذا الحضور، وليتغير الموقف من وجوده ليصبح أوسع وأكثر تنوعاً…

يمكن اقتراح تقسيم تفاعل الأدب العربي الحديث مع التراث إلى ثلاثة أطوار رئيسية متكاملة غلب على كل منها عدد من السمات، إذ إن كل طور يحمل عدداً من التجاذبات وإن بدا بعض التداخل أحياناً؛ لكن هذا لم يمنع من حدوث تحولات متتالية، إضافة إلى أنه قد ظهر كثير من التمايز الذي صنعه كل جنس أدبي لنفسه، ففي الفترة التي أنجز فيها الشعر مثلاً الكثير من التفاعل كانت القصة القصيرة لم تكرّس كجنس أدبي معترف به.

4/1-الطور الأول: التراث مجيباً عن أسئلة الواقع

يمتد هذا الطور ليشمل القرن التاسع عشر إلى بداية الحرب العالمية الأولى ويكاد ينحصر في بلاد الشام والعراق ومصر، وقد كان السعي دائباً لإيجاد مخرج من المأزق الذي اكتشفه المثقفون العرب إبان المثاقفة مع الغرب؛ إذ وجدوا أن هناك بوناً شاسعاً بين حركة أدبنا وحركة الأدب العالمي، وكان من غير المناسب التسليم بأن الأدب النثري الجديد القادم إلينا من الآخر-مثلاً-لم يكن لدينا مثله، ويتقاطع في هذا نفر كبير من الكتاب والمتلقين الذين حرضهم على هذا الظن التحديات المتنوعة يومذاك؛ فتواشجت رغبات المتلقين مع رؤى الأدباء للبحث عن المخلص في التراث حيث توجهوا إليه بصفته منقذاً ومحدداً لمعالم الهوية التي راحت تتبلور؛ وترافق هذا مع بداية وعي جديد للشخصية العربية قادت إليه عوامل مختلفة منها بدء الموازنة مع الآخر، وساعد على ذلك تغير ظروف الحياة وتبدل الموضوعات الشعرية ونشوء أجناس نثرية مع ما صاحب ذلك أو سبقه من جمود كان يحياه الشعر وتفتت أنماط السرد العربي القديم،(9) وانسجم ذلك فكرياً مع شيوع الفكر ذو (ذي) الطابع الإتباعي عربياً وعالمياً بخاصة أن هذا كله في الوقت الذي راحت تتكشف جوانب عديدة في التراث من خلال تحقيقه وطباعته ونشره. ولعله من الطبيعي أن يهرع الكتاب إلى تراثهم يستنجدون فيه على حالة الخور التي يعانون فبحثوا في جوانبه المتعددة، ولجئوا إليه المرة تلو الأخرى لأن أسئلة الواقع كانت تترى، وقد تولد حرص على ألا تكون أجوبة هذه الأسئلة من الغرب؛ فلابد أن يكون التراث هو حمال الأجوبة وهذا شأن الأمم في فترات نهضتها، لكن هاهنا لابد من التفريق بين العودة بهدف التقديس والعودة بهدف التحاور والنقاش.

1/1 المسرح: بما أن المسرح جنس أدبي جديد على حياة الأدب العربي فقد كان تفاعله مع التراث ليس قضية فنية فحسب؛ بل ضرورة اقتضاها كل شيء فيه: علاقته بالواقع، قيامه على الحوار، كونه نص (نصّاً) للفرجة، لذا فزع الكتاب الذين اهتموا بكتابة المسر ح وتكريسه إلى التراث يبحثون عن أجوبة للأسئلة المؤرقة التي واجهتهم منذ البداية، وقد أثيرت تلك الأسئلة من المتلقين، والواقع، والمشتغلين في المسرح أنفسهم.

وقد حاول المسرحيون استثمار استعدادات مسرحية موجودة لدى المتلقين من مثل معرفتهم بالحكواتي والراوي، فسعوا لإيجاد صيغة مسرحية ترضي متطلبات الفن وتنال اهتمام الجمهور، وكان أحد وجوهها إسقاط الماضي على الحاضر أو جر الحاضر إليه؛ وكان تصرفهم ذكياً لأن الفن جديد وإشباعه بما يتوافق مع الذائقة يجعل الجمهور يتفاعل أكثر(10).

وقد كان التعامل مع قضايا الواقع مباشرة دون ترميز يهز قناعات بعض الحضور الذين لا يغفرون ذلك، مما جعل من الفرجة المكونة للمسرح عبئاً على المسرحيين، فهي التي تجسد الأحداث التي تمس التابوات أحياناً، من هنا كان إغلاق مسرح أبي خليل القباني في دمشق واضطراره للسفر إلى مصر(11)… ولعل ذلك عناوين بعض المسرحيات في هذا الطور يكشف مدى التفاعل مع التراث: أبو الحسن المغفل، ثارات العرب، مهلهل بن أبي ربيعة، المعتمد بن عباد عنترة….(12)

ومما يسجل لمسرحيي هذا الطور انشغالهم بتكريس تقاليد مسرحية أكثر من الانشغال بأفكار أريق فيها حبر كثير في المراحل اللاحقة من مثل: هل كان لدينا مسرح أم لم يكن لدينا؟(13).

ولعل الإشارة إلى إحدى أهم التجارب التي تمثل هذا الطور وقضاياه توضح شيئاً من خصوصيته وهي تجربة مارون النقاش الذي حاول أن يزاوج بين ما يتوفر عند العرب من حكايات وما تتطلبه المقتضيات الفنية للمسرح معتمداً على الإرث العربي في البذور التي تحمل نكهة المسرح على المسرح مثل خيال الظل.. وكذلك أدخل أشياء تعجب الجمهور وتنال رضاه من مثل الغناء والرقص والشعر وعلى الرغم مما شاب مسرحياته من خلل فني تمثل في كثرة الصدف وعدم الإقناع أحياناً إلا أنه تمكن من إقامة علاقة مع التراث متوافقة مع ظروف العصر، وقد تأخر الشعور بأهمية ذخيرة الحكايات الأبرز أي: ألف ليلة وليلة التي صارت ملاذاً لا ينضب للمسرحيين وغيرهم في الأدب العربي الحديث.

لقد أرسى مسرحيو هذا الطور لبنات مهمة في تاريخه كانت كافية لبدء تحضير الذائقة لهذا الفن الأدبي القادم ليأخذ موقعاً متقدماً في حركة الأدب العربي الحديث.

2/1 الرواية: كانت هي الأخرى معركتها الوجودية مزدوجة جانبها الأول: إثبات فنيتها وبالتالي شرعيتها في الوجود، وجانبها الثاني: تلبية أسئلتها الوجودية في علاقتها مع المرجعيات الواقعية والغربية والتراثية، وموازنة بالمسرح بصفتهما أجناساً وليدة فإن ما حققته لا يقل عما حققه المسرح وإن أعاقها الظن بأننا نملك ما يشابهها في تراثنا: لذا فقد أثير السؤال المر: هل هي شكل جديد أم أنها مستوحاة من تراثنا لكن بصبغة جديدة؟

وما سبب نشوئها: هل هو ناجم عن الاحتكاك بالغرب أم نتج عن تفتت الأشكال السردية القديمة؟ أم لحاجة المجتمع لسرد جديد يعبر عنه…(14)؟ وفي البحث عن أجوبة اختلف الباحثون والأدباء دون أن يغفل بعضهم عن أن كل ما سبق يدخل في عوامل النشأة!

لقد كان التفاعل مع التراث مدخلاً مهماً لبدء تشكل بذور حكائية توحي بإمكانية تولد رواية، وكذلك مدخلاً فاعلاً لقبول المتلقي لها، وقد ظهر هذا التفاعل في معظم ما أنتج آنئذ تحت صيغة فن الرواية، ومن المهم التأكيد على أن هذه الجهود وغيرها ذات مكانة تاريخية أكبر بكثير من المكانة الفنية، ولعل عين الرضا هي التي تسمح بوصف هذه الكتابات بمحاولات روائية!.

وبدا هذا التفاعل مع التراث جلياً فيما قدمه فرنسيس المراش مثلاً في (غابة الحق) و(در الصدف في غرائب الصُدف) إذ يظهر تأثره من خلال الحرص على تقليد القدماء في أسلوب الحكاية وفخامة اللغة التي كانت ميزة أسلوبية لكثير مما أنتج نثراً في هذا الطور.

أما ما كتبه جرجي زيدان فيما دعي بالرواية التاريخية من مثل (شجرة الدر، الحجاج بن يوسف…) فهو تجاوزاً يعد رواية؛ لكن كونه منتجاً في فترة الريادة فإن الشروط الفنية التي تطلب منه تأتي مخففة، ويشفع لهذه النصوص إسهامها في تعويد المتلقي على وجود هذا النمط من السرد.

إن أحد أهداف ما كتبه زيدان قراءة التاريخ من وجهة نظر خاصة، وتحقيق مقاصد متعددة منها: التسلية، والتربية، والتعريف بالتراث(15).

لقد سعت الأشكال الموحية بالرواية منذ البداية أن توجد تواصلاً مع الأشكال الحكائية القديمة بخاصة المقامة حيث لم تتم الالتفاتة الموازية لأهمية نص إلى ألف ليلة وليلة بصفتها معبرة عن الأدب الشعبي، وكان الانتباه يومذاك مركزاً أكثر على الأدب المكرّس (المقامات مثلاً) وقد تبدّى هذا في أكثر من محاولة؛ من ذلك ما قدمه محمد المويلحي في (حديث عيسى بن هشام) التي نشرت بداية منجّمة في إحدى الصحف على شكل مقالات فيها تركيز على إظهار عيوب المجتمع ونقدها من خلال استحضار شخصية الوزير في عهد (محمد علي) أحمد باشا المنيكلي ليتقابل مع عيسى بن هشام الذي يتطابق اسمه مع اسم راوي مقامات الهمذاني لتجري موازنة بين الظروف القديمة والحديثة، ويتم الكشف عن كثير من عيوب المجتمع، ومما يلفت النظر في هذه المحاولة الروائية: الجدية في الطرح، والابتعاد عن غرض التسلية كما كان يطلب من هذا النمط من النثر آنئذ؛ لكنه اشتكى مثلما اشتكت نصوص مجايلة له من السجع، والإسهاب، والاهتمام بالبلاغة الشكلية…(16)

لقد طالت الفترة حتى تمكن اللاحقون الذين درسوا في الغرب، أو طلعوا عن كثب على ما أنتجه الغرب من نفض أثر الماضي؛ ليبدؤوا بداية فنية تظهر الأثر الغربي في الرواية، وتقدم محاولات أكثر فنية في كتابتها لعل من طلائعها الفطرية في هذا الطور رواية زينب لمحمد حسين هيكل مما أفسح المجال لحدوث نقلة فنية لاحقة وجدت فيها الرواية طريقها بعد مدة من تأتأة البدايات.

3/1 الشعر: يعد خير جنس يمثل إشكاليات التفاعل مع التراث في هذا الطور لأنه الجنس الوحيد الراسخ الذي تملك الأمة موروثاً فيه مئات الآلاف من الأبيات، إضافة إلى كونه أحد خصوصيات الهوية العربية في بعض مراحل التاريخ العربي؛ لذا فإن تفاعله مع التراث كان أمراً طبيعياً أسهم في مدّه بأسباب التجديد، وليس كالأجناس الأخرى التي عادت إلى التراث وهي تريد استمداد أسباب القبول من المتلقين والبحث عن شرعية وجودية.

وبقي التراث مدار أسئلة متنوعة لم تنغلق أبوابها، فتح بابها عليه شعراء القرن التاسع عشر منهم ناصيف اليازجي ومحمود سامي البارودي من ضمن رؤية حسبت أن الحل الوحيد للدخول في العصر الحديث تكمن في العودة إلى التراث وهو ما دعي من قبل بعض المهتمين بالهرب إلى التراث، وهو ربما ليس هرباً بقدر كونه محاولة إيجاد أجوبة لأسئلة جديدة من باب آمن قريب معروف، وقد ظن السياق الملاصق آنئذ أن خصوصية للشعر لا يمكن أن تتحقق دون العودة إلى هذا التراث، وقد بدت في شعرهم مياسم الشعر العربي القديم ملفتة على الأصعدة الفنية والموضوعية وهي إن كانت مسوغة فنياً؛ لكنها ليست كذلك من جهة الأغراض.

وقد كانت الاختيارات الشعرية التي قام بها بعض الأدباء (البارودي مثلاً) جزءاً من الاحتفاء بهذا الشعر القديم وتكريسه حيث كانت العودة شرطاً لازماً للإبداع ومتطلباً للتميز.

ولعل أبرز تجل للتفاعل مع التراث تبدى من خلال ما دعي ب- (تيار الإحياء) عبر ممثليه المختلفين في أطوارهم المتتابعة، وذلك من خلال تقليد القديم، ومعارضته باعتباره الذروة الفنية، وقد ظهرت آثار التفاعل مع التراث في: المعجم الشعري والتركيز على وحدة البيت وبناء القصيدة، كذلك بقيت الأغراض الشعرية القديمة جاثمة على معظم شعرهم، وربما هذا هو الذي دفع شاعراً في العصر الحديث (البارودي) لكي يبدأ قصيدته كما كان يبدؤها الشاعر الجاهلي:

ألا حيّ من أسماء رسم المنازل *** وإن هي لم تُرجع بياناً لسائل

خلاءٌ تعفّتها الرواسم والتقت *** عليها أهاضيب الغيوم الحوافل(17)

وقد اعتمد في معظم ما كتب على القصيدة العربية القديمة حيث نجد الوقوف على الأطلال، والبكاء على الراحلين.. ويشعر القارئ في معظم نصوصه أنه إزاء معان وأفكار شائعة قديمة، لقد كانت المعارضات أبرز خصائص تجربته، وقد عارض تجارب ذات مستويات مختلفة منها (المتنبي وأبو نواس وأبو فراس والشريف الرضي وامرؤ القيس) إلا أن تجربته لم تبق على ما هي عليه، فقد كانت في المراحل المبكرة محاكاة وتقليداً، لكن بعد أن اكتوى بتجربة الحياة بدت خصوصيته تظهر بخاصة بعد النفي والمشاركة في ثورة عرابي حيث اكتشف-ربما-أن صوت الحاضر أقوى من صوت الماضي، ولعله اقتنع متأخراً قليلاً أننا لا يمكن أن نعبر عن الحاضر بلغة الماضي وأساليبه، وأن هناك إمكانية للاستفادة من التراث مع الانغماس بمستجدات حياتنا غير أن سمة التقليد لم ينفضها عن شعره، بل بقيت جاثمة على تجربته لغة وأسلوباً ورؤية أحياناً.

إن الدور الكبير للبارودي كشأن كثير من الرواد يكمن في تمهيد أرضية لمن جاؤوا من بعده ليبدؤوا من حيث انتهى، وليولد أحياناً نوعاً من ردة الفعل على ما قام به بحيث سيسعى أولئك لتجاوز تجربته، والعمل أكثر على الاندماج في حياة مجتمعاتهم بخاصة تجارب كل من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران إذ اتسعت دائرة التفاعل مع التراث عند شوقي لتشمل التاريخ المصري والإنساني، وقد وسم شعره بطابع كلاسيكي مع ولع بالتشبيهات أسوة بتقاليد البلاغة العربية، إضافة إلى تعامله مع الأحداث بصفتها أحداثاً خارجية وقد حمل شعره آثار كل من البحتري وامرئ القيس وابن الرومي وابن زيدون.. ووسّع دائرة التفاعل مع التراث لتشمل الجانب الديني بخاصة وهذا يبدو مسوغاً نظراً لجذوره العرقية غير العربية متخذاً من المعارضات وسيلة متكررة لإثبات شعريته وخصوصيته:

نادمت يوماً في ظلالك فتية *** وسمُوا الملائك في جلال ملوك(18)

وفي مسرحياته الشعرية حرص على العودة إلى الأحداث التاريخية من التاريخ المصري القديم والتاريخ الإسلامي ومنها (مصرع كليوباترة، عنترة، أميرة الأندلس).

أما حافظ إبراهيم فقد بدا موقفه متوازياً من التراث إذ استعاد الجانب المشرق فيه من خلال قصيدته الشهيرة في عمر بن الخطاب:

حسب القوافي وحسبي حين ألقيها *** أني إلى ساحة الفاروق أهديها(19)

لكنه بدا أحياناً أميل للاحتجاج على هذا التعلق الشديد بالماضي؛ لذا لم يتردد في الإشارة إلى سلبيات التفاعل الأعمى مع التراث:

ملأنا طباق الأرض وجداً ولوعة *** بهند ودعد والرباب وبوزع

وملت بنات الشعر منا مواقفا *** بسقط اللوى والرقمتين ولعلع

عرفنا مدى الشيء القديم فهل مدى *** لشيء جديد حاضر النفع ممتع؟(20)

ولم يكن هذا شأنه وحده، فهذا صوت أحمد الصافي النجفي يأتي من العراق مطالباً الشعراء المحدثين بالعزوف عن تقليد القدماء:

إن كنت تتبع القديم وأهله *** فاركب بعيرك واطوينّ البيدا

لكن هذه الآراء لا تدعو إلى التخلي عن التفاعل مع التراث، بل تهدف إلى تقنين هذه العودة وألا تتسبب بجر الحاضر إلى الماضي؛ لأن تلك العودة سلاح ذو حدين والتطرف في أحدهما له أضراره على حركة الأدب والفكر، إن امتلاكنا ماضياً شعرياً مشرقاً يجب أن يكون عاملاً محفزاً على التجديد ومقاربة حركة الواقع.

إن قراءة المنتوج الشعري في هذا الطور تكشف أن أبرز فاعل فيه كان التراث حيث هو الملاذ الذي لا ينضب والأقرب للشعراء، وقد تمكنوا من البناء عليه لأنهم إزاء جنس أدبي راسخ في التجربة الفنية، وإن اختلف الباحثون في جدوى عودة الأجناس الأخرى للتراث فإن ما مارسه الشعر ضرورة، ولم يكن مقبولاً أن يبحث الشعر عن مؤيدات في الواقع أو أن يسعى إلى الغرب لإيجاد روافد له وهو يمتلك هذا الماضي الأبيض المتجذر.

5/2-الطور الثاني: قلق الأجناس في التفاعل مع التراث

يمتد هذا الطور ليشمل فترة ما بين الحربين العالميتين ويكاد يمتد أحياناً في بعض البلدان وبقليل من المرونة إلى نكسة حزيران، وقد اتسعت رقعة البلاد العربية المشاركة بفعالية في حركة الأدب العربي لتصل إلى المغرب العربي، وكذلك شهد هذا الطور دخول جنس القصة القصيرة على الساحة الأدبية بفعالية عالية، وقد تنوعت مصادر التراث وبدأ يدخل التراث العالمي، ولم يعد الأثر الواقعي أو الغربي في الأدب هامشياً بل صار مركزياً، ويعد هذا الطور طور قلق للأجناس الأدبية بخاصة النثرية حيث لم تخطُ الخطوات التي كانت منتظرة منها بعد المحاولات المبكرة للتشكل في الطور السابق، ولعل مجمل التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية السائدة قد زادت الأوضاع تردداً وقلقاً، ومن العوامل الفاعلة في تحول النظرة إلى التراث كان الاحتكاك بالغرب وبدء عودة المبعثين من هناك وأثر الرومانسية، هذا كله اسهم في التحول الذي أصاب التفاعل مع التراث، إضافة إلى وعي المتلقين وبدء ترسخ الأجناس مما مكنها لتنطلق نحوه ونحو سواه؛ لكن انطلاقة الواثق الذي أخذ شرعيته وليس عودة الباحث عن شرعية!.

أتاح هذا الطور لكل جنس أدبي أن يتفاعل مع التراث تبعاً لما تستدعيه ظروفه الخاصة به والنمو الذي وصل إليه كل جنس، وقد تحكم في هذا المستوى الذي حط فيه كل جنس ومدى تلامحه في كل بلد عربي، إذ شهد هذا الطور بدء تشكل أجناس أدبية جديدة، ونجح في أن يكون إعلاناً فنياً متميزاً للشعر الآخذ بأسباب التجديد الذي يتفاعل مع التراث بطرائق مختلفة عما سبق، وفسح المجال ليكون خطوة أخرى-لا تخلو من بطء-في تاريخ كل من الرواية والمسرح.

وقد أخذ مفهوم التراث عند الأدباء يتسع ليشمل التراث الإنساني مستفيدين من الترجمة التي راحت آنئذ تدخل بقوة في سيرورة الحياة الأدبية لتؤمن عاملاً منافساً أو بديلاً أحياناً عن التفاعل مع التراث وكذلك أخذ الانتباه يتسع إلى تاريخ المنطقة العربية السابق لما يسمى بفترة العصر الجاهلي، وبدأت تطرح أسئلة كانت محرمات فيما سبق من مثل: هل العلاقة مع التراث ضرورية؟ لذا فقد بحث بعض المهتمين عن مخرج موائم حيث وجدوا إمكانية للتجديد والتعبير عن الحاضر والتواصل مع التراث، وفي الوقت نفسه التفاعل مع الغرب…

إذاً ثمة محاولات عديدة بذلت لبدء تعامل جديد مع التراث، غير أن التردد والحيرة وكثرة المؤثرات وتعدد التيارات أسهم إسهاماً غير إيجابي، إذ قيد الحركة بدلاً من أن يفعلها لذا بدا هذا الطور باباً واسعاً للاضطراب والإقبال والإدبار، لذا لم تبرز تجارب كثيرة في التفاعل مع التراث بقدر ما وجدت أطياف من التفاعل في الوقت الذي نجد فيه أدباء عرفوا في هذه الفترة بكونهم ميالين للتجديد أو منغمسين بهموم الواقع…

1 / 2-الشعر: تابع الشعر آنئذ حجز مكانته المتقدمة في هذا الطور، وخطا خطوات فنية لافتة في تاريخه الحديث على العكس من الأجناس الأخرى التي كانت لا تزال تبحث عن طريق وعن متلقين يتذوقونها ويشجعونها للمضي في طريقها، وربما هذا يعود إلى ترسخه من جهة وكذلك كونه بلغ مبلغاً مهماً في التفاعل مع التراث منذ الطور السابق، وارتبط التفاعل مع التراث عند الشعراء آنئذ بجملة من المواقف الفكرية والشعرية والقضايا الوجودية؛ حيث راح الشعراء انسجاماً مع الوعي العام يحاولون تكوين رؤيا مما حولهم، وباتت مسلمات الطور السابق المتعلقة بالتراث مثلاً تتحول إلى قضايا قابلة للنقاش أي أن مقدسات كثيرة راحت تتحول إلى محور للمساءلة، وكذلك العوامل المؤثرة فيه وفي مفهومه، وهو على كل حال شهد في هذا الطور عدداً من التحولات وهي إرهاصات أنبأت بالتغيير الكبير الذي شهده الطور اللاحق.

ومع أن هذا الطور كما سبق أن أشرنا لا يوسم بأنه طور تأثر شعري كبير بالتراث، وهو الذي عرف ولادة بذور الرومانسية بما تتطلبه من خصائص محددة وقضايا جديدة راحت تطرق الباب مثلا المرأة والطبيعة والروح التي باتت شاغلاً رئيسياً، إلا أن سؤال التراث لم يغب عن الشعر حيث ظهرت في المجهر (العصبة الأندلسية) بوصفها تياراً محبذاً للتمسك بالتراث، واتضح هذا في المعجم الشعري والموقف من اللغة، وهو ما صرحوا به شعراً ونثراً، ولعل مشاعر الغربة قد أسهمت في تمسكهم وتأكيدهم على أهمية التواصل مع التراث، فهذا الشاعر فوزي المعلوف يقول:

عشت بين المنى، يراود نفسي *** خُلّب من طيوفها وعقام

أقتفيها وفي يديّ فؤادي *** ثم ألوي وفي يدي حطام(21)

أما تجمُّع (الديوان) فظهر تأثرهم بالتراث واضحاً، مع أن موقفهم بالنسبة لسابقيهم الذين تعد السمة التراثية الأبرز في شعرهم ممن دعوا بالاتباعيين الجدد كان حاداً حيث حاولا الاستخفاف بجهودهم. وبدت علاقتهم مع التراث بحاجة لتأمل بخاصة عند عبد الرحمن شكري الذي كان تأثره واضحاً بابن الرومي وغيره بخاصة في المعجم الشعري مثلما نجد أثر الأدب الإنكليزي الرومانسي في طبيعة الموضوعات التي عالجها حيث نلحظ نوعاً من التنازع:

يحوطني منك بحر لست أعرفه *** ومهمهٌ لست أدري ما أقاصيه(22)

وهذا لم يكن خاصاً به إذ شكل الشعراء الإنكليز الرومانسيون ثيمة من ثيمات هذا الطور، بخاصة عند شعراء (أبولو) الذين يعدون النموذج الأكثر شهرة في تمثيل الشعر الرومانسي، وهم الذين اختاروا اسماً إغريقياً ليتميزوا به، ربما بهدف الإشارة إلى الانفتاح على الثقافات الإنسانية، وقد كانت تتجاذب ما يكتبون تيارات متعددة وقد حاولوا تقديم قيم شعرية وتصورات مختلفة يقول إبراهيم ناجي:

دار أحلامي وحبي لقيتنا *** في جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا *** يضحك النور إلينا من بعيد(23)

وهذا لم يقتصر على تلك التجمعات التي ظهرت في مصر في المهجر، إذ هي ليست الحامل الوحيد للوحة الشعر يومذاك؛ فالتجارب الأخرى التي ظهرت في العراق كانت هي الأخرى قد تفاعلت بطرق متعددة مع التراث فهذا الزهاوي في قصيدته (ثورة في الجحيم) يعود إلى رسالة الغفران و(الرصافي) يعلن عن رغبته بالعودة إلى الأغراض القديمة….

وفي تونس طرح أبو القاسم الشابي مفاهيم جديدة لها علاقة بمفهوم الشعر من خلال كتابه الخيال الشعري عند العرب وعبر عن هذا في شعره الذي أراد أن يكون فيه مجدداً لكن اللمسات التراثية لم تغب عنه. وكذلك في (لبنان) برز لدينا كل من: إيليا أبو ماضي وإلياس أبو شبكة والأخطل الصغير كممثلين للاتجاه الرومانسي الذي لم يقطع صلته بالقديم وبرز لديهم حضور التراث الأسطوري والمسيحي….

أما عمر أبو ريشة (سورية) فكانت المؤثرات التراثية بادية في شعره مع ثقافته المتنوعة، وينكشف الأثر التراثي في شعره عبر إحكام العبارة والألفاظ القوية المهيبة، وقد تأثر بخاصة بالبحتري وأبي تمام (على ما في التجربتين من اختلاف فني) وابن زريق البغدادي وغيرهم، وتقدم كثير من نصوصه نموذجاً للنص الفني المراوغ الذي يحتار الباحث في نسبته إلى تياره أو اتجاه معين؛ حيث نجد ملامح من أثر الاتباعية والرومانسية والرمزية مثلما نجد تحسساً لغليان الواقع وكذلك الأثر التراثي في اللغة والأسلوب خاصة من ذلك قصيدة النسر التي يقول فيها:

أصبح السفح ملعباً للنسور *** فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري

إن للجرح صيحة فابعثيها *** في سماع الدنى فحيح سعير(24)

________________________________________

* أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية-كلية المعلمين بتبوك-السعودية.

(1) انظر: قراءة جديدة لتراثنا النقدي، مجموعة من المؤلفين.

(2) انظر: التراث والتجديد، حسن حنفي ص 24.

(3) انظر: أوهاج الحداثة، د. نعيم اليافي ص 50.

(4) انظر: المعجم الأدبي، جبور عبد النور ص 63.

(5) انظر: التراث والتجديد، حسن حنفي ص 15.

(6) انظر: التراث والمجتمع الجديد، ناصر الدين الأسد ص 11.

(7) انظر: بنية القصيدة العربية المعاصرة، د. خليل الموسى ص ص 15-46.

(8) أبرز من دعا إلى ذلك رواد قصيدة النثر.

(9) انظر: السردية العربية، د. عبد الله إبراهيم في مواضع متعددة بخاصة ص ص 79-115.

(10) انظر: المسرحية في الأدب العربي الحديث، د. محمد يوسف نجم، ص ص 193-383.

(11) المرجع نفسه ص 36.

(12) المرجع نفسه ص ص 193-290 وتجدر الإشارة إلى أنه نظراً لكون عدد المسرحيات والروايات والمجموعات القصصية التي تفاعلت مع التراث في الأطوار الثلاثة كبيراً (ما تمت الإشارة إليه في هذا البحث تجاوز المئة) فقد اكتفينا بالإشارة إلى مضمون بعضها وإلى بعض الكتب التي تناولتها هرباً من إثقال كاهل البحث بهوامش أخرى…

(13) انظر: الظواهر المسرحية عند العرب، د. علي عقلة عرسان.

(14) انظر: السردية العربية د. عبد الله إبراهيم في مواضع متعددة بخاصة ص ص 79-115.

(15) انظر: تاريخ الأدب العربي: الأدب العربي الحديث، ص ص 267-275.

(16) المرجع نفسه ص ص 271-273.

(17) ديوان البارودي-البارودي، ج3 ص 136

(18) ديوان البارودي-البارودي، ج 3 ص 136.

(19) انظر الشوقيات-شعر أحمد شوقي، ج1، ص 163.

(20) انظر: ديوان حافظ إبراهيم ج / 1 ص 59.

(21) على بساط الريح، فوزي معلوف ص 117.

(22) ديوان عبد الرحمن شكري ص 397.

(23) ديوان إبراهيم ناجي ص 21.

(24) ديوان عمر أبو ريشة مج ص 158.

2/2-المسرح: وجد المسرحيون في هذا الطور أن الحماس وحده لا يصنع مسرحاً، وأن المسرح على العكس من الأجناس الأدبية الأخرى لا يجدي معه أن تؤلف نصوص وتطبع في كتب، إذ اكتشفوا أن المهم هو أن تمثل على خشبة المسرح، ووجدوا أن انتماءه الصريح إلى الأدب لا يكفي لإيصال رسالته المرادة التي لا تصل إلا إذا مثلت أمام الجمهور، وهذا أدخل الفن في موالج أخرى وولد الحاجة إلى: مخرج وخشبة وممثلين وإضاءة وإكسسوارات وموسيقا.. وأدرك كتاب المسرح في هذا الطور أن القيام بكل هذه الأدوار لا يجدي نفعاً، ولئن قام الرواد بذلك فإن لهم أسبابهم وظروفهم لذا فقد بات التخصص مطلوباً وأمام صعوبة توفير كل ذلك ولكون مسرحة النصوص عملاً جماعياً في حين أن إبداع النصوص عمل فردي فإن بعضهم اتجه لكتابة المسرحية الشعرية وآخرون كتبوا نصوصاً نثرية ذات أبعاد فلسفية وفكرية دون اكتراث كبير بإمكانية تمثيلها من عدمها، كأنهم يقولون هذه نصوصنا فاقرؤوها…

إذاً لم تمر فترة طويلة على بداية المسرح حتى وقفت المآزق في وجهه، من هنا فإنه انتظر لحل كثير من هذه المآزق الطور الثالث حيث ستتشكل الدولة العربية وتصبح كيانات (مستقلة) التي وجدت في المسرح أحد أساليب الدعاية، والتأثير في الجمهور، وكذلك الإشارة إلى العصرنة، لذا فقد نال تشجيع كثير منها.. أما بعض أصحاب المفاهيم الخاصة فقد وجدوا فيه فرصة للتكسب ولتقريب فنون أخرى من الجمهور واختلط الأدبي بالفني وضاعت ملامح هويته وأخذوا بيده نحو المسرح الغنائي والتجاري والاستعراضي، ومال بعضهم لاستعمال العامية الخاصة في كل بلد بهدف التقرب أكثر من الجمهور مستغلين بدء التشكل القطري للدول، من هنا فإنه لم يشتد عود المسرح قبل أن تمرّ عليه فترة طويلة من المراوحة وعدم النجاح في إيجاد صيغة تضمن له الاستمرار لكن ما سبق لم يمنع من أن يسعى بعض الكتاب إلى نصوص تراثية عديدة، وبرزت أسماء عديدة يتضح من عناوين مسرحياتهم أثر التراث فيها منهم (فرح أنطوان: السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم) (1) وكذلك استثمرت المسرحية الشعرية جوانب عديدة من التراث بخاصة تجربة أحمد شوقي في (أميرة الأندلس، مصرع كليوباترا، مجنون ليلى….)(2).‏

ولعل أبرز علم مسرحي في هذا الطور هو توفيق الحكيم الذي شكل حلقة مهمة في تاريخ المسرح العربي الحديث، إذ استفاد من التراث الإنساني والعربي على الرغم مما توصف به كثير من نصوصه من ذهنية وتجريدية، ربما هي بنت طبيعية لظرفها التاريخي، وقد نجح في تشييد نصوص مسرحية ثرية تثير الجدل والأسئلة، وتفاعل التلقين، وأسهم في البحث عن صيغة تسدّ الفجوة بين التراث والواقع، ومع أنه كان هناك إمكانيات أكثر عند توفيق الحكيم ليضيف أكثر إلى المسرح العربي كما يرى د. علي الراعي إلا أنه قتل في نفسه المهرج الشعبي ووضع مكانه المفكر البارد الفكر والحس معاً(3).‏

وقد كتب الحكيم في هذا الطور عدداً من المسرحيات حيث حاول في بعض مسرحياته اللاحقة الاستفادة من الموروث القديم الحكائي في ألف ليلة وليلة كما في مسرحية علي بابا، ومما كتب كذلك مسرحية شهرزاد التي يركز فيها على المعرفة وأماكن وجودها، ومسرحية أهل الكهف التي تشكل معالجة جادة وفلسفية لقصة أهل الكهف التي وردت في القرآن الكريم، ومن الواضح لقارئ هذه النصوص أن التفكير بمسرحتها لم يكن حاضراً بقوة في نفس مؤلفها(4) ربما للأسباب التي أشرنا إليها آنفاً.‏

وتجربة الحكيم المسرحية مهمة من حيث تمكنه من نقل المسرح العربي من طور إلى طور وتكريس تقاليد في كتابة النص المسرحي دفعت اللاحقين للانطلاق إلى الأمام ومنعت غير الموهوبين من إمكانية العودة بالمسرح إلى الوراء، من هنا فإن قيمتها التاريخية متقاسمة الأهمية مع قيمتها الفنية، وهو الذي غلب الوعي الفكري والرؤيا على مقتضيات خشبة المسرح والتواصل مع الجمهور؛ لذا فإن تفاعله مع التراث بقي حبيس النصوص، وقد تمكن من لفت الأنظار إلى الموروث العالمي الحكائي الأسطوري، وهو في ذلك جاء منسجماً مع مجموع ما قدم في هذا الطور في الأجناس المختلفة حيث لعبت الترجمة دوراً مهماً في توسيع آفاق التفاعل مع التراث، إضافة إلى أن الاستعانة بالموروث العالمي كانت تحمل مداليل ذات أبعاد حضارية من جهة، وتفتح الآفاق لأفكار جديدة من جهة أخرى.‏

3/ 2-الرواية: بدأت الرواية تتخلى تدريجياً في هذا الطور عن السؤال الذي أرقها: هل لها جذور في الأدب العربي (مثل المقامة) أم أنها منتوج غربي؟ لينصرف كتابها بدلاً من البحث عن إجابة له إلى الإنتاج الروائي الذي حاولوا فيه الاستفادة من التاريخ بهدف تأكيد مجموعة من الثوابت ليس أقلها تمكنهم من هذا الفن، وإمكانية تطويعه، وكذلك التدليل على وجود مادة تراثية حكائية…‏

ومستجدات الواقع دفعت للاستفادة من الماضي ليس بصفته نصاً معقماً بل بصفته نصاً قابلاً للمثاقفة؛ لكن دون عملية ليّ لأعناق نصوصه ليناسب الرؤية التي يريدها الروائي والمتحمسون للتفاعل مع التراث وقد بقي التاريخ أكثر حضوراً من الواقع في النصوص وكانت المقولات الفكرية أوضح من البراعة الفنية.‏

امتد هذا التراث شأن الأجناس الأدبية الأخرى ليشمل مناطق جديدة-كما في التراث المصري الفرعوني وغيره-حيث كانت الرواية ذات الأحداث التاريخية التي تهتم بتنمية الشعور بالهوية مع نفحات من الوعظ والإرشاد هي السائدة، وقد أسهم في كتابتها أدباء وكتاب رأى بعضهم أنها مساحة صالحة لطرح مجموعة من الأفكار.‏

مما يلفت النظر في كثير مما أنتج آنئذ مما يمكن أن يدعى بالرواية: عدم وضوح مفهوم الرواية في أذهان كتابها، وعلو صوت المؤلف، والأثر الرومانسي في معالجة القضايا، وكذلك بناء الشخصيات بطريقة (أسود وأبيض) غالباً، فالعقاد في (سارة) انشغل بكيد النساء… وهي فكرة ضاربة في القدم في المجتمع العربي، وإبراهيم المازني في (إبراهيم الكتاب) قدّم سيرة ذات طابع شعري حيث الفخر ووجود الصوت الأحادي فيها وهي تذكرنا بالشعر القديم حين يرفع الشاعر صوته مفتخراً….‏

وأبرز ما صدر في هذه المرحلة بحيث يمكن أن يكون أقرب للفن الروائي (حواء بلا آدم) لمحمود طاهر لاشين الذي استفاد من أسلوب الرسائل في بناء روايته والرسائل بأنواعها من الكتابات المكرسة قديماً، ومعروف الأرناؤوط الذي خصص عدداً من رواياته لاستعادة التاريخ العربي حيث تحدث عن عمر بن الخطاب وطارق بن زياد….(5) وكذلك حمل هذا الطور الإرهاصات الأولى لتجربة نجيب محفوظ الذي سرعان ما أمسك بخيط الرواية ليبدأ برحلة توّجت بالحصول على أشهر جائزة عالمية للآداب (نوبل) ومن أبرز ما أنتج نجيب محفوظ آنئذ (عبث الأقدار، رادوبيس)(6) إذ تستفيد هذه الروايات من التاريخ المصري القديم لتومئ للواقع الاجتماعي وهمومه؛ لكنها لا تعد من الروايات المتميزة فنياً في تجربة نجيب محفوظ، وقد أنتجها قبل أن ينصرف للواقع المصري حيث نضجت رؤيته وأدواته الروائية….‏

بدا أن الروايات والمحاولات الروائية سارت في أحد ثلاثة مسارات: رواية تعليمية وعظية، أو رواية تاريخية، أو رواية تسلية وترفيه(7). وفي خواتيم هذا الطور بدأ يظهر ما دعي بالرواية الواقعية حيث سرق الواقع الاجتماعي والسياسي الكتاب وأقنعهم بأنه أقوى من الأحداث التاريخية، وقد ترافق هذا مع بدء تكون سلسلة من التغيرات الفكرية والاجتماعية وكذلك ظهور جيل جديد من المتلقين بات ينتظر من الروائيين نصوصاً ذات سوية فنية عالية تعالج وتحلل واقعه…‏

4/ 2-القصة القصيرة: تأخرت عن الأجناس الأخرى في النشوء على الرغم من وجود محاولات سابقة تائهة بين الحكاية والمقالة، غير أنها في هذا الطور أخذت تتلمس طريقها، وتحاول أن تبرز خصوصيتها التي أهلتها لاحقاً لتكون من أبرز الأجناس الأدبية في حركة الأدب العربي الحديث نتيجة الارتباط التقليدي بين القصة القصيرة والواقع، وانشغالها بالتعبير عن الهموم اليومية.‏

إن بنيتها الفنية غالباً ما نأت بها عن علاقة جدلية مع التراث أسوة بالأجناس الأخرى كالرواية مثلاً التي يسمح لها فضاؤها النصي الواسع وقدرتها على الاستيعاب بإقامة علاقة مع التراث ذات تفاعل أوسع لم تتوفر للقصة القصيرة في معظم نماذجها، وبناء عليه فإننا لا نجد في القصة عبر تاريخها في الأدب العربي الحديث أعلاماً اشتهرت تجاربهم بالتفاعل مع التراث مثل (الغيطاني) في الرواية أو (البارودي والبياتي) في الشعر أو (ألفريد فرج وسعد الله ونوس) في المسرح، فالقصة القصيرة في نشأتها العربية تأثرت بالفهم الغربي لها، لذا فقد حاولت التركيز على التحديث، والتعبير عن الواقع الذي كان نداؤه الأقرب لآذان كتابها؛ لكن لاحقاً حين حققت كثير من نصوص التراث، وتمكنت هي في نفوس متلقيها، وعالجت الكثير من هموم الواقع وراح كتابها يبحثون عن وسائل لإغنائها وتخصيبها وقد وجدوا في التراث مادة ثرية لهذا الهدف…‏

ما سبق لم ينأ بها عن سعي بعض كتابها في هذا الطور مثل ما حدث في الأجناس الأدبية الأخرى للتأصيل ذلك أن تأخرها في التبلور لم ينجها من المرور بقناة أسئلة النشأة، بل إن بعضهم انشغل بمحاولة البحث لها عن جذور، وحاولوا إعادة كتابة أجزاء من التراث على شكل قصص ظناً منهم أنها شكل جديد يمكن أن يحيوا ما يظنون أنه جدير بالحياة من التراث من خلاله، لذا فقد وجدت محاولات للربط بينها وبين المقامة، وبينها وبين الخبر وغير ذلك(8)؛ لكن مشكلة هذه المحاولات أنها غير مقنعة ولا سيما أن النصوص بقيت خاضعة لطرق التوصيل القديمة، وكانت تريد أن تعظ وتعلم من خلال القصة وتستعمل اللغة التراثية وغير ذلك.. وقد اتسمت هذه المحاولات بالضعف الفني موازنة بحضور المد الواقعي والأثر الرومانسي.. وهذا الضعف الفني في كثير من نماذج هذا الطور يعود أيضاً إلى الأحمال الثقيلة التي حاولوا تحميلها للقصة، حيث تنفر حساسيتها ونزقها من هذه الأثقال(9).‏

من الصعب الحديث في هذا الطور عن تفاعل مثمر للقصة القصيرة مع التراث نظراً لعدم وضوح المفهوم وتباين الجهود في تكريسها؛ إذ ثمة كتاب بدؤوا بالرواية والقصة معاً لأن الحدود كانت متداخلة، والتعلق بالمقامة كشكل مشابه للجنسين معاً، ونلحظ هذا بخاصة عند عبد الله النديم وسليم البستاني ونعمان القسطالي والمشكلة التي أخرت تجذرها أن الفترة قد طالت حتى اقتنع كثير من الكتاب أنه لابد من الخروج من عباءة المقامة والأشكال الحكائية القديمة في هذا الطور، وأن كونها قادمة من الغرب لا يمنع من أن تعالج هموم الواقع(10).‏

وترافق هذا بجهود لتوضيح خصوصيتها حيث ضمن كل من القاصين السوريين عيسى وشحاته عبيد مجموعتيهما الصادرتين آنئذ مقدمة تبين الحاجة إلى شكل جديد يعبر عن حاجات الواقع لإزالة ظن بعضهم أن هذا الجنس الأدبي عديم الفاعلية(11).‏

وقد وجد بعض الكتاب في القصة شكلاً أدبياً يصلح للوعظ والتعليم ولفت الأنظار للقديم؛ هذا اتضح فيما كتبه آنئذ كل من علي الطنطاوي ومحمد المجذوب وصلاح الدين المنجد وخليل هنداوي في سورية بخاصة، ولم تغب بعض المعالجات الرومانسية للواقع كما في تجربة فؤاد الشايب(12).‏

أما المجموعات التي عُدّت البداية الفنية للقصة القصيرة فلم تحتف كثيراً بالتفاعل مع التراث إلا ما ورد عفواً حيث ظهر في اللغة مثلاً ومن هذه المجموعات مجموعتا (سخرية الناي) و(يحكى أن) لمحمود طاهر لاشين، ومحمود تيمور في (الشيخ جمعة والشيخ سيد العبيط)، وصبحي أبو غنيمة في (أغاني الليل) وعلي خلقي في (ربيع وخريف) وكذلك فيما نشره كتاب متحمسون في العراق وفلسطين ولبنان ومصر مثل: جعفر الخليلي وذو النون أيوب ونجاتي صدقي وخليل بيدس وتوفيق يوسف عواد ويحيى حقي حيث ركزت هذه التجارب على تحقيق المفهوم الأدبي للقصة أكثر من اهتمامهم بحجم الأفكار والمقولات التي يمكن أن تحملها.‏

6/ 3-الطور الثالث: التراث عامل في أدبية النص‏

يمتد هذا الطور من نهاية الحرب العالمية الثانية ونكبة فلسطين إلى نهاية القرن الشعري، وتختلف بداياته تبعاً لحالة كل دولة عربية، فبعضها لم تدخل هذا الطور إلا في الثمانينات، ومنها ما دخلته بعد نكسة حزيران، ومنها ما دخلته ابتداء من الخمسينات… وقد أسهمت دول الخليج العربي في ساحة الإنتاج الأدبي الفاعل والفني في العقدين الأخيرين منه بخاصة.‏

وشهد هذا الطور اتصالاً أمنته معطيات التقدم التقني ترافق مع نمو الأحزاب السياسية وانتشار التعليم واتساع انتشار الصحافة وسهولة طباعة الكتب وتشكل روابط الكتاب وتقدم في الوعي الأدبي ووجود أجيال من الكتاب ذوي الكتابات الناضجة فنياً، وتضافر ما سبق مع بدء نبش مختلف في التراث وحدوث اكتشافات أثرية أسهمت في إطلاع الأدباء على ألوان من تاريخ المنطقة حيث تم توظيف بعض هذه المكتشفات في الأدب.‏

وقد حدثت تطورات كبيرة في كل جنس أدبي كاد أن يكون فيها الجنس أنواعاً، وترافق هذا مع تغير كثير من المسلمات الأدبية، إضافة إلى وجود حركة نقدية متميزة وفلسفات عالمية تركز على المهمش والمقصى والمسكوت عنه، وقد أتاحت حركة النقد الحديثة الفرصة أمام الأدباء لتفاعلات مختلفة مع هذا التراث، وحدث تغير في مفهوم مركزية الأجناس الأدبية وهامشيتها وبدا أن ظروف العصر تلائمها الرواية والنثر عامة أكثر من الشعر، وتعددت التيارات الأدبية، وتنوعت المؤثرات، وهاهنا نشير إلى أن العلاقة خضعت لتحولات كثيرة وإلى أطوار أخذت طابعاً فكرياً وكذلك بدء علاقة ندية معه في ظل شعور الكتاب أنهم تمكنوا من إنجاز أدب له خصوصية بات يدعى الأدب الحديث، زد على ذلك التشجيع الذي وجدوه عند المتلقين ومحاولة الأجناس البحث عن مخارج فنية جديدة وعن مناطق بكر غير مطروقة ليمتحوا منها ما يدعم نصوصهم وهذه النصوص يكون لها صفة البكورية والإدهاش.‏

ونظراً لكثرة الفلسفات والأفكار الداعية للتفكيك، ونزع صفة المقدس عن التراث فقد حدثت إمكانية للاختيار ولتقديم أفكار جديدة ومناقشة بعض ما ورد فيه ليس على أساس أنه مسلمات؛ بل على أساس أنه نص قابل لقراءة جديدة، وأسهم النقد التطبيقي بذلك؛ بخاصة تقديمه وجهات نظر مختلفة في نصوص عديدة كان الاعتراض أو المناقشة دليلاً على الخروج عن المألوف.‏

إن الشعور المر بالخيبة نتيجة ما يحدث في الواقع من ممارسات سياسية إقصائية خيب الآمال التي بنيت بعد رحيل المستعمر وقد بددها الحكام، فكان لابد من اللجوء إلى التراث بخاصة تلك النصوص التي تناولت القمع حيث كانت معادلاً موضوعياً لما يحدث مما هو ممنوع التعبير عنه، إضافة إلى التحولات الفنية الكبيرة التي أصابت الأجناس، والرغبة بالتجريب وتحول التفاعل من حالة حاجة إلى حالة مثاقفة، وكذلك دخول الأدب العالمي بقوة في ساحة التراث، إضافة إلى ما اكتشفه الأدب المقارن من استفادة بعض الكتاب الغربيين من تراثنا الأدبي.‏

ولد في هذا الطور عدد هائل من النصوص المنتجة آنئذ جعلت التراث مكوناً أساسياً لها حيث تنوعت طرق التفاعل معه، والوظائف المبتغاة من ذلك، وقد أثرت وتأثرت في السياقات المنتجة لها؛ ليصبح التفاعل مع التراث وسيلة لقراءة الواقع والاندماج فيه وليس للهرب منه، وتم التركيز في التفاعل معه على الجانب الجمالي الذي يغني النصوص في أدبيتها.‏

وقد تبلورت منجزات هذا الطور في ظل خفوت نبرة التحدي للغرب المستعمر بعد رحيله ليوجه هذا الجهد للانشغال بكيفية مقارعته حضارياً مع التنبه لحركة الواقع وهمومه، وقد أثبتت التجارب أن إمكانية القطيعة مع الآخر غير ممكنة في ظل كونه مصدراً للتقنية والمعلومة، وبات التحول من الإعراض عنه إلى اختيار بعض ما ينتج ليناسب مجتمعنا وموروثنا هو الأفضل.‏

ولم يتم تحقيق نظرة متوازنة تجاه الغرب وتجاه التراث إلا بعد مرور حالات متطرفة أحياناً من مثل الدعوات إلى القطيعة مع التراث أو مع الغرب، لكن كل ذلك راح يتراجع بخاصة في العقدين الأخيرين بعد أن أثبتت التجارب أن هذه الدعوات غير دقيقة؛ لأن البديل المطروح كفيل بفصل الأدب عن قرائه، وهذا ما يقصره على نخبة في عصر ليس للنخبة بل إن الأجناس الأدبية باتت معنية أكثر من أي وقت مضى بالبحث عن أدوات تقربها من الجمهور في عصر سيادة الصور حيث نجحت التطورات الفكرية التي حدثت في العالم من خلال ما بعد الحداثة والتفكيكية في التنبيه إلى ألوان السرد الشفاهي، وإلى أنواع حكائية عربية قديمة حيث حاولت دراسات عديدة أن توجد لها صيغاً وأطراً إجناسية تقربها من العصر الحديث.‏

لقد استقرت الصيغ الإجناسية العربية النثرية إلى حد كبير وباتت تبحث عن عوامل تطورية لها من ذاتها بدلاً من البحث في جذورها، وكان للمناهج النقدية الحديثة دورها في لفت الانتباه إلى الغنى الذي يمكن أن يشكله التناص بما يحمل معه من تقنيات وآليات… وقد وجد المشتغلون أن إمكانية التناص واردة مع النصوص العربية والعالمية التي شكلت عموداً فقرياً لنصوص حديثة كثيرة في المسرح والرواية والقصة والشعر. وبدا أن ثمة حضوراً قوياً لنوعين من النصوص التراثية في هذا الطور: النوع الأول هو النص الصوفي الغني بالدلالات، المدهش في طروحاته، والنوع الثاني هو الألوان السردية الشعبية ذات الطابع الشفاهي، وكذلك الألوان الحكائية التراثية المتمثلة في الخبر والأحلام…‏

وقد اتسعت دائرة التراث-كما أشرنا-أكثر لتشمل التراث الإنساني بأساطيره ورموزه، وامتد التراث ليكون دينياً وفكرياً وتاريخياً، وكذا تفتقت تقنيات الاستفادة منه سواء عبر الصورة أو القناع أو الشخصية أو الحالة الحكائية وصار حضوره في النص حضوراً مؤسساً يكاد ينبني عليه النص بكامله….‏

1 / 3-الشعر: شهد الشعر في هذا الطور تغيرات دراماتيكية لم تمر معه عبر تاريخه الطويل، سواء أكانت هذه التغيرات في بنيته حيث تعرض لهزات قوية شككت في كل مسلماته بخاصة (الوزن)، أم في موقعه بالنسبة للأجناس الأدبية في ظل حضور ملفت لم يكن هناك إمكانية لإخفائه لأجناس النثر، وجاء ذلك مع تغير في مركز إنتاج الشعر والتطوير فيه من مصر إلى بلاد الشام والعراق وبرز كذلك ارتباط كبير للشعر بالسياسة في ظل ما تعرضت له البلاد العربية من أحداث….‏

وبرز ارتباط بعض تيارات الشعر بالمجلات: قصيدة التفعيلة ومجلة (الآداب) وقصيدة النثر ومجلة (شعر)، وأمام الحاجة للتغير والحضور الكبير للحداثة الغربية في الشعر العربي الحديث تراجع حضور التفاعل مع التراث حيث فرضت الحداثة موضوعات جديدة، وتفاعلات جديدة تركز على الأساطير والتراث الإنساني أكثر من التراث العربي، لذا فقد راوح موقف الشعر في هذا الطور من التفاعل مع التراث بين داع للقطيعة تمثل فيما يسمى ب- قصيدة النثر بخاصة أول طلعتها في الستينات من القرن العشرين، ومستلهم للتراث ومتناص معه ومحتف بما جاء فيه من رموز من خلال قصيدة التفعيلة، وكان خلف كل فريق منطلقات فكرية ورؤى دفعته للموقف الذي سار فيه.‏

ويمكن الحديث عن حضور التراث في هذا الطور من خلال ثلاثة اتجاهات:‏

الاتجاه الأول: هو الأقل حضوراً حيث بقي مخلصاً إلى حد كبير للأبحر الشعرية ويمثله كل من بدوي الجبل ومحمد مهدي الجواهري، وعبد الله البردوني، وعبد الله العثيمين..‏

الاتجاه الثاني: هو الذي دعا إلى القطيعة مع التراث ثم سرعان ما حضر التراث عنده بصورة ملفتة وقد تغيرت مفاهيمه غير مرة وهو الاتجاه الداعي لقصيدة النثر المتمثل في أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط ويوسف الخال وخليل حاوي وسعدي يوسف….‏

والاتجاه الثالث: هو اتجاه قصيدة التفعيلة الذي بدأ منذ الخمسينات وقد بلغ حضور التراث عنده أمدية متقدمة حيث صار مكوناً فنياً من مكونات القصيدة، ولم يقصر مفهوم التراث عند أنماط معينة بل شمل الأساطير والمكتشفات الأثرية والأمكنة وتاريخها وكذلك الشخصيات والأحداث….‏

وقد تعاون حضور السرد في كثير من الشعر المنتج في هذا الاتجاه مع حضور التراث للتعبير عن هموم الواقع؛ لكن ليس بطريقة تقليدية وبرز في هذا الاتجاه أسماء شعرية حققت حضوراً ملفتاً على ساحة الشعر العربي الحديث منها: عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وأدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي وممدوح عدوان ونزار قباني وخليل حاوي وغازي القصيبي وعبد العزيز المقالح وسميح القاسم ومحمود درويش وغيرهم كثير؛ حيث حضر التراث الديني والتراث الشعبي والرموز والأساطير إضافة إلى الحضور اللغوي والصوري، وهذا أضاف عناصر جديدة للقصيدة الحديثة، إذ تواكب مع مفاهيم جديدة لحضور التراث(13).‏

شكل عبد الوهاب البياتي مثلاً ظاهرة في التفاعل مع التراث ليس في نصوصه الشعرية فحسب، بل في نصوصه النثرية أيضاً، حيث رأى أنه من الضروري إيجاد علاقة متوازية مع التراث وأننا لا يمكن أن نستغني عنه في كل الأحوال، وشكل التاريخ والأغاني الشعبية والكتب وسيرة الشخوص الذين حاولوا أن يقدموا رؤية مختلفة للكون مصدراً من مصادر شعره، إضافة إلى للأساطير والرموز(14).‏

هاهو يستحضر موقف المتنبي مع ابن خالويه وفقاً للرواية الواردة حول هذا الحدث:‏

أنا شججت جبهة الشاعر بالدواه‏

بصقت في عيونه سرقت منها النور والحياه‏

أغمدت في أشعاره سيفي‏

أفسدت به مريديه، وضللت به الرواه(15)‏

إن معظم نصوص البياتي يحتاج التواصل معها إلى ثقافة تراثية؛ لأنه حرص على أن يجعل نصه مكتظاً بالإشارات والإحالات، وكذا تفاعل مع أمكنة متنوعة لها دلالاتها حيث لا يستحضرها بصفتها أماكن حاضرة؛ بل بصفتها إشارة إلى تاريخ وحضارة، يقول عن بغداد:‏

بغداد في حبك أهل الهوى‏

ماتوا؟ وأنت الطفلة الباقية‏

قلب النواس الذي أسكرت‏

أشعاره أهدابك الساهية(16).‏

وحضور الجانب التراثي في شعره ليس لاستعادة الماضي بل ليضع القارئ في جو ذلك التراث حيث يدخل في بنية النص:‏

"الشعر أعذبه الكذوب‏

قالوا:‏

وما صدقوا‏

لأنهمو تنابلة وعور‏

كانوا حذاء للسلاطين الغزاة".(17)‏

وتجربة عبد الوهاب البياتي تكشف عن التحول الكبير الذي أصاب التفاعل مع التراث ليصبح أحياناً ثيمة من ثيمات القصيدة المعاصرة، كما هو في حضور الأسطورة في شعر بدر شاكر السياب.‏

2 / 3-المسرح: يعد هذا الطور طور ازدهار للمسرح إذ اهتممت به معظم الدول العربية، ورعته، وصار فناً جماهيرياً له العشرات من المجلات والمهرجانات والدوريات والأكاديميات ودور العرض، ومما هو جدير بالإشارة أنه على الرغم من كل هذا إلا أنه الطور نفسه الذي بدأ يشهد تراجع المسرح في نهاياته نتيجة طغيان الفضائيات والدراما التلفزيونية…‏

والتطور الذي حدث في التأليف المسرحي ما كان ليتم لولا التغير الذي حدث في أركان العملية المسرحية كلها، وهاهنا نتساءل عن مدى أهمية النص المسرحي إذا ما تذكرنا دوره في العمل المسرحي عامة مع تأكيدنا أن أركان المسرح الأخرى تأتي تالية النص، لكن الأسبقية هاهنا لا تعطي أفضلية دائمة، ويمكن أن نقيس على (الأدب والنقد) من حيث الأسبقية والأهمية، ولعلنا نستذكر أن معظم الذين كتبوا المسرح في هذا الطور لم يقتصروا عليه؛ إذ إنهم انهمكوا بالواقع الثقافي وعرفوا بصفتهم مثقفين طليعيين داعين للتغيير، فلم تكن نصوصهم تلك إلا جزءاً من مجمل حضورهم الثقافي!‏

على أية حال انتبه الجيل المسرحي الجديد في هذا الطور إلى الواقع وإشكالياته، مما استدعى مقاربة عدد من التابوات التي كان لابد من الالتفاف عليها سواء أكانت سياسية أو فكرية أو دينية، وكمُن هذا الالتفاف أحياناً في التفاعل مع نصوص تراثية؛ بخاصة تلك النصوص ذات الخصب الكبير مثل ألف ليلة وليلة التي يمكن أن تتصل بالواقع العربي المعاصر الموار بالهموم والقمع السياسي، وقد احتوت على عشرات الحكايات الصالحة للتوظيف في واقعنا الحالي وقد صارت العلاقة المسرحية مع التراث أكثر إقناعاً؛ نظراً لزوال كثير من الإشكاليات التي كانت تعتريها بفعل النضج الفكري في التفاعل، بخاصة أن المسرحيين وجدوا في هذا التراث ألواناً متعددة اكتشفوا أن التواصل معها لا يلغي التفاعل مع الواقع، وقد أخذت التطورات الفلسفية المتجددة تدعو إلى عدم الإلغاء وتطرح إمكانية التعايش بين المتناقضات.‏

شهد هذا الطور تجارب مسرحية مهمة في التفاعل مع التراث الذي يشكل أبرز المكونات الفنية في النصوص المسرحية، وقد ترافق هذا مع نمو النصوص المترجمة من الأدب العالمي، ولم تحل المثاقفة الكبيرة مع الغرب التي حدثت في هذا الطور عن التفاعل مع التراث حيث اتجه كثير من المسرحيين في التقنيات والحلول الإخراجية إلى الغرب، ويمموا نصوصهم من حيث المادة الحكائية نحو التراث.‏

ويلفت النظر هاهنا جهود مسرحية كثيرة اتكأت إلى حد كبير على النص التراثي دون أن يكون ذلك مانعاً من الانغماس بالهم السياسي أو الاجتماعي، ويمكن أن نشير إلى بعض الجهود في التفاعل المسرحي مع التراث، منها ما أكمله توفيق الحكيم، ومنها ما ينسب إلى هذا الطور مثل جهود سعد الدين وهبة الذي وظف في إحدى مسرحياته المسرحية العالمية الشهيرة (في انتظار غودو)، ومحمود دياب في مسرحية (باب الفتوح) الذي طرح فكرة من يصنع التاريخ بالعودة إلى سيرة صلاح الدين الأيوبي، ويوسف العاني في مسرحية (المفتاح) الذي استفاد من الأغنية الشعبية، وعز الدين المدني في مسرحية (ديوان الزنج) إذ ركز فيها على ثورات الشعوب، والطيب الصديقي في (رحلة الحلاج ومقامات بديع الزمان الهمذاني) كذلك استفاد من التراث، ولعل النظر في عناوين المسرحيات السابقة يكشف عن علاقتها مع التراث.‏

ومن التجارب التي عرفت باهتمامها الكبير بالتفاعل مع التراث كل من تجربة ألفريد فرج في (حلاق بغداد، والزير سالم، وعلى جناح التبريزي وتابعه قفة) حيث أفاد من ألف ليلة وليلة في أكثر من مسرحية بخاصة مسرحية (على جناح التبريزي وتابعه قفة) التي يبنيها على بعض حكايات ألف ليلة وليلة حيث تتلاحم الأسطورة بالواقع، وتوضح المسرحية فكرة كيف نرى الأشياء تبعاً لموقعنا في الحياة(18). وهو في ذلك يعبر عن اتجاه برز آنئذ هو التفاعل مع الموروث الشعبي حيث عرفت تجربة ألفريد فرج به.‏

ومن التجارب الأكثر لفتاً للأنظار على صعيد التفاعل مع التراث بعامة تجربة سعد الله ونوس الذي تواصل مع نصوص إشكالية فيها مقاربة جديدة لهذا الموروث في ضوء ما يحدث من وقائع؛ إذ اختار من التاريخ فترات الحرج والصراع، وبتعبير آخر فترات تتسع رقعتها للجدلية التي تحكم علاقته مع هذا التراث(19)، فمنذ مسرحية (حفلة سمر من أجل خمسة حزيران) إلى آخر مسرحياته(20) لم يبرح التراث حيث استفاد من مفهوم حفلة السمر والحكواتي والأراجوز والنص الصوفي، وكذلك استفاد من النص الديني من خلال حضور آيات من القرآن الكريم وبعض الآراء الفقهية في بعض مسرحياته، وكذلك شيء من كتابي العهدين القديم والجديد(21).‏

أما على صعيد الشخصيات فنجد شخصيات أسسها: دينية وتاريخية، وأسطورية، وشعبية إذ يوظفها من حيث الصفات، والحوادث، وأحياناً مدلول الاسم؛ عبر التوظيف الدلالي والاسمي، ويتخذ من هذا التفاعل فرصة لمحاكمة بعض رموز التاريخ والدين غير مكترث بصفة القداسة التي تحيط ببعضهم: (زرقاء اليمامة، ابن خلدون، تيمور لنك، قابيل وهابيل، يوسف)(22).‏

إن أحد المحاور الرئيسية في تفاعل ونوس اعتمد على المعتقدات الشعبية والعادات والفنون والأدب الشعبي، وقد وظف الحكاية والمثل والأغنية والنكتة… وفي المعتقدات وظف الشيخة والمجذوب والخضر والخرافة والجن والأحلام لذا فقد شهدت مسرحياته عودة إلى الموروث الشعبي: المكتوب (ألف ليلة وليلة) والشفاهي.‏

وبتركيزه على موضوعات محرمة: الدين والجنس والسياسة، وطريقة توظيفه للتراث، وحضوره الثقافي فقد أسهم كل ما سبق وعوامل أخرى في إعطائه تلك المكانة في حركة المسرح العربي الحديث.(23)‏

3 / 3-الرواية: أطلق النقاد تسميات عديدة على هذا الطور منها أنه طور الرواية وأنها ديوان العرب، وقد استجابت الرواية لحسن الظن بها فوضعت لحظات الحبو التي مرت بها في الطورين السابقين جانباً لتنطلق بكل قوتها كي تكرس نفسها جنساً أدبياً ذا خصوصية استطاع أن يحتوي على ألوان متعددة من القضايا والأفكار والإشكاليات، تسبب فيها ما أخذته من مكانة وكذلك ما حدث من تغيرات؛ وخصصت لها المسابقات والملتقيات، وصدر في نقدها عشرات الكتب، وكانت حاضرة في الرسائل الجامعية بقوة، ولم تغب أي دولة عربية عن إنتاجها، وقد عرف روائيون كثر في هذه المرحلة حفروا أسماء لهم في ساحة الأدب العربي، وضارعوا أحياناً الرواية العالمية التي كانوا يطلعون عليها بعد صدورها بفترة وجيزة وما ساعد على نجاحها أنها فن مقروء بنهم تدلل على هذا الإحصائيات واكترث دور النشر بها.‏

ولعل أحد أسباب نجاحها تمكنها من التعبير عن حركة المجتمع العربي الحديث وتناقضاته والتحولات التي حدثت فيه.. وأمام هذا الزخم الكبير في النصوص الروائية فقد أفرزت قضايا كثيرة منها ما خصها وحدها، ومنها ما تعالقت فيه مع الأجناس الأخرى، قدمت الرواية التاريخ العلني والمهمش لحركة المجتمع، وكانت كلما غاصت في الواقع تزداد تواصلاً مع الآخر، تناولت الهوية والزمان والمكان والشخصية وكل القضايا الفكرية الأخرى، وقد سمحت رقعة مساحتها لها بتناول كل شيء وبتناصات مختلفة ومتنوعة لأنها تعبر عن الحياة، ولا يمكن للحياة أن تستمر دون تفاعل، وفي انطلاقتها القوية تلك كانت تشعر أنها أقوى من أن يحد من زخمها اتهام أو موجة عابرة لذا فقد تفاعل الروائيون العرب مع التراث في مسعاهم للبحث عن حقول بكر محايثة للواقع تخفف من رتابة حرفيته، وتفتح آفاقاً جديدة للرواية لتنسج جمالياتها الخاصة بها، وذلك فقد تفاعلت الرواية مع التراث شأنها شأن الأجناس الأخرى من خلال مختلف الآليات والطرق والغايات والتقنيات، وقد عاد بعض الروائيين إلى التراث بهدف توظيف نصوصه في رواياتهم من وجهة دلالية في حين انشغل آخرون بمحاولة الاستفادة من جمالياته، وبعضهم من لغته؛ وكان تفاعلها مع التراث أحد أبرز القضايا إذ لم تشغلها عن الانغماس في الواقع أو تدبر شؤونه وأبرز مرجعية تراثية شكلت قاسماً مشتركاً لعدد كبير من الروايات هي ألف ليلة وليلة التي انشغف بها روائيون عديدون لم تخف عناوين رواياتهم هذا التفاعل منهم: هاني الراهب وواسيني الأعرج ومؤنس الرزاز ونجيب محفوظ(24) الذي حملت كذلك روايته أولاد حارتنا تفاعلاً مع النصوص الدينية تهدف لتقديم فكرة البحث عن العدالة الاجتماعية ووجود الإله…‏

لا يكاد يخلو نص روائي معاصر من التفاعل إلا فيما ندر، وهذا ليس لأن التفاعل مقصود دائماً؛ بل لأن طبيعة الرواية وقدرتها على تقديم حيوات واسعة، والغوص في أغوار الشخصيات جعل من التفاعل ضرورة؛ لأن هؤلاء الشخوص يستعملون في حياتهم لغة وفكراً لا يمكن أن ينبت عن المكونات الفكرية للإنسان حيث يدخل التراث بصفته أحد هذه المكونات، ونجد صوراً من هذا التفاعل عند معظم الروائيين من لم تعرف تجربته كثيراً، وكذلك من عرفت تجربته مثل: إدوار الخراط في رامة والتنين، وعبد الرحمن منيف في الأشجار واغتيال مرزوق الذي تفاعل مع روايات عالمية مثل زوربا، والطيب صالح استفاد من الأجواء الشعبية الطقوسية في موسم الهجرة إلى الشمال، ووليد إخلاصي في زهرة الصندل لفتت عنده التفاعلات مع الأجواء الصوفية، والتفت الروائي فرج الحوار إلى النص الديني، أما أميل حبيبي فقد استفاد من أسلوب الترسل في روايته الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل وكذلك ضمن روايته أبياتاً لعدد من الشعراء العرب القدماء(25)، والروائية رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة استفاد من النص التاريخي الأندلسي حيث قدمت قراءة معاصرة وعميقة لما حدث في هذه الفترة التاريخية.‏

ولعل من أكثر التجارب تمثيلاً للتفاعل مع التراث تجربة الروائي جمال الغيطاني(26) الذي استفاد من لغة الماضي وأجوائه للتعبير عن الواقع وهمومه، وبرز ذلك في معظم رواياته انطلاقاً من رواية (الزيني بركات) حيث وازى بين القاهرة المملوكية أيام قانصوه الغوري وقاهرة القرن العشرين أيام جمال عبد الناصر من خلال موضوع واحد هو القمع، وقد تمكن الروائي من الجمع بين المادة التاريخية وروح الرواية لتكون منسجمة، وبدا أحياناً أن ظاهر نصه ذو طابع تراثي لكن في الجوهر الأمر مختلف، وقد نوع تقنيات وآليات التعامل مع هذا التراث في عملية تشذيبية تنتقي المفيد في النص القديم بأسلوبية خاصة راكمها بالمثابرة حيث (استعار جمال الغيطاني لغة الماضي، وقدراً غير يسير من أحداثه، ناسجاً من ذلك نمطاً روائياً لا نجد في تاريخ الرواية العربية ما يماثله، مصيباً بذلك عدداً من الأهداف التي قل اجتماع إصابتها في روايات أخرى) منها الابتعاد عن المكرس والتقيد بزمان معين وأساليب الماضي.(27)‏

وتنوعت النصوص التراثية التي تفاعل معها الغيطاني فهي أحياناً ذات طابع ديني كما في التجليات سواء أكان نصاً قرآنياً أو سيرة دينية أو نصاً صوفياً، وتارة جغرافية كما في الخطط؛ لكنه في كل تفاعلاته كان يبقى ممسكاً بزمام النص حيث لم يكتب رواية تاريخية؛ بل يأخذ المادة التاريخية ويعيد بناءها وفقاً لما يريد(28) حيث تمكن من تثبيت أسلوبيته الخاصة في ذلك لتصبح مثلاً يحتذى في تاريخ الرواية العربية.‏

4/ 3-القصة القصيرة: شهد هذا الطور صدور مئات المجموعات القصصية التي عبرت عن نبض المجتمع العربي، ومما ساعد على انتشار القصة القصيرة اهتمام الصحافة بنشرها، وانشغال كثير منها بهموم الحياة اليومية التي عايشت تبدلات متتالية مما جعلها مقروءة ومتداولة بين المتلقين، وأسهمت كل البلدان العربية في إنتاجها، وفي سورية وحدها صدر في هذا الطور ما يقارب الألف مجموعة قصصية.(29)‏

اختلف تعامل القصة القصيرة مع التراث في هذه المرحلة بعد أن توطدت أركانها، وراحت تبحث عن عناصر تغني تجربتها فكان أن استعملت طرقاً عديدة للتفاعل معه بخاصة أنه ارتبط أحياناً بالتجريب، وقد عرف عن كثير من كتابها ولعهم بالتجريب.. الذي ارتبط هاهنا بمصطلح مغر قدم رؤية جديدة في مفهوم التأليف ألا وهو التناص…‏

ووجدت ظواهر جديدة في التفاعل على تاريخها من مثل تأليف مجموعة كاملة تقوم على التفاعل، وكذلك ظاهرة التواصل الكبير مع التراث الشعبي….‏

وقد شكل التفاعل مع التراث أحياناً مخرجاً فنياً ملائماً لكثير من القصص، وقد ظهر في الأساليب مثل الرسائل، وكذلك تبدى في استعمال أساليب تراثية شفوية تنتمي إلى الحكاية مثل أسلوب الحكواتي الذي يقدم القصة على أنها حكاية حدثت مع شخوص بعينهم مما يؤدي إلى تحقيق غاية مهمة جداً للقصة ألا وهي الإيهام بالواقعية نظراً لخصوصية تكوين هذا الجنس الأدبي.‏

تنوعت النصوص التراثية التي تفاعلت معها القصة القصيرة، فكان مع نصوص دينية مثل القرآن الكريم(30) ونصوص ذات طابع ديني مثل النص الصوفي كما عند نصر الدين البحرة في مجموعة رمي الجمار حيث بنى قصصها وفق تقنيات متشابهة.‏

وتمثل التفاعل أحياناً في لفت النظر إلى بعض الأحداث التاريخية من مثل ما حدث عند العجيلي من خلال التعريج على بعض الأحداث الأندلسية في فارس مدينة القنطرة، واستحضار بعض رموز التاريخ وكذلك التفاعل مع شخصيات تراثية لها دلالاتها وإحضار الرمز لمعالجة مشكلة واقعية كما في استحضار أحد رموز المطالبة بالعدل (أبو ذر)، أو أحد رموز القوى (الحجاج)، أو بعض رموز المغامرة والتحدي كما هي الحال في استحضار الشاعرين (عروة بن الورد والمتنبي)(31). في حين أن كتاباً آخرين أدهشتهم الأسطورة فلجؤوا إلى الأسطورة الفرعونية كما عند مجيد طوبيا وبهاء طاهر ويوسف الشاروني(32) ومنهم من تفاعل مع الأساطير العراقية مثل أسطورة جلجامش كما عند محمد خضير(33)‏

ولعل الأكثر لفتاً للنظر في تفاعلات القصة القصيرة يكمن في التواصل مع الموروث الشعبي، وهذا التفاعل له خصوصيته لقربه من الفن، ولأن كثيراً من القصص تأخذ نماذجها من الناس البسطاء، وترتبط بلحظاتهم اليومية في كثير من تجلياتها مثلما يمكن أن نرى في تجربة زكريا تامر(34) ويحيى الطاهر عبد الله وطه وادي(35) وعبد السلام العجيلي وسعيد حورانية وحسيب كيالي.(36)‏

ومما يجدر بنا الوقوف عنده ونحن نتحدث عن التفاعل في جنس القصة القصيرة في هذا الطور ظاهرة القصة القصيرة جداً التي برزت في أواخره لأنها تؤكد على ما سبق أن أشرنا إليه حول كون التفاعل مع التراث مكوناً في هوية الظواهر الأدبية، وأن بروز أنواع في الأدب العربي الحديث كان يستحضر معه بالضرورة إحياء ظواهر تراثية مشابه تكون معادلاً موضوعياً له، وتهدف لإقناع المتلقي بأصالة ما يقوم به الحاضرون، وقد ربطت القصة القصيرة جداً بالخبر وبأكاذيب الأعراب وغير ذلك.. لكن هذا لا يجعلها متطابقة مع هذه النصوص السردية القديمة لأن الذي يميزها عن الألوان القديمة اهتمامها بالجانب الفني، إضافة إلى أن انتماء النصوص القديمة إلى نوع سردي بعينه لم يكن واضحاً(37).‏

وبعيداً عن الجانب الفكري والنقدي في تأصيل القصة القصيرة جداً فإن نصوصها لم تنأ بنفسها عن التفاعل مع التراث على الرغم من قصرها(38).‏

7- إشارات ختامية:‏

* إن التفاعل مع التراث ليس عنواناً عريضاً تتساوى فيه كل التجارب؛ بل ظاهرة فنية يتمايز فيها أدب عن الآخر تبعاً للموهبة والرؤية وطريقة التفاعل، ويختلف من جنس أدبي إلى آخر، ومن طور إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، فالتفاعل ليس ظاهرة عابرة للزمن.‏

* لقد شهدت هذه الظاهرة تغيرات عديدة في المفهوم والآليات فقد كان في البداية محاكاة ومعارضة إلى أن وصل إلى الاستلهام والتوظيف والتناص، وقد حقق التفاعل الكثير من الأهداف منها إدماج الأحداث التراثية في النص الأدبي الحديث وإدخالها دائرة الوعي الجمعي وكذلك جلب أسباب الغنى والتنوع والإدهاش للنص الحديث.‏

* أسباب التفاعل مع التراث تحولت وتبدلت؛ ففي الطور الأول عادوا إليه بصفته منقذاً وفي الطور الأخير تفاعلوا معه بصفته عاملاً فنياً وفكرياً فاعلاً في النصوص.‏

* مفهوم التراث كان في البدايات مقتصراً على النصوص العربية القديمة، الشعرية منها خاصة، والنثرية المشهورة، ثم سرعان ما أخذ يتحول ليدل على التراث الإنساني وتراث المنطقة، وليشمل التراث الشعبي.‏

* مفهوم الأدب العربي الحديث صار بحاجة إلى إعادة نظر فهل ما أنتج منذ مئة وخمسين عاماً يعد حديثاً؟ فالتسمية أيضاً ربما تحتاج إلى تأمل، فالأجناس النثرية في الأدب العربي الحديث ربما لا يتجاوز نضجها الفني الخمسين سنة الأخيرة وما عدا ذلك جله محاولات ريادية ذات قيمة تاريخية.. أما في الشعر فإن ما أنتجه البارودي وتيار الاتباعية والمهجريون وأبولو والرومانسية في لبنان وسورية والعراق وتونس… في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين صار من كلاسيكيات الأدب العربي، وربما من الممكن أن يمتد مفهوم التراث ليشمل تلك النصوص؛ لذا فإنه من المفيد البحث له عن تسمية أخرى غير دالة على مفهوم فيه حكم قيمة زماني من مثل الأدب في القرن التاسع عشر والعشرين على نكبة فلسطين أو إلى نهاية الحرب العالمية الثانية!‏

* إن التفاعل مع التراث ليس واحداً في كل الأجناس، ولا يسير على الخط نفسه، وقد شهدت الأجناس الأدبية في حركة الأدب العربي الحديث تحولات فنية كبيرة، ولعل الشعر كان الأكثر لفتاً للأنظار حيث تفاعل الشعراء مع التراث تسجيلياً بخاصة الرواد، أما شعراء مجموعة الديوان ومجموعة أبولو والرومانسيون فقد انفتحوا على جوانب متعددة فيه، في حين أن شعراء قصيدة التفعيلة نظروا إليه من زوايا متعددة وعمقوا مفهومه ووسعوا آفاقه، أما شعراء قصيدة النثر فبعد أن دعوا إلى مقاطعته وجدوا أن ذلك غير ممكن.. على أية حال تبقى تجربة الشعر في التفاعل مع التراث محددة بأطر الشعر وخصوصيته، ولعل تجربة الأجناس الحكائية: المسرح والرواية والقصة في التفاعل أكبر وأوسع لسببين رئيسيين: الأول يخص التراث ومدى حضور المادة الحكائية فيه، والثاني يتعلق بطبيعة الأجناس الحكائية، وما تتحمله بنيتها من تفاعل.‏

* أخيراً؛ إن الحنين الكبير في الرغبة بالتفاعل مع التراث، مرده إلى آلية بشرية في التفكير تسعى للتسلل إلى الواقع وإثبات الوجود من خلال البحث عن مشابه أو مسوغ في الماضي.. وكل هذا مقبول في مراحل التأسيس، لكنه يأخذ وظيفة مغايرة إن أصبح آلية تفكير ومنهجاً في الفكر والحياة والكتابة!‏

المراجع:‏

1. آفاق الرؤية وجماليات التشكيل، محمد صالح الشنطي، نادي حائل الأدبي، حائل 1418 ه.‏

2. استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، علي عشري زايد، دار الفكر العربي، القاهرة 1993.‏

3. أشكال التناص الشعري (دراسة في توظيف الشخصيات التراثية)، أحمد مجاهد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1998.‏

4. الأعمال الكاملة، سعد الله ونوس، دار الأهالي، دمشق 1996.‏

5. انفتاح النص الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء 2001.‏

6. أوهاج الحداثة، د. نعيم اليافي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1993.‏

7. بانوراما الرواية العربية، د. سيد حامد النساج، دار المعارف، القاهرة 1980.‏

8. بنية القصيدة العربية المعاصرة، د. خليل الموسى، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2003.‏

9. تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربي المعاصر والحديث، د. محمد عبد الرحمن يونس وآخرون، دار الكنوز الأدبية، بيروت 1995.‏

10. تاريخ الأدب العربي: الأدب العربي الحديث، محمد مصطفى بدوي، تحرير وترجمة مجموعة من الباحثين، النادي الأدبي الثقافي، جدة 2002.‏

11. التراث والتجديد، د. حسن حنفي، دار التنوير، بيروت 1981.‏

12. التراث والحداثة، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991.‏

13. التراث والمجتمع الجديد، ناصر الدين الأسد، مطبعة العاني، بغداد 1965.‏

14. تطور الرواية العربية الحديثة في مصر 1870-1938، د. عبد المحسن طه بدر، دار المعارف، القاهرة 1963.‏

15. توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، د. محمد رياض وتار، اتحاد الكتاب العرب، دمشق‏

2003.‏

16. توظيف التراث في المسرح: دراسة تطبيقية في مسرح سعد الله ونوس، حسن علي المخلف، دمشق 2000.‏

17. جمال الغيطاني والتراث، مأمون عبد القادر العمادي، مكتبة مدبولي، القاهرة 1992.‏

18. ديوان إبراهيم ناجي، إبراهيم ناجي، دار العودة، بيروت 1973.‏

19. ديوان البارودي، محمد سامي البارودي، تحقيق محمد شفيق معروف، دار المعارف، القاهرة 1972، ج3‏

20. ديوان حافظ إبراهيم، حافظ إبراهيم، دار صادر، بيروت 1989 ط1.‏

21. ديوان عبد الرحمن شكري، عبد الرحمن شكري، جمع وتحقيق نقولا يوسف، د.ن، الإسكندرية 1960.‏

22. ديوان عبد الوهاب البياتي، دار العودة، بيروت، ط3، 1979، ج3.‏

23. ديوان عمر أبو ريشة، عمر أبو ريشة، دار العودة، بيروت 1988.‏

24. زكريا تامر والقصة القصيرة، امتنان الصمادي، المؤسسة العربية للدراسات، عمان 1995.‏

25. السردية العربية، د. عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء 1992.‏

26. السردية العربية الحديثة، د. عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء 2003.‏

27. سرديات الرواية العربية المعاصرة، د. صلاح صالح، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2003.‏

28. سعد الله ونوس في المسرح العربي الحديث، د. أحمد جاسم الحسين، دار الكنوز، بيروت 1999.‏

29. شعر عبد الوهاب البياتي والتراث، د. سامح الرواشدة، وزارة الثقافة، عمان 1996.‏

30. الشوقيات، شعر أحمد شوقي، دار الكتاب العربي، بيروت 1992 ط12.‏

31. الظواهر الفنية في القصة القصيرة في مصر من 1967-1948، مراد عبد الرحمن مبروك، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1984.‏

32. الظواهر المسرحية عند العرب، د. علي عقلة عرسان، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1985 ط3.‏

33. على بساط الريح، فوزي معلوف، دار صادر ودار بيروت، بيروت 1958.‏

34. قراءة جديدة لتراثنا النقدي، د. جابر عصفور وآخرون، النادي الأدبي الثقافي، جدة، مجلدان، 1990.‏

35. القصة القصيرة، د. الطاهر أحمد مكي، دار المعارف، القاهرة 1978.‏

36. القصة القصيرة جدا، أحمد جاسم الحسين، دار الفكر، دمشق 1997.‏

37. القصة القصيرة جداً بين النظرية والتطبيق، د. يوسف حطيني، د. ن، دمشق 2004.‏

38. القصة القصيرة السورية ونقدها في القرن العشرين، د. أحمد جاسم الحسين، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001.‏

39. القصة القصيرة في مصر (دراسة في تأصيل فن أدبي) د. شكري محمد عياد، دار المعرفة، القاهرة 1979، ط1.‏

40. القصة والمقامة، جميل سلطان، دار الأنوار، بيروت 1967، ط2.‏

41. المتخيل السردي، د. عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء 1990.‏

42. محاضرات عن القصة في سورية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، د. شاكر مصطفى، جامعة الدولة العربية، القاهرة 1958.‏

43. مسرح توفيق الحكيم، محمد مندور، دار نهضة مصر، القاهرة 1985.‏

44. المسرح العربي بين النقل والتأصيل، مجموعة من المؤلفين، كتاب العربي، 18 الكويت 1988.‏

45. المسرح والتغير الاجتماعي في مصر، د. كمال الدين حسين، الدار المصرية اللبنانية، بيروت 1992‏

46. مسرحيات شوقي، محمد مندور، دار نهضة مصر، القاهرة 1982.‏

47. المسرحية في الأدب العربي الحديث، د. محمد يوسف نجم، دار الثقافة، بيروت 1980.‏

48. المعجم الأدبي، د. جبور عبد النور، دار العلم للملايين، بيروت 1984.‏

(1) انظر المسرح والتغيير الاجتماعي في مصر، د. كمال الدين حسين.‏

(2) انظر: مسرحيات شوقي، محمد مندور.‏

(3) انظر: المسرح العربي بين النقل والتأصيل، مجموعة من المؤلفين ص 160.‏

(4) انظر: مسرح توفيق الحكيم، محمد مندور.‏

(5) انظر: بانوراما الرواية العربية، د. سيد حامد النساج.‏

(6) انظر: تاريخ الأدب العربي: الأدب العربي الحديث، محمد مصطفى بدوي، تحرير وترجمة مجموعة من الباحثين ص 344.‏

(7) انظر: تطور الرواية العربية الحديثة في مصر، د. عبد المحسن طه بدر.‏

(8) انظر: القصة والمقامة، جميل سلطان.‏

(9) انظر: القصة القصيرة، د. الطاهر أحمد مكي.‏

(10) انظر: الأدب العربي الحديث ص 396.‏

(11) انظر: القصة القصيرة في مصر (دراسة في تأصيل فن أدبي) د. شكري محمد عياد ص ص 79-82.‏

(12) انظر: محاضرات عن القصة في سورية د. شاكر مصطفى ص ص 215-393.‏

(13) ثمة كتب كثيرة تناولت هذه الظاهرة منها: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، علي عشري زايد، وكذلك أشكال التناص الشعري، د. أحمد مجاهد.‏

(14) انظر: شعر عبد الوهاب البياتي والتراث، د. سامح الرواشدة.‏

(15) انظر: ديوان عبد الوهاب البياتي. 1/ 702.‏

(16) انظر: الديوان 1 / 96.‏

(17) انظر: الديوان 1 / 506.‏

(18) انظر: تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربي المعاصر والحديث، محمد عبد الرحمن يونس وآخرون.‏

(19) انظر: سعد الله ونوس في المسرح العربي الحديث، أحمد جاسم الحسين، ص 55، 1999.‏

(20) انظر: الأعمال الكاملة، سعد الله ونوس.‏

(21) انظر: توظيف التراث في المسرح-دراسة تطبيقية في مسرح سعد الله ونوس، وحسن علي المخلف ص ص 35-38-2000.‏

(22) المرجع نفسه ص ص 95-145.‏

(23) انظر: سعد الله ونوس في المسرح العربي الحديث، مرجع سبق ذكره ص ص 53-80.‏

(24) انظر: سرديات الرواية العربية المعاصرة ص ص 295-303.‏

(25) انظر: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، د. محمد رياض وتار.‏

(26) انظر: جمل الغيطاني والتراث، مأمون عبد القادر العمادي.‏

(27) انظر: سرديات الرواية العربية المعاصرة، ص 267.‏

(28) انظر: انفتاح النص الروائي، سعيد يقطين ص 123.‏

(29) انظر القصة القصيرة السورية ونقدها في القرن العشرين ص ص 353-375.‏

(30) انظر: آفاق الرؤية وجماليات التشكيل-محمد صالح الشنطي ص ص 507-548.‏

(31) انظر: القصة القصيرة السورية ونقدها في القرن العشرين ص ص 239-242 و335-338.‏

(32) انظر: الظواهر الفنية في القصة القصيرة في مصر من 1967-1984، مراد عبد الرحمن مبروك.‏

(33) المتخيل السردي، عبد الله إبراهيم 17-60.‏

(34) انظر: زكريا تامر والقصة القصيرة، امتنان الصمادي بخاصة الفصل الثاني.‏

(35) الظواهر الفنية في القصة القصيرة في مصر من 1967-1948، مراد بن عبد الرحمن مبروك.‏

(36) انظر: القصة القصيرة السورية ونقدها في القرن العشرين ص ص 239-242 و335-338.‏

(37) انظر: القصة القصيرة جداً بين النظرية والتطبيق، د. يوسف حطيني ص 23.‏

(38) انظر: المرجع السابق، وكذلك القصة القصيرة جداً، أحمد جاسم الحسين.‏

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون – نيسان 2006 – ربيع الثاني 1427

كلمات البحث الموفِدة:

  • الادب العربي الحديث (1)
  • التراث في الادب (1)
  • الشعر العربي القديم و التحولات الثقافية و الفنيةة (1)
  • تحميل كتاب الفنون الشعبية للبردوني (1)
  • تحميل كتاب امرؤ القيس حياته وشعره للطاهر احمد مكي (1)
  • تعريف النتروظيفته و مكانته لدى العرب القدامى (1)
  • نصوص قصيرة تعرف الثراث مذكور فيها صاحب النص و المصدر (1)
  • وقد أثبتت التجارب انه كلما تدخل في بلد حاله الى حطام وركام (1)
129 Views

عن

إلى الأعلى