الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » اللغة العربية » تراث اللغة العربية وآدابها في الجامعات البولونية مهاة فرح الخوري

تراث اللغة العربية وآدابها في الجامعات البولونية مهاة فرح الخوري


تراث اللغة العربية وآدابها في الجامعات البولونية ـــ مهاة فرح الخوري*

من هي الجبيتا غروسكا؟‏

إنها باحثة بولونية، أستاذة في معهد اللغات الشرقية في جامعة "ياغيللونسكي" في كراكوفيا، متخصصة في اللغة العربية وآثارها. وقد شاركت في تأليف تاب "اللغة العربية الحديثة"، لها آثار عديدة ومتنوعة تناولت فيها تركيب الجملة العربية، الترجمة الأدبية، تحليل الأخطاء اللغوية، وتعليم اللغة العربية، كما قدّمت لسلسلة من الكتب، نشرت العديد من الأبحاث والدراسات العربية والإسلامية، بما فيها مقال عن ترجمة الأدب العربي إلى اللغة البولونية، أدرج في كتاب بعنوان "ترجمة اللغات الشرقية"، ثم مقالات نشرت في دوريات بولونية.‏

الدكتورة الجبييتا عضو في جمعية المستشرقين البولونيين، في فارسوفيا منذ عام 1997، وهي معاونة مديرة لمعهد الاستشراق للفيلولوجيا يضاف إلى ذلك عضويتها في عدد من المؤسسات الاستشراقية والاستعرابية وتسلّمها لمناصب عديدة في الشؤون الأكاديمية والثقافة والعلمية.‏

في بحر عام 2005 ألقت الباحثة البولونية محاضرة في مجمع اللغة العربية في دمشق، وألقت ثلاث محاضرات في معهد الآداب الشرقية ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القديس يوسف في بيروت، تناولت في المحاضرات الأربع المذكورة، "العالم العربي في الأدب البولوني"، "ترجمة الأدب البولوني إلى العربية" وأيضاً "اللغة العربية المستعملة في القرن الخامس عشر في فلورنسا".‏

***‏

أين تدرّس اللغة العربية وآدابها؟‏

في بولونيا، يتم تعليمها في ثلاثة مراكز تعليمية وهي جامعة فارسوفيا، جامعة آدم ميتسكيفتش في بوزنان، وجامعة ياغيللونسكي في كراكوفيا. أما جامعة ياغيللونسكي، فهي من أقدم الجامعات الأوروبية، أسست في عام 1364، ومن تلاميذها، نيكولا كوبرنيك العالم الفلكي البولوني الشهير الذي أوقف الشمس ودوّر الأرض (أو جعل الأرض تدور) وقد عاش بين 1473 و1543، والأجهزة التي استخدمها في رصده للكون لا تزال معروضة في جناح خصص له في الجامعة المذكورة. كما تلقّى قداسة الباب يوحنّا بولس الثاني، الدراسة فيها.‏

***‏

ما هو موقع اللغة العربية في بولونيا؟ ومتى بدأ اهتمام البولونيين بمشرقنا وبثقافته؟‏

افتُنّ البولونيون بثقافة بلدان المشرق، بأديانها وبلغاتها منذ زمن بعيد. ويعود هذا الاهتمام إلى منتصف القرن الثاني عشر، حين بدأ الأسياد الأغنياء وأصحاب النفوذ بتنظيم رحلات الحج إلى فلسطين، وزيارة الأماكن المقدّسة، بدءاً من مهد السيد المسيح في بيت لحم. ثم بدأت المؤلفات والكتابات تظهر في القرن السادس عشر، واصفة هذه الرحلات، ومنها مؤلف الأمير "ميكواي راجيفيو" بعنوان "الرحلات إلى الأرض المقدسة". وكان أول مؤلف يصف عادات السكان العرب في سوريا وفلسطين ومصر، كما تضمّن المؤلف المذكور إحصائيات دقيقة لهؤلاء السكان ولتقاليدهم، وتجدر الإشارة إلى أنه من القرن الخامس عشر لغاية القرن الثامن عشر، كانت لبولونيا حدود مشتركة مع الإمبراطورية العثمانية، المحتلة آنئذ للبلدان العربية التي شكّلت نصف مساحة الإمبراطورية.‏

إذن كان لبولونيا، زهاء ثلاثة قرون، اتصال مباشر مع الثقافة الإسلامية التي لعبت اللغة العربية ـ ولا تزال ـ دوراً هاماً في تطورها خاصة في عصر الرومانسية (النصف الأول من القرن التاسع عشر)، فبدأت تنتشر في بولونيا موجة من الاهتمام بثقافة المشرق وعاداته وسلوكه العام، وكان تأثير هذا الواقع واضحاً في مؤلفات الشعراء البولونيين الكبار.‏

أما بالنسبة للدراسات العلمية بخصوص البلدان العربية فقد بدأت عملياً في عام 1919 أي بتأسيس شعبة اللغات الشرقية في جامعة (باغيا لونسكي)، وقد لُقّب مؤسسها البرفيسور (تاديوش كوفالسكي) بأبي اختصاص اللغة العربية وآدابها في بولونيا، والأستاذ كوفالسكي (1889 ـ 1948م) الذي شملت أبحاثه الأدبين التركي والفارسي عرف أيضاً بأبحاثه القيمة في الشعر العربي القديم، وقد صدر لـه ديوانان في الشعر ترجمهما عن الشاعر قيس بن حاتم (1414). وعن كعب بن زهير (1950). وله مؤلف نظري واسع وصف فيه الأدب العربي القديم.‏

لكوفالسكي أيضاً أبحاث في النصوص العربية القديمة ومنها رسائل وكتابات إبراهيم بن يعقوب عن رحلاته إلى البلدان السلافية، وكان لهذا العمل قيمة كبيرة لدى البولونيين. قام الرحالة العربي ابن يعقوب برحلاته في القرن العاشر الميلادي، وكان أول من ذكر في النصوص التاريخية اسمي كراكوفيا، وبولونيا التي شارفت آنئذ على اكتساب صفة الدولة.‏

ثمة مستشرق عظيم آخر تلميذ للأستاذ كوفالسكي وهو تاديوش ليفيتسكي (1992-1906) حاز على شهرة عالمية في التاريخ الإسلامي، عرف بأبحاثه عن طائفة العباديين، تاريخهم والعقائد الدينية، كما تناولت أبحاثه القضايا التاريخية والجغرافية والطرق التجارية خاصة في جنوب شبه الجزيرة العربية في اليمن السعيد.‏

وقد حالت الحرب العالمية الثانية 1945-1939 والاحتلال النازي لبولونيا، دون متابعة أبحاث الأستاذين المذكورين، وما لبثت أن استؤنفت الدراسة في شعبة الآداب الشرقية في شباط 1945 وعيّن ليفيتسكي مديراً لها بعد وفاة معلمه الكبير عام 1948. وانكبّ المدير على دراسة النصوص العربية القديمة عن تاريخ البلاد السلافية، وإصدارها، منها للإدريسي، وابن عقبة وابن حسية وابن فضلان. وهذه الدراسات وضعته في قمّة المشهورين.‏

لا زالت، أبحاث النصوص القديمة للأستاذ ليفينسكي، فيد المتابعة الآن في ورشة النُميّات والأصول الشرقية التي تشكل جزءاً من معهد الآداب الشرقية الذي تحول من شعبة إلى معهد عام 1972. تدير أعمال هذه الورشة الدكتورة "أورشولا" ابنة الأستاذ ليفيتسكي، مؤلفة كتاب "الوصف العربي للشعوب السلافية Arabic Description of Slavic Peoples". نذكر أيضاً الأستاذ آنجي تشابكيفيتش (1990-1924) المتخصص بالدراسات العربية. وقد لعب دوراً كبيراً في تطوير المعهد. وتحظى شعبة الدراسات العربية بأكبر إقبال من الطلاب.‏

وكان آنجي تشابكيفيتش الأول من بين المتخصصين البولونيين بالدراسات العربية، الذي اهتم بآراء الأدباء العرب في القرون الوسطى حول اللغة ومصادرها، وكان له تأثير قيّم في تاريخ علم اللغويات المقارن. تحوي إحدى دراساته الرئيسة عرضاً وتعليقاً حول آراء الأدباء العرب في القرون الوسطى، وفي القرنين السابع والثامن المتعلقة بمصادر اللغة العربية وبنيتها وآلية استخدامها. للأستاذ المذكور دراسات عديدة تتناول العامية في اللهجات المتنوعة، و"التعابير العربية" وهذه الدراسة التي صدرت في عام 1986 هي محاولة إبداعية لتعميم آليات العمل المتعلقة ببنية الاصطلاحات واستعمالها في اللغة العربية الفصحى المعاصرة.‏

هذه الدراسات للأستاذ تشابكيفيتش إن هي إلا الجزء الضئيل لنتاج علمي غزير من مقالات ومحاضرات كثيرة وأعمال نقدية وترجمات عديدة لأعمال أدبية عريقة: "الترجمة البولونية لألف ليلة وليلة في عام 1973 وعلم الأسماء الجغرافية وأسماء الأشخاص".‏

والأستاذة غورسكا التي ذكرتها في مقدمة هذا البحث تتابع أعمال أستاذها آنجي في مجال علم اللغويات العربية المقارنة. كما تهتم بالمسائل التعليمية وتسعى جاهدة مع زملائها في قسم الدراسات العربية لإيجاد أفضل وأنجح الطرق لتعليم اللغة العربية للبولونيين، وقد صدر عدّة كتب تحوي مؤشرات نظرية عن طريقة التدريس، ومواد تطبيقية عملية لتعليم اللغة العربية مدعمة بتمارين مختلفة، للمؤلفين الجبييتا غورسكا، الأستاذ شكوتك والأستاذ عدنان حسن. كما صدر للأستاذ آنجي زابورسكي كتابان في موضوع اللهجات العربية.‏

***‏

أما بالنسبة لدراسة الأدب العربي، وحتى التسعينات من القرن العشرين غلب الاهتمام على دراسة تاريخ الأدب وأدب القرون الوسطى، وحظيت هذه المادة باهتمام خاص من قبل الأستاذة البروفيسورة ماريا كوفالسكا التي أصدرت كتابين ممتعين في هذا المجال.‏

تهتم الدكتورة بربارة استافي بأدب القرون الوسطى، ولا سيمّا بالأدب التعليمي. والدكتور آدم بينسييك يبحث في موضوع عروض للأحداث العربية القديمة من الناحية التاريخية، بشكل خاص نصوص القزويني وأبو الندا وابن الأثير، وهذه النصوص تشكل الأساس لكتابين أصدرهما: "القديم (الحضارة القديمة) في الفكر العربي" عام 2003 ـ و"دمشق في أيام الصليبين" عام 2004, فيما يختص بترجمة الأدب العربي، فإن الوسط التعليمي في كراكوفيا غالباً ما ينشر الأدب القديم، وقليلاً من الأدب الحديث.‏

يعمل في معهد الآداب الشرقية في جامعة ياغيللونسكي ثلاثة وخمسون باحثاً وأستاذاً. ستة يحملون لقب "بروفيسور" وستة يحملون درجة "أستاذ مساعد". والاهتمام الكبير بالشرق الأوسط يسبب زيادة ملحوظة في عدد الراغبين في الدراسة في قسم الدراسات العربية. في السنة المنقضية 2004/2005 كان التنافس شديداً بين المرشحين لدراسة العربية ولم يقتصر اهتمامهم على اللغة وحدها، بل شمل الإسلام، كدين من جهة، والثقافة والسياسة والوضع الاجتماعي في البلاد العربية من جهة ثانية.‏

***‏

علاوة على أن هذا الاهتمام المتزايد شمل ـ بالإضافة إلى جامعة ياغيللونسكي في كراكوفيا ـ المركزين الجامعيين في فارسوفيا بوزنان، اللذين يخرجان العديد من المتخصصين البولونيين في الدراسات العربية، الأدب العربي والثقافة العربية.‏

أهم العلماء الباحثين في مركز فارسوفيا هو الأستاذ يوزيف بيلافسكي وقد توفي، ومن بين مؤلفاته: تاريخ الأدب العربي (1968)، وكتاب الأدب الكلاسيكي العربي (1985)، وأهم ما قام به البروفيسور بيلافسكي هو ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة البولونية عام (1986). ومن الكتب الهامة التي صدرت في بولونيا عن الأدب العربي، بتعاون الأساتذة الثلاثة بيلافسكي، كريستينا بوخينسكا، وإيفا ماخوت مينديتسكا وباشتراك الهيئة التعليمية في فارسوفيا، كتاب مؤلف من جزئين: الأدب العربي الجديد والحديث في القرنين التاسع عشر والعشرين. الأول بعنوان "أدب المشرق العربي" (1978) والثاني بعنوان "أدب المغرب العربي" (1989). تجدر الإشارة إلى أن السيدة كريستينا معروفة بمؤلفاتها عن الشاعر السوري أدونيس وقامت بترجمة شعره إلى البولونية والفرنسية ـ (1995) Adonis-Images, Reflexions, Emotions. أما الأستاذة إيفا فمتخصصة في مجال المسرح العربي الحديث (2000) Studies in Arabic Theatre and Literature لكن أكبر عالم وباحث بولوني، وأكثر المختصين اطلاعاً على الثقافة والأدب واللغة العربية في الوقت الحاضر هو الأستاذ يانوش دانيتسكي. فكتبه التي تحمل الطابع العلمي والثقافي لعبت وتلعب الدور الأكبر في نشر المعرفة عن العالم العربي في بولونيا، وتشجع الكثير من الطلاب على الدراسة في قسم الدراسات العربية.‏

أهم مؤلفات الأستاذ دانيتسكي:‏

ـ الصرف والنحو (القواعد) في اللغة العربية.‏

Grammar of The Arabic Language 1994-2001‏

ـ المدخل عالم اللهجات العربية Introduction to The Arabic Dialectology -1989-‏

ـ اللغة العربية الحديثة ولهجاتها Modern Arabic Language and its Dialects -2000-‏

ثمة مؤلفات له في علم الأديان خاصة بالإسلام:‏

Basic Information on lslam (2 tomes)‏

Culture of lslam – A Dictionary (1997), Arabs (2001)‏

في المجال المذكور يتابع ماريك جيكان تلميذ الأستاذ دانيتسكي البحث في علم الثقافات الذي يحظى باهتمام معلمه وله كتب هامة وممتعة في السحر العربي في سر معرفة العرب قبل الإسلام 1993. والرمز العربي والإسلامي 1998. وأمتع كتاب له هو "قس بن ساعدة الأيادي ـ أسطورة حياته وإبداعاته".‏

والدائرة المتخصصة بالدراسات العربية في فارسوفيا عرفت أيضاً باهتمامها الكبير في ترجمة الأدب العربي للغة البولونية وخاصة الأدب الحديث، وقد ترجمت الدكتورة يولانتا كوزووفسكا ثلاثية نجيب محفوظ الأدبية ونشر الكتاب في بولونيا بعد حصول الكاتب المصري الشهير على جائزة نوبل بنصف سنة.‏

***‏

لكن أحدث وسط علمي متخصص بالدراسات العربية في بولونيا تأسس في جامعة بوزنان في عام 1991. ويتألف الجهاز التعليمي لهذه الشعبة من أستاذين: عدنان عباس من الجنسية العراقية، والبولوني ييجي واتشينا، الأول متخصص في الأدب والشعر العربي قديمه وحديثه، والثاني متخصص في علم اللغويات، ويعمل على دراسة النصوص العربية بما فيها القرآن الكريم بطريقة الحاسب الإلكتروني.‏

كل ما سبق يدل على أن الاهتمام الكبير بالبلدان العربية في بولونيا، يشجع كليات جامعية على إدخال اللغة العربية كمادة تدرّس كغيرها من المواد في جامعة كاتوفيتسي. وقد افتتح فرع للترجمة، يعمد الطلاب إلى ترجمة نصوص لمؤلفين عرب ذوي شهرة كبيرة ومنهم طه حسين، نجيب محفوظ، يوسف ادرس، غسان كنفاني، عبد السلام العجيلي…‏

تجدر الإشارة إلى أن الاهتمام بالحضارة الإسلامية بشكل عام وبالثقافة العربية والأدب العربي واللغة العربية سيزداد في السنوات القادمة ازدياداً كبيراً ليس فقط في بولونيا بل وفي كل أوروبا.‏

لابد لهذه الظاهرة أن تؤثر تأثيراً إيجابياً على تعزيز الصلات بين الجامعات العربية السورية وبين الأوروبية، وتعمل على تقريب الثقافة والعادات والتقاليد والسلوك.‏

المراجع:‏

- دراسات ومحاضرات للباحثة الأستاذ البولونية الجبييتا غورسكا.‏

* باحثة سورية

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون – نيسان 2006 – ربيع الثاني 1427

47 Views

عن tamir_malas

إلى الأعلى