الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي أ.د.حسين جمعة

صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي أ.د.حسين جمعة


صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي ـــ أ.د.حسين جمعة

1 ـ حدود وأبعاد:

قبل أن أدخل في صميم البحث؛ أبيّن أن لكل صورة فلسفة خاصة بها، علماً أن مفهوم الفلسفة بقسميه النظري والعملي قديم، وهو متعلّق بالمعارف والفنون والعلوم والحقائق… ولذا عرف ابن سينا الفلسفة بقولـه: "إنها الوقوف على حقائق الأشياء كلها على قدر ما يمكن الإنسان أن يقف عليه"(1). ولهذا تصبح الكلمة في الأدب مادة للصورة ( الهيئة) باعتبارها الحامل الحقيقي لعالم الوجدان والعقل، ومن ثم تأخذ الصورة الشعرية طبيعتها ووظائفها وأهدافها من خلال الحواس أو ما يعرف بالحسّ المشترك وامتزاجه بمضمون عقلي ومن ثم فقيمة كل شيء تكمن في وجوده وإدراكه في النفس..

وفي ضوء ذلك فالكلمة (لفظاً وتركيباً) تمدنا بدلالات رمزية تواضع عليها الناس في كل زمان ومكان بما يتوافق وحياتهم وفلسفتهم للحقائق والأشياء والفنون والآداب و .. أي إن الدلالة بكل أنماطها الذهنية والنفسية والاجتماعية و … تصبح حالة تصورية خاصة بالإنسان وعلاقته بالوسط المحيط به. " ولا يمكن للشاعر المبدع أن يستخدم في شعره اللغة كما يستخدمها الناس في حياتهم المعاشية العادية، فالمفروض في لغة الشعر أن تكون ذات طاقة تعبيرية مصفّاة ومكثفة"(2)

وهنا يصبح للمبدع مزية خاصة على بقية الناس باعتبار ما وهب من ملكات التذوق والإدراك، ممّا يجعله يجدد في صورة الكلمة، ويفتق في أساليبها وأنواعها. إنها الرؤية الخاصة التي توجب تصوراً خاصاً لا يملكه الآخر ولا يتساوى فيه معه؛ وكذلك لا يتساوى معه في التعبير عنه، فإذا كانت اللغة مشتركة بين الناس فإنّ أساليب استخدام المبدعين لها ليست مشتركة ولا متطابقة.

أما القوة فهي تؤسس للخصائص الذاتية والموضوعية للمبدع والإبداع، بما تمتاز به من الشمول والوحدة الجامعة لمختلف الصفات. والقوة ضد الضّعف؛ وهي القدرة والشدّة والثبات والعزيمة، سواء كان هذا كله في الجسم والغريزة؛ أم العقل والتفكير، ومن ثم فمبدأ القوة المادية أو المعنوية استناده إلى الشعور والإرادة في القيام بفعل ما، وهو ما يطلق عليه الفعل المتهيئ للحدوث، باعتباره موجوداً بالقوة؛ فإذا صار في حيّز الإمكان فهو موجود بالفعل(3).

فالقوة مصدر النشاط والحركة، ومبدأ الخلق والفعل، وهي منبع الإرادة والعزيمة جسداً وعقلاً.والقوي من يتصف بامتلاك القدرة والتحمل والصبر، بما في ذلك قوة الذكاء والحافظة، وقوة التخييل والتحريك والتغيير؛ وقديماً قيل: من استولى على الشيء أسر. وغلب الإنسان أو الشيء غيره إذا تغلّب عليه، وقهره من غير رضى.

ومن ثم فالإرادة قوة نفسية تتوق إلى الفعل وتشتاق إليه فطرة ومخيلة وعقلاً؛ مهما كانت أشكالها جزئية أم كلية؛ خاصة أم عامة؛ فردية أم جماعية مشتركة.

ولهذا قيل: إرادة الشعور؛ وإرادة القوة، وإرادة الحياة، فإرادة الشعور نزعة ذاتية أساسية تؤثر في حياة صاحبها وحياة المجتمع؛ وإرادة القوة نزعة تؤكد الثبات في الوجود الحر الذي لا يعرفه الضعفاء ـ ويستعين المبدعون في هذا الاتجاه بقوة المخيّلة لتجاوز المألوف ـ وإرادة الحياة ـ كما انتهى إليها شوبنهاور ـ مبدأ للقوة الشهوية الغريزية لاستبقاء العنصر الوجودي في الحياة، بصورته الخاصة(4).

وعليه؛ كان لزاماً علينا أن نشير إلى أنماط القوة وفلسفتها في شعر المتنبي أسلوباً وتخييلاً وأفكاراً، على اعتبار أن الأسلوب هو الإنسان وهو الذي يرسم خصال المرء وسجاياه(5) وأن التخيّل أو التخييل قوة مصورة تريك صورة الأشياء الغائبة حتى يُخيّل إلينا أنها حاضرة وتسمى القوة المصوّرة(6)، وأن الأفكار تجيء وفق أحوال النفس والأحداث والثقافة التي تحيط بها سواء كانت وفق مبدأ تداعي الأفكار، أم مبدأ الاقتران والاقتراض والخبرات؛ ممّا يؤدي إلى حصول معنى ما في الذهن يصاغ بلغة حقيقية أو رمزية أو مجازية أو إشارية لتدل على فكرة صاحبها ومشاعره(7) ، فالمعنى ((هو الصورة الذهنية من حيث وضع بإزائها اللفظ))(8) في إطار الجوهر اللغوي الذي يعيشه الذهن في ضوء تصوره لكل ما يريد التعبير عنه. ويرى الدكتور اليافي أن الفكرة تشتمل على الصورة وبهما يحصل الإبداع فيقول: " وإنما تحصل الجودة والإبداع حين تشتمل الفكرة الفنية على صورة تلونها، أو صنعة خفية تخدمها وتؤديها" (9) فاللغة صلة الوصل بين الإنسان والمحيط، وهي المكونة للمعنى باعتبارها وعاء الفكر. وعليه فإن " النشاط الذهني ينتج أفكاراً وإشارات حرفية ذات دلالات محددة، والنشاط الخيالي ينتج الأشكال الفنية، وعن طريق التعارض أو التقابل بين الصورة"(10) وهذا يشي بالحصول على التشكيل الجمالي المؤلف من عناصر عدة تؤسس لمفهوم المتعة واللذة والفائدة؛ أي ((لا يوجد في الواقع فن معتمد على نوع واحد من الإحساسات مثل التصوير الخالص أو النحت الخالص؛ ففي التصوير قيم ليست كلها مستمدة من اللون كما يلاحظ (برنسون Berenson) ))(11).

ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى صياغة مكونات صورة القوة والإرادة وتجلياتها التي انتهجها المتنبي للكشف عن قيمتها باعتبارها صفة من صفات الإبداع ومن ثم الكشف عن موهبته وفرادته في شعره الذي يعدّ شاهداً حياً عن شخصيته التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. فالمتنبي يمارس في إبداعه أنماط الإرادة التي أشرنا إليها، وقد انتقلت من إطار الذات إلى الموضوع، وهي ذات عارفة بقيمة ما يملك وبقيمة أشكال القوة في تموضعها الخارجي. لهذا كانت تشغله كينونة وجوده قبل أن تشغله كينونة الآخرين؛ ممّا جعل فنه ينمو ويتطور إضافة واستمراراً، ليصبح وجوده الإبداعي علامة للفن الأصيل الموسوم بالعلاقات الجمالية العديدة.

ولهذا كله نجد أنفسنا مبهورين بقوة الإرادة التي كان المتنبي قد تميّز بها ووسم بها مواقفه وإنتاجه الأدبي الذي خلده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ممّا يجعلنا نبدأ بالكشف عن البعد الحقيقي لمكونات صورة القوة عند المتنبي باعتبارها الجامع للإرادات الثلاث التي تحدثنا عنها، وهو الأمر نفسه الذي جعلنا نختار عنوان (صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي).

2 ـ مكونات صورة القوة والإرادة:

نحاول في هذا الاتجاه الكشف عن الذاتية الفردية باعتبارها البعد الحقيقي لمكونات صورة القوة نفسياً واجتماعياً وثقافياً وفنياً على فرض أن المتنبي ينطلق منها إلى تشكيل فلسفته ومعانيه، وهو بُعد يتعانق فيه النفسي بالاجتماعي والثقافي والإنساني إلى درجة التعالق العضوي. هذا هو المكون الأول أما المكون الثاني لصورة القوة والإرادة فإنه يكمن في قوة المُصوّرة (المخيّلة) التي تميز بها دون غيره من الشعراء. وسنبدأ حديثنا ببيان الذاتية الفردية.

أ ـ الذاتية الفردية:

قد يتوهم كثير من الناس أن الذاتية لا تختلف عن الفردية، بيد أن الفرق بينهما كبير وشاسع. فالفردية تعبر عن بروز (الأنا) مقابل الآخر فرداً أم جماعة… وقد تتضخم الفردية على حساب الآخر…

أما الذاتية فهي العنصر العاطفي الجوهري الممزوج بالاجتماعي والإنساني والثقافي والفني للتعبير عن رؤية مستقلة ومتميزة للكون والناس والأحداث… ومن ثم فالشاعر يرصد أحداث حياته وحياة مجتمعه وتجاربهما وفق رؤية خاصة تحقق له مجموعة من الوظائف والأغراض.

وفي ضوء ذلك فالذاتية الفردية وفق ما يشي بها شعر المتنبي تنطلق من الطبع المؤاتي للفردية المتماهية في المجتمع على الرغم من الحس الفردي العالي لديه, على اعتبار أنه يتوق دائماً إلى أن تكون شخصيته موضوعاً عاماً, ما يعني أنه لم يستطع أن يعيش منفرداً على الرغم مما يتّصف به من نزوع فردي متعال وبارز في فنّه؛ بيد أن هذا النزوع لا يمكن أن يبرز إلا بوجود الآخر ما يجعله على اتصال فاعل بأغلب الأوساط المحيطة به. فالشاعر مرتبط بجملة من العوامل التربوية والثقافية التي أسهمت في تكوين شخصيته الإبداعية المتفردة، إذ يقدّم رؤاه النفسية بأسلوب يدل عليه، وكأنه البصمة الخاصة به وفق ما يتضح للعالم بالشعر.

من هنا نجد أن فلسفة القوة والتفاخر لديه ذات أشكال ومظاهر عديدة ترجع إلى الانطباعات دون أن نعدم وجود التراكم الفكري والفني الذي يعزز لديه استثارة من نوع آخر ليثبت استجابة مغايرة تتوافق مع رؤيته إلى الحياة والكون.

ولهذا كلّه فإن رؤيته الذاتية المبدعة كانت تتفاعل مع بديهته وفطرته الإبداعية التي وهبها الله إياه، ومن ثم تمتزج برؤية موضوعية ملبية لها. ولا شيء أدل على ما تقدم من المقطع الآتي، وفيه تبرز ظاهرة (الأنا) الممتزجة بظاهرة (نحن) وإن كانت الطبيعة المجسدة بـ (أنا) طاغية في ألفاظه كما في قوله:(12)

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم

فبُنية الحيّز النفسي/ الاجتماعي تتأطر في علاقات فنية تصوغها اللغة بإيقاعات جمالية يتحد فيها الدال والمدلول، لتصبح صيغة (الأنا) التي تمثل الذات الشاعرية ظاهرة فنية فكرية، ومن ثم ظاهرة مرتبطة بالوجود الإنساني من خلال الضمير (هو) المضمر أو الظاهر.

فضمير (أنا) برز خمس مرات في البيتين، ولكن هذا لم يمنع ظهور الآخر المتعدد فرداً وجماعة (الأعمى ـ الكلمات ـ الأصم ـ الخلق) ولابأس من أن نعرض لمثال آخر من مدحه لسيف الدولة، إذ يقول:(13)

وما أنا إلا سمهريٌّ حملته فزيّن معروضاً وراع مُسدّدا

أجزني إذا أنشدت شعراً فإنما بشعري أتاك المادحون مُردّدا

ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الصائح المحكيُّ والآخر الصدى

تركت السُّرى خلفي لمن قلّ ماله وأنعلتُ أفراسي بنعماك عسجدا

فالمتأمل لهذا النص الشعري يلفته الشكل الخارجي للغة التي تحمل جملة من الوظائف والدلالات في بنيتها الفردية (الكلمة) وبنيتها الكلية (التركيب). فاللغة بهذا البناء الفني عند المتنبي كانت مادة لدلالة ظاهرة وباطنة تتجاوز القرائن البعيدة لتقف عند سطوة المدرك الملموس الذي يستشعره المتنبي، ما جعله يوازن بينه وبين غيره من الشعراء. وحينما نشدد على طغيان الذاتية في شعر المتنبي، وهي ذاتية تعزز مفهوم الفخر الفردي، فإننا نؤمن بأنها ذاتية تختلف عما رأيناه في الشعر القديم ولا سيما الجاهلي منه. فالفخر الذاتي عند طرفة بن العبد وعنترة بن شداد ـ مثلاً ـ إنّما يعزز نزعة الاستعلاء من خلال القيم التي تواضع عليها المجتمع آنذاك؛ وعليه قول طرفة: (14)

ولست بمحلال التلاع لبيتة ولكن متى يسترفد القوم أرفد

وإن تبغني في حلقة القوم تلقني وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد

وإن يلتق الحيُّ الجميعُ تلاقني إلى ذروة البيت الكريم المُصمّد

أما ذاتية المتنبي الفردية فإنها تظل معبرة عن فلسفته الخاصة في نزعة مثالية لما يراه من قيم المجتمع، وشتان بين فخره وفخر القدماء.

ومن ثم تستند فلسفته إلى صورة القوة لديه إلى قوة الإرادة الذاتية والموضوعية لما يتصف به من ثقة بنفسه، وهمته العالية؛ وحكمته الرائعة، ورأيه الحازم، وشجاعته النادرة؛ فكلّها تجسد مكوّنات فلسفته في الوقت الذي تمثل نمطاً من تجليات الصورة الجمالية التي تؤكد قوته المادية والمعنوية. فالمتنبي تمكن بقدراته الإبداعية أن ينفذ إلى القوة الكامنة في اللغة المصورة ليشكلها في لغة جمالية تقدم وظائف عديدة.

ولهذا فهو لا يثقل شعره بالألفاظ الجزلة، ولا يقع ـ في آن معاً ـ أسيراً للمباشرة والوضوح القاتل، وإنما يلجأ إلى قوة التعبير التي تستثمر وضوح الألفاظ وتراكيبها لصالح تعميق معاني الإرادة ووضعها في جذوة الألق الذاتي الشغوف بالعقل وتجاذباته؛ دون أن يفقد الانسجام (الهارموني) مع الشجاعة، وكل منهما محكوم باستثارة جمالية خاصة. هذا إذا تغافلنا عن قيمة الوزن في الشعر، فالوزن ليس "صورة موسيقية فرضت عليه فرضاً لتكون حلية تزينه، كلا، فالوزن ظاهرة طبيعية لتصوير العاطفة لا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً، وذلك لأن العاطفة بطبيعتها قوة نفسية وجدانية لها مظاهر جسمية تبدو على الإنسان الغاضب أو الفرح أو الحزين فإذا به مضطرب ثائر، أو مبتهج طروب؛ أو متخاذل يبكي، وإذا لقلبه نبض خاص غير طبيعي ولأنفاسه ترديد غريب، ذلك دليل على انفعال يملك النفس"(15) وهو القائل:(16)

عش عزيزاً أو مُت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود

فرؤوس الرماح أذهب للغيظ وأشفى لغلّ صدر الحقُود

لا كما قد حييت غير حميد وإذا مُتّ متّ غير فقيد

فاطلب العزّ في لظى وذر الذ ل ولو كان في جنان الخلود

يُقتل العاجز الجبان وقد يعجزُ عن قطع بُخنُق المولود

أنا تربُ الندى وربُّ القوافي وسمامُ العدا وغيظ الحسود

فقوة إرادته وعزة نفسه تجعله يعيش بين حياتين حياة الامتناع من الأعداء أو حياة الموت الكريم في الحرب. وهما حالتان تحققان التوازن القوي للحفاظ على ذاته المبدعة، وفق ما هو مستمد من الحقول الدلالية للنص. فالقتل في المعركة يدل على الشجاعة، وهو خير من الذل؛ أي إن الوعي الجمالي القوي والبديع يمتد إلى العنصر التراجيدي ـ المعذب ليثبت مرجعية وظيفية تحاكي الوعي التاريخي الاجتماعي، ومن ثم يمتد إلى الجميل البطولي، وما يقتضيه من حيوية ذاتية عند الشاعر، فتمتلئ نفسه بإرادة القوة التي تتشبث بالمجد فينطلق من خلال المحمول النفسي والاجتماعي ليرفض الذل والخنوع.

ولهذا لا يشفي صدر عدوه من الغيظ إلا أن تنال منه الرماح التي اتصفت بالتشخيص والأنسنة وكأنها هي الفاعل. وهو لا يتوانى عن طلب الجهاد والموت الجليل ليعيش في جنة الخلد بدل أن يموت على فراشه ميتة الذل فلا يفتقده الناس، لأنهم لا يبالون بموته وموتهم ولا يذكرونه بعده، ومن ثم يرى أن الجبان قد يموت على فراشه، على حين يسلم الشجاع الذي يخوض أشد الأهوال وأخوفها. ومن هنا نجده يرتد إلى ذاته الداخلية ليرى فيها أنها أخت الجود وصاحبة القصائد ومنشئة القوافي، وقاتلة الأعداء؛ ما يجعلها تسبق إلى قتلهم وكأنها السم الزعاف لهم.

وكان قد قال من القصيدة نفسها:(17)

أبداً أقطع البلاد ونجمي في نُحوس وهمّتي في سعود

وجاء في قصيدة أخرى ما يعبّر عن قوّة إرادته في ركوب المصاعب، وقد استجاب لما يعتلج في أعماق نفسه في قلقها وحيويتها باعتبارها تكره الخوف، وتشمئز من الانكسار، ومنها:(18)

أُعرّضُ للرماح الصُّمّ نحري وأنصبُ حُرّ وجهي للهجير

وأسري في ظلام الليل وحدي كأني منه في قمر منير

ونفس لا تجيب إلى خسيس وعين لا تدار على نظير

وكف لا تنازعُ من أتاني ينازعني سوى شرفي وخيري

فالرؤية الذاتية للمتنبي تتفاعل في صور حسية فاقعة ومستندة إلى أسلوب التقابل مع أنموذجه المثالي الذي يؤكده في إظهار قدرته وتفوّقه على نفسه في الكرم والعطاء، وكأنه أكثر الناس سخطاً على البخل والظلم. فرؤيته الفلسفية هذه إنما توحي لنا أنه مهموم بالمصير الإنساني القلق؛ ولا سيما حين يعيد القيمة الحقيقية للرأي قبل الشجاعة؛ على حين كان المُعوّل عليه في عصره ـ وفق سيفياته في سيف الدولة ـ ينصب على الشجاعة. فانكسار قوة العقل انكسار للمصير الإنساني وخسارة كبرى للروح الفردية والجماعية، أما خسارة القوة البدنية، فهي خسارة فردية، بيد أنه لا يسقطها من حسابه.

وفي ضوء هذا الفهم فإن فلسفة القوة لديه تقدم الرأي على الشجاعة وأدوات القتال؛ واجتماعهما معاً أفضل من تفرقهما لبلوغ العلياء إذ قال:(19)

الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة بلغت من العلياء كل مكان

ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن الأقران

لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان

ولما تفاضلت النفوس ودبّرت أيدي الكُماة عوالي المُرّان

وقال هذه القصيدة عندما انصرف سيف الدولة من فتح بلاد الروم سنة (345هـ) ويصفه فيها بقوة القلب وشدة البأس؛ بيد أن حكمته وعقله تسبق شجاعته، أي إن شجاعته ملازمة لرجاحة عقله، ولكنها تأتي في مقام صفاته وفضائله بعد العقل والرأي؛ وبهما ينتهي صاحبهما إلى الكمال والعلياء. فقيمة أي شيء تكمن في إدراكه قبل وجوده، وفي كل ما يشي به من دلالات اجتماعية ونفسية، إذا تجاهلنا صلته بالقيم والفضائل. ولعل هذا كله يوحي بالعلاقة الصحيحة بين الواقع بكل قيمه وتجلياته وبين الواقع النفسي، باعتبار علاقة الأصل بظله.

وهذه الفلسفة تستند عند المتنبي إلى المنطق والدليل وهو ما أورده في البيت الثالث والرابع إذ يرى أنه ربما طعن الفتى أقرانه من الأقوياء الشجعان بالمكيدة ولطف التدبير قبل أن يطعنهم بالرماح. ولولا العقل لكان أقل سبع قوة أقرب بالشرف والمكانة إلى الإنسان، ولولا العقل لما تفاضلت النفوس بعضها على بعض والآدمي أفضل من البهيمة لعقله وقال المأمون: الأجساد أبضاع ولحوم، وإنما تتفاضل بالعقول وهذه الرؤية من كلام الحكماء إذ يقال: الإنسان شبح نور روحاني، ذو عقل غريزي لا ما تراه العيون من ظاهر الصورة(20)

وكان قد قال في مدح كافور:(21)

نلت ما لا يُنالُ بالبيض والسُّمر وصُنت الأرواح في الأجساد

وما دروا إذ رأوا فؤادك فيهم ساكناً أنّ رأيه في الطراد

ففدى رأيك الذي لم تُفدهُ كل رأي مُعلّم مستفاد

وإذا الحلم لم يكن في طباع لم يُحلّم تقدُّمُ الميلاد

فبهذا ومثله سدت يا كا فور واقتدت كل صعب القياد

فصورة كافور مرت بمدركات ذهنية وخبرات متتابعة أدت إلى انطباعات محددة، عبر عنها بها الشكل المنطلق من ذاته الفردية المفكرة.

ولعل ما أشرت إليه كاف فيما أرمي إليه لأنتقل إلى الحديث عن القوة المصوّرة لدى المتنبي، وهي التي تبرز فنه بمثل ما تبرز فلسفته وشخصيته.

ب ـ القوة المصوّرة ( المخيّلة):

هناك توافق عجيب بين القدرة على الإبداع وبين الإبداع نفسه ليبرز نمطية الفلسفة التي تثبت العلاقة بين المبدع والإبداع. فالإبداع يرتبط بالقدرة على التخييل في الصور الحسية والمجردة، البعيدة والقريبة، البسيطة والمركبة والاختراع في الأفكار المنبثقة من خصوبة الذهن المشبع بالعناصر الأدبية والثقافية والاجتماعية والفنية فأي شيء خارج الذات أو داخلها لايمكن إلا أن يصدر عن الحواس التي تتكامل مع الحس المشترك لإنتاج صور تمدنا باللذة والإمتاع. وقد أثبت العلم الحديث ظاهرة الجلاء البصري اعتماداً على ترابط المراكز الحسية بعضها ببعض، ومن ثم تكاملها مع العمليات الإدراكية المركبة(22). فالمبدع يرى صورة لشيء لا يراها غيره من خلال تميزه برؤية خاصة، وهي التي يقال لها ـ أحياناً ـ الحاسة السادسة، ما يجعله يرى الأشياء المغيّبة على صورة يتخيلها وتكون كذلك على الحقيقة ما يجعلك تعيش في حالة الإدهاش. ولعل هذه الحاسة تتقاطع مع ما قاله ابن سينا عن إدراك البصر للحرارة من خلال الحس المشترك للقوة المصورة على اعتبار أن المصوّرة هي الخزانة التي تختزن المحسوسات(23).

وإذا وقع الخطأ في التصوير فإنما يرجع إلى الوهم وما يضيفه التخيل إلى الإحساس نتيجة المعاني المكتسبة، والتجارب المعروفة، وفق ما انتهى إليه ابن سينا(24) ؛ دون أن ننسى لحظة واحدة أن الفكر الإنساني عاجز عن إدراك الواقع إدراكاً تاماً، كما انتهى إليه الفيلسوف (عمانويل كانط)(25).

ومن يتعقب الصورة الشعرية عند المتنبي يدرك أنه يتجه إلى الفكرة والواقع باعتبارهما مظهرين لتجليات الذات التي تنطوي على مشاعر متأججة ومؤثرة؛ في الوقت الذي يتوافر لها مضامين جمالية تحرّض الآخرين على الولوج في معرفة كينونتها، وبديع صناعتها، والشعر ـ كما قال الجاحظ ـ: "صناعة، وضرب من النسيج، وجنس من التصوير"(26) وكلها تحقق الفكرة المتخيلة عنده على اعتبار أن الصورة ذات وموضوع. وهذا يعني أن عملية "التخيّل الشعري ليست عملية حرّة وإنما هي مقيدة بشروط العقل، ولهذا يتحول الشعر إلى صناعة عقلية لا يسمح فيها للخيال بالانطلاق حتى لا يصبح مجرد إلهام أو تلويع مستلب"[27]. وربط عملية الإبداع بالعقل "لن يلغي وجود الوسائل التي تجعل القول مخيّلاً، لأن القدرات الإبداعية والابتكارية للتخيل الشعري سوف تستخدم في تحسين أو تقبيح ما يقرره العقل، وسوف تنحصر العملية إذاً في خلق تشكيلات جمالية مؤثرة"(28)

ولهذا فالإبداع التصويري نوع من الخلق الجمالي المعبّر عن حاجات ذاتية واجتماعية وثقافية وفنية تؤكد ذاتها في نظام يغلب على نظام آخر. فالنظام هو الحاضنة التي تضم المرجعيات والأبعاد التي يستند إليها إنتاج ما أدبياً كان أم فنياً أم فكرياً، أم لغوياً،…

ومن يتتبع قصائد المتنبي يلحظ أن قوّة التخييل كانت تتوزع في دوائر إبداعية شتى داخلية وخارجية ولم تكن مجرّد ردّ فعل لظروف خارجية تحيط به، أو مجرد تأثّر ذاتي يصدر عن إعجابه بممدوح ما كسيف الدولة الحمداني، أو إعجابه الشديد بأي موضوع آخر وانغماسه فيه ما يجعل الكلمة المصورة تشبيهاً أو كناية أو استعارة تشكّل النواة والمركز المشع في الصورة الشعرية. فالقوة النفسية ـ مثلا ـ تواقة إلى تجاوز ما تعاور عليها الشعراء في مفهوم اللمحات والسوانح والخواطر، على أهميتها في الإبداع وارتباطها بالإشراق الذاتي والفني، ولكن المتنبي يؤكد ذاته بقوة المخيّلة المنبعثة من أعماق وجدانه وعقله على السواء لتصبح الصورة لديه قادرة على الإدهاش وهي تخرج الخفي غير المدرك إلى صورة مدركة بالحواس، ومن ثم تثير النفس والعقل معاً، ما يعني أن قوة العواطف لديه لا تلغي القوة الذهنية، وهذا شيء ربما يتفرد به دون غيره. ولعل الوقوف عند قصيدته التي وصف فيها الحُمّى تشي بقدرة المخيّلة العجيبة لديه، باعتبارها قوة إدراك، وقوة بناء للعالم الشعري المكون للرؤيا(29). فهو يفاجئنا مفاجأة غير متوقعة وفق ما يقال اليوم عن كسر أفق التوقع في الحديث عن الحمى ومكوناتها الشعرية، إذ يقول:(30)

وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام

بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي

يضيق الجلد عن نفسي وعنها فتوسعُه بأنواع السّقام

إذا ما فارقتني غسّلتني كأنا عاكفان على حرام

كأنّ الصبح يطردها فتجري مدامعها بأربعة سجام

أراقب وقتها من غير شوق مراقبة المشوق المستهام

فهذا المقطع جزء من كل يضعنا في حالة من تولّد الصورة الذهنية من خلال ربط المألوف بغير المألوف ولا سيما حين تحدث عن بذل كل ما هو ناعم من الوسائد والفرش ولكن توقعه في رغبات تلك الحمّى قد خانه. ومن يرغب في معرفة حقيقة هذه الصورة عليه أن يتمثل حقيقتها الثابتة في عناصرها الذاتية والموضوعية، تصور أو شعوراً، أي عليه إدراك الحالات النفسية التي يمر بها الشعور والعقل لكي يحصل على التأثير المطلوب.

وكذلك نرى أن القوة النفسية كانت تتعانق بلغة شعرية مدهشة تنحرف عن كل ما هو مألوف لتمتزج بطريقة البناء المصورة المحاكية للنموذج البطولي المدحي، وهي التي منعت المتنبي من الوقوع في الاختراق السلبي المنظور في قيم القصائد المدحية، ولاسيما إذا قارنا مدائحه بمدائح غيره من الشعراء.

ولا شيء أدل على ذلك كله من مدح المتنبي لسيف الدولة وعتابه في آن معاً في قصيدته المشهورة ومطلعها:(31)

واحرّ قلباهُ ممن قلبُهُ شبمُ ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ

وفيها يتغنى ممتدحاً شعره، من خلال تقنيات لغوية وتصويرية تتكئ على مكونات التنوع والتشويق الصادم للقارئ في دلالته الجمالية التي تحقق لـه التوازن، ولا سيما حين رأى أن وسائل المعرفة والعهود التي جمعت بينهما أعظم من أن تُضيّع فقال:

وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةٌ إنّ المعارف في أهل النُّهى ذممُ

كم تطلبون لنا عيباً فيعجزُكمُ ويكره الله ما تأتون والكرم؟

فما عهدنا شاعراً يعنّف ممدوحه بمثل ما نجده عند المتنبي، فهو يتحدث عن سيف الدولة لافتاً نظره إلى أنه أصغى إلى الطاعنين في المتنبي، يطلبون له عيباً يغضون به من منزلته عنده ولكنهم لن يجدوا شيئاً من ذلك. وحين كان يعرض لذلك كان يؤكد فاعلية الصورة الشعرية في تمثيلها لمشاعره التي تعتلج في نفسه، ما يوحي بأنه يحيل الوجدان الذي يملكه إلى مطالب تعبر عما يتراءى له من خلال الصورة. وبهذا تظهر القدرة الإبداعية عند الشاعر، فهو يقدم بين أيدينا رغباته المكبوتة بوساطة معادل موضوعي تصويري يحوّلها إلى واقع ملموس يجمع بين العقل والوجدان.

ومن ثم فالتخييل الشعري نقل كل ما هو مجرد إلى كل ما هو محسوس ـ والعكس صحيح ـ بأسلوب طريف وتقنيات مدهشة، ووضع الأفكار والرؤى تحت أسماعنا وأبصارنا بكل قوة ووضوح ودقة؛ دون أن يخل بالعنصر العاطفي الانفعالي، ما يجعل التخييل فعلاً إبداعياً يصل بين المبدع والمتلقي لالتقاط نظرية فلسفة القوة عند المتنبي، وهي نظرية تحضر بكل عناصرها الجمالية لتخلق الصدمة المدهشة التي تجمع بين عنصرين أصليين (العاطفة والعقل).

وبهذين المكونين يمكن أن نؤصل لمفهوم نظرية الشعر عند المتنبي، فعندما نستحضر أصل الإبداع ومنطلقه وتكونه ندرك قوة الفن وجاذبيته وجماليته الخاصة به على اعتبار أن العناصر الجمالية مرتبطة بعضها ببعض من خلال الإحساس بالجمال. ومن ثم نفهم طبيعة الفن الشعري عند المتنبي، وانطباقه مع ما انتهى إليه (جورج سانتيانا) في قوله: (( لذّات البصر والسمع والمخيّلة والذاكرة هي أكثر اللذات قدرة على التحول إلى موضوعات جمالية)) (32). ولهذا فإذا كانت الصياغة الفنية صياغة جمالية بما انتهت إليه من صور مبدعة، فإن الوجد والعاطفة تغدو في الوقت نفسه قيمة جمالية لأنها أبعدت عنا مرارة الحياة، وقرّبت التطلع إلى الأمل في المستقبل الجميل الذي ينشده.

3 ـ تجليات صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي:

يرى كثير من الناس أن تصور المفاهيم يتشكل بالخبرة والثقافة والتربية فضلاً عن مبدأ التأثر والتأثير بالبيئة أو الوسط الذي يعيش المرء فيه.

وقد يقع بعض المبدعين في حالة صراع ذاتية وعقلية بين ما نشأ عليه المجتمع وبين ما يرغب فيه ويتصوره ما يجعله يتمرد على غالبية الأعراف والتقاليد والصور القديمة في الحياة والأدب والفن.

ولا ريب في أن هذا التمرد يحتاج إلى قدرات خاصة في الإدراك والحس والخيال ما يؤهلهم لـه، ولعل هذا ما نفذ إليه المتنبي الذي يظل حقيقة ثابتة متفردة في وجوده الشخصي والإبداعي.

وبناء على ذلك كلّه فإن المتنبي لم يعش يوماً حالة من الانكسار سواء تمثل في الاغتراب النفسي أم الاجتماعي أم غيرهما. فهو حاضر أبداً، يشدّه طموحه إلى أعماق نفسه ووجدانه ليطمس كل قلق أو اكتئاب مفتشاً عن آماله الكبرى بعد كل تجربة مخفقة يصاب بها كما ورد في مدح كافور الإخشيدي ولاسيما قوله:(33)

وتعذلني فيك القوافي وهمّتي كأني بمدح قبل مدحك مُذنبُ

ولكنه طال الطريق ولم أزل أُفتّش عن هذا الكلام ويُنهبُ

فالصورة الشعرية الحسية تنبئ بحالات شعورية داخلية ذات أبعاد دلالية مثيرة، فضلاً عن عناصرها الجمالية أسلوباً ولغة، من خلال ضمير المتكلم الذي يعدّ نواة الصورة والفكرة والمشاعر. فالحياة المقترنة بالرغبات تضج بحالة شعرية مدهشة في البحث عنها وسط ازدحام الكلمات وفق ما ذهب إليه كثير من الباحثين والمفكرين عن النفس العاقلة المفكرة، على اعتبار أن لكل موجود وجوداً حسياً وعقلياً في آن معاً، وهي لا تتعامل مع المحسوسات بأسلوب مباشر، بل تتأملها وتفكر فيها بحسب رغباتها وثقافتها وخبرتها.

وكذلك نرى هذا الأسلوب التصويري في ممارسته لفلسفة القوة حين اختار نهايته بإرادته، إنها القوة التي تبرز في بيته الذي قتله:(34)

الخيل والليل والبيداء تعرفني والضرب والطعن والقرطاس والقلم

وهذا الاختيار الحر لممارسة فلسفة القوة؛ وفق مفهوم إرادة الاختيار؛ إنما يكشف عن الاستبطان الداخلي لحقيقة نفس المتنبي وما تملكه من تكوين يبرز تجليات القوة والإرادة باعتبار ما نشأت عليه من مفاهيم ومثل وما حملته من مبدأ التغذية الراجعة لثقافته ومبادئه ذاتياً وموضوعياً، وهي تغذية تحقق لـه عملية التوازن بين ما يؤمن به وما يفعله؛ على اعتبار أن فعله محاولة للاستجابة الذاتية بين ما يقوله نصّه الإبداعي وبين عالمه الخارجي. فالمعطى الحقيقي لمرجعية فلسفة القوة في النص المشار إليه ـ على ما يحمله من تقانة فنية أدبية وجمالية ـ أكّد ثباته شكلاً ومضموناً في صياغة واقعية أثبتت تناغمه مع فلسفته؛ ومن ثم كان انتماؤه إلى فلسفته سبباً في مقتله، وهو ما لا نجده عند شاعر آخر.

ومن ثم احتذى أبو الفضل الهمذاني حذوه حيث قال:(35)

إن شئت تعرف في الآداب منزلتي وأنني قد عداني الفضل والنعم

فالطّرف والقوس والأوهاق تشهد لي والسيف والنّرد والشّطرنج والقلم

وصور تجليات فلسفة القوة عديدة في صورة الدهر والحاكم الأمير والقائد والحرب والمرأة والإبداع ذاته تخييلاً وأسلوباً…

1 ـ صورة الدهر أو الزمان:

سبق أن بيّنا تصور الذهن الإبداعي لكل من الحقائق والأفكار والأشياء والفنون و … وكل صورة تكون محدودة بتصور ما في ذاكرة صاحبها وفي الذاكرة الجمعية للناس، ما يؤدي إلى تشكل جملة من الرموز الدلالية المشتركة للناس أو أغلبهم، ما يجعلنا نرى أن قيمة التعبير تكمن في دقة الملابسة أو المشاكلة بين التركيب والمعنى.

وعلى الرغم من هذا فإننا نذهب إلى أن التصورات العديدة لا تستند إلى مبدأ التماهي في التراكم الثقافي العام وإنما تستمد فرادتها عند بعض المبدعين المتميزين من فعّالية النشاط الذاتي لديهم، فضلاً عن رهافة حساسيتهم ودقة وعيهم لإعادة صياغة واقعهم وثقافتهم انطلاقاً من استجابة حسية لموضوع ما. فالشاعر المبدع يستطيع الإفصاح عن مشاعره من خلال الأدوات اللغوية في صياغة الصورة المنشودة لديه، ويعتمد في ذلك على الموهبة والذاكرة الثقافية والفنية.

ومن يقرأ شعر المتنبي فإنه سيقع على صورة شعرية حملت جملة من الأنساق الثقافية التي غايرت الأنساق القديمة ومفاهيمها الموروثة. فقد سادت في التراث العربي صورة نمطية للدهر أو الزمان الذي ينزل نوائبه وصروفه بالكون والحياة والإنسان؛ إنها صورة للخُصومة والنزاع المستمر، كما نجده عند تميم بن مقبل؛ حيث يقول:(36)

إن ينقُض الدّهرُ مني مرّة لبلىً فالدهر أرودُ بالأقوام ذو غير

وقال:(37)

إن يُنقض الدهرُ مني فالفتى غرضٌ للدّهر من عُوده واف ومثلومُ

وإن يكن ذاك مقداراً أُصبتُ به فسيرة الدهر تعويجٌ وتقويم

فهذه الصورة التقابلية بين الشاعر والدهر تبرز من خلال اللغة المتضادة كما يتضح في (واف ـ مثلوم) و (تعويج ـ تقويم). ولعل هذا يضفي على النص أبعاداً درامية مستمدة من الموروث الشعري.

وحين ننظر إلى فلسفة المتنبي ورؤيته للصورة المتوارثة للدهر في أدبيات العرب وفلسفتهم يتضح لنا أنها مغايرة لديه عما وجدناه فيها. وإن أقرّ بصروف الدهر(38) ـ حيناً ـ فإنه لا يستكين لها؛(39) وإنما يدفعها بكل ما يملك من همّة عالية ومال ورجال، فيقول:(40)

ليس التعلل بالآمال من أربي

ولا القناعةُ بالإقلال من شيمي

وما أظنُّ بنات الدهر تتركني حتى تسُدّ عليها طُرقها هممي

لُم الليالي التي أخنت على جدتي برقّة الحال واعذرني ولا تلُم

فالتقابل بينه وبين الدهر يمثل صورة القوي أمام الأقوى، وبهذا يذهب في التخييل إلى ما يؤدي به إلى الوقوف عند جزئيات كثيرة توطّن عنده مفهوم الانهزام أمام الدهر، وهو الذي لم يتخاذل أمام أحد.

وكذلك يقر بطاعته للدهر لأن الحسين بن إسحاق التنوخي يطيعه؛ فيقول في مدحه له:(41)

أطعناك طوع الدهر يا ابن يوسف لشهوتنا والحاسدو لك بالرّغم

ومن ثم فالدهر لا أمان لـه، وأمره مذموم، شديد مكره، ولا هو ممن يشتاق فيه إلى نسل؛ لأن مآل الحياة فيه إلى الموت، والنسل إلى القبر بعد طول تعب ومعاناة فيقول:(42)

وما الدهر أهلٌ أن تُؤمّل عنده حياةٌ وأن يُشتاق فيه إلى نسل

ويقر أيضاً بصحبة الناس للزمان وإصابتهم بغصصه، إذ مرة يحسن ومرة يكدّر ويسيء، بل إذا أحسن فإنه لا يتم إحسانه. أي أن واقعه النفسي يعاني أشكالاً عديدة من المسلمات التي تواضع عليها الناس؛ على اعتبار ما يعرف بالوسط الذي نشأ فيه وشكل العديد من آليات التحفيز (Incevtre) ما أدى به إلى مواجهتها بآلية الدفع لديه (Motire) وفضها ما لم تتوافق معها(43).

لهذا لابدّ من مجابهة الزمان بقوّة وثبات وشجاعة، والموت سينال من الشجاع والجبان، وشتان بينهما في المنزلة في الدنيا والآخرة فيقول:(44)

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا وعناهم في شأنه ما عنانا

وتولّوا بغُصة كُلّهُم منه وإن سرّ بعضهم أحيانا

رُبّما تُحسن الصنيع لياليه ولكن تكدّر الإحسانا

وكأنّا لم يرض فينا بريب الدّهر حتى أعانه من أعانا

كُلّما أنبت الزمان قناةً ركّب المرءُ في القناة سنانا

ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه، وأن نتفانا

غير أن الفتى يلاقي المنايا كالحات ولا يلاقي الهوانا

ولو ان الحياة تبقى لحيّ لعدونا أضلّنا الشجعانا

وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ فمن العجز أن تموت جبانا

كُلُّ ما لم يكُن من الصعب في الأنفُس سهلٌ فيها إذا هو كانا

ولذلك فهو يدفع أذى الدهر بالشجاعة والكرم وتدبير شؤون الرعية في السلم والحرب(45). وفي ضوء ما تقدّم فإن رؤية المتنبي للدهر تغاير المألوف من الرؤى القديمة، بل تثور عليها حين يجعل الممدوح أو نفسه صورة للدهر ومعنىً له؛ كما في قوله مادحاً أبا العشائر:(46)

الناس لم يروك أشباهُ والدّهر لفظ وأنت معناه

والدهر قد يخطئ بحق ممدوحه ولابدّ له من الاعتذار إليه كما يشي به قوله:(47)

الدهر معتذرٌ والسيفُ منتظرٌ وأرضهم لك مصطاف ومُرتبع

ومن ثم تنكسر الصورة النمطية لقوة الدهر ليصبح مطواعاً للممدوح ينفذ لـه ما يريد، كما يدل عليه قوله في مدح عبد الواحد بن العباس (الكاتب)؛ إذ يرى أن الممدوح إذا أراد شيئاً وافقه القضاء عليه، وأبلغه الدهر مراده؛ ولم يعصه أبداً:(48)

نفذ القضاء لما أردت كأنه لك كلّما أزمعت شيئاً أزمعا

وأطاعك الدهر العصيُّ كأنه عبدٌ إذا ناديت لبى مسرعا

ولا عجب بعد ذلك كلّه أن تظهر قوة الممدوح في الإفناء والقتل والسيطرة مماثلة لقوة الزمان؛ إذ يقول في القصيدة السابقة:(49)

نفسٌ لها خُلُقُ الزمان لأنه مُفني النفوس، مُفرّقٌ ما جمّعا

بل إنه لن يرضى من الدهر بما يجود به؛ وهمته لا تقبل برغبات الدهر ونوازعه، وإلا فأين طموحه وفضله عليه؟ إذ يقول:(50)

أين فضلي إذا قنعتُ من الدّهـ ـر بعيش مُعجّل التنكيد

ضاق صدري وطال في طلب الرز ق قيامي وقلّ عنه قُعودي

ومن ثم ينظر إلى الدهر نظرة غير محايدة باعتباره عدواً لـه يقاتله ويرميه بأحداثه وهو وحيد لا ناصر لـه، فيقول في مطلع قصيدة يمدح لها علي بن أحمد بن عامر:(51)

أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر وحيداً، وما قولي كذا ومعي الصبر

وأشجعُ مني كل يوم سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمرُ

فلم يكن بقاؤه إلا لأمر عظيم سيتجلى على يديه، لأن المصائب والحوادث لم تصبه فيقول متابعاً:

تمرّستُ بالآفات حتى تركتها تقول: أمات الموت أم ذُعر الذُّعر!!

ولهذا فهو يجعل الدهر من أتباعه يسخّره لإنشاد شعره فيقول:(52)

وما الدهرُ إلا من رواة قلائدي إذا قلتُ شعراً أصبح الدهر منشدا

فسار به من لا يسير مشمّراً وغنى به من لا يغنّي مُغرّدا

2 ـ صورة الحاكم والأمير والقائد:

إن إحصائية دقيقة للألفاظ التي تدور حول صورة الحاكم وقوته، أو الأمير والقائد السياسي والعسكري تؤكد أن فلسفة القوة تستند إلى الإرادات الثلاث من خلال مبدأ المراجعة الشاملة لعدد من الصور الشعرية القديمة والمعاصرة للمتنبي. فهو يعيد علينا أفكاره وصوره بأساليب قد تظهر للوهلة الأولى أنها متماثلة مع غيره؛ بيد أنها تؤكد فرادتها من خلال استثارات مغايرة وفق استجابات ذاتية وموضوعية تبرز صورة (الأنا) عند الشاعر؛ ولكنها (أنا) غير مريضة؛ بل تتّصف بالثبات والعزيمة والثقة بالذات.

ويمكننا في هذا المجال أن نستجلب صورة ممدوحه كافور، وصورة الأمير الحمداني سيف الدولة. وفي كلتيهما يضعنا أمام فلسفة تكشف عن مهارة عجيبة في إبراز ذاته، وتقديمها بأسلوب جمالي يؤدي وظائف كثيرة.

فهو يمدح كافور الإخشيدي بقوله:(53)

شللت سيوفاً علّمت كلّ خاطب على كُلّ عُود كيف يدعو ويخطبُ

ويغنيك عمّا ينسُب الناس أنه إليك تناهى المكرمات وتُنسب

وأي قبيل يستحقك قدره معدُّ بن عدنان فداك ويعرُب

وما طربي لما رأيتك بدعةً لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب

فهو يؤكد صفة القوة عند كافور حين يراه أنه أخذ البلاد بقوة السيف؛ ومن ثم صار كل خطيب يخطب باسمه. فقد استغنى حين وصفه بالقوة عن نسبته إلى قبيلة من القبائل التي يفتخر الناس بالانتساب إليها والتي تنتهي إلى عدنان أو يعرب؛ ثم انتهى في البيت الأخير إلى صورة مضحكة لهذا الممدوح الذي طرب المتنبي برؤيته وفرح.

وفي ضوء هذه الصورة الشعرية نتذكر ما كان المتنبي يقول في كافور: ((لو قلبت مدحي فيه كان هجاءً)(54)

فهو في البيت الأول يشي بأن الناس لم يذعنوا لـه طاعة ورغبة، وإنما أذعنوا له خوفاً ورهبة، على حين ينفي عنه صفة النسب الأصيل، وهي صفة يعدها المتنبي جزءاً من فلسفة القوة إلى جانب صفة الإيمان بالله حيث يقول في مدح سيف الدولة:(55)

فأنت حُسام المُلك والله ضارب وأنت لواء الدين والله عاقد

وأنت أبو الهيجا ابن حمدان يابنهُ تشابه مولودٌ كريمٌ ووالد

وحمدانُ حمدونٌ، وحمدون حارثٌ وحارثُ لقمانٌ، ولقمان راشد

أولئك أنياب الخلافة كلّها وسائر أملاك البلاد الزوائد

فالمتنبي يرى في حسام سيف الدولة ما لم يره في حسام كافور؛ فسيف الدولة للمُلك بمنزلة الحسام ولكنه لا يضرب به إلا تجسيداً لإرادة الله، باعتباره حاملاً لواء الدين الذي عُقد له لا لغيره. ومن ثم فقد رأى أن هذه المكارم متوارثة فهو يشبه أباه، وأبوه يشبه أباه إلى آخر الآباء.

وفي هذا المقام لا ننسى أن فلسفته لقيمة النسب تعادل قيمة الثقة بالذات لديه كما في قوله:(56)

لا بقومي شرُفتُ بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي

وبهم فخر كل من نطق الضا د وعوذ الجاني وغوث الطريد

ففي هذه القطعة وأمثالها نستشعر قيمة الحساسية العالية وقد حقق منزلة متميزة في الحياة والشعر، ما جعل الذات الشاعرية الواعية تتفجر بالتفاخر في إطار الهاجس الكوني الذي يبدد اليقين، ويهدد الوجود فلمّا ربط ما هو عليه من مجد بما كان عليه آباؤه، وأجداده لم يكن يفكر تفكير القدماء بقيمة النّسب ووظائفها الاجتماعية فحسب وإنما كان حريصاً على جعل هذه القيمة الكبرى جزءاً من تجربته الخاصة باعتبارها تجربة تؤكد الوجود الإنساني؛ فهي تجربة تعبّر عن أبعادها الواقعية الدقيقة؛ ولا تصدر إلا عن وعي المتنبي بحقائق الوسط الذي يعيش فيه. وهذا ما نجده في المقطع الآتي؛ من قصيدة لـه؛ وفيه ينتشي بنشوة الخلق الإبداعي الذي يرد فيه على كل من يعبث بمكانته عند سيف الدولة.

فالمتنبي لا يتوانى عن إظهار ثقته بنفسه وهو يمدح سيف الدولة ويحذر من بواعث الظن والوهم في إطار من الحكمة البديعة كما تبرزه قصائد عديدة له ومنها قوله:(57)

يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

أُعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظُّلم

فسيف الدولة الموصوف بالعدل وكرم الفعال قد أخرج المتنبي من فضله؛ ولهذا فهو يشكوه إلى نفسه، ويستدعي عليه حُكمه العادل والصادر عن رؤية صائبة تميز بين الشحم والورم، أو السمن والصحة، وطالما عرف بصدق نظرته التي تفرق بين النور والظلمة.

ونكتفي بهذا لننتقل إلى صورة أخرى من تجليات فلسفة القوة والإرادة عنده ممثلة بصورة الحرب.

3 ـ صورة الحرب وفلسفة القوة والإرادة:

يحتاج المجد العظيم إلى القوة، والقوة تحتاج إلى الشجاعة والحكمة والعمل الدؤوب والصبر والعزيمة، وتصبح أدوات القتال خيلاً وسيفاً ورمحاً وسهماً من مسلتزمات القوة وطبيعتها، وكلها مما يحوزه القائد الفارس في معاركه. ولعل هذا أكثر انطباقاً على قصائده التي مدح بها سيف الدولة ووصف معاركه فيها؛ وهي القصائد التي أطلق عليها تسمية (السيفيات). وفيها تظهر فلسفة القوة المادية والمعنوية بكل تجلياتها المعبرة عن الإرادات الثلاث إرادة الشعور وإرادة القوة وإرادة الحياة. ومن ثم تصبح تجليات صور القوة المتنوعة أساس وحدة القصيدة؛ وهو ما نراه في قصيدته المشهورة (على قدر أهل العزم)، فالقوة تطالعك من مطلعها حتى ختامها؛ ومنها قوله:(58)

على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظمُ في عين الصغير صغارها وتصغُر في عين العظيم العظائم

يُكلّف سيف الدولة الجيش همّه وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم

ويطلب عند الناس ما عند نفسه وذلك ما لا تدعيه الضراغم

يفدّي أتمُّ الطير عُمراً سلاحهُ نسور الفلا أحداثها والقشاعم

وما ضرّها خلق بغير مخالب وقد خُلقت أسيافه والقوائم

إن نظرة عجلى على صعيد الألفاظ والتراكيب والصور تثبت لك أن هذه المقدمة لا تعبّر إلا عن فلسفة القوة الذاتية والموضوعية. وحين تستجيب القراءة لقيم الدوافع المحركة للنص فإنها توقفك عند قيم تعبيرية محكومة برمزية الصور الحسية التي تشي بصور ذهنية تؤكد القدرات الذاتية التي يمتلكها المتنبي، والقدرات الموضوعية التي يتصف بها سيف الدولة وجيشه. فهناك تعاون حقيقي فاعل بين العناصر المشتركة للصورة الحسية وبين التجربة والثقافة للمتنبي حتى أمكنه من أن يتلقاها بحاسة واحدة كما نفيده من أرسطو في حديثه عن الوظائف الثلاث للحس المشترك، ولا سيما قوله: "إن كان الإدراك بالبصر هو النظر إلى الشيء، والمنظور إليه لون أو كان له لون فالإنسان إذ نظر إلى المنظور فأول ما ينظر إلى لون، فاللون أول منظور إليه. وبهذا يستبين أن الإدراك بالبصر ليس هو شيئاً واحداً: لأنا قد نرى وإذا لم نر فنحن قاضون على الضوء والظلمة على نحو واحد"(51).

وهذا يعني أن كل شيء إنما هو ناتج عن محسوس له موضوع ما في عضو خاص ـ وهنا هو البصر ـ ولكن حركته في النفس قد تأخذ بعداً آخر وفق نظرية الاستقبال المستندة إلى التأثير والتأثير ما يجعل إدراك العرض غير متطابق مع إدراك الجوهر، علماً أن الحس المشترك يدرك أشياء مجتمعة في وقت واحد. فاللون الأصفر لا يدل بالضرورة على أنه مر بالمطلق، والإجاز أن يدرك الحلو بالبصر.. ما يعني أن الحس المشترك يعيد صاحبه إلى تذكر ذلك كله.

وفي ضوء ما تقدم ندرك أن المتنبي قد أجاد (59).في تحقيق الاستجابة الفنية الدالة على حالات التعالي المؤكدة للانتصار، في الوقت الذي أحسن في التعبير عن قبح الهزيمة التي تعرض لها جيش الروم, فوصل في مرتبة الشعر إلى مرتبة الجميل الرائع في الحالين من خلال الحس المشترك بوساطة الإدراك العقلي الذي يمثل روح الجمال وماهيته كما انتهى إليه ولتر ستيس(60). وهذه هي صفات القوة في شعره.

وسأدع لك ، الوقوف عند الألفاظ الدالة على القوة، وتكرارها، واستثارة العقل على الموازنة بين الضعف الجبان، وبين القوي الشجاع؛ وكيف ينحاز المتنبي إلى سيف الدولة الذي استطاع ـ من خلال ما يحمل من طموحات وآمال عظيمة ـ أن يكون متفرداً في قدرته وشجاعته، وأعماله… فلا غرو بعد هذا أن تفديه الكواسر الجارحة بنفسها لأنه أراحها من طلب الطعام والسعي وراءه، بعد أن وفّره لها. ولعل هذه الصورة تستدعي لدينا صورة أخرى من القصيدة تنشلنا من مطب الرتابة والملل الذي نستشعره ونحن نقرأ بعض قصائد لشعراء آخرين في صفة المعارك. فالصورة عند المتنبي لا تحتفي فقط باللون والحجم والحركة، ولا تجعل الصورة مجرد رؤية واقعية لمشهد المعركة الذي يراه وإنما ينتقل إلى عناصر كثيرة تجمع بين الثقافة والخبرة للعديد من الظواهر الاجتماعية والفنية كما نجده في حديثه عن وصف قتلى الأعداء، إذ يقول:

نثرتهم فوق الأُحيدب نثرةً كما نُثرت فوق العروس الدراهم

ومن قبل كان قد وضعنا في جو المعركة الطبيعية وفي حضنها وهو يرى حركة الخيل تزحف على بطونها كما تزحف الأراقم:

إذا زلقت مشيّتها ببطونها كما تتمشّى في الصّعيد الأراقم

لهذا تختلف نسبة الإدراكات الحسية عند المتنبي عما نجدها عند غيره فهو يعمد إلى تصوير الإيقاع الموسيقي ليدخل الصوت والجلبة في صميم اللون والحجم والحركة كما في صورة قلعة الحدث، إذ يقول:

هل الحدث الحمراء تعرف لونها وتعلمُ أيُّ السّاقيين الغمائم

سقتها الغمام الغُرُّ قبل نزولـه فلما دنا منها سقتها الجماجم

بناها فأعلى والقنا يقرع القنا وبوح المنايا حولها متلاطم

وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم

هنا تكمن القيمة المهيمنة ليقينيات المتنبي المشبعة بنزوعها الوجداني، والمحمولة على واقع بطولي يؤكد ذاته في العديد من معارك سيف الدولة الذي علّق القتلى على جدران القلعة حتى سكنت الفتنة؛ فجعل جثث القتلى كالتمائم التي أذهبت عنها كل جنون. ومثل تلك الصورة المركبة في الصور الحسية المستندة إلى الحس المشترك نجدها في مقطع صفة جيش الروم بدلالته الرمزية. وهي صور لا تُعنى إلا بالقوة والقدرة والإرادة ابتداء بكثرة السلام وعدده ونوعيته وانتهاء بعظمة الجيش عدداً وقدرة وثباتاً، ومنه:

أتوك يجرون الحديد كأنهم سروا بجياد ما لهنّ قوائم

إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ثيابهم من مثلها والعمائم

خميس بشرق الأرض والغرب زحفُه وفي أذن الجوزاء منه زمازم

وهكذا تستمر حتى النهاية، ما يعني أن مكوّنات فلسفة القوة ذات اتجاهات متعددة وتجليات متنوعة بما فيها قوة التخييل. فالتخييل يعد نمطاً جديداً يبرز عبقرية المتنبي في اختراع معانيه وصوره؛ ويثبت ذاتيته الفردية الخاصة التي تتميز بالانفعال الجمالي الجامع للبهاء والصدق، بمثل ما يثبت إبداعه الرائع قيمة الرونق والإثارة، وبخاصة حين وصف خيل سيف الدولة التي فاجأت الروم، إذ لم يشعروا بها إلا مغيرة عليهم؛ تريهم قبح فعلها على الرغم من جمال شكلها، فهي متناهية في الحُسن؛ إذ يقول:(61)

وخيل براها الرّكضُ في كل بلدة إذا عرّست فيها فليس تقيل

فلمّا تجلّى من دلُوك وصنجة علت كلّ طود راية ورعيل

فما شعروا حتى رأوها مُغيرةً قباحاً وأما خلقها فجميل

فالعلاقات الجديدة للصور والأفكار، واللغة والأساليب البلاغية الثرية ليست ذات اتجاه مباشر وأحادي في الوقت الذي تبتعد فيه عن الغموض والرمزية والتعقيد؛ وإنما تتجه إلى التخييل في شخصية البطل العسكري (سيف الدولة) لترسمه ـ وهو يخوض معاركه مع الروم ـ في صورة فنية دقيقة ومثيرة سواء من خلال وصف الخيل القادرة على الفعل، والمالكة لكل صفات الصبر والتحمل والبلاء في المعركة أم من خلال تشخيص صفات الممدوح البطل الذي يطارد الأعداء على اعتبار أنه بطل أسطوري من أبطال الملاحم الكبرى. وقد حقق لنا الشاعر ذلك كله من خلال عرض مشاهده المتابعة والمتركزة في مبدأ إرادة القوة أو إرادة الاختيار المعبر عن فلسفة عميقة، وفهم بديع لصفات ممدوحه. فحين عظم سيف الدولة وتميز بصفات القائد الحكيم الخبير بالمعارك وفنونها وتحلى الشاعر برؤية عقلية وفنية وحس متوقد وموهبة فذة استطاع أن يلتقط خياله جملة من المشاهد الدرامية التي امتلأت بالحركة والصراع، والإيقاع القوي للتعبير عن تلك الشخصية الفريدة. ومن ثم فالصورة قائمة على الطرافة من خلال تقنياتها الحسية والمتخيلة، ولا سيما حين شدّد على البنى اللغوية للصفات الدائرة في فلك الأسماء التي تمثل النواة في الصورة، والمركز في الأسلوب. وليس هناك شك في أن الانطباعات البصرية والسمعية قد دخلت في تكوين الصورة الفنية والجمالية ولكنها انطباعات تكاملت مع عناصر أخرى عديدة كونت هذه الصورة ورفعتها إلى درجة عالية من الإمتاع والتأثير، وفق ما ذهب إليه بنديتو كروتشه(62).

وما وقع عليه شاعرنا يدل على قدرته النادرة في عرض مشاهد درامية تمتاز بالوحدة العضوية في استحضار صورة المعركة وكأنها ماثلة أمامنا، ولا سيما حين نقل لنا كل حركة ونأمة لم يغفل عن أي خط من خطوط لوحته.

ويظل سيف الدولة عند المتنبي النموذج البطولي المثالي لقوة الفارس التي تتجلى بأشكال فكرية ومادية متفردة ومتنوعة. فالغزوة التي رمى بها الروم لم تكن إلا بديهة خطرت لـه، ولكنها كانت جليلة وعظيمة، وإذا همّ بأمر أنفذه بجيش قوي حافل يقدم على الأعداء ويطؤهم بوطء ثقيل؛ وقد اقترن مع هذا الفعل الجميل تلبية أدوات القتال التي كان يصطنعها من سيوف ورماح وسهام لكل رغباته.

ومن ثم تتجلى في صوره الحربية ملامح فلسفة القوة لديه باعتبار ما تعبر عنه رؤيته الذاتية والموضوعية للإرادات الثلاث؛ فضلاً عن تفرده بصفات لا يمكن لأحد غيره أن يأتي بها أو ينجزها، كما نراه في قصيدته الآنفة الذكر، وفيها يقول ـ أيضاً ـ(63)

وما قبل سيف الدولة اثّار عاشق ولا طُلبت عند الظلام ذحول

ولكنه يأتي بكل غريبة تروق على استغرابها وتهول

رمى الدرب بالجُرد الجياد إلى العدا وما علموا أن السهام خُيول

شوائل تشوال العقارب بالقنا لها مرحٌ من تحته وصهيل

وما هي إلا خطرة عرضت لـه بحرّان لبّتها قناً ونُصول

هُمام إذا ما همّ أمضى همومه بأرعن وطءُ الموت فيه ثقيل

ولعل التجربة الجمالية الجدية لفلسفة القوة في رسم شخصية ممدوحه تستمد مادتها من الواقع الذي يراه الشاعر في هذا الممدوح دون غيره؛ إنه واقع يوحّد بين فلسفته وصفات ممدوحه. فلما عثر على رجل يمتاز بكل تجليات القوة وأنواعها، واكتملت في ذهنه صورة النموذج البطل استطاع أن يعبر عن ذلك في إنه الأصيل، والفن الحقيقي إنما هو إعادة صياغة للعالم من خلال وحدة الشعور والموضوع.

4 ـ صورة المرأة ومفهوم القوة:

لم تغب فلسفة القوة عن رؤيته للمرأة سواء كان تصويرها لـه في معرض المقدمات الغزلية، أم المراثي، فكلتاهما تحمل صورة المرأة الممنّعة القوية المترفعة.

وما تفرّد المتنبي في صوره الغزلية إلا انبثاق من إدارتها على المشاكلة بين المقدمات وبين الغرض الأساسي؛ حتى يستشعر المتلقي عظمة تلك المرأة بكل تجلياتها وكأنها مقدمة لعظمة ممدوحه في المدح، ومكانته الكبرى في الرثاء؛ على اعتبار العلّة والمعلول. ومن ثم فالمرأة القوية هي التي تسكن قلبه، على الرغم من أنها لا تنيله طلبه كما في قوله يمدح المغيث بن علي بن بشر العجلي:(64)

دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا لأهله وشفى أنّى ولا كربا

عُجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا من العقول وما ردّ الذي ذهبا

ثم قال:

هام الفؤاد بأعرابية سكنت بيتاً من القلب لم تمدُد لـه طُنبا

بيضاء تُطمعُ فيما تحت حُلّتها

وعزّ ذلك مطلوباً إذا طُلبا

كأنها الشمس يُعيي كفّ قابضه شعاعها ويراه الطّرف مُقتربا

مرّت بنا بين تربيها فقلت لها: من أين جانس هذا الشادنُ العربا

فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يُرى ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا

جاءت بأشجع من يُسمى وأسمح من أعطى وأبلغ من أملى ومن كتبا

سأترك الحديث هنا عن الصور البصرية التي رصفت رصفاً جمالياً مثيراً لتبث ما في نفسه من حيوية وقدرة؛ وسأترك تضافر العديد من الصور فيما بينها ولا سيما الصورة البصرية (حركة ولوناً وحجماً) وهي تتوهج بكل عناصر الجمال، ولا سيما حين تؤكد ذاتها بهذه النضارة المنبثقة من فوران الشباب عند تلك المرأة…

سأترك ذلك كله لأقف عند الدلالة الرمزية لحيوية الشباب التي منحت تلك المرأة سلطانها المؤثر والقوي وهي تتجاوز ساحة الحي دون أن تأبه لأحد، وهذا ما يميزها من غيرها.

ومن هنا يمكن للمرء أن يدرك المشاكلة بانتماء المرأة إلى بني عجل بمثل انتماء ممدوحه؛ ولهذا فلا يعقل أن يكون معرض الغزل بها للغزل الصريح، وإنما ليمثل حالة من مشاكلة قوة تلك المرأة وصفاتها الأخرى التي تفرّدت بها كما تفرّد ممدوحه بصفات معينة كالشجاعة والسماحة، والتوقّد. ولابأس أن نعيد النظر في قوله (فاستضحكت…) وهو البيت الذي يمثل جسر الانتقال إلى غرض المدح. فالمرأة التي مرّت بين مثيلاتها في السن قد شابهت ظبياً والظبي يشبه العرب، ثم يتكشف لنا أنه اختار من العرب بني عجل، ومنهم المرأة والممدوح الذي يُرى كأنه أسد(65).

وعلى الرغم من ندرة المقدمات الفنية الغزلية، ومقدمة الرحلة/ رحلة الظعائن؛ فإنها تتصل بملامح القوة سواء ارتبطت به أم بممدوحه. فهو يحدثنا عن امرأة قوية قاسية، وهي ـ في آن معاً ـ مكتملة الصفات المادية والمعنوية. وحين تعلق بها تركته سقيماً يقلقه السهاد ما جعله يبذل روحه لها، وهو راض بذلك فلتفعل به ما تشاء؛ لأن البطل إذا صادته مثل هذه المرأة الحسناء فهو أهل لما حلّ به من الضنى فيقول:(66)

كُلُّ خُمصانة أرق من الخمر بقلب أقسى من الجلمود

جمعت بين جسم أحمد والسُّقم وبين الجفون والتسهيد

هذه مهجتي لديك لحيني فانقصي من عذابها أو فزيدي

أهلُ ما بي من الضّنى بطلٌ صيد بتصفيف طُرّة وبجيد

ثم تمتزج صورة القوة بالمرأة، لأن المرأة تمثل المنعة والعزة ما يجعل المرء يركب كل أنواع المصاعب الكبرى ليصل إليها كما في قوله:(67)

عذيري من عذارى من أمور سكنّ جوانحي بدل الخدور

ومبتسمات هيجاوات عصر عن الأسياف ليس عن الثغور

ركبت مشمّراً قدمي إليها وكُلّ عُذافر قلق الضُّفُور

فالمتنبي يرى أن الأمور العظيمة قد سكنت قلبه واتخذته بيتاً لها وخدراً؛ كما تفعل النساء. ومن ثم فإذا تركنا الملابسة في لفظ (عذارى) بين دلالته على البنات الخادرات، وبين الخطوب الكبيرة فإننا لن نترك دلالة (مبتسمات هيجاوات…) فاللفظان يعطفان على (عذارى) ما يعني ـ مرة أخرى ـ أن العذارى المبتسمات يبتسمن هيجاوات عن بريق السيوف وليس عن الثغور… وتغدو المشاكلة متأصلة في ألفاظ عديدة بين المرأة والهيجا (الحرب) وكلّها تؤكد فلسفة القوة التي تتصف بها المرأة، وما تفرضه على الرجل من ركوب الأهوال إليها كما يركب كل قويّ من الإبل للوصول إلى ساحة المعركة.

وهناك أنموذج آخر من المشاكلة من التداخل في القوة بين المرأة وسيف الدولة ما يؤصل لتفرّد المرأة عنده وارتفاع مكانتها كما يظهر في بعض قصائده التي مدحه بها، وفيها تظهر المقدمة الغزلية جزءاً لا يتجزأ من المدح سواء في قصيدته ذات المطلع:(68)

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي وللحبّ ما لم يبق مني وما بقي

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق

أم في قصيدته الأخرى ومطلعها:(69)

لياليّ بعد الظاعنين شُكول طوال وليل العاشقين طويل

يُبنّ لي البدر الذي لا أُريده ويُخفين بدراً ما إليه سبيل

وتنكشف صورة البدر عن حقيقتها، فهي ليست للمرأة الراحلة وإنما هي صورة سيف الدولة كما تبرزها القصيدة.

ولا بأس من أن نتأمل هذه المقدمة في شيء من الصبر لنربطها بالقسم الخاص بالمدح، أما إذا وقفنا عند شكلها الغزلي ولم ندرك ما وراءه من رموز دلالية قتلنا جمالية النص. فالشاعر مهموم بما ابتلي به المسلمون على أيدي الروم؛ ويرى في عنف الليالي التي أخفت البدر الحقيقي معادلا رمزياً لهمه الذي يصبر على حمله لما يمتلكه من عزيمة وإرادة. ومن ثم ما يزل مترقباً ظهور البدر حتى يلقاه متمثلاً بسيف الدولة بدرب القلة عند ضوء الفجر فإذا به ينتصر لـه من الليل البهيم؛ بل إن الفجر ـ المرموز لـه بالممدوح ـ هو الذي قتل الليل ـ المرموز لـه بالهموم كما يقول:

وما عشت من بعد الأحبة سلوة ولكنني للنائبات حمول

لقيت بدرب القُلّة الفجر لقية شفت كمدي والليل فيه قتيل

ولهذا تظهر صورة البطولة صورة غريبة تبهر المتلقي وتثير إعجابه على غرابتها كما يقول في:

ولكنه يأتي بكل غريبة تروق على استغرابها وتهول

هكذا نستشعر أن صورة المرأة في شعر المتنبي تمثل فلسفة القوة لديه بكل رموزها المتضافرة مع الرؤى الاجتماعية والفكرية، وهي تتعاون في عالم الخيال مع مشاعره الروحانية الراقية التي تعتمد على الحس المشترك.

ونكتفي بهذه اللقطات السريعة لتجليات صورة القوة والإرادة بما يؤكد إعجابنا بالمتنبي؛ قدرة ونباهة، تفرداً وإدهاشاً على الصعيدين الشخصي والفني وفق ما يؤكده حديثه الغزلي في مقدمة قصيدة لـه يمدح بها سيف الدولة ويعتذر إليه ومنها:

أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل

ظللتُ بين أصيحابي أكفكفُه وظل يسفحُ بين العُذر والعذل

وما صبابة مشتاق على أمل من اللقاء كمشتاق بلا أمل

متى تزُر قوم من تهوى زيارتها لا يتحفوك بغير البيض والأسل

فهو في هذا المقطع يثبت تعذر زيارة محبوبته لما تتمتع به من المنعة والرفعة، ما يجعلنا ندرك دلالة سفحه للأعذار في البيت الثاني بدل الدمع، ويظل أصحابه يسفحون العذل.

وبناء على ما تقدم يمكننا أن نطمئن لوضع صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي بين يدي المتلقي؛ وما عرضنا لـه يظل نماذج للتمثيل ليس غير. ونرى أن فلسفته تكمن في هواتف النفس الضاربة في جذور الإنسان وفهم طبيعته التي ينشدها. وقد يكون المتنبي مبالغاً في بعض تجلياتها، ولكنها تظل على الدوام تصرخ في الوجود معلنة أن الفن العظيم يتجاوز كل منطق للأعراف والتقاليد الفنية وغيرها، وهذا ما حققه لنا شاعرنا من منظوره الفلسفي وهو يحكي قصة الصراع الإنساني.

المصادر والمراجع

1 ـ الإحساس بالجمال ـ جورج سانتيانا ـ ترجمة الدكتور محمد مصطفى بدوي والدكتور زكي نجيب محمود ـ مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة.

2 ـ أرسطو طاليس في النفس ـ شرح وتحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي ـ وكالة المطبوعات ـ الكويت ـ ودار القلم ـ بيروت.

3 ـ إشكالية المعرفة في الغنوزيووجيا ـ أحمد مبارك ـ مجلة الحياة الثقافية ـ وزارة الثقافة التونسية ـ العدد 90 ـ ك1/ ديسمبر 1997م.

4 ـ تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث ـ د. نعيم اليافي ـ اتحاد الكتاب العرب ـ د/ت.

5 ـ التقابل الجمالي في النص القرآني ـ د. حسين جمعة ـ دار النمير ـ دمشق ـ 2005م.

6 ـ الحيوان للجاحظ ـ تحقيق عبد السلام هارون ـ المجمع العلمي العربي الإسلامي ـ بيروت ـ ط3 ـ 1969م.

7 ـ دراسات فنية في الأدب العربي ـ د. عبد الكريم اليافي ـ ط1 ـ 1963م.

8 ـ ديوان طرفة بن العبد ـ تحقيق درية الخطيب ولطفي الصقال ـ مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق ـ 975.

9 ـ ديوان أبي الطيب المتنبي ـ شرح أبي البقاء العكبري ـ دار المعرفة ـ بيروت.

10 ـ ديوان ابن مقبل ـ تحقيق عزة حسن ـ دار الشرق العربي ـ بيروت ـ 1995م.

11 ـ الصورة الشعرية ونماذج إبداع أبي نواس ـ سياسية عساف ـ دار مارون عبود ـ 1985م.

12 ـ العاطفة والإبداع الشعري ـ د. عيسى علي العاكوب ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 2002م /ط 1.

13 ـ علم الجمال ـ بنديتو كروتشه ـ عرّبه نزيه الحكيم ـ وراجعه بديع الكسم ـ المطبعة الهاشمية ـ 1383هـ/ 1963م.

14 ـ قضايا الشعر المعاصر د. عز الدين إسماعيل ـ دار الدعوة والثقافة ـ بيروت ـ ط3/1981م.

15 ـ كتاب أرسطو طاليس في الشعر ـ تحقيق الدكتور شكري محمد عياد ـ دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ 1387هـ / 1967م.

16 ـ مبادئ علم النفس العام ـ يوسف مراد ـ دار المعارف ـ مصر ـ ط4.

17 ـ المعجم الفلسفي ـ الدكتور جميل صليبا ـ دار الكتاب اللبناني/ بيروت، ودار الكتاب المصري/ القاهرة ـ 1979م.

18 ـ معنى الجمال (نظرية في الاستطيقا) ـ ولتر ستيس ـ ترجمة إمام عبد الفتاح محمد ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة ـ 2000م.

19 ـ مقدمة في علم الجمال ـ أميرة حلمي مطر ـ دار الثقافة للنشر والتوزيع ـ القاهرة.

20 ـ نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي حتى ابن رشد ـ د. ألفة كمال الروبي ـ دار التنوير ـ لبنان ـ ط 1/ 1983م.

21 ـ نقد الشعر في المنظور النفسي ـ د. ريكان إبراهيم ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد ـ 1989م.

________________________________________

(1) المعجم الفلسفي 2/160.

(2] ) د. عز الدين اسماعيل ـ قضايا الشعر المعاصر 178 ـ 179.

(3) (المعجم الفلسفي 2/201-202).

(4) (انظر المعجم الفلسفي 1/57-61)

(5) (المعجم الفلسفي ـ 1/80-81)

(6) (المعجم الفلسفي 1/261)

(7) (انظر المعجم الفلسفي 1/263 و2/398)

(8) (المعجم الفلسفي 2/398)

(9] ) دراسات فنية في الأدب العربي ـ ص 245 ـ ط1 ـ 1963م.

(10] ) تطور الصورة الفنية 13 ـ نعيم اليافي.

(11] ) مقدمة في علم الجمال، 35 د. أميرة حلمي مطر ـ دار الثقافة للنشر والتوزيع ـ القاهرة.

(12) ديوان المتنبي (3/367)

(13) ديوان المتنبي (1/290-291).

(14] ) ديوان طرفة بن العبد 28-29.

(15] ) العاطفة والإبداع الشعري 25 ـ د. عيسى العاكوب

(16) ديوان المتنبي (1/321).

(17) ديوان المتنبي (1/320)

(18) ديوان المتنبي (2/142-143)

(19) ديوان المتنبي (4/174-175).

(20) ديوان المتنبي (4/174).

(21) ديوان المتنبي (2/32-33)

(22] ) انظر مبادئ علم النفس العام ـ ص 68 ـ يوسف مراد ـ دار المعارف ـ مصر ص 4.

(23] ) انظر أرسطوطاليس في النفس 41 ـ 46 و 62 ـ 67 عبد الرجمن بدوي.

(24] ) انظر أرسطوطاليس في الشعر 210 ـ 211 .

(25] ) إشكالية المعرفة في الغنوزيولوجيا ص18، أحمد مبارك ـ مجلة الحياة الثقافيةـ وزارة الثقافة التونسية ـ العدد 90 كانون أول / ديسمبر 1997م.

(26) الحيوان ـ 3/132.

[27] د. ألفة كمال الروبي: نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ـ دار التنوير ص 66 لبنان ـ ط 1 ـ 1983م.

[28] نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ـ ص 65.

(29) انظر الصورة الشعرية ونماذج إبداع أبي نواس ـ 21 ـ ساسين عساف ـ دار مارون عبود ـ 1985م.

(30) ديوان المتنبي 4/146 ـ 147.

(31) ديوان المتنبي (3/362)

(32] ) الإحساس بالجمال ص 80 ـ ترجمة الدكتور محمد مصطفى بدوي والدكتور زكي نجيب محمود ـ مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة.

(33) ديوان المتنبي ( 1/187)

(34) ديوان المتنبي ( 3/369)

(35) ديوان المتنبي (المتنبي 3/369)

(36) ديوان ابن مقبل (72)

(37) ديوان ابن مقبل (198).

(38) - هو يقر بصروف الدهر ونوائبه على عادة العرب بمعرض ما، ولا سيما الرثاء؛ انظر ـ مثلاً ـ ديوان المتنبي (1/106) و2/174 و3/9.

(39) انظر ديوان المتنبي (انظر 2/188)

(40) ديوان المتنبي (4/39)

(41) ديوان المتنبي (4/56)

(42) ديوان المتنبي (3/52)

(43) راجع في هذا الصدد (نقد الشعر في المنظور النفسي) د. ريكان إبراهيم ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد ـ 1989م.

(44) ديوان المتنبي (4/239-241)

(45) انظر ديوان المتنبي (2/37)

(46) ديوان المتنبي (4/263) وانظر مثلاً آخر ( 2/304)

(47) ديوان المتنبي (233)

(48) ديوان المتنبي (2/265-266)

(49) ديوان المتنبي (2/264)

(50) ديوان المتنبي (1/320)

(51) ديوان المتنبي (2/148)

(52) ديوان المتنبي (1/290-291)

(53) ديوان المتنبي (1/186)

(54) ديوان المتنبي (1/186)

(55) ديوان المتنبي (1/277)

(56) ديوان المتنبي (2/322-323)

(57) ديوان المتنبي (3/368)

(58) ديوان المتنبي (3/378 وما بعدها)

[59)) أرسطوطاليس في النفس ـ 64 –65 وانظر فيه 41- 46 و 62 – 67، وانظر كتاب أرسطوطاليس في الشعر 203.

(60] ) انظر معنى الجمال ( نظرية في الاستطيقا) 73 و 83 و 85 ـ ترجمة إمام عبد الفتاح محمد ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة ـ 2000م. وكتابنا التقابل الجمالي ـ 92 ـ93 ـ دار النمير ـ دمشق ـ 2005 .

(61) ديوان المتنبي (3/100-101)

(62] ) انظر علم الجمال ص 24 ـ عرّبة نزيه الحكيم ـ وراجعه بديع الكسم ـ المطبعة الهاشمية ـ 1383هـ ـ 1963م.

(63) ديوان المتنبي (3/98-101)

(64) ديوان المتنبي (1/109-112) وانظر (2/123-125)

(65) انظر مثلاً ديوان المتنبي (انظر مثلاً ـ (2/139) و207-210.

(66) ديوان المتنبي (1 /316-317) وانظر مثلاً آخر فيه (2/115-122)

(67) ديوان المتنبي (2/141-142)

(68) ديوان المتنبي (2/304)

(69) ديوان المتنبي (3/95)

awu-dam.org/trath/103/turath103-002.htm

275 Views

عن الهاشمي-2

إلى الأعلى