الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » الإبداع في جماليات عمر أبو ريشة عصام حلبي

الإبداع في جماليات عمر أبو ريشة عصام حلبي


الإبداع في جماليات عمر أبو ريشة ـــ عصام حلبي

يحار الباحث، أي باحث، أو أي ناقد أدبي، كيف يلم بإبداعات الشاعر العربي الكبير عمر أبو ريشة، إذ تنوعت هذه الإبداعات تنوعاً فريداً، بشكل يكاد الناقد يعجز عن حصرها في بحث واحد وفي وقت قصير كهذا الوقت الذي نخصصه لهذا الموضوع الهام.

الإبداع الأول: بيت المفاجأة والبيت الأخير.

هذه طريقة جديدة في مسار القصيدة، حيث يبدأ الشاعر بسرد قصة أو حكاية تسير برتم متسلسل على أن تصل إلى البيت الأخير حيث يغير الشاعر كل الموضوع وينقل القارئ إلى زاوية مختلفة تماماً عن كل الموضوع الأصلي للقصيدة.

وأورد فيما يلي مثالاً على ذلك في قصيدة عودي.

قصيدة عودي

قالت مللتك. اذهب لست نادمة

على فراقك.. إن الحب ليس لنا

سقيتك المر من كأسي شفيت بها

حقدي عليك ومالي عن شقاك غنى

لن أشتهي بعد هذا اليوم أمنية

لقد حملت إليها النعش والكفنا

حسبت دنيا نعيمي فيك ماثلة

فخاب ظني فألفيت النعيم ضنى

قالت وقالت ولم أهمس بمسمعها

ما ثار من غصصي الحرى وما سكنا

تركت حجرتها والدفء منسرحا

والعطر منسكباً والعمر مرتهنا

وسرت في وحشتي والليل ملتحف

بالزمهرير وما في الأفق ومض سنا

ولم أكد أجتلي دربي على حدس

وأستلين عليه المركب الخشنا

حتى سمعت ورائي رجع زفرتها

حتى لمست حيالي قدها اللدنا

نسيت ما بي هزتني فجاءتها

وفجرت من حناني كل ما كمنا

وصحت يا فتنتي ما تفعلين هنا

البرد يؤذيك عودي.. لن أعود أنا

ديوان عمر أبو ريشة ص 202

وأورد فيما يلي مثالاً آخر يبرز فيه الشاعر عبقريته الفذة في تعبيره عن حبه لكوكب الأرض، وأنه يخالف كل من يشكو من الدنيا وتعبها والحظ العاثر فيها، يخالف آراء الكثير من الأدباء والشعراء ووصفهم للدنيا بأنها دنيا عذاب ودنيا زوال إلى ما هنالك.

والإبداع في هذه القصيدة هو سرده للموضوع بشكل جذاب يجلب انتباه السامع أو القارئ للمتابعة والانتباه للوصول إلى نهاية القصيدة ليفاجأ في البيت الأخير بالرأي النهائي للشاعر:

حب الوطن

ملاك الموت طاف بي الأعالي

وشق بها غياهب كل تيه

وأبرز لي النجوم وكل نجم

يتيه بما لديه على أخيه

وقال لي انتق المأوى فإني

أريدك تنتقي ما تشتهيه

فأنت شقيت في دنياك مما

بلوت بها من العيش الكريه

وأنت قضيت عمرك في التغني

بفردوس الجمال وساكينه

فأين تريد أن تحيا بعيداً

عن القلق المرير وعن بنيه

ولاح إلي نجم من بعيد

تفلت من مواكب راصديه

توشح بالغيوب فكان بدعاً

يتيم الند منفرد الشبيه

فقلت هناك! قال بكل رفق

هو النجم الذي قدمت فيه

ديوان: أمرك يا رب

الإبداع الثاني الخيال الجامح

الخيال الجامح والحقيقة الإنسانية الأزلية في أن البشر، معظم البشر لا يعترفون بكبر السن وأنهم قد وصلوا إلى خريف العمر، وهذا الموضوع عالجه الشاعر بكل حنكة وبراعة بخيال قل نظيره. وخلاصة القول أن الإنسان يعزو المتغيرات دائماً إلى أشياء محيطة به لا علاقة لـه بها ولا علاقة لتقدمه في السن ولوصوله إلى خريف العمر، وهذا موضوع تجاهله الإنسان منذ زمن بعيد وما أراد أن يفكر فيه، إلا أن الشاعر تجرأ وبحث هذا الموضوع بكل أمانة وصدق إلا أن خياله قد وضع هذا البحث في قالب جميل يكاد نقول إنه قالب ساخر.

الإنسان يسخر من نفسه وكأن يقول لا مجال من التهرب أو الهرب من موضوع كبر السن:

عناد

هذي الربى كم ضاق فيّ قضاؤها

مالي على جنباتها أتعثر

شب الحصى فيها ودون زحامه

درب يغيب وآخر يتكسر

وملاعبي ومجر أذيالي بها

بعدت فما ترقى إليها الأنسر

ما كنت أحسب أنها تتغير

والخمر ويح الخمر كان أقلها

يوري أماني الرحاب ويسعر

ويطوف بي دنيا مخضلة الجنى

لا أنتقي منها ولا أتخير

واليوم لا وهج ولا أرج بها

فكأنها من مزنة تتحدر

ما كنت احسب أنها تتغير

وأرى الشتاء تطاولت أيامه

وازداد عسفا قلبه المتحجر

كم زارني وكشفت عن صدري له

فأقام لا يزهو ولا يتكبر

ما زلت أذكر كيف كان لهاثه

من دفء أضلاعي يذوب ويقطر

ما كنت أحسب أنه يتغير

وأتيت مرآتي وعطري في يدي

فبصرت ما لا كنت فيها أبصر

فخفضت طرفي ذاهلاً متوجعا

ونفرت منها عاتباً أستنكر

خانت عهود مودتي فتغيرت

ما كنت أحسب إنها تتغير!!!

ديوان عمر أبو ريشة ص 184

إبداع الوصف:

لو أردت إنصاف عمر أبو ريشة في التحدث عن إبداعه الشعري في مجالات عديدة لما استطعت أن أفيه حقه في ذلك كله ولكنني كلما تطرقت إلى خصوصية أو ناحية معينة من تلك الإبداعات وجدت أنني لا أزال في أول الطريق في اكتشاف المواهب الكثيرة الكثيرة التي وهبها الله تعالى لهذا الشاعر الكبير.

وإذا أتينا إلى الوصف والرؤيا البعيدة والخيال الخصب، خطر بالبال بشكل طبيعي ودون تكلف معابد كاجوراو في الهند التي وصفها الشاعر بقصيدة رائعة، كتبها أيام كان سفيراً لسوريا في دلهي.

ومعابد كاجوراو تتألف من سبعة عشر معبداً نقشت عليها الرسوم والتماثيل بأشكال وأحجام مختلفة وهي تمثل أوضاعاً جنسية، طبيعية وغير مألوفة، ممكنة ومستحيلة تصور الإنسان بأسمى تساميه وأدنى تدنيه وتعبر بكل وضوح عن أهوائه الجنسية الطبيعية، والغربية، والخيالية.

حدثني الشاعر أنه عندما زار المعابد مكث هناك قرابة أسبوع ينهل من معاني هذه الرسوم والنقوش ليخرج بنظرية مخالفة لكل ما قيل عن هذه المعابد.

يقول عمر: إن السواد الأعظم من زوار تلك المعابد تقول إن الرسوم والنقوش قد تمثل عبادة الجنس، أنا لم أقل ذلك، أقول إن كل إنسان قد يرى نفسه في هذه النقوش والرسوم ويرى موقعه في الحياة إن كان في السمو أو في الحضيض.

كتب القصيدة واصفاً تلك الصور والرسوم بأسلوب أدبي رفيع دون أن يجرح سمع القارئ بكلمة نابية واحدة أو أن يسف في تصوير ووصف تلك المناظر وانتهى بالقصيدة إلى حكمة فلسفية رائعة في حياة البشر وإلى رأي بالغ الأهمية في أن الإنسان يظهر غير ما يخفي أو يخفي غير ما يظهر ويبقى الإنسان يقنع حقيقة ما في داخله بأشياء وهمية.

يبدأ بوصف المعابد ونحت الرخام ثم يصف المناظر الجنسية كلاً على حدة وينهي القصيدة بحكمة بالغة تتعلق بالإنسان ومشاعره ورغباته في الحياة:

معبد كاجوراو

من منكما وهب الأمان

لأخيه، أنت أم الزمان؟

شقيت على أعتابك الغارا

تُ وانتحرت هوان

وتمزقت أملاكها

تاجا وفضت صولجان

وبقيت وحدك فوق هذا

الصخر وقفة عنفوان

يا هيكلاً نثر الفتون

ورنح الدنيا افتتان

وثب الخيال إلى لقاك

ورد وثبته العيان

وتكلمت أحجارك الصماء

مشرقة البيان

وتلفتت منها الدمى

بين افتراق واقتران

نضت الوقار عن الحياة

فما استقر لـه مكان

عينيّ.. ما تتأملان

وأي دنيا تجلوان

مسح الذهول عليكما

يده فما تتحولان

كم دمية ذل الرخام

على انتفاضتها وهان

طلبت فأعطى، واشرأبت

فانحنى وقست فلان

هذان نضوا صبوة

مجنونة، يتعانقان

وعلى ارتخاء الساعد الريان

تخفق خصلتان

شفة على شفة تفتح

برعما وتلف بان

وإلى جوارهما تثنت

سروة، بل سروتان

غابت به خصرا، فأجفل

واستدار الناهدان

وفتى يهم بقبلة

ويكاد يقطفها حنان

قطع الحياء بها السبيل

فما استعان ولا أعان

تمضي الليالي وهو من

نعمائها قاص ودان

ومراهق مستسلم

لقياد غانية عوان

رد الربيع لها فرفت

طلعة وزهت ليان

أهوت عليه فاكتسى

بالياسمين الخيزران

وتمهلت.. لا وهجها

فان ولا الينبوع فان

وندي كهان تضوع

في مجامره الدخان

وصنوجه وكؤوسه

طافت بها زمر القيان

يرقصن في إغرائهن

وكل قد، أفعوان

وأمامهن بقية من

كاهن خسر الرهان

لو هم خشت أضلع

منه وصكت ركبتان

ركعت وراء وساده

إحدى صباياه الحسان

وتجمعت فانهل نسرين

وأوراق أقحوان

فشفاه ما اهتصرت أنامله

وما اعتصر اللسان

وغوية ظمأى تفنن

في رضاها ظامئان

هاما بما اقتسما فكل

عند مورده استكان

هذا مطاويها استطاب

وذا نوافرها استلان

وفتاة خدر لم تلامس

عقد مئزرها يدان

وقفت وجفناها بأذيال

الشموس معلقان

قالت وقال الوعد

للأحلام: ما آن الأوان

كاجورا هل من حرمة

لك عند رائيها تصان

كم زائر أدمى فؤادك

ما أسر وما أبان

أخفى الرضا وتظاهرت

بالسخط عيناه اللتان

تتحريان وتنهلان

وتسكران وتحلمان

مزقت أقنعة الحياة

وما عليها من دهان

وجلوتها في عريها

فترفعت بعد امتهان

كاجورا عفوك ليس لي

مني على حلمي إئتمان

أوفى فأولى أن تموت

طيوفه خلف الجفان

لا تسألن فلن أجيب

وظن بي ما أنت ظان

أنا مثل غيري لا ير ى لي

من كوى سجني كيان

أنا مطمئن بالقناع

ورافل بالطيلسان

أزف الفراق.. فلن تمد

إلى رتاجك راحتان

كاجورا… لولا العجز

والحرمان ما كان الجبان

ديوان عمر أبو ريشة ص 101

إبداع الرثاء

أما موضوع الرثاء، فيمكن القول أن شاعرنا عمر قد تفرد في رثائه لأصحابه وأقرانه خلال حياته وعمره المديد، وذلك بأسلوب جديد في الشعر العربي كافة.

لم يتبع عمر الطريقة التقليدية في الرثاء والتي تتمثل في أغلب الأحيان في سكب الدموع ونحيب القمر وكسوف الشمس، بل كان يتخيل قصة غريبة أو فكرة طارئة يبني عليها ذاك الرثاء الذي يرغب في كتابته، وفي كل رثاء يبتدع قصة جديدة لها علاقة بحياة المرثي إن كان شاعراً أو سياسياً أو أديباً إلى ما هنالك.

وسأضرب مثلين فقط لتوضيح ما أقول:

رثاء الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير).

الفكرة أن عمر تخيل أن موت الأخطل قد علم به كل من عرفه، لكن بناته لم تعلم بهذه الوفاة، من هن بناته، هن القصائد التي كتبها الشاعر ولم تعلم بموته، بنيت القصيدة على هذه الفكرة ولنسمع كيف بدأها شاعرنا عمر:

الأخطل الصغير

بنات الشاعر

نديك السمح لم يخلق لـه وتر

ولم يغب عن حواشي ليله سمر

بنات وحيك، في أرجائه زمر

يهزها المترفان، الزهو والخفر!

تيتمت وهي لا تدري ونشوتها

من كل عنقود ذكرى كنت تعتصر

رواقص، تحمل السلوى وتسكبها

وليس تعلم ما الدنيا وما القدر

على تأودها الإغراء منتفض

وفي تلفتها التحنان منهمر

ونحن من حولها أنضاء غربتنا

وأنت عنا وراء الغيب مستتر

نبدي لها، غير ما نخفي، ولوعتنا

تكاد في صمتها للشوق تعتذر

فلا تلمها، إذا لم تخب بسمتها

ولم يعكر صدى ألحانها كدر

لم يبلغ الخبر الناعي مسامعها

عن مثل هذي اليتامى يكتم الخبر!!

ديوان عمر أبو ريشة

ونأتي الآن إلى رثاء ملك، هو فيصل بن عبد العزيز

قصة الرثاء بنيت على جملة "أمرك يا رب" هذه الجملة نطق بها المرحوم الملك فيصل عندما أطلق عليه العيار الناري وأودى بحياته.

يتخيل الشاعر أن الملك فيصل قال أمرك يا رب في اللحظة التي انتقل بها من عرض الوجود إلى جوهر الخلود، وتخيل أنه في تلك الثواني التي عاشها، تجلت أمامه الدار الآخرة ورأى فيها ما رأى وبدأ يصف للدنيا ماذا يرى هناك.

أمرك يا رب

يا رب أمرك هذا.. لا أطيق لـه

ردا فأمرك يا ربي تولاني

من أين أي دوي عاصف عشيت

عيناي من وقعه واهتز بنياني

أعيا خيالي فلم أدرك مصادره

من أي صاعقة من أي بركان

وكم مشى الموت في دربي وأوسع لي

مجال خطوي أكان الموت يخشاني

أيام أرجعت للصحراء هيبتها

وما تمنته من مجد وسلطان

يا رب ما أقرب الأبعاد كيف غدت

غيوبها نهب أشكال وألوان

أرى طيوفاً أراها حولي انتشرت

أرى التفاتتها بالبشر تلقاني

هذا عليٌّ أبو الأبطال ذا عمر

الفاروق ذلك عثمان بن عفان

جراحهم نزفت من قبل واندملت

وما دروا ما جنت سكينة الجاني

هل طالعوني عزاء لي وهل شعروا

أن شأنهم عند أعراس الردى شاني

وذاك طيف أبي عبد العزيز وفي

عينيه ومضان من شوق وتحنان

أشار لي ومضى عجلان أحسبه

رأى على القرب مني نعش جثماني

يا رب أين أنا لا شيء أبصره

حولي أظن القضاء السمح وافاني

أراحل يا لها من رحلة قصرت

ولي عليها عتاب المشفق الحاني

لي بعد يا رب من دنياى أمنية

تقتات بالوعد منها كل أشجاني

أردت أختم فيها العمر مقتحماً

أحقاد حطين في مضمارها الثاني

وأن أصلّي وكف القدس تحمل لي

رضاك في المسجد الأقصى وترعاني

ما كان أكرمها في العمر أمنية

ما كنت أحسبها تمضي وتنساني

سفينة العمر ما أرخصت جولتها

على مناكب أفراحي وأحزاني

حشدت فيها رغاب الحق فأتلقت

بما أراد لها عزمي ووجداني

وباسمك انطلقت في اليم شامخة

ومن سناك مناراتي وشطآني

فكم طويت الليالي دون دفتها

على سراها وما أغمضت أجفاني

وكم خنقت بها أنفاس عاصفة

وكم سحقت بها أضلاع طوفان

يا رب ما حل بي جرحي يسيل على

شراعها رعشة الإعياء تغشاني

يا رب حسبي وأنت الآن مغرقها

إن قيل أغرقت فيها خير ربّان

ديوان أمرك يا رب

أهم المصادر:

1 ـ ديوان عمر أبو ريشة ـ دار العودة ـ بيروت 1970م.

2 ـ ديوان أمرك يا رب (112 صفحة) دار الأصفهاني للطباعة ـ جدة 1398ه‍.

awu-dam.org/trath/103/turath103-012.htm

103 Views

عن

إلى الأعلى