الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » القرآن الكريم » تفسير القرآن » مقدمة معالم التفسير عند السعدي – د. محمد عمر دولة

مقدمة معالم التفسير عند السعدي – د. محمد عمر دولة


مقدمة معالم التفسير عند السعدي (1)

د. محمد عمر دولة*

2003-10-25

الحمد لله الذي (علّم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان)، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، إنّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

وبعد، فإنّ تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله الموسوم بـ(تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان) مدعاةٌ للفخر، ورائعةٌ من روائع هذا العصر؛ وذلك مما يزيد من ثقة هذه الأمّة بعلمائها، ويقينها بأنّ الخير فيها دائمٌ إلى يوم القيامة.

ولا ريب أنّ القارئ المتأمّل لهذا التفسير يجد فيه من الفائدة والانتفاع ما لم يكن يخطر له على بال؛ مما نبيّن بعض معالمه فيما يلي:

الأول: أنّ هذا التفسير قد جاء موافقاً لروح العصر: في صغر حجمه، وخفّة حمله، وقلّة صفحاته؛ بحيث لم تبلغ ألفاً.

الثاني: أنّ (التيسير) قد أبدى من روعة التفسير والبيان ما أوحى بهذا العنوان: (روائحُ الورد المنبعثةُ من روائع السّعدي).

الثالث: أنّ هذا التفسير قد رُزق حظّاً من اسمه؛ فكان ميسّراً في عبارته سهلاً في معانيه. وقد شهد بذلك تلميذه العلامة العثيمين رحمه الله تعالى[1].

الرابع: أنّ الشيخ عبد الرحمن السعدي قد اعتنى في كتابه بقضايا العقيدة الإسلامية على منهج السلف الصالح؛ فاهتم بإثبات الصفات[ص 49، 64، 94، 109، 132]، والأسماء الحسنى [ص 110]، وقضايا الإيمان مثل: دخول العمل في مسمى الإيمان [ص 71]، وعدم تخليد الموحّدين في النار [ص 46، 117]، وأنّ العبد قد يكون فيه خصلةُ كفر وخصلةُ إيمان [ص 156] ، وأدلّة التوحيد النقلية والعقلية [ص 125]، وخلق الجنة والنار [ص 46]، والرد على القدرية [ص 44]، وذكر صفات الأنبياء [ص 109، 110، 112]، والأدلّة على صحة النبوّات [ص 138].

الخامس: أنّ هذا التفسير قد عمل على ترسيخ الإيمان بالقدر، وبيان ثمراته كالتوكُّل على الله، والتسليم بحكمة الله تعالى في ذلك:

ـ فمن ذلك قوله في تفسير: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكّل المؤمنون) [آل عمران: 160]: "أي إن يُمددكم الله بنصره ومعونته؛ (فلا غالب لكم)؛ فلو اجتمع عليكم من في أقطارها، وما عندهم من العدد والعُدد؛ لأنّ الله لا مُغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم؛ فلا تتحرّك دابّةٌ إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه (وإن يخذلكم) ويكلكم إلى أنفسكم (فمن ذا الذي ينصركم من بعده)؛ فلا بُدّ أن تنخذلوا ولو أعانكم جميعُ الخلق؛ وفي ضمن ذلك الأمرُ بالاستنصار بالله، والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة؛ ولهذا قال: (وعلى الله فليتوكّل المؤمنون)…ففي هذه الآية الأمرُ بالتوكّل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكّلُه" [ص 154-155].

ـ وكذلك قوله في تفسير: (أو لما أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم إنّ الله على كل شيء قدير) [آل عمران: 165]: "هذا تسليةٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم أُحُد، وقُتل منهم نحو سبعين…(قلتم أنّى هذا) أي من أين أصابنا ما أصابنا وهُزمنا؟ (قل هو من عند أنفسكم) حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تُحبّون؛ فعودوا على أنفسكم باللّوم، واحذروا من الأسباب المُردية (إنّ الله على كل شيء قدير)؛ فإيّاكم وسوء الظنّ بالله؛ فإنّه قادرٌ على نصركم، ولكن له أتمّ الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم؛ (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منكم ولكن ليبلو بعضكم بعض)" [ص 156].

السادس: أنّ الشيخ قد وُفّق في إحكام التعريفات والتقاسيم؛ مما يؤكّد ملكته المنطقية، ومعرفته التربوية:

ـ فقد عرّف (الحكمة) بأنها: "وضع الشيء في موضعه اللائق به" [ص 49]، و"هي العلم النافع والعمل الصالح ومعرفة أسرار الشرائع…فكمال العبد متوقّفٌ على الحكمة؛ إذ كماله بتكميل قوّتيه العلميّة والعمليّة…وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل وتنزيل الأمور منازلها في نفسه وفي غيره؛ وبدون ذلك لا يُمكنه ذلك" [ص 115].

ـ وأما التقسيم المنطقي الذي يستفيد منه طالب العلم في الحفظ والفهم فحدّث ولا حرج؛ فقد ذكر (التربية العامة والخاصة) [ص 39]، و(هداية البيان والتوفيق) [ص 40]، و(مرض الشهوات والشبهات) [ص 42], وبيّن أنّ (الفسق نوعان) [ص 47]، و(توبة الله على العبد نوعان) [ص 50]، و(إذن الله نوعان: قدريّ وشرعيّ) [ص 61]، و(الإحسان نوعان) [ص 148-149]، و(له ضدّان) [ص 57-178]، و(القنوت نوعان) [ص 64]، و(الحفظ نوعان) [ص 71]، و(المعيّة عامةٌ وخاصّةٌ)، و(الناس عند المصائب قسمان) [ص 76]، و(البدعة نوعان) [ص 77-88]، و(الدعاء نوعان والقرب نوعان) [ص 87]، و(الرزق دنيويٌّ وأُخرويٌّ) [ص 95]، و(الظلم ثلاثة أقسام) [ص 102]، و(معاملة الناس فيما بينهم على درجتين) [ص 105]، و(النفقة يعرض لها آفتان) [ص 114]، و(الخسران منه ما هو كفرٌ ومنه ما هو دون ذلك) [ص 48].

السابع: أنّ الشيخ قد اهتمّ بتربية النفوس وتزكية الأرواح؛ لعلمه بأنّ وظيفة الدعاة هداية الناس إلى الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وقد سجّل الشيخ رحمه الله مواعظ بليغةً توجل منها قلوب الصالحين، وتذرف منها العيون؛ مما يدلّ على صلاحه، ورسوخ علمه:

ـ كما في قوله في تفسير (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكّيكم) [البقرة: 151]: "أي: يطهّر أخلاقكم ونفوسكم, بتربيتها على الأخلاق الجميلة, وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة, وذلك كتزكيتهم من الشرك إلى التوحيد, ومن الرياء إلى الإخلاص, ومن الكذب إلى الصدق, ومن الخيانة إلى الأمانة, ومن الكبر إلى التواضع, ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق, ومن التباغض والتهاجر والتقاطع إلى التحابّ والتواصل والتوادد, وغير ذلك من أنواع التزكية" [ص 74].

ـ وكما في قوله في تفسير (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة) [البقرة: 153]: "فالصبرُ هو: حبسُ النفس وكفُّها على ما تكره، فهو ثلاثة أقسام: صبرُها على طاعة الله حتى تؤدّيها، وعن معصية الله حتى تتركها، وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخّطها" [ص 75].

ـ ومثل قوله في تفسير (ولا يكلّمهم الله يوم القيامة) [البقرة 174]: "بل قد سخط عليهم، وأعرض عنهم؛ فهذا أعظم عليهم من عذاب النار!" [ص 82].

ـ وكذلك تعبيره عند قول الله تعالى: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابلٌ فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابلٌ فطل) [البقرة: 265] بقوله: "فيالله لو قُدّر وجودُ بستان في هذه الدار بهذه الصفة؛ لأسرعت إليه الهمم، وتزاحم عليه كلّ أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها، وكثرة آفاتها وشدّة نصبها وعنائها؛ وهذا الثواب الذي ذكره الله كأنّ المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان، دائمٌ مستمرٌّ فيه أنواع المسرّات والفرحات؛ ومع ذلك تجد النفوس عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة! أتُرى ذلك زهداً في الآخرة ونعيمها؟ أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟! وإلا فلو تيقّن العبد ذلك حقّ اليقين، وباشر الإيمان به بشاشة قلبه؛ لانبعثت من قلبه مُزعجات الشوق إليه، وتوجّهت همم عزائمه إليه، وطوّعت نفسه له بكثرة النفقات؛ رجاء المثوبات!" [ص 114].

الثامن: أنّ الشيخ قد اهتم بشأن الموعظة البليغة، والذكرى النافعة؛ حتى يستفيد منها المسلمون في هذا العصر الذي طغت فيه المادّة، وقست فيه القلوب، وكثرت فيه المعاصي والخبائث:

ـ فقد قال رحمه الله: "قوله تعالى (صُمٌّ) أي: عن سماع الخير, (بُكمٌ) أي: عن النطق به, (عُميٌ) عن رؤية الحق, (فهم لا يرجعون)؛ لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه, فلا يرجعون إليه" [ص 44].

ـ وقال عند قول الله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) [البقرة: 42]: "من لبس الحق بالباطل؛ فلم يميّز هذا من هذا، مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه وأُمر بإظهاره؛ فهو من دُعاة جهنّم لأنّ الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم؛ فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين!" [ص 51].

ـ وقال عند قول الله تعالى: (ألم تعلم أنّ الله له ملك السموات والأرض): "فالعبدُ مُدبّرٌ مسخّرٌ تحت أوامر ربّه الدينيّة والقدريّة؛ فما له والاعتراض؟!" [ص 62].

ـ وقال في تفسير (إني جاعلك للناس إماماً): "أي: يقتدون بك في الهدى, ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية, ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل, والتعظيم من كل أحد. وهذه ـ لعمر الله ـ أعظم درجة تنافس فيها المتنافسون, وأعلى مقام شمّر إليه العاملون, وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين" [ص 65].

التاسع: أنّ الشيخ قد أُوتي من جمال الأسلوب وحلاوة اللغة ما يُوجب الحُبّ، ويأخذ اللُّبّ، ويسحر القلب؛ فجمع ـ لله درُّه ـ بين كمال المبنى وجلال المعنى: متمثّلاً ما شرح به قول الله تعالى: (وإنّ فريقاً منهم ليكتمون الحقّ وهم يعلمون) [البقرة: 146]: "فالعالم عليه إظهارُ الحقّ وتبيينُه وتزيينُه، بكلّ ما يقدر عليه من عبارة وبُرهان ومثال, وغير ذلك" [ص 72].

ـ فمن أمثلة ذلك قولُه رحمه الله في الذي استوقد ناراً: "فبينما هو كذلك إذ ذهب الله بنوره, فذهب عنه النور وذهب معه السرور, وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة, فذهب ما فيها من الإشراق, وبقي ما فيها من الإحراق, فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمة المطر, والظلمة الحاصلة بعد النور, فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون" [ص 44].

ـ ومنه قوله: "فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته" [ص 46].

ـ وكذلك قوله في تفسير: (فأينما تُولُّوا فثمّ وجه الله) [البقرة: 115]: "فيه إثباتُ الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى، وأنّ لله وجهاً لا تُشبهه الوجوه" [ص 63-64].

ـ وقوله في تفسير (والسّحاب المسخّر) [البقرة: 164]: "فيُنزله رحمةً ولُطفاً, ويصرفه عنايةً وعطفاً, فما أعظم سلطانه! وأغزر إحسانه! وألطف امتنانه!" [ص 79].

ـ وقوله في تفسير (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا) [البقرة: 170]: "فاكتفوا بتقليد الآباء, وزهدوا في الإيمان بالأنبياء!" [ص 81].

ـ وكذلك الحال فيما ينقله عن غيره بنقد وذوق؛ كقوله عليه رحمة الله في تفسير آل عمران (إنّ أوّل بيت وُضع للناس للذي ببكّة مباركاً وهدىً للعالمين): "وقد رأيتُ لابن القيّم هاهنا كلاماً حسناً أحببتُ إيراده؛ لشدّة الحاجة إليه…"فذكر مقالةً طويلةً في نحو صفحتين، جاء في آخرها "ولو لم يكن له شرفٌ إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله: (وطهّر بيتي)؛ لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفاً، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباًّ له وشوقاً إلى رؤيته؛ فهذه المثابة للمحبّين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطراً أبداً! كلما ازدادوا له زيارةً ازدادوا له حبّاً وإليه اشتياقاً! فلا الوصال يشفيهم، ولا البعاد يسليهم. كما قيل:

أطوف به والنفس بعدُ مشوقةٌ =إليه وهل بعد الطواف تدان؟!

وألثم منه الركن أطلب برد ما =بقلبي من شوق ومن هيمان!

فوالله ما أزدادُ إلا صبــابةً =ولا القلبُ إلا كثرة الخفقان!"

1

2

3 أطوف به والنفس بعدُ iiمشوقةٌ إليه وهل بعد الطواف iiتدان؟!

وألثم منه الركن أطلب برد ما بقلبي من شوق ومن iiهيمان!

فوالله ما أزدادُ إلا iiصبابةً ولا القلبُ إلا كثرة iiالخفقان!"

حتى ذكر اثني عشر بيتاً من عُيون الشعر! [ص 140-141].

العاشر: أنّ التيسير قد تضمّن روح الشفقة على الخلق، والعطف على الفقراء، ومحبّة المساكين؛ وهذا يبيّن لنا مقدار الوعي بضرورة الإصلاح الاجتماعي عند السعدي رحمه الله تعالى:

ـ واسمعه حين يقول عند قول الله تعالى: (وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين) [البقرة: 177]: "ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم، وليس لهم قوةٌ يستغنون بها؛ وهذا من رحمته تعالى بالعباد؛ الدالة على أنه تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم الإحسان إلى من فُقد آباؤهم؛ ليصيروا كمن لم يفقد والديه، (والمساكين) وهم الذين أسكنتهم الحاجة، وأذلّهم الفقر؛ فلهم حقٌّ على الأغنياء بما يدفع مسكنتهم، أو يخفّفها؛ بما يقدرون عليه وبما يتيسّر، (وابن السبيل) وهو الغريب المنقطع به في غير بلده؛ فحثّ الله عباده على إعطائه من المال ما يُعينه على سفره؛ لكونه مظنّة الحاجة، وكثرة المصارف؛ فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته وخوّله من نعمته، أن يرحم أخاه الغريب الذي بهذه الصفة على حسب استطاعته، ولو بتزويده أو إعطائه آلةً لسفره، أو دفع ما ينوبه من المظالم أو غيرها" [ص 83].

ـ وقال في تفسير (والصابرين في البأساء) [البقرة: 177]: "أي الفقر؛ لأنّ الفقير يحتاج إلى الصبر من وُجوه كثيرة: لكونه يحصل له من الآلام القلبيّة والبدنيّة المستمرّة ما لا يحصل لغيره؛ فإن تنعّم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألّم، وإن جاع أو جاعت عيالُه تألّم، وإن أكل طعاماً غير مُوافق لهواه تألّم، وإن عري أو كاد تألّم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهّمه من المستقبل الذي يستعدّ له تألّم، وإن أصابه البردُ الذي لا يقدر على دفعه تألّم. فكل هذه ونحوها مصائبُ يُؤمر بالصبر عليها، والاحتساب ورجاء الثواب عليها من الله" [ص 83].

ـ وقال رحمه الله في تفسير (وأحسنوا إنّ الله يُحبّ المُحسنين) [البقرة 195]: "يدخل فيه الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس: من تفريج كرباتهم، وإزالة شدّاتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالّهم، وإعانة من يعمل عملاً، والعمل لمن لا يُحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضاً الإحسان في عبادة الله" [ص 90].

ـ وقال في تفسير (زُيّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حُسن المآب) [آل عمران: 14]: "في هذا تسليةٌ للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذيرٌ للمُغترّين بها، وتزهيدٌ لأهل العقول النيّرة بها" [ص 124].

الحادي عشر: أنّ الشيخ السعديّ قد اعتنى بتفسير القرآن بالقرآن؛ حتى إنه ليذكّر طالب العلم بطريقة ابن كثير رحمه الله؛ وذلك ما يجعل التفسير أقرب ما يكون إلى تفسير السلف الصالح رضوان الله عليهم:

ـ فمن أمثلة ذلك قول السعدي في تفسير الفاتحة: "هذا (الصراط المستقيم) هو: (صراط الذين أنعمت عليهم) من النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصّالحين" [ص 39].

ـ وفي البقرة: "وفي قوله عن المنافقين: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) بيانٌ لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين؛ وأنه بسبب ذنوبهم السابقة, يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها، كما قال: (ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة)، وقال تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، وقال تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرضٌ فزادتهم رجساً إلى رجسهم)؛ فعقوبة المعصية المعصيةُ بعدها, كما أنّ من ثواب الحسنة الحسنة بعدها, قال تعالى: (ويزيد الذين اهتدوا هدى)" [ص 42].

ـ وكذلك قول السعدي في آية التحدّي (وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا) [البقرة: 23]: "في وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم, دلالةٌ على أنّ أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم, قيامه بالعبودية التي لا يلحقه فيها أحدٌ من الأولين والآخرين. كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء, فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده)، وفي مقام الإنزال, فقال: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده)" [ص 46].

ـ وكذلك قوله: "وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه؛ فلا أعظم إيماناً ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر). بل قد أمر الله برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)" [ص 63].

ـ وكذلك قوله: "(وقال الذين لا يعلمون لولا يكلّمنا الله أو تأتينا آية) يعنون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، التي تجرؤوا بها على الخالق، واستكبرا على رسله كقولهم: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً)، (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) الآية، وقالوا: (لولا أنزل معه ملك فيكون معه نذيراً أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة) الآيات، وقوله: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً) الآيات، فهذا دأبهم مع رسلهم, يطلبون آيات التعنت, لا آيات الاسترشاد" [ص 64].

الثاني عشر: أنّ هذا التفسير المبارك قد اهتم بذكر أساليب القرآن وطرائقه؛ مما يدلّ على ملكة عالية من التدبُّر؛ فهو يذكر الأشباه والنظائر:

ـ كما في قوله: "كثيراً ما يجمع الله تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن؛ لأنّ الصلاة متضمّنةٌ للإخلاص للمعبود, والزكاة والنفقة متضمّنةٌ للإحسان على عبيده, فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود, وسعيه في نفع الخلق, كما أنّ عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه فلا إخلاص ولا إحسان" [ص 41].

ـ وقوله رحمه الله: "وكثيراً ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؛ لأنّ خلقه للمخلوقات أدلّ دليل على علمه وحكمته وقدرته" [ص 48].

ـ وقوله رحمه الله في تفسير (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة 38-39]: "في هذه الآيات وما أشبهها انقسام الخلق من الجنّ والإنس إلى أهل السعادة وأهل الشقاوة وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأنّ الجنّ كالإنس في الثواب والعقاب" [ص 50].

ـ وبيانه في تفسير (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) [البقرة: 43] أنّ في ذلك جمعاً "بين الأعمال الظاهرة والباطنة، وبين الإخلاص للمعبود والإحسان إلى عبيده، وبين العبادات القلبية والبدنية والمالية" [ص 51].

ـ كما أشار إلى "طريقة القرآن في ذكر العلم والقدرة عقب الآيات المتضمّنة للأعمال التي يُجازى عليها" [ص 69].

ـوأما عنايته بطريقة القرآن في إزالة الأوهام من الأذهان؛ فحدّث ولا حرج: فإنّ السعديّ لا يكاد يغادر موضعاً من هذا القبيل إلا نصّ عليه [كما تراه في ص 54، 71، 73، 86، 89، 138، 155، 165].

الثالث عشر: أنّ السعديّ رحمه الله قد سجّل في تفسيره تجارب نافعةً من آداب السلوك، وزهرات يانعةً من فقه الدعوة:

ـ كما في قوله:" فإنّ النفوس مجبولةٌ على عدم الانقياد لمن يخالف قولُه فعله؛ فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجرّدة" [ص 51].

ـ وكذلك قوله: "هكذا كلُّ مُبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل؛ فلا بدّ أن يكون فيما احتجّ به حجة عليه" [ص 57].

ـ ومنه قوله في تفسير (ولئن أتيت الذين أُوتوا الكتاب بكلّ آية ما تبعوا قبلتك) [البقرة: 145]: "فالآياتُ إنما تنفع وتفيد من يتطلّب الحقّ وهو مُشتبهٌ عليه, فتوضح له الآيات البيّنات, وأما من جزم بعدم اتباع الحق فلا حيلة فيه" [ص 72].

الرابع عشر: أنّ المصنّف رحمه الله قد اعتنى بالمسائل الاجتماعيّة ومعرفة العوائد والسنن:

ـ كما في قوله: "من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أنّ من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع؛ ابتُلي بالاشتغال بما يضرّه!" [ص 60].

ـ وكما قال في تفسير (إذ قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكاً نُقاتل في سبيل الله) [البقرة: 246]: "لعلّهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيسٌ يجمعهم؛ كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيسٌ؛ فالتمسوا من نبيّهم تعيين ملك يُرضي الطرفين، ويكون تعيينه خاصّاً لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم كلما مات نبيٌّ خلفه نبيٌّ آخر" [ص 107].

ـ وكما قال في تفسير (ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين) [آل عمران: 127]: "يُخبر تعالى أنّ نصره عباده المؤمنين لأحد أمرين: إمّا أن يقطع طرفاً من الذين كفروا: أي جانباً منهم وركناً من أركانهم: إما بقتل، أو أسر، أو استيلاء على بلد، أو غنيمة مال؛ فيقوى بذلك المؤمنون ويذلّ الكافرون…الأمر الثاني: أن يريد الكفار بقوّتهم وكثرتهم طمعاً في المسلمين ويُمنّوا أنفسهم ذلك…فينصر الله المؤمنين عليهم ويردّهم خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغمّ وحسرة؛ وإذا تأمّلت الواقع رأيت نصر الله لعباده المؤمنين دائراً بين هذين الأمرين، غير خارج عنهما: إما نصرٌ عليهم، أو خذلٌ لهم" [ص 146].

ـ وكما قال في تفسير (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) [آل عمران: 167]: "هذه خاصّة المنافقين؛ يُظهرون بكلامهم وفعالهم ما يُبطنون ضدّه في قلوبهم وسرائرهم" [ص 156].

الخامس عشر: أنّ الشيخ السعدي كان عارفاً بواقعه، وما يكيده أعداء الإسلام لهذا الدّين:

ـ كما تراه في تفسير قول الله تعالى: (ولا يزالون يُقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا): "هذا الوصفُ عامٌّ لكلّ الكفار: لا يزالون يُقاتلون غيرهم؛ حتى يردّوهم عن دينهم، وخصوصاً أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيّات، ونشروا الدعاة، وبثُّوا الأطبّاء، وبنوا المدارس؛ لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم كل ما يُمكنهم من الشُّبه التي تُشكّكهم في دينهم" [ص 97].

وفى البحث القادم بإذن الله نواصل بيان معالم التفسير عند العلامة عبد الرحمن السعدي….

———-

(1) انظر مقدمة (تيسير الكريم الرحمن) [ص 11]، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ.

* باحث إسلامي

meshkat.net

47 Views

عن

تعليقات

  1. naseem قال:

    مقدمة معالم التفسير عند السعدي (2) 

    د. محمد عمر دولة*

     2003-10-25

    ذكرنا في مقال سابق أن القارئ المتأمل لتفسير السعدي يجد فيه من الفائدة والانتفاع ما لم يكن يخطر له على بال ومواصلة لتبيان هذه الفوائد نقول:

    السادس عشر: أنّ هذا الشيخ الصالح قد بثّ في تفسيره روح الجهاد، ونصر فيه عقيدة الولاء للمسلمين والبراء من المشركين:

    ـ فما أحسن قوله في تفسير (ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون) [البقرة: 154]: "في هذه الآية أعظمُ حثّ على الجهاد في سبيل الله وملازمة الصّبر عليه؛ فلو شعر العبادُ بما للمقاتلين في سبيل الله من الثواب لم يتخلّف عنه أحدٌ! ولكنّ عدم العلم اليقيني التامّ هو الذي فتّّر العزائم، وزاد نوم النائم، وأفات الأجور العظيمة والغنائم؛ لم لا يكون كذلك والله تعالى قد (اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون)؟! فوالله لو كان للإنسان ألفُ نفس تذهب نفساً نفساً في سبيل الله, لم يكن عظيماً في جانب هذا الأجر العظيم؛ ولهذا لا يتمنى الشهداء بعد ما عاينوا من ثواب الله وحُسن جزائه إلا أن يُردّوا إلى الدنيا حتى يقتلوا في سبيله مرةً بعد مرةً!" [ص 75].

    ـ وكما في قوله في تفسير (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم) [البقرة: 216]: "وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة؛ فإنه شرٌّ؛ لأنه يعقب الخذلان وتسلّط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذلّ والهوان، وفوات الأجر العظيم، وحصول العقاب" [ص 97].

    ـ وكما في قوله في تفسير (قد كان لكم آيةٌ في فئتين التقتا فئةٌ تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة) [آل عمران 13]:"فنصر الله المؤمنين وأيّدهم بنصره؛ فهزموهم…وما ذاك إلا لأنّ الله ناصرٌ من نصره، وخاذلٌ من كفر به؛ ففي هذا عبرةٌ لأولي الأبصار: أي أصحاب البصائر النافذة والعقول الكاملة على أنّ الطائفة المنصورة معها الحقُّ والأخرى مُبطلةٌ، وإلا فلو نظر الناظر إلى مجرّد الأسباب الظاهرة والعدد والعُدد؛ لجزم بأنّ غلبة هذه الفئة القليلة لتلك الفئة الكثيرة من أنواع المحالات، ولكن وراء هذا السبب المشاهد بالأبصار سببٌ أعظمُ منه لا يُدركه إلا أهلُ البصائر والإيمان بالله والتوكّل على الله والثقة بكفايته: وهو نصرُه وإعزازُه لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين" [ص 123].

    ـ وما أحسن إشارته البديعة في تفسير (لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور) [آل عمران: 186]: "أي إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم من الابتلاء والامتحان وعلى أذيّة الظالمين، وتتقوا الله في ذلك الصبر؛ بأن تنووا به وجه الله والتقرّب إليه، ولم تتعدّوا في صبركم الحدّ الشرعيّ من الصّبر في موضع لا يحلّ لكم فيه الاحتمالُ، بل وظيفتُكم فيه الانتقامُ من أعداء الله!" [ص 160].

    السابع عشر: أنّ هذا التفسير قد تضمّن لفتات بارعةً وإشارات مُستلهمةً من وحي السياق القرآني:

    ـ مثل قول السعدي رحمه الله عند قول الله تعالى: (بل أكثرهم لا يؤمنون): "ولو صدق إيمانهم؛ لكانوا مثل من قال الله فيهم: (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه)" [ص 60].

    ـ وكذلك قوله في تفسير (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها): "الحسّي والمعنوي؛ فالخراب الحسّي: هدمُها وتخريبُها وتقذيرُها، والخراب المعنوي: منعُ الذاكرين لاسم الله فيها!" [ص 63].

    ـ وكذلك قوله في تفسير: (قولوا آمنّا بالله): "وفي قوله: (قولوا) إشارةٌ للإعلان بالعقيدة, والصدع بها، والدعوة لها؛ إذ هي أصل الدين وأساسه. وفي قوله: (آمنّا) ونحوه مما فيه صدور الفعل منسوباً إلى جميع الأمة إشارةٌ إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعاً والحث على الائتلاف؛ حتى يكون داعيهم واحداً, وعملهم متحداً" [ص 67].

    الثامن عشر: أنّ الشيخ السعدي قد أبان ملكةً عظيمةً من دقة الاستنباط وروعة الاحتجاج؛ بما يذكّر طالب العلم بتفنُّن البخاري في تراجم جامعه الصحيح:

    ـ فقد قال رحمه الله في قول الله تعالى: (فإن طلّقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنّا أن يُقيما حدود الله): "في هذا دلالةٌ على أنّه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور خصوصاً الولايات الصغار والكبار؛ أن ينظر في نفسه؛ فإن رأى من نفسه قوّةً على ذلك، ووثق بها؛ أقدم، وإلا أحجم" [ص 103].

    ـ واستنبط رحمه الله من قول الله تعالى: (قولوا آمنّا) أنّ في ذلك "إشارة للإعلان بالعقيدة, والصدع بها، والدعوة لها؛ إذ هي أصل الدين وأساسه"، و"إشارة إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعاً والحث على الائتلاف؛ حتى يكون داعيهم واحداً, وعملهم متحداً, وفي ضمنه النهي عن الافتراق, وفيه أنّ المؤمنين كالجسد الواحد" [ص 67].

    ـ ولك أن تتأمّل شفوف نظره؛ حيث قال في تفسير (فاستبقوا الخيرات) [البقرة: 148]: "يُستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل: كالصلاة في أول وقتها, والمبادرة إلى إبراء الذمة من الصيام والحج, والعمرة, وإخراج الزكاة, والإتيان بسنن العبادات وآدابها, فلله ما أجمعها وأنفعها من آية!" [ص 73].

    التاسع عشر: أنّ الشيخ قد استفرغ الوُسع في عُمق التدبُّر للآيات، وشدّة العناية بالفوائد والعظات:

    ـ كيف وقد استنبط من آية الدّين [البقرة: 282] خمسين فائدةً ثم قال مُعتذراً: "فهذه الأحكام مما يُستنبط من هذه الآية الكريمة على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر؛ ولله في كلامه حكمٌ وأسرارٌ يخصّ بها من يشاء من عباده" [ص 119].

    ـ ولك أن تتأمّل هذه العبر التربوية والسياسية والاجتماعية النفيسة التي استنبطها من قصة داود وجالوت في سورة البقرة: "أولاً: أنّ اجتماع أهل الكلمة والحلّ والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به؛ أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم. ثانياً: أنّ الحقّ كلما عُورض وأُوردت عليه الشُّبه ازداد وُضوحاً؛ وتميّز، وحصل به اليقين التام. ثالثاً: أنّ العلم والرّأي مع القوّة المنفّذة بهما كمال الولايات؛ وبفقدهما ـ أو بفقد أحدهما ـ نُقصانها وضررها. رابعاً: أنّ الاتّكال على النفس سببٌ للفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصّبر والالتجاء إليه سبب النصر. خامساً: أنّ من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطّيّب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان. سادساً: أنه تعالى لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز. سابعاً: أنّ من رحمته تعالى وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين. ثامناً: أنه لولا ذلك لفسدت الأرض؛ باستيلاء الكفر وشعائره عليها" [ص 109].

    العشرين: أنّ الشيخ السعديّ رحمه الله قد اعتنى بأصول الفقه:

    ـ فقد ذكر الشيخ أنّ (المحرّم نوعان) [ص 80]، وأنّ (النهي للتحريم) [ص 49].

    ـ وأنّه (إذا ارتفع الجناح؛ رجع الأمر إلى ما كان عليه) [ص 82]، وقد نصّ على (الإباحة) [ص 80]، وأنّ (الضرورات تبيح المحظورات) [ص 82]، وأنّ (الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة) [ص 48]، وأنه (إذا أُبيح كلا الأمرين؛ فالتأخّر أفضل لأنه أكثر عبادةً) [ص 93].

    ـ وأنّ (حكم الحاكم لا يبيح محرّماً ولا يحرّم حلالاً) [ص 88]، و(النهي عن الجائز إذا كان وسيلةً إلى محرّم) [ص 61، 104،108]، وأن ّ(إخبار التقرير يدلّ على الجواز) [ص 118].

    ـ وأنّ (الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدّه) [ص 57، 71].

    ـ كما ذكر السعدي (العام) و(الخاص) [ص 84، 90، 92، 102]، والعام المخصوص [ص 104]، وأنّ (العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب) [ص 51، 65]، وأنّ (النكرة في سياق النفي تعمّ) [ص 57].

    ـ كما ذكر (المطلق والمقيّد) [ص 66، 70]، وأن ّ(حمل المطلق على المقيّد مقدّمٌ على إجراء العموم) [ص 106].

    ـ كما نصّ على (الإجماع) [ص 70، 71]، و(النسخ) و(الحكمة) من تشريعه، و(إنكار اليهود له) [ص 62]، و(ما لا يدخله النسخ) [ص 57]، وأنه (لا يُصار إلى النسخ مع إمكان الجمع) [ص 85].

    ـ وأنّ (الحكم يدور مع علّته وُجوداً وعدماً) [ص 77].

    ـ كما ذكر (الرخصة) [ص 86، 87]، وأنه (إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنّة المشقّة؛ حصل التخفيف) [ص 120].

    الحادي والعشرين: أنّ هذا التفسير قد اهتمّ بعلم المقاصد، والقواعد الشرعيّة:

    ـ كما في قوله: "فالمنهيّات كلّها إما مضرّةٌ محضةٌ، أو شرّها أكبر من خيرها. كما أنّ المأمورات إما مصلحةٌ محضةٌ، أو خيرها أكبر من شرّها" [ص 61].

    ـ وكذلك قوله عند قول الله تعالى: (لا تقولوا راعنا): "وكان اليهود يريدون بها معنىً فاسداً؛ فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد؛ فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدّاً لهذا الباب؛ ففيه النهيُ عن الجائز إذا كان وسيلةً إلى محرّم" [ص 61]. ومنه قوله: "قد يُنهى عن كثرة الصداق؛ إذا تضمّن مفسدةً دينيّةً، وعدم مصلحة تُقاوم" [ص 173].

    ـ وأشار إلى (مراعاة المصلحة) [ص 118]، وأنّ (ترتيب الصّدقات يرجع في ذلك إلى المصلحة) [ص 116]، وأنه (يُرتكب أخفّ المفسدتين لدفع أعلاهما) [ص 89]، و(فعل أدنى المصلحتين؛ للعجز عن أعلاهما) [ص 156]، وأنّ (الوسائل لها حُكم المقاصد) [ص 99، 103]، و(اعتبار المقاصد في الأقوال كما هي مُعتبرةٌ في الأفعال) [ص 101]، وأنه (إذا تزاحمت المصالح قُدّم أهمّها) [ص 100].

    ـ وقد ذكر بعض القواعد الشرعيّة، مثل: (من استعجل شيئاً قبل أوانه؛ عُوقب بحرمانه) [ص 169].

    الثاني العشرين: أنّ الشيخ السعديّ قد وُفّق في إدراك أسرار التراكيب؛ وما ذاك إلا لشدّة إلمامه بفنون البلاغة وقواعد اللغة وأسرار العربيّة:

    ـ فالتفسير زاخرٌ بالصناعة اللغويّة المُعينة على فهم القرآن، فقد قال في تفسير (أولئك على هدى من ربّهم): "أي: على هدًى عظيم؛ لأنّ التنكير للتعظيم, وأيُّ هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمّنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة…وأتى بـ (على) ـ في هذا الموضع ـ الدّالة على الاستعلاء, وفي الضلالة يأتي بـ (في) كما في قوله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)؛ لأنّ صاحب الهدى مستعل بالهدى, مرتفعٌ به, وصاحب الضلال منغمسٌ فيه محتقرٌ!" [ص 41].

    ـ وقال في تفسير (ولئن اتبعت أهواءهم) [البقرة: 145]: " إنما قال: (أهواءهم)؛ ولم يقل (دينهم) لأنّ ما هم عليه مُجرّدُ أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدّين اتبع الهوى ولا محالة؛ قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)" [ص 72].

    ـ وقال في تفسير (صبغة الله ومن أحسنُ من الله صبغةً ونحن له عابدون): "في قوله: (ونحن له عابدون) بيانٌ لهذه الصبغة, وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة…والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده في تلك الأعمال؛ فتقديم المعمول يُؤذن بالحصر" [ص 69]، كما ذكر أنّ التقديم للاهتمام [ص 167].

    ـ كما ذكر الفروق اللغوية: بين (الجور) و(الجنف) و(الإثم) [ص 86]، وبين (كسب) و(اكتسب) [ص 120]، وبين (الخطأ) و(النسيان) [ص 120].

    ـ ونصّ على أنّ من معاني (الاستفهام) التعجُّب والإنكار والتوبيخ [ص 48]، وأنّ (حتى) للغاية [ص 87]، و(كلما) تقتضي التكرار [ص 60]، و(الباء) للسببيّة [ص 136].

    ـ واسم الفاعل يدلّ على الثبوت والاستقرار [ص 69، 72].

    ـ كما ذكر الدلالة البلاغيّة لورود التخصيص بعد التعميم [ص 48، 50].

    ـ ودلالة الإبهام وعدم التعيين؛ على إرادة العموم [ص 161، 176].

    الثالث والعشرين: أنّ هذا التفسير قد زخر بالنظر الثاقب إلى أهميّة السياسة الشرعيّة، والمسائل الإدارية وضرورة أن يُعدّ المسلمون الكفاءات اللازمة لأداء وظيفتهم الرساليّة:

    ـ فقد ذكر رحمه الله أنّه بقوة الرأي والجسم "تتمّ أمور الملك؛ لأنه إذا تمّ رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب؛ حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحدٌ من الأمرين؛ اختلّ عليه الأمر، فلو كان قويّ البدن مع ضعف الرأي حصل في الملك خرقٌ وقهرٌ ومخالفةٌ للمشروع: قوة على غير حكمة، ولو كان عالماً بالأمور وليس له قوةٌ على تنفيذها؛ لم يُفده الرأي الذي لا يُنفّذه شيئاً" [ص 108].

    ـ "اجتماع أهل الكلمة والحلّ والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به؛ أكبرُ سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم"، وأنّ "العلم والرّأي مع القوّة المنفّذة: بهما كمال الولايات؛ وبفقدهما ـ أو بفقد أحدهما ـ نُقصانها وضررها" [ص 109].

    ـ وكذلك قوله رحمه الله ـ الذي سبق ذكره ـ في قول الله تعالى: (فإن طلّقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنّا أن يُقيما حدود الله): "في هذا دلالةٌ على أنّه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور خصوصاً الولايات الصغار والكبار؛ أن ينظر في نفسه؛ فإن رأى من نفسه قوّةً على ذلك، ووثق بها أقدم، وإلا أحجم" [ص 103].

    ـ ومن ذلك قوله رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (وما محمّدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسلُ أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم) [آل عمران 144]: "في هذه الآية الكريمة إرشادٌ من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يُزعزعهم عن إيمانهم ـ أو عن بعض لوازمه ـ فقدُ رئيس؛ ولو عظُم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدّين بعدّة أُناس من أهل الكفاءة فيه؛ إذا فُقد أحدُهم قام به غيُره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصدٌ في رئيس دون رئيس؛ فبهذه الحال يستتبّ لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم" [ص 151].

    ـ ومثل قوله عليه رحمة الله عند تفسير (فبما رحمة من الله لنت لهم): "الأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين؛ تجذب الناس إلى دين الله، وترغّبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب. والأخلاق السيّئة من الرئيس في الدين؛ تنفّر الناس عن الدين، وتبغّضهم إليه؛ مع ما لصاحبها من الذمّ والعقاب الخاصّ؛ فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول؛ فكيف بغيره؟!" [ص 154].

    ـ ومن ذلك ذكرُهُ "ما في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية"؛ حيث قرّر "أنّ فيها تسميحاً لخواطرهم، وإزالةً لما يصير في القلوب عند الحوادث؛ فإنّ من له الأمر على الناس إذا جمع أهل الرأي والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث، اطمأنت نفوسهم وأحبّوه، وعلموا أنه ليس بمستبدّ عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلّيّة العامّة للجميع؛ فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته؛ لعلمهم بسعيه في مصالح العموم؛ بخلاف من ليس كذلك فإنهم لا يكادون يحبّونه محبةً صادقةً، ولا يطيعونه، وإن أطاعوه فطاعةٌ غير تامّة…" [ص 154].

    ـ كما نصّ على منهج القرآن في الجمع "بين تعليم الأحكام، وما به تُنفّذ الأحكام، وما به تُدرك فوائدها وثمراتها!" [ص 155].

    ـ ومن ذلك قوله في تفسير (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتقى وأتُوا البيوت من أبوابها) [البقرة: 189]: "يُستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كلّ أمر من الأمور أن يأتيه الإنسان من الطريق السّهل القريب الذي قد جعل له موصلاً: فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلّم والمعلّم ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله يحصل به مقصوده؛ وهكذا كلُّ من حاول أمراً من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه؛ فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود" [ص 88-89].

    الرابع والعشرين: أنّ السّعديّ قد تميّز بطول النفس، وسعة الباع في ذكر المعاني الكثيرة المحتملة [كما تراه في ص 48، 65، 66،89، 113، 117، 131]:

    ـ فقد قال في تفسير (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة) [البقرة 231]: "أي السُّنّة اللّذين بيّن لكم بهما طرق الخير، ورغّبكم فيها وطرق الشرّ وحذّركم إياها، وعرّفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون، وقيل: المراد بالحكمة أسرار الشريعة؛ فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه. وكلا المعنيين صحيحٌ" [ص 103].

    ـ وقال في تفسير (هذا بيانٌ للناس وهدى وموعظةٌ للمتقين) [آل عمران: 138]: "لأنهم هم المُنتفعون بالآيات؛ فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغيّ، وأما باقي الناس فهي بيانٌ لهم، تقوم به عليهم الحجّة من الله؛ ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحتمل أنّ الإشارة في قوله: (هذا بيانٌ للناس) للقرآن العظيم، والذكر الحكيم، وأنه بيانٌ للناس عموماً، وهدى وموعظةٌ للمتّقين خصوصاً، وكلا المعنيين حقٌّ" [ص 149].

    ـ وكذلك قوله في تفسير (وليُمحّص الله الذين آمنوا) [آل عمران 119]: "يمحّص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم… وليمحّص الله أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين" [ص 50].

    الخامس والعشرين: أنّ هذا التفسير الماتع قد حثّ على كل علم نافع: كقوله في شأن التاريخ عند قول الله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم في ما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علمٌ والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [آل عمران 65-66]: "فيها…حثٌّ على علم التاريخ، وأنه طريقٌ لردّ كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تُخالف ما عُلم من التاريخ" [ص 134].

    السادس والعشرين: أنّ السّعدي قد وُفّق في عدم التعويل على الإسرائيليات، والانسياق وراء أوهام أهل الكتاب وأباطيلهم:

    ـ فقد صرّح بمنهجه في ذلك بقوله: "اعلم أنّ كثيراً من المفسّرين ـ رحمهم الله ـ قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزّلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيراً لكتاب الله، مُحتجّين بقوله صلى الله عليه وسلم: ((حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)). والذي أراه أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مُفردةً غير مقرونة، ولا منزّلة على كتاب الله؛ فإنه لا يجوز جعلها تفسيراً لكتاب الله قطعاً إذا لم تصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنّ مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تُكذّبوهم))؛ فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكاً فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أنّ القرآن يجب الإيمان به، والقطع بألفاظه ومعانيه؛ فلا يجوز أن تُجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة ـ التي يغلب على الظنّ كذبها أو كذب أكثرها ـ معاني لكتاب الله، مقطوعاً بها، ولا يستريب بها أحد؛ ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل!" [ص 55-56]. وانظر كذلك [ص 112، 138].

    السابع والعشرين: أنّ هذا التفسير قد استلهم رُوح السنة النبوية؛ حتى إنّ القاريء ليستحضر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بمجرّد أن يسمع بعض المعاني التي يربط بها السعدي بين القرآن والسنة:

    ـ كما مرّ في الكلام على الإسرائيليات، وكما في قوله رحمه الله في تفسير (لتكونوا شهداء على الناس) [البقرة: 143]: "ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم أنه إذا كان يوم القيامة وسأل الله المرسلين عن تبليغهم, والأمم المكذّبة عن ذلك, وأنكروا أنّ الأنبياء بلّغتهم, استشهدت الأنبياء بهذه الأمة, وزكّاها نبيّها" [ص 71]. فهذا يذكّر طالب العلم بما رواه البخاري في كتاب (أحاديث الأنبياء) باب قول الله عز وجل (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) [هود: 25]، وفي كتاب (التفسير) باب (وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) [البقرة: 143]، وفي كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة) باب (وكذلك جعلناكم أُمّة وسطاً) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُدعى نوحٌ يوم القيامة فيقول: لبّيك وسعديك يا ربّ! فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيُقال لأمته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: من يشهد لك؟ ـ وفي رواية الاعتصام: من شُهودُك؟ ـ فيقول: محمّدٌ وأُمّته؛ فيشهدون أنه قد بلّغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً؛ فذلك قوله جل ذكره (وكذلك جعلناكم أُمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).

    ـ وكذلك قوله في تفسير (فلنُولّينّك قبلةً ترضاها) [البقرة: 144]: "أي: تحبّها وهي الكعبة, وفي هذا بيانٌ لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم, حيث إنّ الله تعالى يسارع في رضاه" [ص 71]؛ فإنّ هذه العبارة مُستوحاةٌ من قول أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنه لما نزل (تُرجي من تشاء منهن وتُؤوي إليك من تشاء) [الأحزاب: 51]: "ما أرى ربّك إلا يُسارع في هواك" كما في الصحيحين.

    الثامن والعشرين: أنّ الشيخ السعديّ يلهج ـ كثيراً ـ في تفسيره بحمد الله وشكره على عظيم نعمائه؛ وهذا ـ لعمري ـ مما يزيد الأعمال بركةً وصلاحاً وفلاحاً؛ وما هذا التفسيرُ البديعُ إلا ثمرةً من ثمرات قول الله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنّكم):

    ـ فمن أمثلة ذلك ما قاله السعديّ في تفسير (ومما رزقناهم يُنفقون) [البقرة: 3]: "في قوله: (رزقناهم) إشارةٌ إلى أنّ هذه الأموال التي بين أيديكم, ليست حاصلة بقوتكم وملككم, وإنما هي رزق الله الذي خوّلكم, وأنعم به عليكم, فكما أنعم عليكم وفضّلكم على كثير من عباده؛ فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم, وواسُوا إخوانكم المُعدمين" [ص 41].

    ـ وما قاله في تفسير (ولأتمّ نعمتي عليكم) [البقرة: 150]: "قد أعطاه الله من الأحوال والنعم, وأعطى أمته, ما أتم به نعمته عليه وعليهم, وأنزل الله عليه: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي, ورضيتُ لكم الإسلام ديناً)؛ فللّه الحمدُ على فضله, الذي لا نبلغ له عداً, فضلاً عن القيام بشكره" [ص 74].

    ـ وكذلك في تفسير (ولعلكم تهدون) [البقرة: 150]: "أي: تعلمون الحق, وتعملون به؛ فالله تبارك وتعالى ـ من رحمته بالعباد ـ قد يسّر لهم أسباب الهداية غاية التيسير, ونبّههم على سلوك طُرُقها, وبيّنها لهم أتمّ تبيين؛ حتى إنّ من جملة ذلك أنه يقيّض الحق للمعاندين له فيجادلون فيه, فيتضح بذلك الحق, وتظهر آياته وأعلامه …ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحاً ظاهراً؛ فلله الحمد على ذلك" [ص 74].

    ـ وقوله في تفسير (فاذكروني أذكركم واشكروا لي) [البقرة: 152]: "أي: على ما أنعمتُ عليكم بهذه النعم, وصرفتُ عنكم صنوف النقم. والشكر يكون بالقلب: إقراراً بالنعم واعترافاً, وباللّسان: ذكراً وثناءً, وبالجوارح: طاعةً لله وانقياداً لأمره واجتناباً لنهيه؛ فالشكر فيه بقاءُ النعمة الموجودة، وزيادةٌ في النّعم المفقودة، قال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنّكم). وفي الإتيان بالأمر بالشكر، بعد النعم الدينية: من العلم، وتزكية الأخلاق، والتوفيق للأعمال، بيان أنها أكبر النعم، بل هي النّعم الحقيقيةُ التي تدوم إذا زال غيرها؛ وأنه ينبغي لمن وُفّقوا لعلم أو عمل أن يشكروا الله على ذلك؛ ليزيدهم من فضله، وليندفع عنهم الإعجاب؛ فيشتغلوا بالشكر!" [ص 74].

    ـ وكذلك قوله في تفسير (إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار) [البقرة 164]: "أليس من القبيح بالعباد أن يتمتّعوا برزقه, ويعيشوا ببرّه, وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟! أليس ذلك دليلاً على حلمه وصبره وعفوه وصفحه وعميم لُطفه؟! فله الحمد أولاً وآخراً, وظاهراً وباطناً." [ص 79].

    التاسع والعشرين: أنّ الشيخ السعديّ رحمه الله قد اعتنى بمفهوم الآيات، دون اقتصار على منطوقها؛ وفي هذا إثراءٌ لفقه دلالات القرآن:

    ـ فمن ذلك قوله في تفسير (ويُحبّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا) [آل عمران 188]: "دلّت الآية بمفهومها على أنّ من أحبّ أن يُحمد ويُثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق؛ إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة: أنه غير مذموم؛ بل هو من الأمور المطلوبة التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواصّ خلقه، وسألوها منه: كما قال إبراهيم عليه السلام: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)، وقال: (سلامٌ على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين)، وقد قال عباد الرحمن: (واجعلنا للمتقين إماماً)؛ وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر" [ص 161].

    ـ ولـ (تيسير الكريم الرحمن) بحمد الله عنايةٌ فائقةٌ بالمفاهيم: مثل (مفهوم الموافقة) [ص 53، 72، 92]، و(مفهوم المخالفة): سواء كان وصفاً [ص 77، 113، 119]، أو شرطاً [ص 65، 102، 103]، أو ظرفاً [ص 91]…

    ـ وقد نبّه الشيخ رحمه الله على بعض المفاهيم المُلغاة: مثل تقريره أنّ "القيد الذي خرج مخرج الغالب لا مفهوم له" [ص 173، 174].

    الثلاثين: أنّ هذا التفسير الجليل قد شوّق الصالحين إلى بلوغ جنّات النعيم:

    ـ فمن ذلك قوله في تفسير (الذين يظنّون أنهم ملاقو ربّهم وأنهم إليه راجعون) [البقرة: 46]: "فهذا الذي خفّف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلّي في المصيبات، ونفّس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيّئات؛ فهؤلاء لهم النعيمُ المقيمُ في الغرفات العاليات!" [ص 52].

    ـ وكما جاء في قوله عند تفسير (أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون) [آل عمران: 169]: "لفظ (عند ربّهم) يقتضي علوّ درجتهم، وقربهم من ربّهم (يُرزقون) من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم؛ ومع هذا (فرحين بما آتاهم الله من فضله) أي مغتبطين بذلك قد قرّت عيونهم، وفرحت به نفوسهم؛ وذلك لحُسنه، وكثرته، وعظمته، وكمال اللّذّة في الوصول إليه، وعدم المُنغّص؛ فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله؛ فتمّ لهم النعيم والسرور!" [ص 157].

    ـ وكذلك قوله في تفسير (فاستبقوا الخيرات) [البقرة: 148]: "ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في الآخرة إلى الجنات!" [ص 73].

    نسألك اللهم يا ذا الجلال والإكرام: (تيسير) العلم النافع، والعمل الصالح، وأن توفقنا إلى معرفة (تفسير كلام المنّان)، وأن تنفعنا، وتنفع بنا، وتجعلنا سبباً لمن اهتدى، وأن تجمعنا و(الشيخ السعديّ) في جنة الفردوس؛ إنك أنت (الكريم الرحمن):

    "في جنّـة طابت وطاب نعيمـها =من كلّ فاكـهة بها زوجان!

    أنـهارها تـجري لهم من تحتهم =محفوفةً بالنخـل والرّمـّان!

    غرفاتُها من لؤلـؤ وزبرجــد =وقصورُها من خالص العقيان!

    قُصـرت بها للمتقـين كواعبٌ =شُبّهن بالياقوت والمرجـان!

    بيضُ الوُجوه شُعـورُهنّ حوالكٌ =حُمرُ الخدود عواتقُ الأجفان!

    فُلجُ الثغور إذا ابتسمن ضواحكا =هيفُ الخصور نواعمُ الأبدان!

    خُضـرُ الثيـاب ثديهنّ نواهـد =صُفـر الحليّ عواطرُ الأردان!"

    1

    2

    3

    4

    5

    6

    7 "في  جنّة طابت وطاب iiنعيمها        من  كلّ  فاكهة  بها  iiزوجان!

    أنهارها  تجري  لهم من iiتحتهم        محفوفةً    بالنخل    iiوالرّمّان!

    غرفاتُها   من   لؤلؤ  وزبرجد        وقصورُها من خالص iiالعقيان!

    قُصرت  بها  للمتقين  iiكواعبٌ        شُبّهن   بالياقوت   iiوالمرجان!

    بيضُ  الوُجوه شُعورُهنّ حوالكٌ        حُمرُ  الخدود  عواتقُ iiالأجفان!

    فُلجُ الثغور إذا ابتسمن ضواحكا        هيفُ  الخصور نواعمُ iiالأبدان!

    خُضرُ   الثياب   ثديهنّ  نواهد        صُفر الحليّ عواطرُ iiالأردان!"

     

    [نونيّة القحطاني ص 87-88]

    والحمد لله والصلاة على رسول الله. 

     

     meshkat.net

إلى الأعلى