الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » التمثيل و السينما » المسرح » الجهة المقابلة مسرحية من فصل واحد – علي الربيعي

الجهة المقابلة مسرحية من فصل واحد – علي الربيعي


الجهة المقابلة

مسرحية من فصل واحد

علي الربيعي

الشخصيات:

شاب: في الربع الاخير من العقل .

شرطي امن: رقم (1).

ظابط امن: رقم (2).

الزمان : ليس ببعيد

المكان: على خارطة معلومة

( في مكان ما في المدينة ، حيث تبدو مهجورة وخالية الا من ملامح جدرانها التي تدل على وجود بعض الحياة فيها وقد دخل ـ الدوّار ـ وهي شخصية مالوفه تجوب الشوارع والازقة بعربة خشبية ذات عجلات تدفع باليدين كما هو متعارف مناديا على اهلها بشرائه منهم من بقايا وانقاض ما استهلك الزمن في قدمها من مواد بيتيه واشياء اخرى يتاجر بها بدوره واضحاً عليه الفقر في كل شيء من ملبسه وعربته القديمة والكيس الكبير الذي يتوسط العربة والذي يجمع به الاشياء الصغيرة وهي عبارة عن مخلفات حرب وزجاجات خمر وغيرها يكلله شيء من العقل الذي يقوده لصراخات يذوّب فيها سكون تلك المدينة)..

الدوّارـ ايتها الحارقة؟… رفقا بي ، رفقا بانبك المعطوب فمن سنين وانا ادور ايتها الحارقة ؟ طيب ، طيب انت فطمت على النار ماذنبي انا لاحرق فيك ، ثم لا احد يبيع مدينة اهلها انقاض ولا احد يبيع مدينة لاتسمع ولا تجيب ينامون في النهار وينامون في الليل جياع ينامون محاربون ينامون مضطهدون ينامون منتصرون مهزمون، انهضوا-صارخآ- انهضوا من ركام خوفكم .. اجعلوا لكم خصما تتحدثون اليه … مالكم لا تتحركون وتفززوا هذه المقابر المضاءة باحزانكم ، هي بيوتكم وصناديق جثثكم حتى اسراركم ـ ضاحكا بسخريةـ تخاف على اسرارها منكم ـ صارخا بعد ان يقفز من العربة التي كان مستلقيا فيها ـ ايها الباذخون في الفقر ، ايها المتهمون باللصوصية والعمالة والتخلف والكفر ، لاتجعلوني ادور … ابيعوني من هزائمكم … اسرتكم ، ابوابكم ، شبابيبكم بقايا ذكرياتكم ثيابكم لم لا اشتري ثيابكم … انهضوا … انهضوا … انهضوا ـ باكيا وقد حرك عربته لمسافة قصيرة مناديا بحزن ـ " من عنده" ارق للبيع ….قلق للبيع … رمق للبيع"ـ يتوقف مخاطبا الشمس مرة اخرى ـ ايتها الحارقة ؟ رفقا بي انهم لايسمعون ـ يشير الى الجدران التي تكون في محاذاته وقد بدت كما وصفنانا منتصفا المسرح ـ امنحنيني صوتا اخر كي ينهضوا ، فلم نزل اطفالا لا نحفظ سوى درابين مدينتنا ، أميون مخلصون للفقر مجانين كلا … ايتها الشمس ؟ … كوني بردآ وسلاما على المتخمين وتقيأي بجمرك على هذه المدينة أي مدينة

تلك التي لاتخرج لصوت دوار … خائفون حتى من صوت الدوّار ـ يخرج من يسار المسرح بعربته وهو يردد " من عنده جرح للبيع … حزن للبيع … حلم للبيع " ..

صوت (1) ـ متى ننتهي من هذه القذارة؟

صوت (2) ـ نحتفظ له برصيد جيد

ص(1) ـ اذن هي التعليمات نفسها؟

ص(2) ـلنكن خلفه ، لنعرف من يتعاطف معه

ص(1) ـ سمعت انه كان شابا متوازنا قبل ان يدخل في ضيافتنا.

ص(2) ـوستقول انك سمعت ، انه كان مهرجا يؤذي راحة الاخرين بكلامه التافه ، الذي يلتف حوله الكسالى والعاطلون والحالمون بحكمة المجنون … احفظ هذه وانس تلك والا تكون في اقل من ساعة دواراً مثله … اسمعت ؟ افهمت

ما اقول ؟.

ص(1) ـفهمت سيدي ، لاارى ، لا اسمع ، لا اتكلم .

ص(2) ـقرد .. عملنا يتطلب منا ان نكون قروداً ، اتفهم ؟ … قرود

ص(1) ـايانا لا دائما سيدي ، لانني لا احبذ ان تكون قرداً مثلي…

ص(2) ـمثلك نعم هذا صحيح لكن هذا التافه لا يوّد ان يكون مثلك .. حتى بعدما اخذ الحقنه التي كنا نامل ان تخرس لسانه وتجعله مواطنا صالحا يعمل " صح" ويفكرّ "صح" .

ص(1) ـ ثق سيدي انها لا تنفع مع هؤلاء الذين يدّعون…

ص(2) ـ كفى … ولنقم باعتقاله بعد ان ياخذ المنعطف الاخر من الشارع…

ص(1) ـ هذه هي العدالة ويقولون اننا قساة لا رحماء مع اننا نحتفظ حتى لمثل هؤلاء بغرف تقيهم شرّ السنتهم بدل مصحة لا يملكون فيها سوى اطباء مجانين لا يجيدون غير الكهرباء لكيّ عقول زبائنهم ، ثم ان ملامح هذا المجنون…

ص(2) ـلا ملامح للمجانين ، قدر ان هذه المدينة تصدقهم وتانس لافعالهم ، واذا ما بقيت تثرثر هكذا فانني ، ها … انه ينعطف … لنعتقله فوراً ، هيا بسرعة هيا .

( يظهر الدوّار وقد اخذ بالتحرك شيء فشيء من داخل عربته التي القوه فيها متلمساً راسه واطرافه وجسده كانه فقد شيء منها وقد اختفت خلفية المسرح الدالة على وجود المدينة من خلال جدرانها الامنه واشياء عربته متثاقلاً يخاطب نفسه)..

الدوّارـ عطشان؟ … لا لا … زماناً ارتوي من العطش ، جوعان؟ … لا لا .. هكذا انا اجوع حين اشبع رغبتي بشتمهم والمدينة وان كان كذلك ، فلا زاد لي ، لا ماء لي ، لا انا لي ـ ينهض وسط العربة ـ كمن يقف صفارة انذار حين لا يجد ملجا لروحه.. كالنهر حين يسافر في مكانه كمخادع … كامطار اسائلتي وطوفان ايماني .. عندما ينتهيان عند كفي ، ثم لماذا ومم اخاف وقد غادرت روحي مراراً مع اسراب الرصاص ـ ينزل من العربة وهو يحلق بيديه كالطير في دائرة حول العربة متوقفا فجاة لصدى رنين صوته الذي يستمر معه نقيضاً لبقايا ذرات تداعياته حتى آخر مساء ليبدء بصباح مجنون آخر -.

صداه ـ تنتظرك الزوايا ، تتمرجح في وجهك المرايا ، حتى الماء عبثا يرويك والجوع … الجوع ورمُ على اضلع التنور ، انك المقتول على حياتك بل المقتول على مماتك ، انك العالم .. كل العالم .. الذي لا يشبه ذاتك.

الدوّارـ ان لكفي هذه عينين وشفتين ـ يفترش الارض وقد امسك باحدى كفيه مخاطباً اياها بعد ان التصق على وجهه وهو يحاول التخلص منها جاهداً ـ ان لكفيّ انساناً … انسان بلا امان ، بلا امان بلا ـ يتخلص من كفه وقد تمدد قرب عربته ـ الانسان .. هو تلك المدينة التي سقطت على جرحي ـ صارخاً ـ ان مدينتي بيضاء جميلة كالنوارس كا لانبياء يتساقطون الى اعلى ـ ينهض وبصوت اعلى ـ واني لا اشك لحظة فيما قالها لهم ( ان القوي من قوي على نفسه ) ان القوي قوى على نفسه .. ان القوي من قوي على نفسه".

(يستوقفه صداه ساخراً)

صداه ـ نعم … نعم …نعم ، ان الاقوياء لا يعيشون الا في الزمن الجبان ، ثم انك انسان ـ ضاحكاً ـ صوتك انسان … صداك انسان …صداك يا……..

( يقف قبالة عربته كانه متجه للصلاة منادياً)

الدوّارـ اشهد ان لا وطنا وطن فيه

صداه ـ واشهد ان اصرخة وثقت فيه

الدوّارـحيّ على الجناة

صداه ـ حيّ على الرفات

الدوّارـقد قامت الحدود

صداه ـ قد قامت الجنود

الدوّارـ حي على نفسي ، على راسي ـ راكعاً ـ اين ؟ اين اولئك الذين بنوا امجادهم على جماجنا المسكينة، اولئك السفلة المرتشون الذين يجرجرون الجمال الى انفاق الرذيلة ـ ساجداً ـ الذين يذبحون بنا من الوليد الى الوليد ـ ينهض صارخاً ـ اين ـ اين ـ اين….؟

(يصرخ به صداه)

صداه ـ اجلس … فان الجلوس الان خير من الصراخ على تاريخ يصنعه الاسفون على موتهم المبكر ، كالشظايا التي تطلقها الريح على شجر يكابر….

(ينهض متثاقلاً وملبياً نداءه)

الدوّارـلو تعلم كم جلدت سياط خوفي وتوظات بدمي المهزوم ، دمي … لغة يتكلم بها الجسد الخائف..

صداه ـ لا … لست بخائف ، ثم انك مجنون المدينة

الدوّارـ المدينة ، نعم انا المدينة ـ فرحاً وهو يبحث في الكيس الذي في العربة وقد اخرج منها تباعاً اشياءه التي يحتفظ بها ـ انا المدينة ، المدينة … ولا علم ان التراب ازل ـ يخرج بدله عسكرية مقطعّة ومدّماة يضعها قرب العربة امام مقدمة المسرح بمواجهة الجمهور ـ والنهر ازل ـ يخرج بنطالآ عسكريا بنفس المواصفات مكملاًبه القميص العسكري ـ وحبيبتي … ياعيني ياحبيبتي ـ يخرج خوذة صدئه ويضعها على راس القميص وكانه رسم بذلك جنديآ مستلقياً على الارض ـ ازل في ازل … والاماني ـ يخرج بسطالاً يضعه عند نهاية البنطال ـ

ازل في ازل في ازل ـ صارخاً ـ جوامعي ، كنائسي ، اطفال دموعي كلها ازل ، كلها كتب على رفوف السماء ، يحاولون اطفاء جذوتها على خد قمر مخذول…

(مقاطعاً)

صداه ـ هم جعلوه مخذول ، هم باعوا ، هم اشتروا ، هم …..

(مقاطعاً بشدة)

الدوّارـ لا ـ لقد اخبرني جدي انه لن يبيع ـ يبحث في الكيس فيعثر على زجاجة خمر وزجاجات اخرى فارغة يرميها من الكيس في احدى زوايا المسرح فياخذ منها جرعة بارتباك وخيفة كان احداً يراقبه وقد خباها تحت ابطه ـ لن يبيع ، لا احد يبيع ، لقد ـ ياخذ جرعة اخرى ـ لقد كان جدي عنيد كالوتر ، وشريفاً كالمراة … نعم نعم لقد كان ……

(يقاطعه بتهكم)

صداه ـ وما الفائدة وهو يسددّ رفضه بالاحفاد؟ …

( ياخذ جرعة اخرى فيرميها في احدى زوايا المسرح بعد ان فرغ منها)

الدوّارـكلا .. ان جدي يسير مع غفلتهم ، لكن لا يقتل احداً حين صلاتهم ….

(يقاطعه ضاحكاً)

صداه ـ وان جدك لم يكلمك كثيراً ، وانه ايقن ان العصفور يموت مختبئاً وان القباب تمنح الاحزان وان المساجد تليق بالفقراء وان السواقي تجاعيد على خد نهر مهزوم…

الدوّارـمهزوم بعاصفة الضجيج والضوضاء التي تاكل راسي ، راسي بريء ـ يمسك براسه وقد عاد ليستلقي بعربته ـ راسي بريء ، بريء ، براءة القمر المخذول .

صداه ـ انك لاتنسى ان تموت ، ان تكون الطفل الذي يختصر الرجال….

(يقاطعه بحزن)

الدوّارـ" حديد عتيق … عتيق حديد " … ايعقل ان نعيش مجانين؟ …

صداه ـ بل يستحيل ان نعيش عقلاء… (ينهض وقد توسط العربة)

الدوّارـ اتعلم ان امي كانت ترتعد خوفاً حين امسك بعود ثقاب ، لارى كيف تحصد نفسها النار بين اصابعي ، امي التي او قدتني على جليد قضيتها ، ان امي وجدّي كليهما قمر مخذول ـ يشعل سيكارته ـ حتى بعدما…

صداه ـ بعد ماذا؟

( يقترب من الجمهور وهو كمن يتامل من السؤال وقد اخذ يدخن سيكارته بقوة وبشكل متقطع كانه يستذكر من خلال الدخان الذي يجعل غيمة على راسه ، فيسقط السيكاره من بين اصابعه وقد ضربها بقدمه بقوة ليطفئها ومن خلال الضربة تملا ارجاء المسرح اصوات نساء واطفال يستغيثون وقد علت اصواتهم اصوات لكلاب تنبح ومن خلفها اصوات لتصفيق وصفير وقرع طبول تنتهي باظلام كامل للمسرح ثم ببقعة ضوء يظهر منها خلف العربة مختفياً و صارخاً بعتمة تامه).

الدوّارـ كلاب .. كانوا كالكلاب ينقضون علينا واحداً تلو الاخر … كلاب مازالوا كلاب , كلاب , كلاب ,..

(يسقط)

صداه ـ الم تعلم بعد … ان الموت يعطي ارضاً للاموات ، وهم يكرهون حتى الارض التي يحتلها الميتون…

(وهو على الارض)

الدوّارـ ومن نحن ؟ من يندد ام يبدد ، ام من يتكسر بالصبر ؟ ام من صدا فيه ام ماذا ؟.

صداه ـ من ياكل من ، ويشرب من ، لينسى من ، كان من؟

(ينهض)

الدوّارـ هاهي الارض تفترشني لاحدد خارطة الجميع ، فقد باتت خارطتي طاعونا ، وازمتي خطوطا حمراء تنذر الجميع بالرحيل عنها ، بعد ان كان ابي ، اقسم بان النافذة كانت تزدحم بالسماء التي تتقاسم مع ابي الرغيف … وان الجدران كانت تستقبل المطر ليصبح عشباً اخضر ..

صداه ـ ثم ماذا ايها المتسمّ بالسعادة ، دم هنا ودمُ هناك

الدوّارـمنفى هنا لمنفى هناك … الى الذين يتقاضون اتعابهم من ولادات امهاتنا المتكررة ، الى حقيقة معلقة على حبل مشنوق ، على اموات يشيعون على جثث اموات ـ صارخاً باتجاه الجمهور ـ ايها المتفقون واللامتفقون ..متى ترمون بانفسكم من اعلى خوفكم ، متى ستعبرون ؟ لكنكم لاتعبرون كجفافكم ، فانتم متهمون وخصومكم قضاة…

صداه ـ هيه … هيه ، لحظة … دعك منهم ، فهم صمّ عميُّ بكمُّ لا يغضبون .

الدوّارـحتى متى؟

صداه ـ حتى تفيق الارض وتخلعهم عن جلدها ، حتى يفيق ذاك الذي سالك عن رايك في الحرب … اتذكر بماذا اجبته؟

(منتشياً)

الدوّارـ نعم ، نعم حينها قلت له واين وجهة النظر فيها ، فتركني وهاجر الى لا وجهة نظر يسال عنها ـ ضاحكاً ومتذكراً بصعوبة ـ لا لا وذاك الذي ساله صديقه المخرج ان يكون دوره الميت في المسرحية ، فاجابه وهذا ما اتقنه سيدي المخرج .. لالا .. مرة اضحكني صديقي عندما علم ان زوجته تكره منظر الدم ، فاتى لها بدجاجة مريضة على وشك ان تموت فماذا فعلت … ذبحتها … فعاد اليها وسالها ، كيف تغلبت على ذبح الدجاجة ؟ فاجابته بهدوء ..لاتخف فقد تصرفت عني السكين ـ يضحك ساخراً حتى ينتهي ضحكه ببكاء مريرـ سوف لن تسالني امي عن فطوري ، ان اجمل فطور ياامي فيروز بالعسل .. فتقول المسكينة ااتيك بالعسل ولكن من اين ااتيك بفيروز ، امي التي اصبحت لا تحترم العالم يوم بخرت البيت ـ يخرج من الكيس ظروف رصاصات فارغة ينشرها على راسه ـ ونشرت على راسي الزينة حين عدت من الحرب الاخيرة ، امي المسكينة هي الاخرى اصبحت لاتحترم العالم حين سالتني عن الحرب الباردة ، بماذا اجيب وهي باردة ، باردة ، باردة …

صداه ـ كلها مواسم برد ، لقد رحل الدفء وعلينا ان نستقبل البرد …

الدوّارـ البرد ؟ متى ينتهي ؟ ومتى يكففن امهاتنا وهنّ يحملن في بطونهن جنوداً .. ومجانين وحزاناً بلا حدود .. امي اشعر بانني ساموت ، اموت ياامي .

ـ يمسك بطرف العربة ليدفعها مغادراً حزيناً متسائلاً تاركاً على ارض المسرح البقايا التي نثرها وهو ينظر باتجاه الجمهور معرفاً بنفسه وبحركة بطيئة جداً ينسحب والعربة من خشبة المسرح وهو يردد ـ فقد عشت واسمي جرح وابي اثر وجدي مكان على خد قمر مخذول ، وخيول اسالتهم تسحق راسي ياامي ، اوقفيهم … اوقفي تلك الخيول ، انني اموت ، راسي يموت ياامي راسي يموت ولست سوى دوّار ، دوّار ياامي دوّار …( من عنده كلب للبيع ، صبر للبيع … وطن للبيع) …

اظلام

الورشة كوم

60 Views

عن

إلى الأعلى