الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » فنون متنوعة » المنظر الطبيعى بين الواقعية والإيجاز – أماني علي فهمي

المنظر الطبيعى بين الواقعية والإيجاز – أماني علي فهمي


المنظر الطبيعى بين الواقعية والإيجاز

أماني علي فهمي

عرف الفنان عبر تاريخ الحضارات المتعاقبة أساليب بناء عمله الفني عن طريق إدراكه لقيم التناسب والتماثل والاتزان ، وتطورت تلك المعرفة حتي أصبحت هدفاً جمالياً خالصاً ، استطاع الفنان من خلاله أن يترجم العديد من رؤياه الفنية وإحساسه الخاص تجاه الطبيعة ، ومن خلال تأملاته العميقة للحقائق الكونية ، اكتشف أن الله سبحانه وتعالي قد خلق الكون في انضباط عظيم تحكمه قوانين جمالية منظمة ، تتجلي فيه ما لا حصر له من معجزات تبدو في ذلك الانسجام والاتساق والتوازن.

ولقد جاء الفن كنشاط ذهني وبدني ناتج من التفاعل المستمر بين الإنسان والظواهر الكونية المحيطة به ، والتي اكتشف فيها دقة التوافق وجمال الإيقاع ، فبدأ في ترجمة رؤياه في صورة محاكاة للظواهر الطبيعية ، وبمرور العصور والحضارات ، أدرك الفنان أن هناك قوانين رياضية وهندسية وفلكية دائمة وثابتة تشكل جوهر الإبداع الإلهي في الكون.

ونتيجة لتطور وعمق التجربة البصرية لدي الفنان ، فقد بدأ يبحث عن الحقيقة الكامنة وراء المظهر الخارجي ، فاكتشف أن أساس نظام الطبيعة إنما يقوم على التقاء كل ما هو أفقي مع كل ما هو رأسي ، وهو ما عرف بقانون التعامد الذي يسمح لجميع الكائنات الحية علي الأرض بأن تكون في وضع الاتزان والاستقرار ، ومن ثم فان إدراك القانون البنائي للمرئيات يعد هو الأساس الأول للفكر الفني القائم علي الإيجاز الشكلي ، حيث أن المفهوم البنائي الإيجازي في أي عمل فني هو بمثابة الأساس الأول الذي يوفر له قوة تواصله مع العين ، صانعاً معها حواراً مسترسلاً ، ملخصاً في بلاغة كل الخبرات التقنية والبصرية والذهنية الخاصة بالفنان.

كما أن مفهوم الإيجاز الشكلي يٌعنى بالتصميم والتخطيط الأولي الذي يبني الفنان عليه فكره الفني ، كذلك فهو يُعنى بالأبعاد والنسب والمنظور ، وأيضاً الحلول الهندسية والعلاقات الخطية ، فهو أساس العمل الفني وفي ذات الوقت هدفه الأخير.

ولأن المنظر الطبيعي يحوي بداخله جميع الأشكال الهندسية والعضوية ، الحية والثابتة ، فقد كان مجالاً خصباً للتجريب والتحليل ، خاصة منذ بداية القرن التاسع عشر ، حيث تبلورت لوحة المنظر الطبيعي واحتلت الأهمية التي تمكنها من التحرر من كونها مجرد خلفية مكملة للعمل الفني الذي كان يهتم بالشكل الإنساني في المرتبة الأولي ، ولذلك ظل المنظر الطبيعي في التصوير الأوربي عبر العديد من العصور الفنية مجرد عنصراً ثانوياً مسانداً ، حتي جاءت بداية القرن الثامن عشر وظهرت مجموعة من المصورين الهولنديين ثم الانجليز اللذين تبعهم مجموعة من الفرنسيين والألمان كانوا قادرين علي خوض ذلك الاتجاه الجديد الذي جعل للوحة المنظر الطبيعي كياناً مستقلاً بجمالياته الكاملة والقادرة علي إثارة الخيال والمتعة ، إيماناً منهم بقوة الطبيعة ذاتها وإن خلت من العنصر البشري تماماً ، وإيماناً منهم بأن المنظر الطبيعي هو شكل من أشكال التعبير قادر علي أن يحوي جميع القيم الجمالية والتصويرية الخالصة.

وتحتل لوحة المنظر الطبيعي مكانة هامة في تجربة الفنانة وتشكل إيماناً راسخاً في عقيدتها الفنية منذ سنوات الدراسة بكلية الفنون الجميلة ، حتي جاءت رسالة الماجستير الخاصة بها تبحث أثر مدرسة الباربيزون في نشأة التأثيرية ، وهي تلك المدرسة التي حوت مجموعة من المصورين الفرنسيين اللذين اتجهوا إلي الخلاء في قرية باربيزون لتصوير الطبيعة في كل حالاتها المناخية عبر الضوء الطبيعي والهواء الطلق ، وهم بذلك قد فتحوا الطريق أمام مجموعة كبيرة من المصورين التأثيريين المشهورين ليخوضوا بجدية شديدة في دراسة الطبيعة وعلاقة اللون بالقوانين الضوئية الفيزيقية ، ومن هنا ارتبطت اللوحة التصويرية بالواقع العملي والبصري ومهد الطريق للاتجاهات الفنية الحديثة كي تساهم في تحرر الرؤية الفنية من سطوة الواقع.

وفى أعمال سابقة الفنانة أماني على فهمي ( منذ عام 1990 وحتى عام 2003 ) كان هناك رصد للطبيعة بعين تحترم القانون الواقعي ، ولكنها تحاول الوصول إلي شكل مبسط يبلور جوهر العلاقات التي تخلق الأشكال ، وذلك عبر نهج تلخيصي يمزج بين: التكوين البنائي والإيجاز الشكلي ، التوافق اللوني والتضاد في أقصى صوره ، الإيحاء بالمنظور الهوائي والتسطيح الكامل ، تعامدية الخطوط و الأفقية البانورامية المنبسطة.

وقد احتوت بعض أعمالها شيء من السمات الرومانتيكية ، أي المحملة بشحنة عاطفية ما تجاه المنظر ، حيث أن الفنانة لا تشرع في عملها تجاه المنظر إلا إذا شغفت به شغفاً شديداً ، وآمنت إيماناً راسخاً بأنه يحمل في تفاصيله مقومات تلبي في نفسها متطلبات فنية تبحث عنها ، وكما ذكر "جورج سانتيانا" في كتابة "الإحساس بالجمال" : " فالمنظر الطبيعي غير محدود ، ففيه دائماً تقريباً ما يكفي من التنوع لإعطاء العين حرية كبرى في انتقاء عناصره وتأكيدها وتنسيقها في مجموعات معينة ، وفي الوقت عينه ، إنما هو غزير بالإيحاءات وله قدرة كبيرة علي إثارة الانفعالات الغامضة ، فكي نرى المنظر الطبيعي يتحتم علينا أن نألفه نحن ، ولكي نحبه ينبغي لنا أن نضفي عليه مدلولاً خلقياً " .

تصور اللوحة المعروضة منظراً من وحي القاهرة القديمة ، تغلب عليه درجات الألوان البنية والرماديات ، يصور في لمسات متعاقبة السمات المميزة للمكان دون الدخول في التفاصيل البصرية الدقيقة ، فهو يختزل العديد من المظاهر المرئية والخارجية التي تميز تلك الأمكنة في لمسة فرشاة متنوعة الطول والسمك والاتجاه ، تبغي التقاط الدفقة الشعورية لدي الباحثة ولا تبغي الوصف المباشر ، بحيث تحتوي المشهد أضواء وظلالاً وسماء وأبنية وأرضاً وفراغاً ، موحية بأجواء ممتلئة بعبق مصري خاص ، من خلال نظرة كلية مجملة لا تلغي الحس الواقعي بل تؤكده.

وتظهر في اللوحة مجموعة البيوت القديمة متراصة ومتلاحمة موزعة علي مساحة اللوحة أفقياً بحيث تكون تلك البيوت فيما بينها إيقاعاً وحركة وتنوعاً ما بين المساحات المتكدسة والمساحات الخالية.

artamany@yahoo.com

alwarsha.com

44 Views

عن

تعليقات

  1. أبو معتز قال:

    شكرا جزيلا على الموضوع المهم

إلى الأعلى