الفلسفة الجمالية عند حمزة شحاته


الفلسفة الجماليّةُ عند حمزة شحاتة

الدكتور صالح سعيد الزهراني

الأستاذ المشارك بقسم البلاغة والنقد

كلية اللغة العربية – جامعة أم القرى

ملخص البحث

تعني هذه الدراسة ببيان أنّ الفلسفة الجمالية هي رؤية جمالية للفن تنبثق من تصور فلسفي خاص للإنسان والكون والحياة، وبهذا تتجاوز الإدراك والتفكير الجمالي إلى إقامة منظومة خاصة.

وعرضت لماهية هذه الفلسفة وآلياتها، وممجالاتها عند أحد أهم رواد الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية وهو " حمزة شحاته " كما تجلت في شعره ورؤاه النقدية والفكرية، ورسائله، ومحاضراته الشهيرة : الرجولة عماد الخلق الفاضل، وكشفت عن ثراء المضامين التي تنطوي عليها، مع إشارة موجزة إلى أبرز الخصائص الأسلوبية التي تبرز في أدب حمزة على اختلاف أجناسه.

* * *

مقدمة :

1/1 – يمثّل “ حمزة شحاتة ” قمة فكرية كان يقول عنها عزيز ضياء : إنـها عرفت ولم تكتشف(1). وعدم اكتشاف خبايا هذه القمة مع شموخها مردّه “ إلى غرابة الجوهر ونفاسته ”. فحمزة شحاتة غرائبي في كل شيء، غرائبيٌ وجوهري في حياته، وفي فقهه للواقع، وإدراكه لكنه الحياة والأشياء والكائنات، وبحثه عن الجوهر النادر في الأفكار والأشياء، وفي شعريته الخلاّقة، وفلسفته العميقة، فقد اجتمع له من الخصائص مالم يجتمع لغيره من روّادنا، وصُـنّاع شهودنا الثقافي، من عبقرية الفنان، وعظمة الفيلسوف، ونقاء الإنسان، وشرف المثقف العضوي.

وحمزة شحاتة لم ينل ما يستحقه من البحث الجادّ الذي يضعه في مكانه اللائق به في سياقنا الثقافي، مع وجود دراسات رائدة وجادة عن شعره ونثره، كدراسة عزيز ضياء “ حمزة شحاتة قمّة عرفت ولم تكتشف ” ودراسة عبد الله عبد الجبّار التي قدّم بها كتاب حمزة شحاتة “ حمار حمزة شحاتة ” الذي نشره عبد الحميد مشخص، ودراسة الدكتـور عبد الله الغذامي المميّزة “ الخطيئة والتكفير.. ”، وكتاب عبد الفتاح أبو مدين “حمزة شحاتة ظلــمة عصره”، ودراستــه الموسومة بـ“ حمزة شحاتة المفكر والأديب” التي نشرت ضمن بحوث المؤتمر الثاني للأدبـاء السعوديين المنعقد بجامعة أم القـرى عام 1419 هـ. إلاّ أن هذه الدراسات لم تستوعب “ المنجز الثقافي ” لحمزة شحاتة ؛ لأنها لم تكن ترمي إلى ذلك، وإنما كانت تعمد إلى البحث في جزئيات من ذلك المنجز، ولعلّ الله يقيظ له باحثاً من أولي العزم يستطيع نشر أعماله نشراً دقيقاً يجنّبها التصحيف والتحريف، ويبعثها من دوائر النسيان، ويقدّم لنا صورة متكاملة عن الرجل مفكراً ومبدعاً وإنساناً.

1/2 – أما هذه الدراسة فهي معنّية بالفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة، ماهيّتها، وآلياتها، ومجالاتها، وهي فلسفة خفية تنمّ عن عقل فاحص، ومنطق متماسك، وبيان رفيع. ولم تحظ هذه الفلسفة باستقراء دقيق يكشف عنها، ويضعها في سياقها الملائم لها، لاسيّما وأنها مبثوثة في أدب حمزة وشعره، الأمر الذي يجعل من لمّ شتاتها، وتحديد مجالاتها، وآلياتها مسألة في غاية الأهميّة، وستتوسل هذه الدراسة بالمنهج ا لا نطباعي الذي يميل إلى التحليل والاستنباط، وقد عمدت إلى جمع نصوص حمزة شحاتة، وتصنيفها بغض النظر عن جنسها الأدبي ؛ لأن الهدف الوقوف على مضامين هذه الفلسفة، أما الخصوصيّة الفنية، فإنّ تتبعها لا يمكن الوفاء به في مثل هذه الدراسة، نظراً لتعدّد الأجناس التي كان يكتب بها حمزة شحاتة، ولكل جنس أدبي خصوصيّته الفنية، ومع كل هذا حاولت أن أقدم في نهاية الدراسة أبرز خصائص الأسلوب الشحاتي كما يتجلى في أدبه على شيء من الإجمال، وهو ما أنوي القيام به في دراسة خاصة بمشيئة الله.

1/2 – “ والجماليّة ” تنحصر عند كثير من علماء الجمال في البحث في “ ظواهر الفن ” (2) ولا تتجاوز ذلك إلى ما سواه من نشاطات الإنسان، ولكنها عند آخرين لا تقف عند حـدود الفـن، وإنما تتخطـاه إلى كل شيء جميـــل ((فالجمالية بالتالي، لا تستهدف الفن فحسب، بل تتعداه إلى الطبيعة، وبصورة عامة، إلى جميع كيفيات الجمال)) (3). فالجمال كما يكون في الفن يكون في مصدر الفن الإنسان والطبيعة، والجمال معناه : الحسن والبهاء فهو ((يقع على الصور والمعاني، ومنه الحديث : إن الله جميل يحب الجمال، أي حسن الأفعال كامل الأوصاف)) (4).

والإدراك الجمالي لا يرقى إلى درجة “ الفلسفة الجماليّة ” إلاّ عندما يتهيأ للمفكر رؤية جمالية للفن تتأسس على رؤية فلسفية شاملة للكون والإنسان والحياة ((إن الجمالية هي النظرة الفلسفية إلى الفن وقضايا الإبداع عامة. وأما ما دونها من نظرات أو تأملات في الفن فليست تدخل في نطاق الجماليّة بالمعنى العلمي للكلمة، وإن تكن مراحل أولى لازمة في تكون الجماليّة وتطورها نحو التكامل الفلسفي وارتباطها بشمولية الفلسفة ومنهجيتها)) (5).

والإدراك الجمالي عند حمزة شحاتة يرقى إلى درجة “ الفلسفة الجمالية ” لاستناده على رؤية فلسفية شاملة للعالم بكل مكونّاته، فرؤيته الجماليّة رؤية متماسكة ترتبط فيها النتائج بالأسباب ارتباطاً دقيقاً.ولم يقف حمزة في تأملاته عند “ الجمال الأدبي ” وإنما تخطاه إلى “ الجمال الكوني ” الأمر الذي يؤكد أن له فلسفة جمالية يفسر من خلالها الكون والكتابة، وسيتم استجلاء هذه الفلسفة من خلال الحديث عن المحاور الآتية :

- مفهوم الجمال.

- الفلسفة الجمالية الآليات والخصائص.

- مجالات الفلسفة الجمالية.

أ – جماليات البيان.

ب – جماليات الإنسان.

جـ – جماليات المكان.

د – جماليات الحيوان.

هـ – جماليات الحياة.

1/4- كانت محاضرة حمزة شحاتة “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” التي ألقاها في جمعية الإسعاف بمكة المكرمة عام 1359 هـ حدثاً ثقافياً هزّ الواقع الثقافي هزّاً عنيفاً، لما اشتملت عليه تلك المحاضرة من رؤى نافذة، وأفكار عميقة وجريئة، حفلت بالحوار الجاد الذي أثمر ستّ مقالات في “ الجمال والنقد” نشرت بجريـدة “ صوت الحجاز ” عام 1359 هـ. تشكل مع ما نجده في شعره ومقالاته ورؤاه الفلسفية التي جمعها عبد الحميد مشخص ورسائله إلى ابنته شيرين “ فلسفة جمالية ” نحاول أن نكشف عن ماهيتها وآلياتها ومجالاتها في هذه الدراسة.

ماهيّة الجمال :

تعددّت تعريفات الجمال عند الفلاسفة حتى ضاع معها الجمال، فلا يزداد القارئ إمعاناً فيها إلاّ ازداد بالجمال جهلاً ؛ لأن الجمال يستعصي على الحصر والتحديد فهو إحساس داخلي ينبثق من داخل النفس الإنسانية، أكثر من كونه هيئة محسوسة.

قد يكون للجمال مواصفات شكليّة، لكنّها تختلف من متلق إلى آخر باختلاف الثقافة والخبرة، ولهذا لا يكاد يجمع الناس على مفهوم محدّد للجمال، لأن الأذواق مختلفة، ولهذا في البدء يتساءل حمزة شحاتة عن ماهية الجمال فيقول : ((والجمال في ذاته ما هو؟ أهو تجاوب القسمات، واتساق الملامح، واكتمـال الانسـجام، أم هـو معان مكنونــة تعبّر عنها ظواهــره البادية؟.

إن الجمال جمالٌ بما تولّد النفوس من معانيه، ونقيس من مشابـهه ونتخيّل من دلائله وإشاراته، لا بما يلقاها به من حدود وزخرف، وإنما هو جمال بما يثير فيها من بهجة، ويطلق من أصداء، ويحبو من حريّة وخصب فهل تبقى معانيه حيّة، وتأثيـره دائمـاً على تغيّر القسـمات والملامح وخصب وانطفاء لمعتها البهيجة؟)) (6).

فالجمال ليس في “ صور الأشياء ” وإنمّا في “ الشعور بصور الأشياء ” ولهذا يختلف “ الموقف الجمالي ” لدى المتأملين باختلاف شعورهم، وتلوّن أحاسيسهم ((فالمعاني تُنسب إلى مظاهر الوجود من قبيل التغليب، وإلا فهي في حقيقتها معاني أنفسنا، وصور أفكارنا ومشاعرنا، وتأثيراتنا، وهب أنني رجلٌ “ أكمه الذوق ” فما تكون معاني هذه الصور في نفسي؟

أو هب أنني فلاّح يقضي حياته بين حقوله وعلى ضفاف جداولها المنسابة فتكون معانيها في نفسي، ودخائل فكري هذا الجمال المعبّر الأخاذ الذي يحسه الشاعر ويساجله، ويناغيه العاشق وينافثه، ويحدثه الفيلسوف، ويستنطقه؟؟ أم أنها تكون عندي رمز الكد وضرورة الإنتاج والنصب للعيش وضروراته القاهرة)) (7).

إنّ ((الجدول المترقرق، والحقل المهتز، والنسمة الطليقة، والجبل القائم، والكوكب المتألّق، والبدر المشرق، والليل الساجي)) مظاهر جمالية لكن جمالها ليس في ذاتها، وإنّما فيما تولّده النفوس من معاني تلك المظاهر. ولذلك النفس العقيم التي لا تنجب معاني جمالية، لا تدرك الجمال، ولا تعرف كنهه، إما لعجز في حسها الجمالي، وإما لما يقيمه الإلف بينها وبين الأشياء من حجب كالذي وجدناه عند الفلاح الذي ألف مظاهر الطبيعة من حوله، ففقد القدرة على توليد معاني الجمال.

هذه النفوس التوّاقة ((دائمة البحث عن الجديد، ولهذا لا تقف في إدراكها الجمالي عند حد، ولا ترضى بقيم جمالية ثابتة، فهي متجددّة في تأملها، كتجدد الحياة التي لا تتوقف، من هنا تفقد الأشياء الجميلة قيمتها عند هذه النفوس حين تكتشف أسرارها ونمنماتها الخفيّة، ويترامى بها الولع الجمالي إلى البحث عن أسرار جديدة تفضي بها إلى آفاق لا حدّ لها وهذا ما عبّر عنه شحاتة في محاضرته الشهيرة فقال : ((وإدمان النظرة إلى صورة جميلة، يفقدها شيئاً من تأثيرها القوي كلمّا تجدّد إليها النظر المشغوف، وارتوى منها الحس المفهوم، حتى تفقد مقدرتها على التأثير والأداء.

وإنك لتعجب بالمنظر يفتنك، ويلقاك بألف معنى، أول ما تلقاه فما تزال نفسك دائـبة في تحليل معانيه وإذابتها، حتى تنتهي بـها إلى الإصفاء والإفلاس)) (8).

هذه المقولة “ الناسفة ” أثارت جدلاً في الوسط الثقافي وقت ظهورها وكان الأستاذ عبد الله عريف أوّل من اختلف معها – فيما أعلم – فكتب مقالاً مطوّلاً في جريدة “ صوت الحجاز ” بعنوان “ ضريبة الإعجاب ” ذهب فيه إلى أن الإصفاء والإفلاس قد يصحّ في منطق الفكر – بطريق ما – في أجزاء بسيطة من واقع الحياة، لكنه لا يصح في واقع الحياة بصورها، وواقع النفس بمشاعرها وأحاسيسها(9).

“ الإصفاء والإفلاس ” يكون ((عندما تفقد الصورة الجميلة جمالها. فقداناً ذاتياً يسلبها جمالها، لا فقداناً شعورياً يحسه الناظر إلى تلك الصورة. وأحسب أن أساس هذه النظرة التي قعّد – بتشديد العين – لها الأستاذ هذه القاعدة، إنما هي الصورة الجميلة في الإنسان، وما فقد الجمال الإنساني – في الإنسان الواحد – تأثيره، إلا لأنه لم يعد جمالاً يملأ النفس، ويروي الحس المنهدم، فقد أصيب بالفقدان الذاتي السالب، ولو ضمن لنفسه الاستدامة لظل أثره قوياً فعّالاً)) (10).

“ فالجمال الإنساني ” هو الذي يفقد تأثيره عندما ترتوي منه النفس، أما “ الجمال الكوني ” و“ الجمال الفكري ” و“ الجمال اللغوي ” فإن إدمان تأملها لا يفضي بها إلى “ الإصفاء والإفلاس ”.

فرقعة السماء، والحقول، وحكم الشعر ودلالات الجمال، والحب والإيمان لاتزال النفوس متعلقة بها رغم إدمان النظر فيها حتى استحالت حقيقة علمية في كهوف اللاشعور(11).

إنّ إدمان النظر في الجمال عند – عبد الله عريف – يقلّل من أثره لكنه لا يدفع به إلى الإصفاء، والإفلاس كما ذهب شحاتة(12).

حمزة شحاتة يشترط في الأثر الجمالي “ الجدّة ” و“ التجدّد ” والإفضاء بأسرار لم تعرف من قبل، وعبد الله عريف يذهب إلى أن الصورة الجميلة ليس شرطاً أن تكون جديدة جدة مطلقة لتحدث تأثيراً، ((بل لابد لفهمها والإعجاب بها من معلومات قديمة ثابتة، وبذلك يتمّ تداعي الجمال والإعجاب أمام الصورة الجميلة)) (13).

ويقدم عبد الله عريف تجربة تدل على صحة الدعوى التي يدعيها فيقول : ((كتاب جميل نشرته أمام ثلاثة من عمال المطبعة لأرى أثر هذه الصورة الجميلة “ الكتاب ” في نفوسهم، فأسرع عامل الصف يحدثني عن إتقان صف الحروف وجمالها، ولم يعجب بتجليده أو طبعه، أو على الأقل لم يحدثني عنهما، ومثله فعل عاملا التجليد والطبع فحدثني كلّ منهما عن معرفته أو معلوماته القديمة…)) (14).

فالعمال الثلاثة أعجبوا بما يمتلكون عنه رصيداً ثقافياً سابقاً.

ويعود حمزة شحاتة بوحي من هذه المقالة التي كتبها عبد الله عريف ليشرح موقفه الجمالي، ويكشف عيوب الواقع الثقافي، ويرسم شقاء المفكر الواعي وغربته في واقع ثقافي تيبست مفاصله، واستبدت به الشيخوخة، حين يفتح المفكر والمبدع قلبه بين يدي من يتوّسم فيه القدرة على المشاركة الوجدانية، فإذا بلغ الغاية من حديثه، وجد البون شاسعاً، والرؤى ينكر بعضُها بعضاً.

الحياة في منظور حمزة شحاتة – تحتاج إلى كشف دائم لنقف على حقيقتها، من هنا فهو لا يطمئن إلى وعيه بـها، ولا يرضى من الآخرين الثقة في أفهامهم الهينة لحقيقتها، والإحساس بجمالها وقيمتها وإن كان أكثر الناس هذا سبيلهم في فقه الحياة ((وأكثر الناس مطمئنون إلى حياتهم وإلى مذاهبهم الهينة في فهمها، وتفسير قوانينها، والإحساس بالجمال والقبح فيها وحريصون على أن تبقى لهم الفرحة، وتدوم المتعة بها كأنما هم في جلسة المتفرج الهاديء، أو المفكر السائم، المنصرف عما في الحياة من جد ولهو، بما في نفسه من طمأنينة وارتياح، أو فتور وملل. فما يسر من كانت هذه حاله أن يقتحم عليه خلوته الناعسة الكليلة، أديب تسبقه الطبول إيذاناً بإشهار الحرب على الجمال وتجريده ورج جوانبه)) (15).

ولهذا كان “ الشك في العقيدة الجمالية ” و“ إقلاق النظر العام ” استراتيجية فكرية يحرص على تبنيها حمزة شحاتة في كل ما يكتب مخالفاً أعراف “ ثقافة الديكور ” و“ أدب التلميع ” ((وشأن الأديب في العرف أن يضاعف محاسن الحياة، ويزيد الشعور بمسرّاتها، لا أن يمسخ صورها الجميلة ويهدمها، ولكن هل يسع كل أديب أن يكون هذا مذهبه؟ فذاك حيث ألقى الناس كلما لقيتهم بجديد هو لغة الهدم، والبعثرة، والإقلاق في نفوسهم ومعتقداتهم الفكرية، ولغة البناء في منطق فكري واعتقاده)) (16).

الحياة في – فلسفة حمزة شحاتة الجمالية – متجدّدة، وبهذا يستحيل أن يكون فهمها ثابتاً، وجمالية الحياة في تجدّدها ومقاومتـها للثبات. والجمال الذي ينتسب إلى الحياة ويعبر عنها، يجب أن يكون قادراً على الانفتاح والتجدد وخصوبة الدلالة، ومتى فقد هذه الخصيصة فقد وجوده، والعباقرة وأصحاب الرؤى النافذة، يتمثلون برؤية استشرافية تتخطى الواقع إلى الممكن، ولهذا يفقد الجمال – بعد إطالة تأمله، والتغلغل في أعماقه – القدرة على التأثير وهو ما أنكره عبد الله عريف في مقالته “ ضريبة الإعجاب ” وأفاض في دفعه بالأدلة والبراهين.

وحمزة شحاتة إذن لا ينكر جمالية “ الصورة المتأملة ” ولا يسلبها حسنها، وإنما يريد أن يكشف عن بعض الأذواق الجمالية)) التي لا تقع تحت سلطة الجمال، ولا تقنع بثبات الدلالة الجماليّة، وهي “ أذواق خاصة ” لها قوة النار واستشراؤها التي يذوب فيها الجمال كما يذوب الذهب في لهب النار المتوهجة.

ويذهب إلى أن براهين صديقه عبد الله عريف لا تثبت في موازين النظر الفاحص ؛ لأن “ الاستصفاء والتذوق ” غـير“ الفكر والنظر ”.

فالسماء مظهر وجودي ثابت، على خلاف “ الصورة الجمالية الحيّة ” التي يشكل ((الزّمن جزءاً من حقيقتها، وطبيعة الشعور بـها، وإلحاح الشوق إلى استصفاء معانيها، والزمن لو كان ربيعاً كله، ما كان للربيع معنى جدته وسحره وروائه الأخّاذ لذلك كانت تعـاقب الصور وتجددها شرطاً لازماً لضمان تأثير الجمال، وتأثير معانيه، ولذلك كان الزمن جزءاً من حقيقة الجمال، أو كان أهم أجزائــها)) (17).

ولهذا دوام النظر إلى السماء لا يدل على فهمها والإحاطة بمعاني بعض مظاهرها المجهولة.

“ الاستصفاء والتذوق ” قدرة على توليد المعاني والصور، فهو فطنة بحقيقة الجمال، وقوّة في تفكيكها وإذابة دلالاتها. هذه القدرة لا يبقى معها جمال لا يداخله السأم. أو لا تصرف عنه صوارف الفهم والاكتفاء، ويؤيد حمزة هذا الوعي الجمالي بفكرة مضادة تكشف جانباً من جوانب الإبهام في القضية فالمصائب أعمق أثراً في النفوس من الجمال، ومع هذا تفقد تأثيرها بالاعتياد والإلف والسلوى(18).

وهذه “ الحقيقة الجمالية ” نجدها لدى عشاق الشعر وهواة الفنون كما ألفيناها لدى عشاق الجمال، والباحثين عن غرائبه، فصور الشعر، وروائعه انتهى الاستصفاء والتذوق بها إلى أن تكون بمثابة الحقائق المألوفة والكلام المعاد(19).

إن الشيء الجميل يصدمنا لأوّل مرّة ((بحشد من معانيه الفاتنة، ليست هي أداءه عن نفسه، ولكن أداءنا عنه، وعن موقعه من نفوسنا وأفكارنا فما نفتأ ندور بهذه المعاني مطابقة وقياساً ومداً وجزراً وإطلاقاً وتقييداً حتى نشعر بنشوة امتلاكه واحتوائه، فإذا الاكتفاء أو التجدد المنتهي إلى انقضاء التأثير فيستحيل شعورنا بالصورة الفاتنة إلى ما يشبه شعور العاشق بعد إفاقته من غيوبته واستغراقه)) (20).

إن “ حقيقة الصورة الجميلة ” تظل قائمة، ولكن ثراء الدلالة، وخصوبة الأثر الجمالي هي التي تفنى عند أصحاب الرؤى الفياضة، والأفكار النافذة التي لا ترضى من الجمال بالظاهر، وإنما تبحث عن غرائبه، ودقائق معانيه لتفضي إلى قيمته الحقيقيّة، فالماء يظل ماءً بعد أن يروي العاطش منه. ولكن الذي يفنى هي تلك الخطرات النفسية، والتصورات الذهنية التي نجدها عند من بلغ به الظمأ مبلغه فإذا ما ارتوى تلاشت تلك الخطرات، وظل الماء على حقيقته(21)

وحكم الشعر التي ساقها عبد الله عريف للمتنبي وشوقي وزهير تأكيداً لصحة موقفه الجمالي، وكشفاً لخلل موقف حمزة شحاتة من الجمال، لا يجد حمزة في صياغتها جمالاً يُغري بإدمان النظر، ولا في معانيها إلا الصحة في الحكم ويتساءل عن “ معنى الجمال ” في تلك الأبيات هل هو دقة الحقيقة الفلسفية وصدقها أو جمال الصياغة، أو قوة التأليف، أو شيء يدرك ولا يوصف(22).

إن حقائق المتنبي وحكمه ثابتة فروعتها تكمن في ثباتها، وصحتها ومسايرتها لواقع الحياة.

والمتنبي هو الذي يقول :

لو فكرّ العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه

فالعاشق يتصور منتهى جمال معشوقه، ويدرك نهايته، لكن ذلك الإدراك لا يصرفه عن عشقه، بل ربما كان سبباً في شدة ولعه، وانقياده فالحكمة الصادقة لا تنال من سلطة الجمال، ولا تنتصر على منطق العشق، وإن كانت تلك السلطة سريعة التحول، قصيرة الأجل(23).

وأما كلمات الحب والعدالة والحريّة، وسحر هذه الكلمات للعقول وتجافيها للإصفاء والإفلاس بحسب رأي عبد الله عريف. فإن حمزة لا يعدها جزءاً من الجمال الذي قال فيه كلمته تلك(24). فهو يتحدث عن الصورة الجميلة تتأملها النفس فتتخطى عالمها ((فإن لم يكن ما قلته حقاً نرى موضعه المكين الواضح في النفس والحياة، فليكن الزمن لحظة جامدة تقف فيها دورة الفلك المغذ عن السير، ولتكن الصورة الجميلة بعد رسماً جامداً لا يعدو حدود إطاره القاهرة، حتى يأمن من مزاج صديقي الناقد، الفجيعة في حقيقة شعوره بالجمال والنفس)) (25).

ومثل هذا يمكن قوله عن عمال الصف، والطبع والتجليد. فالإتقان ودقة الصف والتناسب غير الجمال الذي ينفخ فيه الفنان خياله، ويضفي عليه شيئاً من روحه.

هذا الموقف الجمالي، الذي كشف جزءاً منه عبد الله عريف بمداخلته تلك قائم على التأمل العميق، والانغماس تحت قشور الأشياء للوصول إلى لبابها، وهذا التأمل، لا يعرف عمقه إلاّ النخبة من أهل الفكر الذين يدركون نفائس الأفكار، ويقدّرون الجهد المبذول في الغوص إليها، أما أوساط الناس وعامتهم فلا شأن لحمزة بهم، لأننا حين نكتب لهم فإننا نئد الجمال، ونطفي جذوته. إن الحياة لا تكون متحفاً للصور الجميلة والأحجار المنحوتة والخشب المنجور إلا عند أصحاب العقول المنطفئة، والأحاسيس البليدة الذين ((يخافون من الفجيعة ويفرقون من مفازع الحرية وانطلاق ومفاجآت الزمن الراكض)) (26).

ولهذا كان دور الأديب التنوير، والارتقاء بالوعي، أمّا حين يكون وعيه بمستوى وعي أوساط الناس، فإن هذه هي “ البطالة الفكرية ” التي لا تصنع شيئاً سوى الثرثرة وتسويد الصحف(27).

يقول في قصيدة تأملات :

آثرت أن أظمأ وعفت مواردي واعتضت عن نومي انتباهة ساهد

وصرفت نفسي عن عُلالات الهوى لمّا أجلت بهنّ رأي الناقد

ونذرت نفسي للجهاد فهالها ألا تشدّ على اللغوب بعاضد

فإذا مراد النفس أبعد غاية مما يُعين عليه جُهد الجاهد

وإذا الحياة بغير مجد قصةٌ زكّى القنوط بها فواتُ الشاهد(28)

ويذهب عبد الله عريف إلى تسخير بعض آراء حمزة ليؤيد بها موقفه الجمالي من باب “ رميت بسهمه فأصبت مقنعه ”، وذلك من خلال تفكيك قصيدة حمزة الشهيرة “ لم أهواك؟ ” حيث يذهب عريف إلى أن ((فكرة القصيدة تقوم على أساس المبدأ التركيزي الذي يقيس به الأستاذ حقائق الأشياء وقيمها الذاتية، لتبدو أمامه الحقائق واضحة جليّة، لا يريشها الخيال، ولا تكسوها الزوائد الفكرية فما هو هذا المبدأ؟ هو مبدأ “ التعرية والتجريد ” الذي عرف به الأستاذ في كل ما تناوله ويتناوله من صور الحياة وحقائقها. ففي هذه القصيدة يقوم الأستاذ بعملية تجريديّة، يسلب بها سراوة الجمال في الإنسان الجميل، حتى لكأنك تنظر إلى دواعي الجمال، وبواعث الفتنة، تتبخر بفعل قوة تعتملها نفس الشاعر المجرّدة واستشراؤها، وتحيله كل فعالية الهيام واللوعة إلى حطام من المعاني الفاترة السخيفة ؛ لأن كل معنى تحيكه النفوس الشاعرة، فتضفي به على صاحبها جمالاً وفتنة، وهو بلاشك في الطبيعة الصامتة أجمل، وأضمن لتلك المعاني المضفاة، والتي قد تكون زوراً وتلفيقاً صورها خيال الشاعر وأوهامه)) (29).

ومما قاله فيها :

لم أهواك؟ أيها المنعم النفـ

س شجوناً وحيرة وشقاء

ألحسن؟ فالحسن في البدر والز

هرة أندى وقعاً وأضفى رواء

إلى أن قال :

والمعاني بوحيها ومدى الوحـ

ي عميقٌ فيما يضمُّ الوجُودُ

فتراها في قطعة الأرض والصخـ

رة، شعراً، لم يبله الترديدُ(30)

“ ومبدأ التعرية والتجريد ” الذي أشار إليه عريف بهذه المقالة، كان فكرة راسخة في ذهنه عن الموقف الجمالي لشحاتة ففي قصيدة بعنوان “ إليه ” نظمها عبد الله عريف، وبعث بها إلى صديقه حمزة شحاتة نجده يقول فيها :

وليس سبيل العيش إدمان نظرة

وتجريد أفكار، وتحديد مقياس

وهذا المبدأ لا ينكره حمزة فهو أول من كشف عنه في محاضرته الشهيرة “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” حيث قال : ((والتجريد مبدأ قديم لي، أو هو مرضي الذي لا أشفى منه، عرفني به من عرفوا طريقتي في الحياة، ومن قرأوا نظراتي القديمــة في الخير والشـر، في الفضائل والرذائل، وفي الحب، وفي الشعر)) (31).

لكن قصيدة “ لم أهواك؟ ” ليست قائمة على هذا المبدأ – كما ظن عبد الله عريف – وهو تجريد الجمال من معانيه، بل إنّ جوهرها تقديس الجمال، فيما وراء الظاهر، والبحث عن معاني الحب السامية، واستنطاق أسرارها الخبيئة(32).

فالقصيدة رؤية عاشق ذي فكر مولع بالبحث في العلل والعلاقات، وكشف خبايا الأشياء والأفكار، فالجمال في نظر هذا العاشق ((معنى وراء السمات والشكول معنى لا تحدّه النظرة، ولا تقيده الفكرة، إنما هو جمال مطلق شائع لا تكون الحياة بما فيها إلا لفظاً هو معناه وسر الحركة والسكون والنور والظلمة فيه، فلا تكون دنيا عاشقة إذا غاب إلا دنيا “ سؤوم جم الكروب طليح ”، ((فإذا لاح أشرقت وتلقته بوجه طلق المحيا صبيح)) (33).

إذن الفرق بين “ حمزة شحاتة ” و“ عبد الله عريف ” في “ الموقف الجمالي ” أن الأول ينظر إلى الجمال نظرة الفيلسوف حين لا يكتفي بالوقوف على الظاهر، وإنما يعمد إلى تحليل عناصر الشيء الجميل وتفكيكها وإعادتها إلى أصولها، والآخر يمسّ الجمال مساً رقيقاً، يبعث في نفسه روحانية، وإلهاماً وخيالاً يحلق به في مدارج الكون. وهذا ما أدركه الأستاذ محمد عمر توفيق عندما ذهب إلى التوفيق بين هاتين الرؤيتين في مقالته التي نشرها بعنوان “ التجريد وما وراءه ” فقال: ((من هنا نزعم أنه ليس من تضاد بين النظرتين إلا بقدر ما هنالك من تخالف بين النفسين، وتغاير في الأهواء، وكل ما يفرق بينهما أن هذه نظرة شاعر وتلك نظرة شاعر فيلسوف، إذ الفلسفة قوامها التجريد والتعرية)) (34).

ويمكن أن أضيف إلى هذا الفرق الذي كشف عنه الأستاذ محمد عمر توفيق فرقاً آخر بين نمطين من التفكير، تفكير مبدع خلاّق لا يجد الجمال والمتعة إلا في البحث الدائب، والنظر المتجدد، وتفكير يميل إلى السكون ولا يحبذ المغامرة. والتفكير الابتكاري الأول نجده عند العباقرة وصناع الحياة في حين نجد الآخر عند كثير من الناس الذين يقفون على الظاهر، ولا يتجاوزون ذلك إلى أفق تنتقص معه قيمة الشيء، ويتضاءل تأثيره، لأنها لم تستنفذ طاقته الجمالية، فبقي فيه إشعاع يومض، وجاذبية تشد النفوس، وأولئك بلاشك هم الأقدر على الكشف عن أسرار الجمال، والتلذذ بالمعاناة في ذلك الكشف ((وقد نرى إنساناً يسحره البدر ؛ لأنه المضيء الساطع. فإذا شبّهه بمن يحب، كانت الصلة عنده بينهما اللالاء والاستدارة. وإنساناً يرى في البدر حياله فتنة الحي الرائعة، ومشابهه وسهومه وخيالاته، وجدته وسأمه وخفوته، وله عواطفه ونوادره الظريفة إقبالاً وإدباراً ونشاطاً وفتوراً.

أفلا يكون من له هذه المقدرة على توليد الصور والمعاني أفطن لحقيقة الجمـال الواسـعة، وأقدر على التهامهـا وتذوقـها وعلى تركيزهـا وإذابتها؟)) (35).

ولكل “ جمال ” رسالة يقوم بتبليغها، ولا يوجد رسالة بلغت من أرسلت إليه، ولم يع شيئاً منها، لكن العقول تتفاوت في قوة الإدراك، فهناك من يقف عند حدود الأشكال والهيئات، وهناك من يبحث في الأعماق، ويغوص إلى الجوهر، وهذا منطق حمزة وموقفه الجمالي الذي أفضى به إلى البحث الدائم عن دلالات فريدة، وأشكال جديدة ؛ لأن الدلالات الجمالية متناهية في الشكل الواحد، ورسالة الجمال كرسالة الربيع الطلق، لا تلبث أن تزول. وهذا هو منطق الحياة فلا يوجد حقيقة من حقائق النفس الإنسانية، أو من حقائق الحياة الماثلة، أو المتخليّة، أو من صور الجمال لا تمتد إليها يد السآمة أو لا يتحوّل بها إدمان التذوق والاستصفاء في فكر العاشق أو الشاعر أو الأديب أو الفيلسوف أو الإنسان الحي)) (36).

حمزة شحاتة كان تفكيره الجمالي أشبه ما يكون ببندول الساعة لا وجود له إلا مع الحركة، كانت القيم الجمالية عنده في تجدّد دائم، كلما فك مغاليق الجمال، دلف إلى مغاليق أخرى ((أنا ذو مزاج سؤوم، لا أدع الزمن يفجعني في طمأنينة شعوري بطرافة الأشياء، وأيّة حقيقة من حقائق الفكر، أو متعة من متعات الحس، أو طوبى من طوبيات الخيال الخلاب، يبقى جمالها على الزمن الماضي، أو يفض الختام كل يوم عن جمالها ومعانيها جديدة أخاذة؟)) (37).

وبهذا المزاج السؤوم، والنفس التواقة، كان حمزة شحاتة يشعر بوجوده، ويتحسس ذاته، ويصيب لذته الجمالية ((إنما يصيب الأديب لذته الفنية، والفيلسوف متعته الفكرية من علاج الجديد وابتكاره، وحتى إذا عرض له القديم المألوف سلك إليه غير سبيله المطروحة)) (38).

“ الجمال الظاهر ” كان جمالاً مسؤوماً ؛ لأن جميع الناس يتفقون على حسنه، ويتشابهون في الاستمتاع به، لكن الفيلسوف والشاعر والعاشق المتيّم يكشفون عن معاني خفيّة “ وجمال باطـن ” لا يدركـه الناس ولا يشعرون به ((فالشاعر والفيلسوف والعاشق؟ لا يختلفون عن عامـة الناس في هذا إلا بأنّ لهم حسّاً فـوق حسّ الناس، وأمزجـة أدق، وملكات أحفل إدراكاً وأخصب)) (39).

لم يكن يرغب حمزة شحاتة في الوقوف عند الحديث عن تأثير الجمال على فكره ونفسه، كما يصنع الناس، وإنما تجاوز ذلك إلى البحث عن حقيقة الجمال في ذاته، فكان الجمال معنى في النفس لا وصفاً للشيء، ولهذا حين ينقضي تأثير ذلك المعنى في النفس، يتلقفه الزمن فيلفه في دوائر النسيان.

الموقف الجمالي العام كان في نظره يدّل على فساد في الطباع، وهزال في الأفكار، ومهمته أن يحارب ((فساد الطباع، وهزال الأفكار الضاوية)) وهذه الحرب لا تبدأ إلا بنبذ الركام، ومجافاة الإلف، والبحث عن الجديد، والنفاذ إلى ما وراء الظواهر من أسرار ومكونات.

إن الحياة تتجدّد، والجمال يتجدّد، ولابّد أن تتجدد طرائق التعبير، ومسالك الإدراك إلا في عرف النفوس الميتة ((وما نرانا بمستطيعين أن ننكر أن النفس المحدودة قد تكون أقدر على الاحتراز ؛ لأنها نفس موصدة نائمة لدواعي ما تكون فيها فترات الصحو والانتباه إلا نادرة، فشعورها بما حولها من جمال شعور راكد بليد، ما ينتهي تذوقها لمعنى من معانيه إلا وقد بدأت نومتها الثقيلة وركودها العميق.

وبهذا المقياس تكون الحياة في عين الحيوان السارح هي الحياة ما يتغير فيها شيء عن معناه، ولا ينحرف عن سبيله، فيما تحسه أو تدركه، أو ترتاح إليه! وهكذا في عين المجنون، وهكذا هي في حياة الإنسان الآبد)) (40).

الإنسان يكون إنساناً والفنان يصبح فناناً بمقدار ارتفاع درجة حرارة إحساسه بالبون الشاسع بين الواقع والممكن، وسعيه الدائب إلى تجسيد الفجوة، وبناء القناطر، وهكذا كان حمزة شحاتة إنساناً وفناناً.

الفلسفة الجمالية الآليّات والخصائص

آليّات الفلسفة الجماليّة :

يختلف الإدراك الجمالي بين علماء الجمال اختلافاً كبيراً يمثله بعضهم بخزّاف يعمل أمام فئتين من علماء الجمال، بعضهم أخذ يمحضه النصح، وبعضهم الآخر ظل يتأمل في صنيعه، وبقي الخزّاف لا يصغي إلى أحد، ظل يفكر بجرّته(41).

والخلاف بين الموقفين خلاف في منهج النظر إلى الجمال، ولكنه في الغاية يؤول إلى نتيجة واحدة هي محاولة إيجاد رؤية جديدة ((رؤية حدسية عميقة، تعتمد على وجدان المشاهد، كما تتوافق مع مشاعر المتذوق منذ الوهلة الأولى، وتقوم على مراعـاة الفروق الفردّية بين جمهرة من المتذوقين، إنها رؤية يظهر من خلالها الجمال باعتباره مخلوقاً حياً في ذاته له تجسده وتشخصه، وكيانه المبدع)) (42).

وفي هذا السياق سنعرض للآليات التي توسلّ بها حمزة شحاتة فشكّل فلسفته الجماليّة للفنّ وللعالم من حوله، وقد تمثلّت في أمرين اثنين هما : التجريد والحدس، كما ستعرض كخصائص “ الجميل ” كما كشفت عنها هذه الفلسفة.

وحمزة شحاتة في فلسفته الجمالية يجمع بين صرامة العالم، وخيال الفنان، صرامة العالم في اتخاذه “ التجريد ” مبدأ عاماً في الحياة، يضع تحت مجهره الأشخاص والأشياء والأفكار، وخيال الفنان حين يغوص في أعماق الأشياء ليكشف عن جوهرها المخبوء.

التجريد:

تحليل ذهني عرفه (دوغالد استورات) بأنّه : ((تقسيمٌ ما نصيبه من معان مركبة بغية تبسيط الموضوع الذي نتناوله بالبحث)) (43). فهذا التحليل يعمد إلى صفة أو جزئية ويقوم بتحليلها، وردها إلى مصادرها، وتحليل قيمتها، ومعايرها، للوصول إلى المعاني الكليّة. يقول حمزة شحاتة : ((التجريد مبدأ قديم لي، أو هو مرضي الذي لا أشفى منه، عرفني به من عرفوا طريقتي في الحياة، ومن قرأوا نظراتي القديمة في الخير والشر، في الفضائل والرذائل، وفي الحب، وفي الشعر)) (44).

التجريد تعرية وكشف يركز على الجزئيات ليصل إلى الكليات، ويستصفي المعاني الكامنة، التي عندما يُوقف على حقيقتها، يتكشف الوعي القاصر عن إدراك الحقائق، وتتهدّم المسلمات.

فحين تناول حمزة فكرة القوّة في محاضرته “ الرجولة.. ” لم يقف عند حدود الفكرة الجزئية، وإنما جعلها البداية في النظر والتحليل ثم انطلق بعد ذلك إلى كشف علاقاتها للوصول إلى المعنى الكلي ((وأنا أريد التجريد والتعرية كباحث لا كمحاضر، فإني لو قصرت كلامي على الرجولة، أو على الخلق الفاضل، خشيت أن يتحوّل حديثي إلى موعظة لا تعدو أن تكون تمدّحاً حماسياً بالفضائل، دون تحليلها، وردها إلى مصادرها وتحديد قيمها، ومعاييرها، وأثرها في صميم الحياة، وعلاقتها بالنفوس)) (45).

التجريد وإن بدا بحثاً في الجزئيات، فإنه انطلاق إلى عوالم رحبة، فالتفتيت الذرّي يكشف أدق المكونات، ويترامى في الكشف إلى آفاق قصيّة تصبح معها الذرة الصغيرة جرماً هائلاً مليئاً بالشهب والنيازك.

((لهذا ستكون نظرتنا إلى الفضائل – على أن أساسها التجريد القاسي – نظرة من يريد أن ينطلق بها من حدودها الضيقة المتصلبة، إلى حدود رحيبة من الشك والوسواس، خاضعاً لسعة إدراكه لأطرافها، وخفاياها ورموزها، وعلاقاتها بأشباهها، وهو لا يفعل بها هذا ليضعفها، بل ليبلغ بها أبعد حدود القوة والاحتمال)) (46).

والتجريد وضوح وتعرية، يطمح من خلاله المفكر إلى كشف جوهر الأفكار والأشياء والأشخاص، ليتحقق الوعي في أسمى صوره، فتكون المواقف من الأفكار والأشياء والأشخاص مؤسسة على إدراك عميق بالحقيقة ((إنما أريد الوضوح والتعرية، وإنما أريد أن نعرف جميعاً حقيقة الفضائل والرذائل، وقرابتها من العقل المبصر، وحقيقة الإيمان بها، ونصيب هذا الإيمان من الصحة والقوة، كما نعرف حقيقة كائن حي نشأ وترعرع واكتمل، وانساق بعوامل الحياة حوله. عسانا إن آمنا بالفضيلة بعد أن نؤمن بشيء نعرف معناه، ونعرف مواضع الضعف والقوة فيه)) (47).

التجريد بهذا المسلك يهز النفوس، ويوقظ الإرادة، حين يشكك في المعرفة، ويتخذ من الشك منهجاً في الوصول إلى المعرفة، ولهذا لا يتقبله الناس لأن الناس لا يتقبلون التشكيك في معتقداتهم الفكرية فهو ((فرض ينازل حقيقة تحجر بها الاصطلاح، ووهم ينازل اعتقاداً، وشك تعارض به معرفة.

ومازالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشاعرها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة)) (48).

الحدس :

أما خيال الفنان في إدراك الجمال، فيتمثل في الحدس، واستكناه الجوهر، والبحث عن الغرائبي والمدهش، وهذه الرؤية النافذة لا تتأتى إلا لمن يملك حسّاً جمالياً عميقاً، نلمس هذا في حديثه عن جماليات الأدب، وجماليات المكان، وجماليات الإنسان، حيث كانت آراء متفردة، لم تكن لتتحقق، لولا خياله الخلاّق، ونظراته المحلقة.

الصرامة والحدس أهـم وسائـل الإقناع عند حمزة فالعقل والحجة الدامغة لا تكفي لزراعة القيم الجماليّة، كما أن الخيال المتدفق لا يصنع وحده وعياً جمالياً. فالإنسان عقل ووجـدان، والخطاب الجمالي يجب أن يتأسس على هذين البعدين معاً(49).

هذان هما المفتاح لبناء وعي خلاّق، فمتى التمسنا الولوج إلى عالم الإنسان بغير هذا المفتاح، ضللنا الطريق، وفقدنا الأداة، وتعثرت الجهود.

حمزة شحاتة جعل من التعرية والتجريد مذهباً في حياته لأنه لم يرد أن يكون زعيم القبيلة، وإنما أراد أن يكون قديسها و((الفرق بين زعيم القبيلة وقديسها أن الأخير مطالب دائماً بالتزام الحقيقة والتجرد)) (50).

التجريد نظرة حيادّية فاحصة، لا تكون إلاّ لمن يستعلي بذاته وفكره على القيود المكبلة، والقوالب الجاهزة، وهؤلاء هم المفكرون ((لا تكون النظرة إلى حقائـق الحياة والفكر خالـصة إلا من أناس يرون أنفسـهم فوق قيودها وقوالبـها، وهـؤلاء يدعـون بالمجانـين تـارة، وبالفلاسـفة وقـادة الفكر تارة..)) (51).

“ والصرامة والحدس ” جعلتا من حمزة شحاتة فيلسوفاً ومتذوقاً وناقداً في آن واحد – بمعزل عن أنه كان مبدعاً للجمال – فهو فيلسوف حين يتأمل، ويفكّر، ويحلّل، ومتذوق عندما يستمتع بما ينطوي عليه الجمال من سحر وإبداع، وناقد إذ يبحث عن القيمة ويتحدث في التقويم.

والإدراك الجمالي لدى حمزة إدراك متوازن، فمع أن موقفه أولاً “ موقف جمالي ” يتأمل ويحلّل ويتذوق ويحكم، فإن الموقف عنده يترامى إلى آفاق أخرى، تجعل من الجمال “ قيمة نفعية ” تزرع الفضيلة، وتثري العقل والوجدان، فالجميل ليس جميلاً لذاته فقط، وإنما هو جميل بما يحدثه من أثر، وهذا الموقف يقترب من موقف الناقد الإنجليزي ريتشاردز الذي يجعل من الخبرة الجماليّة قوّة منسقّة بين مجموع الدوافع المختلفة لدى الإنسان، مما يتولّد عنها شيء من اللذة والتوازن(52)

خصائص الجميل :

والجميل عند حمزة هو الذي تنفعل به النفس، فهو “ شعوري ذاتي ” وإن كان الموضوع باعثاً، وبهذا لا يكون الجميل ما تناسق وتآلف إذا لم يثر الشعور الجميل الذي نحسّ به، فالجميل “ إحساس داخلي ” وليس “ مادة متناسقة ” ولهذا لا يكون الشيء جميلاً عند من فسد ذوقه الجمالي، أو طمس الإلف محاسن الجمال في نفسه.

والجميل يظل جميلاً ما كان قادراً على البذل وإنجاب الدلالات والقيم، فالزمن جزء من حقيقته، أما حين تستصفي النفوس معانيه، فإنه ينفصل عن الزمن ويصبح قطعة أو فكرة بالية غير قادرة على التجدد والإثارة، وهذا هو الموت وتوقف الحركة.

والجميل كمال بلا نقص، فصفة الكمال نجد حمزة شحاتة في كل تأملاته في الأدب والكون، وفضائل النفس، والمكان حريصاً عليها وإن كانت هذه الصفة لا تكاد تتحقّق، ولكن قيمتها تكمن في أنها أمل ممطول ((فما يزال الكمال نشيد الحياة الممطولة، ووهمها الذي تنساق أبداً في طلابه. ومادامت مراحل الحياة تمتد ولا تنتهي. وقوافل الأحياء تسير ما يثقل خطاها الزمن الجاهد. ومادام التغيّر الدائم دأب الحياة وسبيل فيها، فهل تقول : إن شيئاً كمل، قبل أن يوفى على غاية ما ويبلغ تمامه؟))(53).

“ البحث عن الكمال ” كان مطلباً جمالياً عند حمزة كما كان غاية حياة عند حمزة شحاتة، يقول عنه صديقه عزيز ضياء ((إن خصيصة حمزة شحاتة التي تبدو خليقة من خلائق العبقرية النادرة، هي القدرة على إتقان ما يولع بإتقانه، بحيث لم يكن يرضى قط إلا بأقصى مراتب التفوق فيما يعنّ له أن يُعنى بمعرفته ودرسه)) (54).

وقد ذهب الدكتور الغذامي إلى أن عقدة “ الناقص ” تستحوذ على فكر حمزة وسلوكه، وتقلق روحه، فتحركها لطلب الكمال، ولكنها لا تصل إليه، ولا تسلم من ارتكاب الخطيئة، وهذا سبب شقاء النفوس العظيمة التي ترى النقص، وتفلسف الكمال، وفي غفلة من وازع الكمال تقع في الخطأ(55).

فالعلاقة بين التفكير الجمالي عند حمزة وخبرته بالحياة علاقة وطيدة، بل إننا لا نكاد نفهم أبعاد التفكير الجمالي عند حمزة شحاتة بمعزل عن معرفة حياة هذا المفكر، وما صادفه في رحلته من المتاعب والمشكلات، التي أذكت لديه روح القوّة، وعشق الجمال في سموّه، وقدرته على التأثير في سلوك الأفراد والمجتمعات(56).

مجالات الفلسفة الجماليات

1 – جماليات البيان :

أ – الأدب :

يشكل البحث في جماليات الأدب محوراً مهماً من محاور فلسفة الجمال عند حمزة شحاتة، كشف من خلاله عن مادة الأدب، وأجناسه، وموضوعاته، وعرض لماهية الشعر وبواعثه وأغراضه كما يتصوّرها من منظوره الجمالي.

مادة الأدب :

ينطلق حمزة شحاتة في فلسفته من وعي دقيق بجماليات اللغة الأدبيّة يربط فيه الأدب بالفنـون التشكيلية وفـن المعمار، فإذا كان ((الحجر مادة البناء الأول)) (57)، فإن ((الكلام هو وسيلة التعبير عن أغراضنا، وأداة تشكيلها، وتصويرها – فهو بهذا – مادة البناء الأولى في مطالب النفس، والفكر)) (58).

هذه المادة “ الحجر ” يمكن أن تكون ملاذاً للإنسان حين يشكل منها منزله الذي يأوي إليه، ويحتمي به، وهنا تكون القيمة بسيطة، والغاية محدودة، وحين يترقى الوعي، ويتجاوز الإنسان المطالب الضرورية إلى الكماليات يتحوّل الحجر إلى غاية أسمى حيث يصنع به الإنسان ((منزلاً متكامل الصورة في النفع، والتناسق، والوثاق على نحو أوسع، استيعاباً للمطالب المتطوّرة))(59).

وقد يتخطى الحجر هذه القيمة الجمالية إلى منزلة أسمى حين يكون مادة في يد الفنان “ النحات ” الذي يشكّل منه نحتاً فنيّاً يتخطى به المنفعة وجمال الشكل إلى جمال المعنى ((النحات يصنع منه التماثيل، والزخارف، وفاتن الأشكال، لا يضع فيها دقة الصناعة، وجمالها، والنفع.. بل المعنى والفكرة، ورمز الفن وتعبيره، وأثرها في الخيال. فصناعة النحت أتاحت للحجر تعبيراً أرقى من تعبيره في المأوى الحاجيّ، وفي المنزل الكامل)) (60).

والكلام بوصفه مادة البناء الأولى، وأداة التعبير عن الأفكار والمشاعر يترقّى في سلم الجمال بترقي الخطاب الذي تشكل من تلك المادة، المتحدث العادي يصنع به “ صور أغراضه ومراميه وشعوره ” (61)، فتكون الغاية من توظيف هذه المادة التواصل مع الآخرين وهي أدنى غايات الكلام وأقلّها جمالاً، ((ويصنع به الخطيب والكاتب وسيلة التأثير والاستفزاز، والاستهواء وترسيخ الغرض، وتوكيد الطلب، وعرض الفكرة، والدّعوة إليها)) (62). وهنا يدخل الكلام عالم الأدب فتكون الغاية الإثارة والإمتاع، وليس التفاهم والتواصل ؛ لأن الخطيب والكاتب لا يهدفان إلى توصيل الفكرة، بقدر ما يهدفان إلى التأثير بها، واستمالة القلـوب إليها ((ويصنع به الشاعر كل ذلك أو بعضه في صور أعمق فنيّة، وأوضح مثالية، وأفصح جمالاً، وأروع فتنة))(63). وهذه الفتنة هي الغواية والسحر الحلال الذي يمثل أرقى صور الجمال حيث يكون الكلام متبوعاً لا تابعاً، لما ينطوي عليه من قيم الجمال، وسحر البيان الذي يخيّل للإنسان مالا يتخيّل فيخلب لبّه، ويسحره، ويطهّره من أدرانه.

وهذا الترقي الجمالي في وظيفة “ الحجر ” والكلام يجب أن يكون معلوماً للمتأمل في الجمال، فالمنفعة والمتعة أمران مختلفان في الحكم الجمالي ((والناس لا يطلبون في المأوى الحاجي مالا يحققّه إلا المنزل المتكامل، ولا في المنزل المتكامل – من حيث توسع أغراض الصناعة والارتفاق – ما يطلبونه في صناعة النحت التي تستهدف التعبير الفني عن الفكرة فهم أيضاً لا يلتمسون في الخطيب ما يلتمسونه عند الكاتب، ولا عند الكاتب ما يلتمسونه عند الشاعر.

فالشاعر إذن صاحب صناعة فنية، مثالية، رفيعة تتصرّف بمادة البناء الأولى في أبنيتها، وصورها تصرّفاً أوسع مدى من تصرّف المتحدث، والخطيب والكاتب)) (64).

لكن جمالية الأدب أو أدبيته التي تجعل منه كلاماً له خصوصيته في التشكيل والرؤيا، وتضمن له التأثير والإمتاع والإغواء لا تعني عند حمزة شحاتة ألاّ يكون للأدب رسالة فالجمال والوظيفة لا يتنافران. ((الأدب في خدمة المجتمع لا يكون ولن يكون أدباً متجرّداً من جمال الفن وفن الجمال. إن الإنسان هدف الوجود، وغايته ومغزاه، والإنسان وعلاقاته بالطبيعة مجتمعين أو متفرقين هدف الأديب والفنان)) (65).

فالأدب لا يُعدّ أدباً حين يتشبث بالمقوّم الجمالي ويستوفيه، ولا يكون أدباً بسمو وظائفه، ونقاء مضامينه، فهناك يكون شكلاً جمالياً خالياً من الروح، وهنا يكون مضامين باردة، ووظائف عارية لا يسترها الفن بشفافيته الساحرة، وإنما الأدب هو جمالٌ في الشكل وجمالٌ في المضمون، وتناسب بين الجمال الجسدي والجمال الروحي وهذه “ الوسطيّة الجمالية ” ذخيرة من ذخائر تراثنا العربي الذي يتأسس فيه الوعي الجمالي على تصور كوني خالد للوجود لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولهذا يجعل الأدب ضرباً من “ الجهاد ” يقول : ((أيها الأديب الذي يظنّ أنّ ما وهبه الله من إدراك ويقظة، حقّه لاحق الأمة عليه، ولا أمانتها عنده، الأدب نصيبك من الجهاد فاصدع به وتصبّب عرقاً للأمة التي ما بلغت بك الرشد على ضعفها، حتى تصبّبت عرقاً، كن لنفسك قليلاً، ولها كثيراً واستح)) (66).

الموضوع الأدبي :

وهذا “ الجهاد الثقافي ” الذي يشكل الأديب إحدى ترساناته يجعل الموضوع الأدبي مُلكاً مشاعاً للأديب ولغيره من الناس، لكنّ عبقريّة الأديب تكمن في قدرته على إضفاء مسحة من الجمال الأدبي، على موضوعه والارتقاء به إلى الأدب في خصوصيته، ولهذا لا فرق عنده بين محام وأديب وصحافي إلا بالإجادة والإتقان ((ولست مؤمناً بالفكرة القائلة إن للأدب مواضيع محدودة إذا تجاوزها الكاتب إلى غيرها خلعت عنه سمة الأديب، واعتبر أن بعض مذكرات المحامين ومرافعاتهم من أرفع النماذج الأدبيّة وليست المحاماة أقرب إلى الأدب لأي سبب من الصحافة)) (67).

والأدب الجميل لابد له من خصوصيّة تميزه عما سواه، وتدلّ عليه لكن أدبنا السـعودي – بمنظـور حمزة شحاتة في زمـنه – ليس له أي خصوصية ((أو حتى شخصية بينة المعالم)). والسبب في ذلك ولعنا بالاقتباس، وتعرّضنا لسيل متدفق من الهجرة لا يساعد على تشكـيل خصوصيّة في الأدب، فنحن – عنده – في “ دور التكوين ” وهو دور سيطول كما يقول(68).

ولكنّ الواقع الأدبي المعاصر تجاوز هذا الدور واستطاع أدباؤنا أن يشكلّوا خصوصيّة للأدب السعودي تربطه بقدسيّة المكان، وعظمة الإنسان مع استمرار سيل الحراك الاجتماعي، وتنامي حركة المثاقفة مع آداب العالم وثقافاته المتعدّدة.

“ ودور التكوين ” الذي يتحدث عنه حمزة شحاتة كان صوتنا الأدبيُّ فيه خافتاً مع وجود أدباء وشعراء كبار لا يقلّون إبداعاً عن معاصريهم من أدباء وشعراء العالم العربي والسبب في ذلك لا يكاد يخرج عن غياب “ الخصوصيّة ” التي أشار إليها وهي ما يسميه “ بالخبطة ” التي لم تتح لأحد مبدعينا، و“ الخبطة ” الأدبيّة تكمن في “ عنصر الإثارة ”، ((إن فقدان عنصر الإثارة والعنف، والانطلاق إلى الأجواء العليا، أو التردّي في الأغوار السحيقة هي السبب في عجز آثار شعرائنا الجياد عن الحركة والتطويف)) (69).

فغياب هذا العنصر الجمالي “ الإثارة ” هو الذي جعل أدبنا يقف في صف واحد مع أدب الأقطار العربيّة الأخرى، ومع صحة دعوى حمزة هذه، فإنّ هناك لعبة ثقافية لم تزل تتجدّد في ثقافتنا العربيّة وهي لعبة “ المركز والأطراف ” فهناك بلدان ثقافية عربيّة تحتكر “ المركز ”، وتنظر إلى أدب وثقافة الأوطان الأخرى نظرة منحازة إلى الذات، الأمر الذي يطمس الخصوصيّة،

إن لم نقل يلغي الوجود الثقافي برمّته كما يحدث مع “ المثقف الخليجي ” المعاصر، وهناك “ مجاعة أدبية ” تضرب بأطنابها على إعلامنا الداخلي، حيث لم يقم بدوره المأمول تجاه خدمة أدب بلادنا.

جماليات التلقي :

وحين يعرض حمزة شحاتة “ لجماليات التلقي ” يصوّر الواقع الثقافي تصويراً مؤلماً فتنقلب فيه نظرية الاتصال رأساً على عقب يصبح فيه الطالب مطلوباً، والمطلوب طالباً ((من الحقائق المحزنة أنّ حاجة الكاتب إلى قرّاء أكثر من حاجة القرّاء إلى كاتب، ولا يبدو أنّ هناك أملاً في أن يتغير وضع هذه العلاقة في بلادنا)) (70).

هذه المعادلة المقلوبة تثير إشكالية متجددة هي العلاقة بين الكاتب والجمهور، الكاتب الذي يطمح إلى الارتقاء بوعي المتلقي، والمتلقي الذي يستعبده الإلف، وتقيّده الأعراف، وحمزة شحاتة لا يتوقف عند هذه الإشكاليّة فيتخطاهـا إلى البحـث في “ سيكلوجيّة الجمهـور ” وسيكلوجيـة الكاتب ((الجماهير من الوجهة النفسيّة والعاطفية والعقلية أيضاً كالأطفال في حُبّ عناصر الإثارة والتغيير، والانفعال بمظاهر البطولة والانتصار، وارتقابها بحماس، وفي فقدان القدرة على تمييز المعقول، واللامعقول، والممكن والمتعذر)) (71).

هناك أفق توقع لدى الجماهير ترسخ في الذهن، أملته ثقافة العادة، هذا الأفق مبنيٌّ على “ وعي طفولي ” مولع بالإثارة والتغيير أيّاً كان، ولهذا تغيب فيه صفة “ الغربلة ” و“ التمييز ”، ويختلط الجيد بالرديء والمعقول باللاّمعقول. فحمزة شحاتة يبحث عن “ متلق حاذق ” يعي شرائط الجمال، ويتعاطاه من جهته، فيتأثر به، ويضفي عليه دلالات جديدة. والجمال الأدبي بحاجة إلى هذا المتلقي الذي يتعاطف مع النص، ويستغرق فيه، ليكتشف خصوصيّته، ويمنحه حضوره ؛ لأن المتلقي الحاذق يحيي النّص ويغنيه عندما يضفي عليه دلالات ربّما لو سئل المبدع عنها لم يجد جواباً، وقد عنيت المناهج النقدّية بهذه القضيّة حتى نشأ في النقد الحديث اتجاه نقدي يعرف “ بجماليّة التلقي ” يبحث في النّص من جهة متلقيه الذي يعدّ بمثابة الركيزة الأساسيّة في هذا المنهج.

الغموض :

أمّا “ الكاتب ” مع قرائه فهو أحد اثنين إمّا أن يكون مفهوماً، وإما أن يكون غامضاً فحين يكون مفهوماً وواضحاً بدرجة تحرك العواطف، وتثير الحماس، يحتاج إلى طريقة خاصة كطريقة العرّاف في استحضار العفاريت والأرواح الشريرة، لأنها الطريقة المناسبة لغريزة الجماعة المولعة بالاستسلام للأوهام(72).

وحين يكون غامضاً ومداوراً فهذه “ خطيئته ” في نظر الجماهير ((لأنهم يجهلون أن القلم شيء، والهراوة شيءٌ آخر)) (73)، على أن الدوران كثيراً ما يكون نتيجة “ أزمة تعبير ” أدركها حمزة شحاتة وهو أحد صناع الأدب ((إنيّ، ككاتب قديم، لا أجد في أكثر الأحيان الكلمات التي تعبر تعبيراً مباشراً، أو جليّاً عمّا أريد الإفضاء به الكلمات التي تحمل التأثير وتنقله.. هذا ما نسمّيه بأزمة التعبير)) (74).

ويكون سبب الغموض في بعض الأحيان عند الكاتب الهارب من سلطة الوضوح “ استراتيجية كتابيّة ” يهدف الكاتب من خلالها إلى أن ((يعطينا جرعة أكبر من التنبيه، والالتفات، واليقظة، وحدّة الشعور بأغراضه)) (75).

أي أن الغموض إنما كان مطلباً للوضوح بمعناه “ الجمالي ” حين يكون الكلام فصيحاً في التعبير عن المشاعر والأفكار، وهذا أمر استوقف البلاغيين والنقاد العرب في فلسفتهم الجمالية للغموض حيث جعلوه مع الوضوح وجهين لعملة واحدة، لا يوجد أحدهما بمعزل عن الآخر.

الكاتب إذن يعيش مشكلة في كلا الحالتين عندما يكون أكثر أو أقلّ ذكاءً من قرّائه، فهو في “ أزمة تعبير ” خانقة، إما نتيجة لعبقريته ورؤيته الاستشرافية، أو بسبب انسياقه وراء “ عقلية القطيع ” التي أدمنت الاسترخاء الذهني، والكسل العقلي، والوقوف عند ظواهر الجمال.

رسالة الأدب :

حمزة شحاتة انطلاقاً من وعي برسالة الأدب والأديب معاً في تنوير هذه العقليّة، والارتقاء بوعيها الجمالي، يرفض “ التهريج والاجتذاب ” ؛ لأن العلاقة بين الكاتب وقرائـه ((ليست علاقة الحبيب بحبيبه، ولا هي علاقة الخادم بسيده)) (76)، ولهذا يضحّي بالعلاقة في سبيل الفنّ، أو لنقل يقدّم “ أدبية الأدب ” على “ غاية الأدب ” لفئة متبلّدة الحسّ.

إن حرص الكاتب على العلاقة الحميمة بـجمهوره قد تؤدي إلى ابتذال جماليات القول في سبيل استرضاء الجماهير ؛ وهذا كفرٌ بجماليات القول، وبرسالته ((فإن كنّا لا نكتب إلاّ لأوساط الناس فقد وأدنا خير عناصر الجمال، وأقوى وأحفل معاني الفكر والنفس، ولم يكن أثر جهدنا المبذول أكثر من متعة يزجى بها الفراغ، ويتاح اللهو للنفوس الراكدة والعقول المهمومة)) (77).

ولهذا كان حمزة شحاتة أحد المشتغلين “ بإقلاق النوم العام ”، الذين استنّوا في الكتابة سبيلاً خاصاً جوهره “ الإقلاق النفسي ” للناس في معتقداتهم الفكريّة والجماليّة، فاتخذ من لغة الهدم سبيلاً للبناء مخالفاً بذلك الأعراف الأدبيّة الشائعة ((وشأن الأديب في العرف أن يضاعف محاسن الحياة، ويزيد الشعور بمسرّاتها، لا أن يمسخ صورها الجميلة، ويهدمها، ولكن هل يسع كل أديب أن يكون هذا مذهبه، فذاك حيث ألقى الناس كما لقيتهم بجديد هو لغة الهدم والبعثرة والإقلاق في نفوسـهم ومعتقداتهم الفكرية، ولغة البـناء في منطق فكره واعتقاده)) (78).

ب – الشعر :

ماهيّة الشعر :

والشعر هو أرقى فنون القول، وأعلى مراتب الكلام، إنه ((كلام وصناعة وفن)). لكنه ليس أيّ كلام وأيّ صناعة وأيّ فن إنه في جميع هذه الصور ((الترف الحافل بمعاني القدرة المعبّرة، وذخائرها النفيسة في أبهى الحلل والأثواب حتى بساطته – وهي من أسمى صفاته وغاياته – إنما تكون ترف البساطة الفنيّة بالمذخورات، لا فقرها العاري أو المتكلف)) (79)

وتعريف حمزة للشعر أو وصفه له لا يفي بشرائط الشعريّة مع دقة حمزة شحاتة في عباراته، وتأملاته ؛ لأن الشعر كائن يستعصي على الوصف، ومع هذا إذا وضعنا هذا الوصف في سياقه الثقافي والتاريخي الذي قيل فيه بدا أكثر وعياً بالشرائط الفنية للشعر من حيث هو “ تشكيل جمالي لغوي ” لاسيما في زمن المدّ الرمانتيكي الذي أغرق الشعر في دوّامة المشاعر والانفعالات الذاتية. والملاحظ أنّ جميع الساخطين على تعريفات الشعر – بسبب من قصورها عن إدراك حقيقة الشعر – لم يستطيعوا أن يقدّموا البديل المناسب ؛ لأن جمالية الشعر تظل مرتبطة بغموضه واستعصائه على التحديد.

الأسلوب :

والشعر لغة، لأن اللغة هي مادته التي يتشكّل منها، ومعضلة الإبداع تبدأ من صراع الشاعر مع اللغة فهو يستخدم اللغة التي استخدمها شعراء العربيّة قبله، بقوانينها الصوتية والصرفية والنحوية والدلاليّة. فلا يستطيع أن يبني له لغة خاصة في قوانينها ونظامها اللغوي ومع هذا فالإبداع لا يتحقق إلا ببناء لغة داخل هذه اللغة كما فعل شعراء العربيّة الكبار(80).

والأسلوب ((قوام الشعر كما هو قوام الغناء، أو كما هو قوام كل فاتن وجميل وقويّ ومؤثر في جملة ما يتوقف حصول تأثيره على اجتذاب الرغبة فيه، وإثارة الإعجاب به، وتحريك الميل إليه)) (81).

ومفهوم الأسلوب عند حمزة شحاتة يعني “ منهج الفن الجميل ” في التعبير والتأثير، إنّه ((فنّ القدرة على استخدام المظاهر، وتطويعها للتعبير عمّا ترمز إليه تعبيراً تنهض به الفتنة، ويستقيم التأثير.

إن فن الحركة، وفنّ توزيع الألوان، أو الأنوار، والتصرّف في تسليطها، وتقدير نسب سقوطها على الأمكنة والأشخاص والمناظر والحالات، وفن تزويق الملابس بالتقصير، والتطويل، والتضييق، والإرخاء، والشدّ، واللّف، والضم والمواءمة أو المفارقة بين خطوط اتجاهاتها بالمعارضة والانحراف. إن كل ذلك أسلوب يصنع صوراً من الجمال أخاذة السحر والفتنة، تكبّر الصغير، وتجلو الغامض أو تكسب بالغموض المتوخى أسباباً مثيرة للافتتان.. أو تواري القبـح، أو تصوغ بالمغالـطة عن الحقيقـة صواباً فنيّاً، يهزّ أو يـحرّك الإقبال)) (82).

هذا المنهج في الشـعر ((هو شارة الحسن، وشـياته في مثال الجمال – و- صنعة الشعر الأولى، ومزيته، وأساسه، وقوامه)) (83). فهو أشبه ما يكون “ بالخلقة الجميلة ”، وهنا تترأى الموازنة بين النص الشعري “ والجسد ” (84) ((إن الأسلوب قوام الشعر ومظهر غاياته ومقاصده وهو في هذا كالجمال تتهيأ له الوسامـة والقسامة وحلاوة الشارة على قانون مقاييسها الجسدّية، ولا تتهيأ له الحركة والنبض والروح وتأثير انطلاق معانيه، فيكون جمالاً أسلوبيّاً تجتمع له أسباب القدرة ومظاهرها، ولا تتمّ له بها الغلبة والسيطرة على المشاعر والنفوس، ولكنه يظل جمالاً سليماً في القاعدة والتعريف، جمالاً يحرّك الإعجاب والميل إلى التأمل إن لم يحرك الرغبة ويبعث الصبوة ويثير الهوى، فهو بهذا خيرٌ من دلائل الحركة الباطنة، والنبض والمعنى، والتعبير الملحوظ في جسم متنافر التركيب، أو شاذ المقاييس أو مطمـوس معالم الوسامة)) (85).

“ الجمال الأسلوبي ” في الشعر ((كالجمال الأنثوي)) في المرأة، يتفاوت في الدرجة، ويختلـف في التأثير، لكن الجمال التام في الأسلوب، وفي الجسد لا يتحقق إلا بالانسجام التام، والتوافق الكامل، فيكون البناء اللغوي والرؤيا متلازمين في بنية محكمة، جيّدة السبك، متينة البناء، بالغة الروعة، ويكون الجسد مثالاً في تناسقه، واعتدال أعضائه، وتوافق زيّه وحليته، وحركته، وإلا كان الجمال ناقصاً، لانعدام التوازن بين مكوّناته. وربما كان جماله أدعى لاسترذاله لما فيه من تفاوت النسب، واختلال المقاييس، تصوّر مثلاً ((جمالاً توازنت فيه معنويات الروح المعبّرة المنطلقة، على مقاييس الجسد، وحسن شارته، ولكنّه فقد جمال الاتساق في التصرف، وبراعة الحركة في المشي والالتفات والإيماء والاستجابـة أو فقد لبـوس النشـاط في استخدام المفاتن أو استخدام ما تدور عليه من انسجام الزينة والملبس! أفلا يكون بهذه العنجهية جمالاً يستثير العطف والرحمة والإشفاق أو ربما استثار السخرية، لما طرأ على جملة أسلوبه من النقص والاضطراب والمفارقة بسبب فقدان هذه العوامل التي هي أسلوب، أو تكميل له)) (86).

فلا يكون الجمال تاماً في “ المرأة ” حتى يجتمع “ جمال المظهر ” و“ جمال المخبر ” أو “ جمال الجسد ” و“ جمال الروح ” من جهة وجمال التصرّف من جهة أخرى، وهكذا النص الجميل لابد أن يتوافر فيه جمال الشكل والمضمون مع جماليات أخرى تتأسس على الوعي بالسياق الحضاري والثقافي وأحوال المخاطبين.

أغراض الشعر :

وموضـوع الشــعر وأغراضـه “ الجمال والتأثير وإبداع الصـور.. ” والشاعر “ صانع جمال ” وبهذا الفهم الدقيق يتخطى حمزة شحاتة مقولات الأغراض الشعرية المـألوفة من مديح وغزل وفخر، لأن هذه الأغراض تفقد الفن جمالياته، وتحصر الشعر في دوائر مغلقة فضلاً عن أنها لا تقف على حقيقة الشعر من حيث هو رؤيا استشرافيّة وتشكيل جمالي خاص.

بواعث الشعر :

أما بواعث الشعر فهي بواعث الحياة والكلام هو أداة التعبير عن هذه البواعث ووسيلة الاستجابة لها فعلاً أو كفّاً، فرحاً أو حُزناً. وبراعة الشاعر في تطويع هذه الأداة للتعبير عن تلك البواعث هو محك الشاعرية وميزان الحكم(87).

والشعر شبيهٌ بالغناء في الباعث، وفي غايات التأثير، من وجد باعث الشعر أنشد، ومن أحسّ بباعث الغناء غنّى، ويمكن للإنسان أن ينشد أو يغنّي لنفسه لكنّه حين ينشد أو يغني للناس فعليه أن يُطرب بالشعر أو بالغناء وإلاّ فقد مهابته، واستحق الذمّ والاستهجان ؛ لأنه تعاطى مالا يحسن، وتكلّف مالا يطيق ولهذا لم يكتم حمزة شحاتة استهجانه لشعر من رفع عقيرته بالشعر من شعراء الحجاز وهو لا يحسن الشعر، حين كتب مقدّمة كتاب شعراء الحجاز لعبد السلام الساسي فقال : ((ومنهم مستحق الرثاء، ومنهم مستوجب التعزير، حتى يعلن التوبة من رفع عقيرته بمثل هذا الهراء …)) (88).

هكذا يعود حمزة شحاتة بالشعر إلى أصوله الأولى حين كان حداءً للعيس، ونغماً على حركات الأيدي والأجساد ودلاء الماء، فالغناء مضمار الشعر. والمتأمل في شعر حمزة شحاتة يدرك ولعه بالغناء، حتى إن الإيقاع ليشكل في شعره طاقة شعرّية حافلة بالقيم الجماليّة الخلاّقة(89). والغنائية التي يهدف إليها حمزة شحاتة لا تعني الانغلاق على الذات، فقد كان منفتحاً بشعره على العالم، متأملاً لكثير من أشيائه وكائناته تأملاً يكشف عن شاعرية مميزة يتجاوز فيها الفكر والوجدان تجاوزاً لا يتحقق إلا لكبار الشعراء فلا يكون الشعر مشاعر خاوية من الرؤية العميقة، ولا يتجلّى فلسفة عقلية ليس فيها من رواء الشعر شيء.

وإنما يقصد “ جماليات الإيقاع ” وحضور الموسيقا في النص الشعري حضوراً خاصاً يجعل من النص الشعري إبداعاً في النغم الحاني كما هو إبداع في الرؤيا والتشكيل اللغوي.

ولهذه الغنائية الحانية التي تنبعث من أعماق النفس ثم تعود إليها كان الشعر أحد عناصر الحياة إذ ((ليس من الممكن فقط أن يعيش الناس بلا شعر بل من المستحب..)) (90).

ولأن للشعر هذه القوّة السحرّية كان الشاعر مناضلاً بأغانيه يعيش في قلق دائم، وعذاب لا ينقطع، رغبة منه في تغيير الواقع ((السرّ في بلبلة الشاعر وعذابه، أنه يحاول تحويل الحلم إلى واقع، ثم تحويل الواقع إلى حلم)) (91).

وهذا الجهاد أداته “ الجمال ” فالشاعر يناضل بالجمال وللجمال متكئاً على رؤية صافية، وإدراك دقيق لما هو قائم ولما هو ممكن.

الشاعر يجاهد بجماليات القول لبناء قيم الحق والخير والجمال في حياة دائبة الحركة، كثيرة التغيّر في المشاعر والأفكار والقيم، ولهذا كان لابد له أن يتجدّد مع الحياة، فيخاطب الحياة بمنطقها والعصر بشفرته، والناس بلغتهم، فالشكل التقليدي للقصيدة العربيّة ومستويات المبنى والمعنى في النص الشعري القديم يجب أن يخضع لمنطق الحياة فيتجدّد، لأن قيم الحياة تبدّلت، ولابد أن تتبدل قيم التعبير ((لقد تغيّر كل شيء في حياتنا، حتى أحكام العقل، واتسع صدر الحياة لهذا التغيير، فلماذا يقف الشعر بقوالبه الجامدة، وحدوده المتصلّبة، لا يتغيّر مع طاقات الجيل الجديد، ومع مقاصده وأغراضه؟!، وبدأت التجربة بين زحف ونهوض… وأشهد أنها انطلاقة، إن دامت لها قوّة الدفع، خرجت بالشعر العربي إلى أوسع آفاقه وأجزلها عطاءً)) (92).

هذا حدس الفنان ورؤيته الاستشرافيّة، أدرك أن الوقوف في وجه التجديد – وهو من أكثر شعرائنا إحكاماً لشعره وعناية به – وقوف ضد حركة الحياة. وتحققت الانطلاقة، وفتح الشعر الحديث سياقاً جديداً في الشعر العربي ستكون له شفرته الخاصة، وهو ما تنبأ به شاعر كبير في منزلة حمزة شحاتة.

ومع أن حمزة شحاتة يجعل الشعر مقوّم حياة، فإنه يرى أن الشعر الجميل الذي “ يرفع درجة الانفعال ” لم يعد الاشتغال به أمراً ذا جدوى، لأن ((تيّار الحضارة الآن مليءٌ بأسباب الانفعال، والإنسان في حاجة إلى ما يريح توتّره ويُرضي أعصابه، إن أية امرأة واعية تهزأ بأن تصنع فيها شعراً.. والشعر بلاشك، سذاجة إنسانية، لم يعد الاشتغال به معقولاً في عصر العلم، وما حققه من غرائب وملهيات، تغني عن كل شعر، وكل شاعر)) (93).

وهذا هو الذي تعلنه شيئية الإنسان في العصر الحديث، وغرابة العلم، التي سلبت الشعر أعز ما يملك، لقد كانت غرابته أحد عناصر جمالياته، فماذا يقول الشعر في عصر الأعاجيب والغرائب، وكشوفات الفضاء والجينوم البشري والشبكة العنكبوتية، وكيمياء الفيمتو، والنينو توكنولوجيا. جماليات الإنسان الجمال أو الحسن يكون في الشكل والهيئة بتناسب الأعضاء كما يقول أبو البقاء الكفوي(94).

ويذهب صاحب الكليات إلى أن الجمال ((أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن فهو للمستحسن من جهة البصيرة)) (95).

وجمال الأعضاء المتناسبة عنده ((كمال الحسن في الشعر، والصباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم، والحلاوة في العينين، والظرف في اللسان، والرشاقة في القدّ، واللباقة في الشمائل)) (96).

فهناك جـمالان “ جمال بصـر” و“ جمال بصيرة ” كما يعبر الكفوي ((جمال خارجي)) يرى بالعين، و((جمال داخلي)) يرى بالبصيرة النافذة، ولاشك أن الجمال الداخلي أعظم من الجمال الخارجي يقول أبو حامد الغزالي : ((وهـيهات فالبصيرة الباطنــة أقــوى من البصر الظاهـر، والقلب أشدّ إدراكاً من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار))(97).

وإدراك الجميل واستحسانه مبني على التناغم بين النفس والعالم الخارجي أو الداخلي للأشياء والكائنات الذي يولّد اتحاداً بين الذات المدركة والموضوع الجميل.

يقول التوحيدي : ((إن من شأن النفس إذا رأت صورة حسنة متناسبة الأعضاء في الهيئات والمقادير، والألوان، وسائر الأحوال مقبولة عندها موافقة لما أعطتها الطبيعة، اشتاقت إلى الاتحاد بها، فنزعتها من المادة، واستبثتها في ذاتها وصارت إياها كما تفعل في المعقولات)) (98).

وأبو حيان يربط بين الخلق والخُلُق ((الخُلُق الحسن مشتق من الخلق، فكما لا سبيل إلى تبديل الخلق كذلك لا قدرة على تحويل الخُلُق، لكنه الحضُّ على إصلاح الخُلٌق وتهذيب النفس لم يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة، ومثاله أن الحبشي يتدلك بالماء والغسُول لا ليستفيد بياضاً، ولكن ليستفيد نقاءً شبيهاً بالبياض)) (99).

فالجماليّة تكون في الطبيعة، وفي الفن، والحُسن يتحقق في الإنسان وفي المكان، وهذا بخلاف ما ذهب إليه فلاسفة الجمال في العصر الحديث حين قصروا الجمالية على الفن (فكانت) مثلاً يقول : ((تكون الطبيعة جميلة عندما يكون لها مظهر الفن، ولا يسمى الفن جميلاً إلا إذا كنا نعيه كفن، وكان مع ذلك يتردّى بمظهر الطبيعة)) (100).

ويقول هيـجل : ((لا يبدو الجـمال في الطبيـعة إلا انعكاساً للجمال في الذهن)) (101).

فالجمال للفن فقط كما عبر “ كانت ” وما في الطبيعة من جمال إنما هو نتيجة للجمال الذهني كما ذكر “ هيجل ” وهذا فهم منحاز للفن وللعقل، وإلاّ فإن الطبيعة هي منبع الجمال، وقد يؤثر فينا الفن أكثر ممّا تؤثر فينا الطبيعة، ولكن لا يمكن تجريد الطبيعة من جمالها. كما أننا لا يمكن أن نجعل الجمالية من حيث هي علم خاصة بفلسفة الفن فالجمالية يمكن أن تكون فلسفة لكل جميل، وهذا ما قاله ادغاردو بروين ((إن الجمالية بمعناها الدقيق، تكمن في المعرفة المنشودة لمجرّد اللذة التي يتيحها لنا حدوث المعرفة بانصبابـها على جميع الأشياء القابلة للانكشاف وعلى جميع الذوات القادرة على المعرفة الخالية عن الغرض، وعلى التلذذ بهذه المعرفة)) (102).

الجمال الإنساني في شقه الباطني أو “ جمال البصيرة ” كما عرفنا، منشؤه السلوك القويم، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة في العلاقات الإنسانية. وهانحن نقف أمام هذا الجمال كما تصوره حمزة شحاتة، وكشف عن صورته في النفس الإنسانية، وفي المجتمع الإنساني وسيكون من خلال حديثه عن :

أ – الأنا.

ب – الآخر.

أ – الأنــا :

صورة الأنا التي رسمها حمزة شحاتة لنفسه مليئة بالغموض، يختلط فيها الواقع بالأسطورة، فهو لا يكاد يعي نفسه ((عندما سألتني “ البلاد ” من أنت؟ ذهلت.. لأنني لم أجد في حياتي كلها، ما يعينني على أن أعرف من أنا؟! نعم وبمزيد من المرارة، والخجل، والحيرة، والضياع.. من أنا؟!)) (103).

هذه الأنا “ المجهولة ”، غارقة في التأمل حتى في ذاتها. حياة مليئة بالتحوّلات، كرّ وفرّ، سيرٌ ووقوف، ((وحيث يتاح لي أن أتأمل ذاتي، أرى أنني أداة تملى عليها مقدرات حركتها وسكونها. لم أشعر قط، بتحرير إرادتي، وحين بدا للآخرين أنني اكتملت بحكم السن، واتساع أفق التجربة وجدت أن ما يسمى الإرادة فينا، ليس إلا حاصل ظروف، وعوامل ينسحق فيها ما هو ذاتي وداخلي، تحت وطأة ما هو خارجي، فإذا قلت الآن، بصدق إنني أجهل من أنا، أو ما أنا، فلأني لم أستقبل قط، ما أستطيع أن أسمّيه حياتي..)) (104).

ذات مطحونة كانت مشغولة بتحرير الإرادة، وما أن قطعت شوطاً في مضمار الحياة حتى تبين لها أن الإرادة انسحاق للذات تحت وطأة الآخر، وهذا منتهى الضياع استعداداً لمعركة لم تحدث، وعملٌ لصياغة كيان لن يوجد ((إني كنت كالجندي الذي قضى أيامه، ولياليه في الاستعداد لمعركة، لم يقدر له أن يخوضها، أو كالمتعلم الذي قضى شطر عمره للتخصص في مجال معيّن، وقضى الشـطر الثاني عاملاً غيـر ثابـت، في كل مجال غير مجال تخصصـه هذا هو أنا..))(105).

كان حمزة رجلاً طوالاً كما ذكر صديقه عزير ضياء ((فارع القامة، وثيق البنيان عالي الجبهة)) (106)، وكان فيه جفوة كما يقول، ولهذا يشبّه نفسه بهول الليل، تلك الشخصيّة الأسطورية في الحكايات الشعبية في بلادنا ((بيني وبين هول الليل مُشابه. فأنا طويلٌ مثله، وفي طباعي جفوة ووعورة تصرف الناس عن الاطمئنان إلى عشرتي، فأنا وحيد مظلم النفس، انطوي منها على ما يشبه القبر العميق المهدّم، وفيّ ميلٌ إلى الصمت الطويل ولو أخذت لكنت أبكم… وأنا حزين منقبض الصدر أحس دائماً بأنني غريبٌ في الحياة، أو عابر سبيل، أو متفرّج حيل بينه وبين ما يدور تحت أنفه من الحوادث، ويستفزني المزاح والمرح أحياناً فأسخر بالحياة، وأستجيب لبواعث السرور لحظات، وهذه اللحظـات نادرة في حياتي الآنيّة… وهكذا هول الليل… وهول الليل لا ينـزل إلى أذى الصغار إنما يعمد إلى الأقوياء فيخيفهم وهو كثير الإعجاب بمن لا يخافونه.. وبمن يسايرونه وينظرون إليه نظراتهم إلى شيء معقول)) (107)

لا تقولي : أهواك، إن حياتي

واقعٌ قاتم الظلال مخوف

كان لي في الهوى ربيعٌ وولى

وتلاشت أصداؤه والطيوف

فأنا اليوم بين أطلال يأسي

طللٌ للرياح فيه عزيف

طللٌ موحش أفاح به الحزن

وأرسى هذا الضباب الكثيف

استقرت به رغائب روحي

جُثثاً مُثلت بهن الصُّروف(108)

لقد كان حمزة كثير التأمل والصمت وتمنى لو كان أبكم، لأن الواقع الذي يعيش فيه لا يمكن للغة أن تحيط به، ولكنه إذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، فقد عرف عنه أنّه كان يتحدث ويحاور لساعات طوال لا يملّ من الجدل والمقارعة، وهذا ما يعرفه هو عن نفسه(109)، ويعرفه عنه أصدقاؤه حيث يذكر عبد الله عبد الجبار إنه ليظل يناقش عشرين ساعة بلا كلل أو ملل(110).

وحين نقف على نتاج حمزة الفكري والأدبي ندرك أنه نسيج وحده، في بلاغته وذكائه، ومع هذا يرى أن قلّة ذكائه هي مشكلته الكبرى فالذكاء ينقصه حين يكون الذكاء سلاحاً ماضياً في معركة الحياة، ولهذا كان يعتقد – كما يقول – بقدرته على التكيّف مع الحياة التي لا تلبي حريته ولا ترضي عقله، والذكاء في هذه الفلسفة الساخرة عند حمزة يعني “ التنازلات ” والكفر بالقيم والمباديء حين تتصادم مع المصالح، وهو ما يرفضه حمزة، ويضحي بحياته من أجله ولهذا فهو بحاجة إلى الضمير أكثر من حاجته إلى هذا الذكاء وكأنهما أمران لا يجتمعان ((حاجة الإنسان إلى الضمير تنتهي عندما يحصل على مقدار كاف من الذكاء)) (111) وقد يكون الذكاء مرادفاً للمجون وهتك الأعراض والبوائق ((إذا كان جارك ذكياً، وجب أن تكون دائماً على حذر))(112). وقد يكون موقف حمزة شحاتة من هذه الصفة مصادماً لكثير من المفاهيم، ولكنها الحقيقة، فالقيم في حركة دائبة، فالذكاء في عصرنا صار مرادفاً للنفاق الاجتماعي، والانتهازية، وتلوين المواقف، كما صارت الطيبة مرادفة للغباء والضعف، والدروشة.

والصراع النفسي والقلق سمة في أدب حمزة وفي فكره وفي حياته، فهو في شبابه باحث عن المثاليات، وفي شيخوخته حالم بما فات. وحين يتوغل في ذاته، ويكشف لنا أعماقه يقول : ((أحسّ في قرارة نفسي، أني منطو على قطعة مجدبة جافة من الأرض، لا يرف فيها دليل من دلائل الحياة ولا تلح بمعنى من معانيها، وقد تضيق سبلها أحياناً حتى أشعر بانطباقها على جانبيّ…)) (113).

فهو يعيش ممزقاً بين عالمين عالم “ اليوتوبيا ” الذي يرسمه لنفسه، وعالم الواقع الذي يعيش فيه. في ليله أحلام وأفكار وأمان وهموم، وفي الصباح حركة مجنونة، وواقع مشاهد يجر الحالم إلى أغلاله وقيوده، كأن هناك ناطوراً يحرسه بالليل من أن تطوف الأحلام برأسه – ومع هذا فهو يحلم ليهرب من واقعه، وحين تشرق الشمس يبدأ الواقع في المداهمة بجنوده وقيوده(114).

رأسٌ مليء بالهم والكدر والسهر المضني، ونفس كالمقبرة مليئة بقبور الذكريات، وسجين في سجن مظلم مهدّم تجرّه روح قديمة(115).

هذه المعاناة هي معاناة الكبار، وأحاسيس الفاتحين في معركة الحياة، لأن الحياة لديهم عطاءٌ وبذل وانتماء، وليست غدوّاً ورواحاً. وحين نتأمل سير العظماء نجد “ المكابدة ” والسهر، والتمزّق الداخلي زاداً يوميّاً لهم، غارقون في البحث عن حقائق الأشياء، مولعون بالمعرفة، لا يقتلهم في حياتهم شيء كما تقتلهم الجموع المنطفئة، والأحاسيس الميتة، والتدافع المحموم إلى توافه الحياة ونقائصها. ولهذا كان حمزة يُحسّ بواجب وطني كبير عليه تجاه وطنه، مع أنه لم يكن عالة على أحد، وإنما كان مواطناً باذلاً، مقاوماً لعوامل الضعف فهذا هو مبرر وجوده كما يقول(116). وكان شاعراً وأديباً ومفكراً من طراز خاص، حين يذكر الشعر والأدب والفكر السعودي يظل حمزة في مقدمة مبدعيها ومع هذا كله يشعر أنه لم يقم بواجباته تجاه وطنه لا بوصفه مواطناً، ولا بوصفه مبدعاً(117).

وهو في مزاجه الفني متجدّدٌ لا يقر به قرار ((وأنا ذو مزاج سؤوم، لا أدع الزمن يفجعني في طمأنينة شعوري بطرافة الأشياء، وأيّة حقيقة من حقائق الفكر، أو متعة من متعات الحس، أو طوبى من طوبيات الخيال الخلاّب يبقى لها جمالها على الزمن الماضي، أو يفض الخـتام كل يوم عن جمالها ومعانيه جديدة أخاذة؟)) (118).

هذا المزاج السؤوم ليس نقيصه، وإنما هو نتاج روح متجدّدة، وعقلية مولعة بالكشف والتمحيص والاهتمام، لا يغنيها جمال عن جمال، تترقى في مطالبها إلى أعلى درجات الكمال وإن كان الكمال لا يدرك، هذه النفس التوّاقة تحتاج إلى فنّ متدفق، يتجدّد في صوره وأشكاله وجمالياته في كل حين، ليظل حيّاً، وممتعاً، وقادراً على التأثير في هذه النفس الفيّاضة.

ولهذا كان حمزة يرى أن أدبه لا ينتمي إلى أيّة مدرسة أدبيّة ؛ لأن كل أثر أدبي عنده يعكس لوناً جميلاً خاصاً به يمكن أن يتصل بمدرسة ما، فهو “ مدارس في رجل ” وهذه هي العبقرّية، ((إن الانتماء الموسع اعتباري من الطراز اللامنتمي)) (119)

ولم يكن حمـزة شحاتـة يتعاطى الأدب بوصفه وسيلة، وإنما كان يتعاطاه “ تنفيساً ” عن شعوره “ بمرارة العيش وحرارة القلب ” وما لبثت الممارسة أن استحالت إلى عادة(120).

هذه هي “ الأنا الشحاتية ” كما صورها صاحبها، “ ذات محيّرة ” يتواءم فيها الغموض والوضوح، والواقع والأسطورة، واليقين والشك، وجماليات هذه الأنا لها نسقها الخاص، فإذا ما تجاوزنا جماليات الإبداع التعبيري الواصف لتلك الأنا، أدركنا أن “ جماليات هذه الأنا ” تكمن في نفيها لذاتها، فلم يغتبط صاحبها، وإنما كان يضعها على محك دقيق، وهذا أمرٌ قل أن يدركه كثير من الناس ((فالأفراد في كل المجتمعات غارقون في استسلام مفعم بالرضا والغبطة في الجانب الاعتقادي والعقلي والمعرفي، وهذه الغبطة هي العائق عن اكتشاف الفرد لذاته لأنه لم يدرك أنه يعيش استلاباً كاملاً، فهو يتوهم أنّه تام التفرد.. لذلك يندر في الناس من يخترق هذا العائق لأنه أصلاً لا يعلم بوجوده فلا يحاول اكتشافه فضلاً عن اختراقه)) (121).

لقد اكتشف حمزة شحاتة حقيقة نفسه، واخترق حجبها الكثيفة، فكان جمال هذه النفس – الذي يكمن في عبقرية اهتمامها وولعها بالمعرفة، وحبها للجديد، وسعة إدراكها، وإيمانها بنقصها، وتنكرها لعطاءاتها – بحثاً عن نفس أفضل، وعطاء أكثر جمالاً، إنها ((النفس الفاضلة، في المدينة الفاضلة التي أتعب العظماء أنفسهم في البحث عنها، مع إدراكهم لثمن هذا البحث الشاق:

وما أنا إلا ثائرٌ، فُلّ سيفه وأسلمه الحامي، فأثخنه الطعن

لقد عاد بي جُهدُ السُّرى نحو غاية حرامٌ على طُلاّبها العيش والأمن(122)

ب – الآخر :

حمزة شحاتة “ عقلية تأملية ” لا يحب الوقوف عند الأشياء والأفكار وقوفاً عابراً، وإنما يحب أن يتأمل ويركبّ ويحللّ، ويغربل الأفكار، كما يغربل الناس. اتخذ من المراجعة الدؤوبة، والفحص الدوري للآخر منهجاً في الحياة فقام بفحص ذاته وتجريدها، وقدم لنا في “ النقد الذاتي ” فكراً نيّراً يدل على عظمة المفكر، في التحليل وفي مواجهة الذات ((ذلك الحقل المملوء بالصخور والشوك والعناء والمجهول)) (123).

الآخر خضع للفحص تحت منظار هذا المفكر الكبير، وعبّر عنه بلغة أدبية بديعة التصوير والتصوّر. والآخر عنده.

1 – الفرد :

يغلب على نظـرة حمزة شحاتـة للآخـر الفرد التنافي والنبذ والازدراء لا لشخصه، وإنما حين يكون ميت الهمة، سيء الخلق، ضامر الوعي، ولهذا يأتي الآخر مبهماً فيكون اسماً للجنس، يضم تحته أنماطاً كثيرة مشاكلة له في الخصائص، فالنذل هو المخلص لطبيعته، العابد لغرائزه ومصالحه الخاصة ((ليس في الناس من هو أكثر إخلاصاً لطبيعته من النذل)) (124) النذل إذن هو الأناني الذي لا تعني الحياة عنده إلا “ الحقوق ” فقط، أمّا الواجبات فلا يعترف بها، والنذل ضعيف النفس، فهو منافق يدعي الذكاء ؛ لضعف نفسه، ودناءة طبعه ((ما أروع النذل عندما يلعب دور الرجل النبيل المهذب أمام ضحايا نذالته على الأخص عندما يظنّهم لا يعرفون)) (125).

إن الإنسان يمكن أن يكون رجلاً صالحاً، أو قدّيساً – كما يرى حمزة – ويمكن أن يكون شيطاناً، والفرق بين الصورتين، درجة من الوعي تسمو بالإنسان إلى درجة الملائكة، أو تسقط به إلى عالم الشياطين والوحوش ((إن الإنسان ليس وحشاً خالصاً، كما أنه ليس على بعد ثابت من الوحش، أحياناً يدنو إليه أكثر)) (126). والظروف تلعب دوراً مهماً عند حمزة شحاتة في التغيير السيكلوجي، فالإنسان ابن بيئته، ليس هناك إنسان صالح، وإنسان شريرٌ إلا بوسط اجتماعي يتحرك فيه، ويربيه على قيمه ((حتى الوحوش تحمل ذخيرة من الوداعة واللين أمام بعض الظروف)) (127).

هذا الإنسان الغاوي يبلغ به حمزة شحاتة درجة من السخرية حين يجعل من حق الشياطين أن تفتش عن سبب غوايتها لديه ((ربما كان من حق الشياطين أن تعتبر الإنسان مسؤولاً عن غوايتها… قالت جنيّةٌ لزوجها أنت إنسان في شكل شيطان)) (128).

لكن هذه الصورة تتبدل قليلاً حين يرسم صورة لصديقه الشاعر أحمد قنديل يختلط فيها الإعجاب بالسخرية، فأحمد قنديل شاعر له لسان ((ما يعجزه أن يحك به قفاه لو شاء)) (129)، هاديءٌ يقضي في صفّه الدراسي أعواماً لا تندّ من فمه كلمـة اعتراض، ((كاذبٌ ممعن في الكذب وما إخاله إلا كذبة تدفعها الحياة في شكل آدمي ليسهل تسرّبها إلى النفوس والأذهان، يكذب بعضـه على بعضـه، وظاهــره على باطنه، فهـو في مجموعه مثال للتنافر)) (130)، وهو شاعر وكاتب من طراز نادر ذو فلسفة في إنكار الذات لو عرفت بين الناس لخلت البلاد من ثمانية أعشار الرذائل التي يولدها الغرور والجهل بالذات، بلديٌّ أصيل، وبلديته هي التي جنت عليه، وغمطته حقه(131)، وفيه ((ميل إلى الابتكار والتجديد إلا فيما يتصل بمطالب جسده وعيشه فإنه رجعي إلى أطراف أذنيه… وما فتيء قنديل بحاجة إلى ثورة إصلاحية تتناوله من جميع نواحيه الظاهرة، وتقوم بها مصلحة تنظيم مستعدة، وما نرى للبلدية عذراً في إغفال هذا الواجب، فسوف يجيء يومٌ يكون فيه الأستاذ قنديل جزءاً من تاريخ البلد، وجزءاً من تاريخ نشاطه الأدبي)) (132).

وتنجلي الصورة عن أجمل مظاهرها في“ شخصيات ثلاث ” رجل وامرأتان، هم معالي الشيخ عبد الله السليمان الحمدان أول وزير مالية في المملكة، وشيرين حمزة شحاتة ابنة حمزة الكُبرى، ونفيسة، أو غادة بولاق.

صورة الشيخ عبد الله الحمدان “ صورة رجل عظيم ” يسوقها حمزة شحاتة مثالاً للعبقريّة ولكن ليتحدث عن سلوكها ؛ لأن في ((نفس العظيم وسبيله في الحياة سراً خفياً من العبقرية الموهوبة يعجز عن إدراكه التحليل)) (133).

قيمة هذه الصورة الجميـلة تكمن في “ وعيها الشمولي ” وقدرتـها على “ التجديد والابتكار ” في ذلك كله، مع اتفاق تام بين “ المخبر والمظهر ”.

فهو عبقريٌّ في كل عمل يلجه، ((فهو في حفول نفسه بمعاني العبقرية الفياضة أكثر من رجل، وأكبر من عظيم، وما بالك برجل يأبى إلا أن يكون في كل أعماله معنى من الابتكار والعمل الجبار؟ ومعنى من الأمل المنظم، ومعنى من الطموح الزاخر؟)) (134).

كل هذا الإبداع يتجلى في ((وجه هاديء رصين الملامح، تترقرق فيه قوّة الأمل، وقوّة الإرادة، وقوّة الإيمان، وتجول مجالها في حواشيه الوادعة معان جذابة من اللطف، والكرم، واللين واتساع مدى الشعور، ومعان ناطقة تعبر عما يزدحم وراءها من ألوان العواطف والخوالج، والإحساس الدقيق لكل ما هو جميل وعظيم، وسويّ وفتان وقويّ)) (135).

اجتمعت الأضداد في هذه الصورة الجميلة. الظاهر هدوء كهدوء الفجر الحالم، والباطن كونٌ يعج بالحركة، وشعلة تتوقد، وتفكير لا تقف دونه الحواجز، واللسان سحر وفتنة تقتاد أعصى القلوب(136).

وعبقرية الرجل دليل عبقرية “ عاهل العرب الأكبر ” الملك عبد العزيز الذي أحسن الاختيار ((ولأن من حسنات عاهل العرب الأكبر عبد العزيز الأول، ما نراه اليوم من آثار بارزة في نهضة الشعب الكريم، وإصلاح سبيله في الحياة، فإن من أكبر الحسنات ولاشك أن يكون هذا الوزير الخطير، يداً عاملة لجلالته)) (137).

وقد كان من آثار عبقرية الحمدان التجديّدية، إقامة رصيف لبناء الجمارك، وإعداد مخازن محكمة للبضائع ارتقت بفنيات التخزين.

ويربط حمزة التجديد في هذا المعمار بالوظيفة التي يؤديها، والأفكار التي يتأسس عليها فالفكرة قائمة ((على ترقية التاجر وتبديد شعوره بالغبن والإرهاق، وعلى التقريب الفكري بينه وبين أنظمة الحكومة ومقرراتها، ونصيب الفلسفة الإنسانية في هذا واضح بيّن)) (138).

الحمدان عبقرية إدارية تخطّت مفاهيم “ الإدارة الجامدة، إلى الإدارة بالأهداف ”، فكان وجوده دفعاً لعجلة التنمية، وتحقيقاً عملياً للمواطنة الحقة. لم يكن الحمدان مشغولاً بذاته، وإنما كان مهموماً بإنجازاته، وكانت إنجازاته دائماً مرتبطة بالخيريّة والنفع العام، وهذا هو الإيمان بقيمة التكليف وأهميته في صنع الشهود الحضاري للأمة، وهذا ما أدركه الحمدان وآمن به، وحقق به ما حقق من تميز ومكانة اجتماعية.

وبهذا يكشف حمزة شحاتة عن أنّ البناء الحضاري أساسه الإنسان، فما حدث للجزيرة لم يكن ليتحقق لولا توفيق الله، ثم حنكة القائد “صقر الجزيرة ”، الذي لمّ الشتات، وأقام كيان الوحدة، وأسس لحركة التنمية، وقاد معركة البناء بالعقول المبدعة.

وأما المرأة الأولى التي كان يرى فيها حمزة “ الأمل الممكن ” فهي ابنته شيرين التي تتجلى في رسائل والدها إليها، مثابرة، ذكية، مليئة بالطموح ومع كل هذا يظل يتعهدها برعايته ونصحه وتوجيهه، لتكون مثالاً للإنسان الصالح، المتطلع لغد أفضل لا يعبأ بالعوائق، ولا يلين أمام الملمات(139).

وأما الأخرى، فهي نفيسة الفتاة المصرية الجميلة التي كتب فيها قصيدة نشرت في الديوان باسم نفيسة، ونشرت مفردة بعنوان “ غادة بولاق ” وقد أضفى عليها أسمى صفات الجمال، فكانت نفيسة نموذجاً “ للجمال الأعلى ” في المرأة كما يتصوره حمزة شحاتة، وقد امتلأت القصيدة بالتساؤلات التي بعثتها فتنة الجمال، فوقف الشاعر يتملى هذا الكيان الأسطوري وقفة المتسائل الذاهل :

يا منحة النيل ما أحلى روائعه

هل أنت من سحره أم قد تبنّاك

وهل ترعرعت طفلاً في معابده

أم كاهن في ربى سيناء ربّاك

أم كنت لؤلؤة في يمه سُحرت

فصاغك اليم مخلوقاً وأنشاك

أم أنت حورية ضاقت بموطنها

فهاجرته صنيع المضنك الشاكي

فضمّك الليل في رفق فهمت به

حبا، ووثقت نجواه بنجواك

أم أنت أسطورة قامت بفكرته

تحوّلت غادة لما تمناك

أم أنت من كرم ياخوس معتقة

قد انتفضت حياة حين صفاك

بل أنت من كل هذا جوهر عجبٌ

قضى فقدرك الباري فسوّاك(140)

2 – الأسرة :

الأسرة هي “ قاعدة الحياة البشرية ” (141)، ولهذا فلابد أن تؤسس هذه القاعدة على أرض صلبة، حتى لا يتهاوى البناء ويتصدّع، واستراتيجية التأسيس تقوم على معايير ثابتة في اختيار العنصر الآخر الذي يشارك في بناء هذا الكيان، تضمن – بمشيئة الله – التناغم والانسجام وتكفل قوة البنية، وتطاول البناء. وحمزة شحاتة أقام كيانه الأسري “ ثلاث مرّات ” ولكن الكيان يتصدع، مرة تلو أخرى، وليس مهمتنا هنا “ الحفر الأركيولوجي ” عن أسرة حمزة شحاتة كيف قامت؟ ولماذا دب الخلاف بين الزوجين في كلّ مرة؟ المهمة هنا تقتضي الكشف عن فلسفة حمزة الجماليّة في وصف هذه القاعدة، وتأمل ذلك البناء، كما عاشه وكما أبدعه فنّاً جميلاً.

الشراكة التي عقدهـا حمزة شحاتة لبناء كيان أسرته كانت نتيجتها الندامة ((… أما المتزوجون فندامتهم على الزوجيّة فقط)) (142) هذا الندم نتيجة فشل حمزة في مهمته، وهو فشل لا يجد له تفسيراً إلا سوء الطالع ((لقد تزوجت ثلاث نساء على التعاقب، وأنا الآن أعزب، وولد لي من إحداهن أربع بنات باطراد، وبنت من الأخرى، وبقيت وحدي المسئول عن خمس بنات محرومات من الأمومة.

أليـس في حاجة إلى تفسـير؟! إنّ حسـن الطالـع أو سوءه هو التفسير)) (143).

هذه الزيجات الثلاث كانت إشكالات مميتة ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) (144)، وهذا الإشكال الذي وقع فيه حمزة ثلاث مرّات لا حل له إلا الموت أو الطلاق(145) ولأن حمزة لم يمت اختار الطلاق حلاً لذلك الإشكال المتكرر.

إن الرجل أو المرأة عندما يتزوج أحدهما، فإنه يستجيب لنداء الفطرة، ويبحث عن السعادة والعفاف، لكن الزواج استحال عند حمزة إلى نكد وعذاب دائم تظلّ جدران السجن أرحم من العشق والزواج ((حتى السجن أرحم من فتاة عشقتها، ثم حوّلتها حماقتك إلى زوجة)) (146).

لقد ضحى حمزة شحاتة بكل أمجاده في سبيل القيام بدور الأم في تربية بناتـها عندما ذهبت لتتزوج، فلو قالت لبناتـها : إنه شيطان لصدقت لسوء ما فعل، ولكنها ضريبة تلك الشراكـة، حيث أمضـى عمره “ مربية لخمس بنات ” (147).

الزواج لا يكون ناجحاً إلاّ بالتكافؤ الفكري على الأقلّ، وهذا المفكر يطلب طرازاً خاصاً من النساء يشاركه في أفكاره التي هي أقرب ما تكون إلى المثالية ولهذا لم ينجح، كان يطمح حمزة شحاتة إلى أن يجعل من بيته مختبراً لبناء الأفكار فلم تنم الأفكار ؛ لأنـها لم تجد قراراً مكيناً تتلاقح فيه مع أفكار مخصبة ((إن الزوجة الكاملة لا تقل قيمة عن اكتشاف علمي عظيم، فإذا جاء يوم تغدو فيه الحياة سخية بالاكتشافات العلمية العظمى، فإنه لن يأتي اليوم الذي تغدو فيه سخيّة بالزوجات الكاملات ؛ لأن هذه سعادة لا يستحقها نقصنا البشري فيما يظهر)) (148).

من هنا كان الزواج “ همّاً وغمّاً ” ((الزوجة والأولاد غمٌّ في الليل، وهمٌّ في النهار)) (149).

هذا الهم والغمّ سببه القصور الفكري والوجداني، أو “ صغر الكبار ” الذي يؤول بالسفينة إلى “ الغرق ” ((عندما يصغر الكبار فليس للأسرة أن تنتظر سـوى الغرق)) (150) و((صورة الكبيـر تصغر كلما قلّ نفعه للآخرين)) (151).

لقد احتفظ حمزة بحب أسرته ووضع ((ذاته وإمكانياته تحت تصرف الجميع لا يستثني أحداً إلا نفسه)) (152)، ومع هذا فلم يستطع أن يحقق رغباتـها فكانت النهاية و((عندما يعجز رب الأسرة عن تحقيق رغباتـها يكون موته أفضل)) (153).

لقد أنـهار البنـاء ولم يبق إلا ضريبة “ المغامرة الخاسرة ” “ البنات الخمس ” اللاتي حاول حمزة أن يكون لهن الأب المثال، وظل يصارع المتاعب حتى سـقط إعياءً، ولم آيبـق سـوى الأمـاني بتحقيـق النصـيب من العلم والمعرفة(154).

هذه أحلام المفكر، أن يعدّ الأبناء للحياة، لا أن يُعد الحياة للأبناء لقد كانت إشكالية حمزة الكبرى هي نبوغه، وإشراق عقله في محيط لا يشاركه وجدانياً هذا التدفق ((والعقول التي تتوازن كفاءاتها في غير أجوائها هي خير العقول وأقواها وأتمها نضوجاً)) (155).

ولأنه كان يرى العالم حوله بمنظار أسود لما لقيه في أكنافه من ويلات، كان همّ تربية بناته عذاباً أبدياً ((لا تصدق أن هناك شيئاً أسوأ من أن تكون أباً لبضع بنات إلا إذا كنت لا تسمع ولا ترى ولا تشعر أو إذا كنت سوائياً تستوي عندك الأشياء مهما تناقضت وتباينت)) (156).

لقد عانى من المرأة كثيراً، وابتلي بخمس فتيات أراد أن يصنع منهن “ المرأة النموذج ” التي يتمناها، وهنا تأتي مشكلة التربية وانعدام التفاهم بين عقليتين مختلفتين أبناء يريدون الانطلاق، وآباء يخشون من انطلاقهم عليه وينتصر المنطلقون دائماً ؛ لأن الحركة أقوى من السكون، وهذه أكثر صور الشقاء شيوعاً كما يعبر حمزة شحاتة(157).

وبناءً على هذا يـحذرنا المفكر الكبيـر : افهم أبناءك كما يريدون هم، لا كما تريـد أنـت، ((فبهذا يمكـن أن تتذوق حـلاوة حبهم واحترامهم، وإلا فليخطفك الشيطان ليلقي بك في أقرب مزبلة)) (158).

هكذا كانت حياة حمزة مع أسرته، كان الزواج يمثل قيداً لا يطاق فنفذ الصبر، وفارق زوجته الأولى، وبحث عن شرك آخر فوقع فيه، فنفذ صبره مرة ثانية وثالثة ((الطلاق دليل نفاذ الصبر، أما الزواج مرة أخرى، فبرهان على عمى البصيرة)) (159).

لقد سئل العقاد عن سبب عدم إقدامه على الزواجه، فقال : خيّرت بين أن أكون زوجاً أو أكون رجلاً فاخترت أن أكون رجلاً، وحمزة شحاتة اختار أن يكون مفكرّاً حرّاً طليقاً لا يحدّه مدى ((الحب والمال والزواج أقدم أسباب التعاسة في العالم)) (160). اقترن بالمرأة فلم يعش سعيداً، وإنما عاش فيلسوفاً.

كان يرى حمزة شحاتة في الزواج قدراً محتوماً لا مجال للاختيار فيه ((ليس الزواج عملية اختيار إنه قدر)) (161)، وهذا القدر المحتوم الذي يُقحم الرجل في هذا العالم هو الذي يجعل منه فراشة طائشة تدور حول النار حتى تحترق(162)، يُعمي القدر بصيرته فيجّره إلى سوء العاقبة جاهلاً بمصيره الذي ينتظره ((أرحم تفسير لمن يتزوج أنه يجهل الخطر)) (163) و((أشجع كثيراً ممن يقتل نفسه الرجل الذي يتزوج)) (164).

والمرأة في “ جمالياتها ” العامة كائن بشري فيه ما يسر ومالا يسر ((في كل امرأة تسرك، امرأة أخرى تسوءك)) (165)، وهذا يعني في ظاهره التوازن بين الجمال والقبح، ككلّ البشر، والمرأة خلقت من ضلع أعوج، ولهذا كان الهدي النبوي للعلاقة الزوجية عظيماً للاستعلاء على هذا التنابذ النفسي عند الشريك في الحياة الزوجية، فقد قال رسول الله r : ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)) (166).

ما أن يبدأ شهر العسل أو “ فترة تخفيف آثار الصدمة ” كما يسميه حمزة شحاتة(167)، حتى يبدأ الجمال يتكشف عن صورة غير مقبولة، فالمظهر أصباغ ومساحيق صار جمال المرأة معها مجالاً للشك، وفقدت بسببه المرأة سحر الأنوثة ((الذين جمّلوا المرأة بالوسائل الصناعيّة لم يفقدوها سحر الأنوثة فقط، بل جعلوا منها صدمة لعواطف الرجل وخيالـه)) (168)، وانكشـف عالمـها فلم يبق فيها – بعد سفورها – ما يثير فضولاً، ويغري بمتعة الاكتشاف(169).

وأما المخبر “ فعالم ”من الشك والخـداع والخشـع، والرذائـل. وتطغى على صورة المرأة “ الخيانة ” فهـي تغمض عينيها لتستحضر صورة رجل آخر(170)، و((تبيت في هدوء مع صديقك الذي يمدّك بكل أخبارهـا)) (171) و((لا تعرف للشرف والعفة معنى عندما تحب)) (172) وتحب لتتزوج وتتزوج لتحب، ولهذا يجعل من دقة الفطنة دعوة البدو المشهورة ((جعل الله ولدك من ظهرك)) (173) فهي ((دعوة تدل على دقة الفطنة لحرج مركز الرجل تجاه زوجته إذا قدر له أن يتلقى أبناءها باعتبارهم أبناءه)) (174).

وهكذا تتحول السعادة إلى شقاء “ واللباس ” إلى عُري، والسكن والمودة والرحمة إلى معركة دامية غير متكافئة ((المعركة الأبديّة بين الرجل والمرأة غير متكافئة ينتصر فيها الرجل باستمرار، ولكنه الضحيّة دائماً)) (175).

وينتهي الأمر بالطلاق وهو الذي يكون فيه الرجل الضحيّة ((سمعت أحدهما يقول : إنـها تحبني وتخلص لي، ما في ذلك ريب ولكنها لا تقدم غذاءً لفكري وإحساسي بالحياة، فالعيش معها كزوجة لا يكون إلاّ محدوداً كعيش البهائم والحب وحده لا يستطيع أن ينهض بأعباء الدوام لعشرتنا.

وقال الآخر : هناك من تلهب فكرك وإحساسك، ولكنها تـهب قلبها غيرك، فهي صالحة لأن تكون صديقة أو حبيبة كل شيء إلا الزوجة المخلصة الأمينة فهل يكفيك هذا لدوام العشرة؟!

وزفر الأوّل زفرة كانت صك اعترافه بحيرته وقال : ألا ليت الزواج لم يكن ضرورّياً)) (176).

3 – المجتمع :

المجتمع ليس كتلة بشرية وإنما هو نسيج علاقات وفي هذا يقول مالك بن نبي ((المجتمع ليس مجرد مجموعة من الأفراد، بل هو تنظيم معين ذو طابع إنساني، يتم طبقاً لنظام معين وهذا النظام في خطوطه العريضة يقوم بناءً على ما تقدّم على عناصر ثلاثة :

1 – حركة يتسم بها المجموع الإنساني.

2 – إنتاج لأسباب هذه الحركة.

3 – تحديد لاتجاهها)) (177).

وبتناغم هذه العناصر الثلاثة “ الحركة ” و“ المنتج ” و“ المنهج ” يصنع المجتمع شهوده الحضاري، وبتنافرها ونشاز نغمها يظل راسفاً في قيود التخلف والتبعيّة.

والمجتمع بوصفه “ شبكة علاقات ” كان أحد محاور البحث والتأمل في الفلسفة الجمالية عند حمزة شحاتة، حيث أعلن “ حرباً أهلية ” على “ عوامل القبح ” في المجتمع، وكان مناضلاً جعل من مقاومة الانحطاط رسالته الأولى، وكانت قيمته بوصفه أحد عقد هذه الشبكة أن يكون منتجاً وفعّالاً، وليس عالة عليه ((إن حياة المجتمع كالحرب تماماً لا عبرة فيها بما يسقط، ولكن بما يظلّ قائماً، ومع ذلك فإن كل شيء سيخبو وينطوي، إنني منذ ولجت باب العيش، وحتى هذه اللحظة، لم أكن عالة على المجتمع، ألا يكفي هذا، فوق أنّه مبرر لوجودي، أن يجعلني مواطناً أقاوم عوامل الانحطاط)) (178).

وحين يتأمل الصحافة السعودّية بين الماضي والحاضر يجدها صورة للمجتمع، حين تحوّل من مجتمع عشائري إلى مجتمع موحد على يدي الملك عبد العزيز طيب الله ثراه حيث ((تكامل عمران المدن، وامتدادها، وتكدس منتجات الحضارة وشيوعها، وتكاثر وسائل النقل، والمواصلات، وبروز معالم الحياة، وامتلاء المشاعر بها، والتعلق، والتململ، والصراع، تعبير عن توهج الرغبة في التخلص من آثار الشعور بالتخلف والإقبال الملتهب على أي منفذ من منافذ الحياة…)) (179)

لقد شهد حمزة شحاتة دخول المجتمع السعودي مرحلة الانطلاق الحضاري على يدي موحد الجزيرة، وأعجب بتلك القفزة الحضارية التي انتقل فيها المجتمع من “ قبائل متناحرة ” إلى “ دولة وحدة ”.

وأبدى إعجابه بنماذج “ اجتماعيّة ” مضيئة، لها حضورها الفاعل في البناء الاجتماعي كصديقه أحمد قنديل، ومعالي الشيخ عبد الله الحمدان أول وزير للماليّة، لكنه لم يغفل عن ممارسات بعض “ القوارض الاجتماعية ” (180) بحسب تعبير مالك بن نبي التي تسعى إلى خلخلة النسيج الاجتماعي، والعبث بشباكه، وذلك من خلال ممارسات تغلب فيها الذات على المجموع، ويصبح الحق أولى من الواجب إن لم ينعدم الواجب ويختفي.

إن الشهود الحضاري للمجتمع لا يكمن في تكديس منجزات الآخرين وإنما يكمن في الفعل الحضاري، والاندماج في شبكة المجتمع والعمل بروح الفريق(181).

لقد رأى كثيراً من القيم تنتحر تحت أهواء الذات ونوازعها، فالهجرة الدينية المتتابعة إلى المجتمع السعودي، وشيوع التواكل، والانطفاء الحضاري، وانعدام التجديد، وغلبة الرتابة قوارض اجتماعية ينبغي تتبعها والقضاء عليها حتى لا تخترم ذلك النسيج، وتمزق وحدته. ويُعدّ كتابه “ رفات عقل ”، ومحاضرته الشهيرة “الرجولة عماد الخلق الفاضل” بحثاً دقيقاً في هذه المسألة.

4 – الأمة :

((المعنى الاصطلاحي المتكامل للأمة يتضمّن عناصر أربعة : الأوّل : العنصر البشري، والثاني: العنصر الفكري، والثالث : العنصر الاجتماعي، والرابع : العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضاريّة نافعة للإنسانية، وتعيش طبقاً لمباديء هذه الرسالة، وتظل تحمل صفة الأمة مادامت تحمل هذه الصفات، أمّا حين تفقدها فقد يطلق عليها اسم الأمةـ ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي الكامل للأمة)) (182).

والأمة الإسلاميّة تعاني نكوصاً في جميع مجالات الحياة وتفتقد لتكامل هذه العناصر الأربعة ولذا فهي تحتاج إلى وقفة جادة وشاملة لإعادة إخراجها، واسترداد دورها في الشهود الحضاري. وحمزة شحاتة كان أحد أدبائنا ومفكرينا الذين استوقفهم حال الأمة “شهود حضاريٌّ ” في الماضي و“ إفلاس حضاري ” في الحاضر.

إن التنافر الذي يدب في التجانس التركيبي للحياة هو الذي يدفعها إلى الأمام، لكنه لا يفعل ذلك في أمتنا بوصفها جسماً اجتماعيّاً حيّاً(183).

ولهذا فالمآل هو الهلاك ((ينبغي أن لا نشك في مستقبلنا الاجتماعي كأمة كلما ارتفع ميزان الحضارة والتقدم الصناعي في الأمم البعيدة، لا معدى عن أن نرتدّ بدواً تضرب في هذه الصحاري المقفرة لتشارك الحيوانات حياتها)) (184).

وعلى هوان هذه الأمة ونكوصها الحضاري أنها ((كالمعدة القوية، تهضم كل شيء بسهولة)) (185) تهضم ما تحتاج إليه ومالا تحتاج إليه، وهذا الهضم المتكرر، يعلم الاستهلاك لا الإنتاج، ويقتل ولا ينفع، “ والمعدة بيت الداء ”، وهذا يعني أن “ الإنتقاء ” مبدأ حياة، وخيار وجود، ودليل وعي.

هذه العلة تجعل سمة كل ((من يحلم بإصلاح هذه الأمة، أن يكون مفرطاً في التشاؤم إلا إن كان لا يعبأ بالخذلان)) (186)

لقد أصبحت الأمـة “ حيواناً بليداً ” حين فقـدت شهودها الحضاري، ولا يعاب الأدباء – ومنهم حمزة شحاتة – في أنهم لم يستطيعوا ((تحريك هذا الحيوان البليد الذي تدعوه أمه ؛ لأن هذا لم يكن ميسوراً لكرّة الزمن نفسه في ثلاثة عشر قرناً)) (187).

لقد فقدت الأمة “ رشدها ” بعد معركة صفين(188)، عندما بدأت أخلاق الأمة في الانهيار، وبدأت تطفو على الساحة أخلاقيات جديدة، وسلوكيات مغايرة لقيم الهدي الإلهي، ولهذا فنهضة الأمة لا تكون إلا بنهضة أخلاقيّة يعرف فيها الفرد والمجتمع الحقوق والواجبات، ويستشعر فيها كل فرد المسئولية، والأمة ((لا يمكن أن تنجح إلا بأخلاقها وتقاليدها النابعين من تاريخها وخصوصاً في هذا العصر)) (189).

هذه الأخلاق نتيجة تربية سليمة ترفع درجة الوعي لدى أبناء الأمة فتنتفي الازدواجية المميتة بين الفكرة والواقع، حين يصبح الواقع ميداناً لممارسة الأفكار واستنباتها وتطويرها، وفي ضوء هذا التناغم تنشأ سلوكيات سوّية تكشف عن ثقافة راسخة، لم تفرض برأس البندقية، وإنما تنبثقُ من نفوس مؤمنة بأصالة الموقف الذي تتبناه، والأصل الذي تنتمي إليه.

وهنا تتفـاوت الأمـم، ويتباين السـبق الحضاري بتباين أساليب التربية ((لا تحيا أمة إلا بالتربية الصالحة، وما نراه من الفروق بين الأمم الناهضة إنما مرده تفاوت أساليبها في التربية.

وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خُلقاً. وتفوق السياسة الانجليزية ليس مرده القوة الحربيّة، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة ؛ لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخُلُق في الفرد الانجليزي.

ولقد كانت فرنسا وما تزال أقوى ذهنية، وأحدّ شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الانجليزي في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.

والإجماع عام على أن أيّة نهضة لا تقوم على قوّة خلقيّة في أمّة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحيّر..)) (190)

والرجولة عماد الخلق الفاضل، فالرجولة هي السلاح، وهي قوّة الدفع ساعة الضعف ((ها نحن نرى أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوّة والجمال والحق تأخذ بيدها؟

أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثرتها؟

الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم!

ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور!

ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدنيته المنبثق!

ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية)) (191).

و “ الفضائل ” عندما يضعها حمزة شحاتة تحت مجهر التشريح، ويقوم بتجريدها، وفق فلسفته الخاصة، يقدّم لنا رؤية جديدة يتخطى بها حدود النظر الضيّق إلى آفاق رحبة لا ليضعف هذه الفضائل، وإنما ليبلغ بها أبعد آماد القوة والاحتمال(192).

وهذه مجازفة استدعتها الأمانة مع ما لهذه المجازفة من عواقب وخيمة ؛ لأن رج المعتقدات والأعراف الثابتة، يقابلها الناس بردود فعل عنيفة لا تكاد تقاوم، ولكن الحياة لا تستقيم إلا بهذه المغامرات من الطامحين لصناعة الحياة الذين يكشفون خبايا الوجود والفكر(193).

وحمزة شحاتة يربط بين الأطوار الاجتماعية والفضائل، فالفضائل تتلبس معاني ومفاهيم خاصة في كل طور اجتماعي، ولهذا لا سبيل لتفكيك هذه المفاهيم إلا في سياقها الاجتماعي.

فالفضائل: ((صفات وأعمال تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بفائدتها وضرورتها، أو بأنها خير..)) (194).

فالنفع أساس الفضائل جميعاً، لكنّ هذه المنفعة تختلف باختلاف العقول والعصور، وهذا الاختلاف في تصور بعض الحقائق وإدراكها من عصر إلى عصر وعقل إلى آخر لا ينفي الحقيقة الأصلية(195). وهذا أمر لا يدركه كثير من الناس ((فإذا قال مفكر اليوم : إن الفضائل أوهام عقلية أو نفسية، غايتها إيجاد مثل عليا للجموع تستمد منه روح العزاء والعزيمة والأمل، لم يكن معنى هذا إنكار صحة تعاريفها أو صحة الأحكام التي أعطيت عنها..)) (196).

وحين يعرض لأطوار الفضيلة يذهب إلى أنها مرت بثلاث مراحل : كانت في الطور الأول ضرورة فرضتها طبيعة الحياة في عصر الإنسان البدائي. فصارت معتقدات شعورية شعرت بها الجماعة فاستجابت لأحكامها، وتحولت في طورها الثالث إلى أخلاق وملكات لا شعورية وخصائص نفسية وفكرية من خلال المحاكاة(197).

وإذا كانت الرذائل “ أنانية عارية ” فإن الفضائل “ أنانية مهذّبة ” (198) ؛ لأنها ألفاظ القوي واستراتيجيته لاستغلال الضعيف وقهره(199)، أما الحياة فلا تعرف إلا الأقوياء(200) قديماً كان الجسد مصدر القوة، فجاء النفوذ والثروة وحلا محل القوة الجسدية(201) وكل هذا يتم تحت مسمى “ الفضيلة ” فكم من المجازر البشرية التي انقادت لها الجماعات البشرية مأخوذة بأوهام الحق والعدالة والدفاع عن الفضائل المستباحة(202).

ففضيلة “ الكرم ” مثلاً كانت دليلاً على القوة، فصارت دليلاً على النفوذ(203). وهذه الفضيلة لم تنشأ كاملة السمات، وإنما تدرجت من الضرورة إلى أن صارت ملكة لا شعورية، كان الكرم في الأصل دلالة افتخار على اتساع نفوذ القوي فأصبح صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم ونفوذهم محل الأبطال والقادة، فالكريم كثير الأعوان، عميق الأثر، رفيع المنـزلة ولهذا يمجده الناس مع أن العفيف أكثر قهراً لشهوات النفس(204).

والبخل رذيلة بلاشك تدل على ضيق النفس، وفتور الفكر الطامح ولكنه يدل من جهة أخرى على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، وطبائعهم المطوية(205).

فإذا كان الكرم خيالاً جميلاً، فإن البخل حكمة وفلسفة عميقة.

فالكرم “ أنانية مهذبة ” لأن الكريم يعطي ليأخذ، يكرم ليستعبد النفوس ويسترق الألسنة، ويستمتع بلذة الثناء، وبهرج الاستعلاء(206).

وهذه حقيقة، يؤكدها واقع الحياة المعاصرة، وجدل الفكر الشعري الذي يتجلى بين الشاعر الباحث عن “ الخيال الجميل ” والثناء السائر، وزوجته الحكيمة التي تتحدث بلغة الحياة، ورؤية الإنسان الخائف، ولا ينفيها ترغيب الإسلام في الكرم والحث عليه كقوله صلوات الله وسلامه عليه : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (207).

فالإسلام يسمو بهذه الفضيلة كغيرها من الفضائل فلا يجعل الميزان فيها للأخذ والعطاء، وحسابات الربح والخسارة، والمصالح الضيّقة، ولهذا يسميها حمزة شحاتة “ محاسن ومعايب ”(208)، ((أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة، وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله والزلفى إليه. فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له. وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله)) (209).

والانحراف بهذه الفضائل ضرورة اقتضاها سير الحياة وقوانينها(210).

وذلك ((أن النظرة العامة إلى الفضائل أصبحت نظرة خيالية لا نظرة إيمان وتحتيم. وإنها لم تعد سلاحاً يضمن الحماية لمتقلّده)) (211).

والعودة بهذه الفضائل إلى ما كانت عليه هو سبب النجاة، والأمل في الشهود الحضاري، وسبيل القوة والظفر(212).

هذه الرؤية الفلسفية العميقة للفضائل وربطها بتطور الحياة الاجتماعية عند حمزة شحاتة كما تجلت في محاضرته “ الرجولة عماد الخلق الفاضل ” ذهب الأستاذ الكبير محمد حسن زيدان إلى أنـها مستمـدة من كتاب علم الاجتماع لنقولا حدّاد(213) ولكن عزيز ضياء يرى فرقاً بين اسـتنساخ المعرفـة و“ ابتكارها ”، فقد يكون حمزة شحاتة وقف على ما قاله “ نقولا حداد ” وأفاد منه، ولكن الإفادة شيءٌ، والتقليـد شيءٌ آخر، وحمزة شحاتة في كل ما يكتب كان من أبرز خصائصه ((التعشق الملهوف للاستقلال الفكري والحرص الممضّ على الابتداع، والترفع عن الاتباع..))(214).

وقد جهدت في البحث عن كتاب “ نقولا حدّاد ” فلم أجده، لكن الذي أراه هو أن حمزة شحاتة لديه قدرة مدهشة على الإبداع والإضافة في محاضرته هذه، وفيما عرض له من قضايا فكريّة وأدبيّة، الأمر الذي يعزز روح النبوغ لديه.

واعتقد أن حمزة شحاتة أفضل من قدّم رؤى خصبة من روادنا الكبار فيما يسمى “ بالنقد الثقافي ” الذي يبحث في الدلالة المضمرة للخطاب الجمالي، ويكشف بعض عيوبه المنسربة تحت قشرته الظاهرة(215).

جماليات المكان

علاقة الإنسان بالمكان علاقة قديمة تمتد بالإنسان إلى أبيه الأوّل آدم عليه السلام الذي كان خلقه قبضة من الطين ونفخة من الرُّوح، فمن الأرض تشكّل أبوه بقضاء الخلاّق العليم، وصارت الأرض له بيتاً كبيراً يحنو عليه وأُمّاً تعذق بما سخر الله فيها من طاقات الحنوّ والخصوبة.

وبدأ الإنسان يشكل مكانه الخاص به، وفي إطار من الإحساس بالمدنية بدأت دوائـر المكـان تتسـع من البيت الصغير “ المنـزل ” إلى البيت الكبير “ الوطن ” إلى المنـزل الأكبر “ الأمة ” ثم “ العالم ” الذي أصبح بيتاً للجميع، لا حياة إلا فيه، ولا بقاء إلا بالحفاظ على نظافته ونقائه.

والمكان في رؤية الإنسان يكتسب خصوصيته وقيمته وجماليته من خلال علاقة الكائن به، وألفته له، وليس من خلال وجوده الموضوعي ((إن المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لامبالياً، ذا أبعاد هندسيّة وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما في الخيال من تحيّز. إننا ننجذب نحوه ؛ لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية)) (216).

والمكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة له حضوره الخاص، تأملاً وتآلفاً أو تنافراً، بمقتضى رؤية خاصة تشكل للمكان وجوداً جديداً، وتضفي عليه ألواناً وظلالاً “ شـحاتّية ” تنقـله من وجـوده “ الموضوعي ” إلى وجود “ جمالي ” جديد لا نجده إلا في هذه الفلسفة الجماليّة.

وحين نستقرئ آثار حمزة شحاتة نجد عدداً من الأماكن استوقفت حمزة وصبغها بروحه ومشاعره فنقلها إلى عالمه الخاص ومنها :

1 – البيت.

2 – المدرسة.

3 – المدينة.

4 – الوطن.

1 – البيت :

((البيت هو ركننا في العالم، إنه كما قيل مراراً، كوننا الأوّل، كون حقيقي بكل ما للكلمـة من معـنى، وإذا طالـعنا بألفـة فسيبـدو أبأس بيت جميلاً)) (217).

في هذا الكون الصغير تتآلف الأشياء، وتجتمع الأسرة، وتكتب الأحلام، ولهذا يظل البيت عالقاً في الأذهان لما ينطوي عليه من ذكريات جميلة، ولما حفظ لنا بوصفه مكاناً من مواقف لا تُنسى.

في البيت تتشكل عقلية الطفل، وتتحدد شخصيته، وحمزة شحاتة يرى أن البيت لدينا يمارس سلطة قمع على الطفل، فالطفل لا يشعر بوجوده إلا بالحركة والشغب وإلا أصبح قطعة أثاث جامدة لا روح فيها، فينشأ شعور الحريّة مع الطفل فيقابل بزواجر القانون “ استح ” (218). هذا القانون الذي يحاول أن يجعل الطفـل في غده إنسـاناً ((متسقاً، مؤدباً، هادئاً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم)) (219).

و“ المجلس ” في البيت عندنا يمثل المدرسة الأولى، لكننا نمارس فيه إرهاباً تربوياً على الطفل، فالطفل إذا ما دخل المجلس، وأحدث حركة، أو حاول المشاركة في الحديث قيل له : “ استح ” ليكتشف في رحلة الحياة بعد ذلك أن الحياء الذي رُبيّ عليه “ عقدته العصبية الخطرة ” ((يرى خطيباً يخطب ويتلعثم. يقول في نفسه هو : لا يحسن الخطابة. يسمع الناس يقولون : يستحي! يدخل إلى مجلس غاصّ فيرتعد، يعرق، يبتسم الناس، ويسألونه لماذا تستحي؟ يسمعهم يقولون: فلان يستحي كالنساء. يرى الذين لا يستحون يتصدرون المجالس، والذين يتوقحون يسيطرون عليها ولو سيطرة ظاهرة، ويضحك الناس لهم تشجيعاً)) (220).

والبيت في كثير من رؤى حمزة شحاتة كون مليء بالمتاعب ((في البيوت التي انهدمت كما في البيوت القائمة، نفس الأسرار والمتاعب والكوارث.. والفرق في الظهـور والخفاء مع اختلاف يسير في الكم والكيف إذا روعيت الدقة)) (221)

السعادة عند حمزة شحاتة لا تحب البيوت إذ ((لو كانت السعادة تحب البيوت لما امتلأت المقاهي والملاهي بروّادها)) (222).

هكذا يفقد البيت حميميته ويفقد معه حمزة وجوده فبدون البيت يصبح الإنسان كائناً مقتتاً كما يقول باشيلار(223).

وحين يكتب حمزة شحاتة رسائله إلى ابنته تظل هذه الصورة النمطية للبيت حيّة في كلماته، فالبيت هو المكان الذي تتسلّل إليه التفاهات(224). ولكنه في مواطن كثيرة يحث ابنته على التفاؤل والبحث عن السعادة مع زوجها في طريقهما الطويل، وكأنه بهذا الإلحاح الدائم عليهما في رسائله يقدّم صورة جديدة للبيت على الأقل كما ينبغي أن يكون.

إن البيت حلم لا ينقطع، يولد به الإنسان، ويحمل عنه الذكريات، ويظل حلمه عن البيت القديم، وما أن يستقر به القرار حتى يلوح في خياله “ بيت التراب ” القبر الذي يظل شغله الشاغل حتى يوارى بالتراب.

والبيت ليس بجدرانه وغرفه وألوانه، وإنما بمشاعر صاحبه، وأحاسيس قاطنيه، ولهذا تتولد العلاقة بين البيت والإنسان من خلال تلك الأحاسيس، فيكون ملاذاً للتفاهات، والتفتت كما عند حمزة شحاتة، أو يكون نبعاً للمشاعر الفياضة يقول باشيلار : ((إن عمل ربة البيت في تنظيم قطع الأثاث في الحجرة، والانتقال من هذه الحجرة إلى تلك ينسج علاقات توجد ماضياً قديماً جداً مع عهد جديد، إن ربّة البيت توقظ قطع الأثاث من نومها)) (225).

وهذه الصورة الكابية للبيت عند حمزة شحاتة نتيجة لعلاقة خاصة به، فالبيت كان العالم الذي جرّب البحث فيه حمزة عن السعادة فلم يجدها من خلال ثلاث زيجات انتهت كلها بالفشل. كان ((الزواج الأول غلطة، والثاني حماقة، أما الثالث فإنه انتحار)) (226).

2 – المدرسة :

المدرسة هي القابلة الثانية بعد “ البيت ”، تترسخ فيها قيم البيت، أو تنشأ فيها إشكالية الازدواج بين المفاهيم والممارسات.

المدرسة تُعلم الفضائل من صدق، وعفّة، ورحمة، وصبر، وحلم، وتضرب النماذج على ذلك كله في كتب الدين والتاريخ والأخلاق، لكن هذا التعليم النظري يصطدم بالواقع، فالطفل يرى أستاذه يكذب، ويخاف، ويرى أباه وأمه يكذبان، ولا ينجو من عقاب الجميع إلا باصطناع الأكاذيب، وهنا تتكشف الحياة عن ازدواجية بين مُثُل البيت والمدرسة وواقع الممارسة فيهما، يرى من يقول شيئاً، ويفعل ضدّه، ومن يخاف القانون، ولا يخشى تأنيب الضمير فتنشأ عقدة عصبية أخرى(227).

ولهذا تفشل المدرسة في بناء الرجال الفضلاء، وإن علمتهم الأخلاق(228). والسبب “ الجهل بعلم التربية ” ((الدراسة عندنا لا تزال قائمة على حشو الذهن بالمعلومات والقواعد، وعلى إرهاق الطفل، وكبت نزعاته النفسية والوجدانية، وها نحن نرى آثار هذه العيوب في “ انمحاء آثار الشخصية ” من جميع من تخرجهم المدارس، وفي كلال أذهانهم، وأعصابهم، وفتور حيويتهم الفكرية. فلا نكاد نجد أثراً لنشاط الفتوّة في نفوس أبنائنا.. فالغلام عندنا مطبوع بطابع الكهل، والشاب مطبوع بطابع الشيخ الهرم)) (229).

المدرسة بهذه الصورة القاتمة نتيجة للفراغ بين الكائن والمكان، وانعدام التفاعل وفتور العلاقة بين المعلم والمدرسة، فاختيار المربي الفاضل مسألة في غاية الخطورة، ((وإذا كانت طبيعة حياتنا قد أفقدتنا الأب والأم الرشيدين فلا أقلّ من أن تعوّضنا التربية المدرسية أساتذة يقودوننا بحكمة وخبرة ليعدّلوا ما فينا من اعوجاج)) (230).

هذا الفراغ الوجداني جعل مدارسنا ((معامل تفريخ كل غايتها أن تدفع عدداً من حملة الشهادات، لا يعرفون فناً تجريبياً، ولا علماً عمليّاً، ولا صناعات يدوية، تفتح في الحياة ميادين نشاط جديدة، غير ميدان الوظيفة، والمكتب، والديوان)) (231).

وجعل الحياة فيها ضرباً من “ ضروب النعاس الثقيل ” (232).

وجمالية المكان إنما تتحقق بعلاقة جديدة بين كائنات المكان، حيث تصبح تربية البيت حرّية فاضلة، لا زواجر فضة، وتربية المدرسة عملاً وإدراكاً وممارسة لا آليات فكريّة، وقواعد مكرورة(233).

هذه العلاقة الجديدة هي التي حشدت لها إنجلترا أعظم رجالها من ساسة وأدباء وفلاسفة وعلماء وفنانين فكان القرار في عشرين مجلداً ضخماً(234).

والنتيجة شهود حضاري للإنسان، وجمالية في المكان، واتساق واعتدال وتوازن في كل شيء(235).

3 – المدينة :

المدينة في الوعي الثقافي المعاصر في الغرب والشرق ذات صورة قاتمة، فهي أحد نتائج العلم الحديث بكل مساوئه ومحاسنه، إذ شهدت المدن الحديثة في العالم ويلات الحروب، واصطدمت بلهيبها المحرق، وغاصت في دخان المصانع، ونفاياتها، وقام التصميم العمراني فيها على “ الوحدة ” أكثر من الاندماج الذي كان موجوداً في القرية بامتدادها الأفقي، وأفنيتها المفتوحة، وبيوتها المتلاحمة، فانكمشت العلاقات الإنسانية، وتقطعت أواصر القربى. ولهذا حين نفتش عن صورة المدينة في الوعي الشعري – مثلاً – وهو بطبيعته وعي مرهف – نجدها تعجّ بالاغتراب، والجدران العالية والبهرج الخادع، والإيقاع اللاّهث، والخوف، وأوكار البغايا، وشريعة الغاب(236).

وهذه هي صورة المدينة عند حمزة شحاتة ((منطق الغابة هو واقع المدينة بزيادة طفيفة هي القانون)) (237).

منطق الغابة هو الذي سوّغ لبعض أقارب حمزة الاستيلاء على أمواله في ((صفقتين ماديتين فادحتين في حياته)) (238)، حيث وضع ما يدخر من المال في يد أحد أقاربه ليقوم باستثماره فغدر به، وما إن استرد أنفاسه حتى وقع في قبضة أحد أصدقائه. هذا المنطق هو الذي أوقعه في حبائل الاقتران بالمرأة ثلاث مرّات تنتهي جميعها بالطلاق(239).

المدينة في رؤيته بلا مدينة ولهذا لا تستحق الحب ((إن الحب في بلد مايزال نصيبه من المدينة ضئيلاً – كالقاهرة مثلاً – أشبه بلعبة الثلاث ورقات لا يؤخذ بها إلا الساذج العزير، ترى ما الأمر في لندن وباريس ونيويورك؟!)) (240).

وهي كائن جامد لا يتغيّر – والجمود في عرف الفنان هو الموت – فالمدينة بهذه الصفة ((عاجزة عن استفزاز مشاعرك الفنية وتغذيتها)) (241).

لم يجد حمزة في المدينة قلباً رحيماً، ولا زوجاً حانية، ولا صديقاً مخلصاً، ولا حركة تستفز المشاعر، فانكفأ على ذاته باحثاً عن مدينة فاضلة في أعماقه البعيدة.

وحين نستقريءُ صورة المدينة في شعره نجد حنيناً إلى المدينة، كما في قصيدة “ وُج ” التي يذكر فيها ماضيه الجميل في رحاب ذلك الوادي، ويجعل العيش بعيداً عنه ضرباً من الكذب والفجاجة :

كذب العيش بعد يومك يا وُجُّ

مريراً، والعمرُ بعدك فجا(242)

ولا يكاد يردُ حديثه عن المكان إلا في سياق الإحساس بالغربة، والضيق والقيود، والعقوق والنقائص كما في قصيدته جدة التي دفن العقل بين شاطئيها في أول بين عندما قال :

النُّهى بين شاطئين غريق

والهوى فيك حالم لا يُفيق(243)

وقصيدته “ أبيس ” التي قالها في مصر، وتذكر فيها مكة المكرمة مسقط رأسه، فتجلت أحاسيسه مثقلة بالتحديّ للأعداء الذين طال صمته عن سفاهاتهم :

يا حنايا أم القرى فيك قرّت

مهج ما انطوت على شحناء

بيد أن الأذى، وعدوانه السا

در، قد أججا لهيب العداء

فليكن وزره على رأس جانيـ

سه هجيراً يلوب في رمضاء

قد بلغنا بالصمت آخر حدّيـه لياذاً بشيمة الكرماء(244)

4- الوطن :

الوطن في الإبداع له حضوره الخاص، وتشكلاته الجماليّة المتعددة، بتعدد رؤى المبدعين، وخبراتهم الجماليّة، ومواقفهم الشعورية. يظل الوطن محتفظاً بقيمته، فهو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالانتماء، ويلتذ فيه بالبذل والعطاء، واختلاف الصور أيّاً كانت ألوانها وظلالها، وخلفياتها، تشكل في النهاية موقفاً وجدانياً من الوطن لا خلاف حوله، وهو أن الوطن مدار العشق، وقصيدة الشعر التي لم تكتب أيّاً كان ذلك الوطن فميسون بنت حميد بن بجدل تلك البدوية التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان ونقلها إلى حاضرة الشام، رفضت هذا العالم الجديد لعدم إحساسها بالانتماء إليه، فحنت إلى وطنها القديم وطلبت من معاوية أن يعيدها إلى أحضانه قائلة :

للبس عباءة وتقّر عيني

أحبّ إليّ من لبس الشُّفوف

وبيت تخفق الأرياح فيه

أحبّ إليّ من قصر منيف(245)

وحين نتتبع صورة الوطن عند حمزة شحاتة في فلسفته نجدها إلى الحياد أقرب منها إلى التآلف أو العــداء، فالوطـن عنده ((عبارة عن مصلحة، أو ضرورة وفي بعض الأحيان تعليم يُفرض كي يُنشيء الشعور بها)) (246).

ولا خلاف في أنّ الوطن مصلحة، وضرورة، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه، والوطن هو المكان الذي تنشأ في ظلاله المدنية وتقوى، ويشعر الإنسان بوجوده، ومكانته، فالوطن الذي يحقق شهوداً حضارياً، يمنح أبناءه مكانة لا تتحقق لأبناء بلد يغطّ في غياهب الجهل والانطفاء الحضاري.

وانتماء الإنسان إلى الوطن عند حمزة “ ضريبة ” يجب أن يدفع الإنسان ثمنها، ولا مـجال للتنصل من تبعاتـها ؛ لأن الوطــن لا يستبدل به غيره ((ولا معدى من الصبر، والإذعان، في وسعك أن تترك منزلاً لا يرضيك إلى غيره، ولكن المسألة بالنسبة لوطنـك ومجتمعك مختلفة، أيها المواطن الحرّ الصالح)) (247).

والمواطن الصالح لكي يكون صالحاً، وفعّالاً في بناء وطنه، لابّد أن يشعر بقيمته بوصفه إنساناً، فإذا كان للوطن حقوق على المواطن، فإن على الوطن واجبات ينبغي أن يقوم بها، حتى لا تموت المواطنة في نفوس الأبناء و((كيف لا تنعدم الوطنية، وتموت الدوافع الشريفة في وطن، القوت الضروري هو شغل أهله الشاغل. إن الفاقة تقتل أشرف الدواعي في النفس))(248).

ويرسم حمزة شحاتة صورة كابية للزقاق، وللمحاكم، لا تخرج عمّا وجدناه في البيت والمدرسة والمدينة. وهذه السوداوية القاتمة لا تكاد تستثني شيئاً من هذا العالم، فالحياة على الأرض عقوبة كبرى ((إن أية عقوبة لا تبلغ شدة النفي إلى الأرض)) (249).

ولهذا تآزرت أفكاره ورؤاه الشعرية على النفور من هذا المنفى، وكيف يرضى المدان بزنزانته والعصفور بقفصه. يقول في قصيدته التي تختصر معاناته مع هذا العالم :

رحلةٌ تثمر اللغوب وخيط

من حرير يقتادُنا للشقاء

وشجون لا تنتهي وصراعٌ

يسحق الصبر دائم الغلواء

الحجى فيه حائرٌ في ظلام

والأماني موؤدة الأصداء

والخيالات في دُجاه شمو

عٌ ثرة الدّمع ذابلاتُ الضياء

والأسى فيه للجراح يغنيّ

عبرتيه محولك الأرجاء

ينشد الفجر وهو ناء غريب

ضائع مثله شهيد الدعاء

ألهذا تشقى النفوس بما تهوى

وتكبو الغايات بالعُقلاء؟

ويهيم الخيال في ظلمة الحيرة

يسري على بصيص الرّجاء

وتفيض القلوب منطويات

بجراح الأسى على البُرحاء

يا بريق السراب أسرفت في الجور

وأثخنت في قلوب الظماء(250)

الأرض بكل ما فيها من “ أماكن ” ليس بينها وبين حمزة شحاتة ألفة، فهي “ أماكن ” معادية، وقد جعل الدكتور الغذامي الأرض محوراً من محاور النموذج الدلالي لأدب حمزة شحاتة الذي يقوم على ثنائية الخطيئة والتكفير(251).

“ فالمكان ” هو الجحيم، وقبح المكان وجحيمه ليس شيئاً لازماً له، ولكنه نتيجة علاقة مختلة، أو لنقل علاقة غير جميلة أذهبت بهاء المكان، وأفسدت جمالياته، هذه العلاقة غير المتكافئة بين “ مكان جميل ” و“ إنسان غير جميل ” فرضت هذه النتيجة التي رأينا انعكاساتها على أدب حمزة وفكره وحياته، فقد كان أحد قرابين هذا التنافر البغيض. يرى الكسيس كاريل أن الانفعالات التي تنتاب الإنسان متباينة حيث السعادة والتعاسة، والفرح والحزن، ومرد ذلك الرغبة في تحقيق الأحلام والتطلعات فتتخذ الحياة مظهراً مختلفاً تبعاً لحالته النفسية الأمر الذي يشيع الحب والبغض في منطقه(252).

إن عبقرية حمزة شحاتة تكمن في “ لغة الهدم ” كما يقول، فقد عمد إلى أماكن جميلة، كالوطن، والمدينة، والبيت، والمدرسة، فجعل من الجميل “ قبيحاً ” ونحن بلاشك نختلف معه في هذه الرؤية السوداوية القاتمة، ولكن الفن إنما يكون فناً بقدرته على التأثير، حيث يقلب الفنان معادلات الأشياء، ويشكك في الإلف – في أمور يمكن أن نقبل فيها الشك بالطبع وليس في مسلمات دينية ثابتة – ليرينا الأشياء من زاوية أخرى قد نختلف معها ونمقتها، لكننا نؤكد عبقريته وتفرّده، وإذا كان الفنان يمكن أن يجعل من القبيح جميلاً كما ذهب تين وغيره من فلاسفة الجمال، فإنه يمكن أن يجعل من الجميل قبيحاً، والاتفاق والاختلاف مع الفنان في مواقفه شيء، وتقدير فنّه شيء آخر، مع إيماننا بأصالة الفن أولاً، وحقنا في الاختلاف معه بعد تقدير الإبداع فيه(253).

المكان في الفلسفة الجماليّة عند حمزة شحاتة ذو “ معطى سلبـي ” في الغالب الأعم، إلا في صورة الوطن حيث يتوازى معطيان “ إيجابي وسلبـي ” يتفوّق أحدهما على الآخر بسبب من “ العلاقة التبادلية ” بين الوطن والمواطن، فالوطن والمواطنة حقوق وواجبات، متى أحس المواطن بوجوده وانتمائه وحصل على حقوقه كاملة كانت المواطنة الحقة، وحين تختل هذه المعادلة تذبل العلاقة، وتظهر الصورة الكابية والمعطى السلبـي للمكان، فلا يجد المواطن لدلالة الوطن معنى في نفسه.

أما الأماكن الأخرى “ المدينة – البيت – المدرسة ” فكلها ذات معطيات سلبيّة. المدينة شريعة غاب، تموت فيها العلاقات الإنسانية، وتتخشب المشاعر، وتتوقف الإثارة.

و“ البيت ” مدار للقمع والتفاهات، والمدرسة عالمٌ مليء بالأكاذيب، وملاذ للنعاس الثقيل، ومعامل لتفريخ الأذهان الصدئة، والأفكار البليدة.

والذي لاشك فيه “ أن معاناة ” حمزة مع الزوجة، والأصدقاء، أضف إلى ذلك “ فرط الحساسيّة ” و“ النبوغ ” كانت مجتمعة خلف تلوين المكان بهذه الألوان الكابية، وصبغه بتلك المعطيات السلبيّة. وكل هذا بحثاً عن “ مكان أجمل ” وإنسان أكثر جمالاً، يظل يبحث عنه الفنان فلا يجده، لأن الفن بحث في المستحيل وحديث عن الممكن.

جماليات الحيوان

الكون بنية محكمة، غاية في الجمال، جمال في الطبيعة، وجمال في الإنسان، وجمال في الحيوان، وجمال في الأفكار، وجمالٌ في علاقات الأشياء، وعلاقات الأفكار.

والحيوان مفردة جميلة في هذه البنية المحكمة الجميلة، ((حيث التركيب المدهش، والألوان المثيرة، والوظائف البديعة، والغرائز المحكمة، والحركة التي تأخذ ألف إيقاع وإيقاع)) (254)، ولهذا قال تعالى :) والأنعام خلقها لكم فيـها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون ((255).

يقول محمـد قطب : ((إن توجيه نظر الإنسان إلى الجمال في الأنعام ذات “ المنافع ” المتعددة، له دلالته فيما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في التصور الإسلامي، فهو مخلوق واسع الأفق، متعدّد الجوانب، ومن جوانبه الحسيّ الذي يرى منافع الأشياء، والمعنوي الذي يدرك من هذه الأشياء ما فيها من جمال، وهو مطالب ألا تستغرق حسه المنافع، وألا يقضي حياته بجانب واحد من نفسه، ويهمل بقية الجوانب، فكما أن الحياة فيها منافع وجمال، فكذلك نفسه فيها القدرة على استيعاب المنفعة، والقدرة على التفتح للجمال..)) (256)

والحيوان عند حمزة شحاتة ((جزء من الطبيعة التي نرتاح إليها، ونحبها، ونربي كثيراً من ملكاتنا الفكرية، ومشاعرنا النفسية على حسابها، وفي الحيوانات بعد أكثر جوداً علينا من الطبيعة، وآمن مفتتناً ونحن بها أكثر امتزاجاً)) (257).

الحمار :

وحمزة شحاتة وهو يتأمل بفكره النافذ مكونات هذه البنية استوقفه “ الحمار ” فقدم لنا – في ثلاث مقالات نشرت بجريدة صوت الحجاز عام 1355 هـ ثم جمعها الأستاذ عبد الحميد مشخص بعد ذلك مع عدد من المقالات الأخرى في كتاب سمّاه “ حمار حمزة شحاتة ” – رؤية جمالية متميزة عن الحمار، وكان سابقاً بها لتوفيق الحكيم صاحب “ حمار الحكيم ” و“ حماري قال لي ” (258).

والحمار رمزٌ للحسّ البليد، والصوت المنكر، في القرآن الكريم وفي تراثنا العربي، لكن حمزة شحاتة يقدمه لنا في صورة نابضة بالأحاسيس المرهفة، والمشاعر المتدفقـة، والأفكار الخلاّقـة، وقد عمد الأديـب الرائد عبد الله عبد الجبار إلى استقراء هذه المقالات الثلاث، في دراسة لا تخلو من المتعة والرؤى الفذة التي تدل على فكر نقدي بارع.

وتلك المقالات – كما ذكر الأستاذ عبد الله عبد الجبار – يمكن تقسيمها إلى قسمين :

1 – مرافعة عامة عن الحمير ضد ابن آدم المستبد.

2 – وصف خاص لحمار المؤلف في نزهة قصيرة(259).

وحين نتناول “ الجانب الجمالي ” في تلك المرافعة نجد أن الحمار يبدو طيباً، نشيطاً، قويّ الاحتمال، لكن الإنسان أساء فهمه، وظلمه، ودنس سمعته فكان أحد ضحايا الظلم البشري(260).

الحمار له جاذبيّة خاصة لا يمكن تفسيرها بتناسب أعضائه، ولطف حجمه وفراهته، ولا بشيء خفي وراء شياته الظاهرة، وهو ذو أناقة ووجاهة يفتقدها بعض بني آدم، وله ابتسامة لا يدرك سحرها إلا من عناه من أمر الحمير ما عنى حمزة(261).

وهو جم التواضع، يتنكر لذاته، شبيه بالإنسان في كماله البشري من حيث الأخلاق والمزاج النفسي، ولا يمكن أن تجتمع فيه هذه الفضائل الثابتة، مع رذائل ألصقها به بنو آدم.

وفيه خفّة، وفي حركاتــه حـلاوة، وفي نظراته معان تفيض بالعذوبة. “ ديموقراطيٌّ ” منصرفٌ عن الخيلاء، مطيع لراكبه الذي يصادر إرادته، ويجهده ويفسد تقاليده وآدابه(262).

أما صوته فهو منكرٌ بمقاييس “ النعومة والاعتدال ” إذا جعلناها كل مقومات الصوت الحسن، أما حين نحكم في صوته “ الذوق الجديد ” الذي يُعنى بالقدرة الفنية على التنويع والتأليف، وإحكام النسب وتحريرها ويعد النعومة أنوثة لا تليق بفن إنساني يقود العواطف والأفكار كالغناء سلكناه في طليعة الموسيقيين الموهوبين(263).

وهو في غنائه ذو ذوق رفيع، فلا يغني إلاّ إذا كان المجال مهيئاً له، بخلاف الإنسان الذي يقوده خياله المريض للغناء في كل وقت(264).

وبمقتضى “ النهج الجديد ” في نقد الأصوات يصبح نهيق الحمار أو غناؤه كما يعبر حمزة شعراً يأمن فيه صاحبه من اللحن وتشويه الألفاظ، ومسخ المعاني، وتترامى “ شعرية الصوت ” إلى “ شاعرية الإدراك ” فالحمار من أكثر الحيوانات ولعاً بالطبيعة وشعوراً بمفاتنها، وهذا دليل شاعريته(265).

ونحن حين نتأمل صورة الحمار في الفكر الشعري نجدها لا ترد إلاّ في سياق الطبيعة الحافلة بمعاني الخصب والحياة، حتى إذا صوّح النبت واشتد الحرّ عليه ساق أتنه، واتجه إلى موارد المياه بحثاً عن شربة ماء يطفىء بها عطشه(266).

وإذا كانت هذه الصورة التي رسمها حمزة للحمار تبدو في غاية الجمال في الظاهر والباطن، وفي العواطف والإدراك فإن صورة “ حماره ” تبدو أكثر جمالاً، فحماره “ نمط خاص ” بين الحمير ((لو كان إنساناً لكان مكانه بين من تشتغل الدنيا بذكرهم من العظماء والفنانين ظاهراً مرموقاً)) (267).

يأنس لصاحبه، فيتلقاه بابتسامة فاتنة، وما أن يبدأ حمزة يداعب أذني حماره، كما يداعب الأب ابنه، يأخذ صدر الحمار في العلو والانخفاض، وإطلاق الشهقات الحارة تأثراً بتلك العواطف الجيّاشة(268).

وحين امتطى حمزة الحمار أحس بنـزوعه إلى الاستقلال، ومهارته في المشي ووجاهة تصرفاته، ودقة تقديراته لمسالك الطريق، حيث كانت حمير القوم تتجه يميناً، ويأبى هو إلاّ أن يخالفها فيختصر ربع الطريق بعمق خبرته مع حداثة سنه(269)

وينشأ بين حمزة وحماره “ توافق سيكلوجي ” و“ حدس ” يقرأ به كل واحد أفكار صاحبه، فإذا كان حمزة مُحباً للطبيعة، عاشقاً لمكوناتها الجمالية عشقاً خاصاً، فإن حماره يملك هذا الحس الجمالي المتفرد، ولهذا حين صاح بعض رفاق حمزة في الرحلة قائلاً وصلنا، ثم ترجل عن حماره، رفض حمار حمزة الوقوف، وأوغل بين الجبال حتى انفرجت تلك الراسيات عن صخور يتفجر منها الماء، وتجللها الأعشاب، ويعطرها الشذى الفواح، وتكسوها السكينة بأردية من السحر والجمال(270).

وظل حمزة يراقب الحمير، فرأى الحمير البدوية منصرفة عن جمال الطبيعة ؛ بسبب من الألفة الطويلة التي أطفأت جذوة الإحساس بالجمال، أما حماره فكان ((متنبهاً لدقائق واديه الفتان، وكانت تدور في رأسه خواطر وتتجلى في نظراته النشوى معان لعلها من خير الشعر وأروعه، لو كان إلى تصويرها من سبيل)) (271).

هذه الصفات الإنسانية التي يسقطها حمزة على حماره، تنـزع إلى الكمال والتفرد في الظاهر والباطن، وهي لا تكشف عن شيء بمقدار ما تؤكد عبقرية هذا المفكر، وخصوصيته في الإدراك، وقد ذهب عبد الله عبد الجبار إلى الربط بين شخصية الحمار وشخصية حمزة شحاتة في كثير من التصرفات ((والذين أتيح لهم أن يخالطوا حمزة شحاتة – من كثب – خليق بهم أن يلاحظوا تلك المشابهة بين شخصيته وشخصية حماره)) (272).

فإذا كان حمزة مولعاً بالتميّز، وكسر المألوف، ومحباً للانطواء، وشاعراً مرهف الحس، ومفكراً يشن حرباً أهلية ضد الزيـف والجمود فإننا نجد حماره ((يميل إلى التفرد والانطواء ومخالفة التيار العام تماماً مثل صاحبه حينما يتقوقع في حدود ذاته، وينطوي على نفسه وكتبه ويتأمل في الكون والحياة ويشرح المجتمع الذي يعيـش فيه، ويعري الإنسانية من أرديتها الزائفة حتى تغدو بشريّة سـافلة خيرٌ منها ألف مرّة تلك الحيوانيـة التي لا يحكمها إلا قانون الغاب)) (273).

لقد كان حمزة مولعاً بهدم قواعد الإلف وجمالياته، وبناء قواعد وجماليات جديدة تكشف عن خصوصية في التأمل، وتفرد في الإدراك، فالحمار الذي استقر في الوعي الجمالي رمزاً للقبح، والبلادة، يصبح عند حمزة “ كنزاً ” من كنوز الجمال، طمره الإنسان بجهله، وقضى عليه بحكمه الجائر، وهنا تكمن عبقرية الفيلسوف، وبلاغة الأديب، حيث تنهض الحقيقة الجمالية عنده على أنقاض حقيقة أخرى.

جماليات الحياة

الحياة – في كل ما سبق – “ قيمة جمالية ”، وهذه القيمة نتاج بنية مادية أحكمها الخالق عز وجل، وبنية أخلاقية روحيّة أنزلت من أجلها الكتب السماويّة، وأرسل الرسل، ووضعت القوانين، وشرّعت القيم.

وإذا كانت جماليات الكون ظاهرة لا تخفى، فإن جماليات “ النفوس ” و“ القيم ” ممّا لا يكاد يبين ؛ لما يحصل فيها من تلونات، ويطغى عليها من تحريفات وتطورات، قد تخرج الشيء عن أصله.

“ والحياة ” دار ابتلاء، يكون للجمال الخادع فيها – كما يعبر القرآن الكريم “ في مواضع عدّة ” أكبر الأثر في التردي والسقوط. من هنا يأتي “ جمال الجوهر ” الذي يتجلى في تحقيق الاستخلاف، وإعمار الأرض، وحراسة القيم النبيلة، وهذا “ الرصيد الجمالي ” هو الذي تعاني من مديونيته وعجزه أمم، ودول، وأفراد.

والدين، أساس هذا الرصيد، والفن والفكر أكبر مصادر دعمه وتعزيزه.

وحين نقف على الفلسفة الجمالية “ للحياة ” عند حمزة شحاتة نجدها مجالاً خصباً لكشف جانب آخر من جوانب وعيه الشمولي، وحسه الحيّ. فالحياة عنده كلمة تشع بالدلالات المتعددة وربما المتضاربة نتيجة ارتباطها بسياقات وحمولات ومواقف متباينة، كان فيها حمزة محباً تارة وكارهاً تارة أخرى، وكان في الحالين مفكراً كبيراً، وفناناً مبدعاً.

فالحياة ((هي مجموعة ما تحتويه حياة الإنسان من الصـغائر، والتفاهـات في شكل متاعـب ومسرات)) (274) وهـي ((كميادين الحروب، لا اهتمام فيها بمن يسقط، وإنما بمن يبقى قبل انتهاء المعركة..)) (275). وهي ((عبارة عن عملية احتراق، حتى في حالة السكون)) (276).

وهي بذل وعطاء وتضحية ((أن تبذل كل جهدك، وكل وقتك للعمل هذه هي الحياة))(277).

وهذا البذل ليس للمصالح الشخصية، واستبقاء الحياة الخاصة، وإنما لبناء مجتمع فاضل يـمارس حياة كريمـة ((أي عمل رائع في أن تناضل لاستبقاء حياتك؟!

العمل الرائع أن تناضل لاستبقاء حياة الآخرين ؛ عندما يفرضهم ضعفهم عليك)) (278).

هذا النضال هو الذي يجعل للحياة قيمة، فالأنانية، والأثرة لا تصنع حياة إنسانية ؛ لأن البحث عن الحقوق وإغفال الواجبات، وتقديم الذات على المجموع، هدم لمعنى الحياة الذي لا يتحقق إلا بالتناغم والتشاكل والانسجام، وحين تكون الحياة حياة لا يكون لها ثمن ((لكل شيء في العالم ثمنه إلا الحياة والفكر والحريّة)) (279).

والحياة رغبة وتطلعات، ولهذا كانت الرغبة أقوى أسباب الحياة(280). وحين تموت الرغبة في الحياة، وتتلاشى التطلعات لا يبقى للحياة معنى ((إن كل شيء يتحطم، إذا لم يبق في حياتنا ما نتطلع إليه)) (281).

والرغبات والتطلعات في الحياة كثيرة، ومختلفة باختلاف الوعي الجمالي، فالذي يروقه البهرج الخادع، واللذات الزائلة ينساق وراء السراب حتى لا يجد في النهاية إلا الخسران المبين. والذي يفتش عن الجمال الحقيقي، ويبحث عن الجوهر تعلو عنده القيم، فتتوازن مطالب الروح مع رغائب الجسد، والحقوق والواجبات ((إذا وسعك أن تضع في ميزان عملك لآخرتك مقدار ما تضع في ميزان عملك لدنياك فقد نجوت)) (282). ولهذا لا يتوقى شرك الجمال

الكاذب، ولا يحقق المعادلة إلا قلة من الناس، يتأسس وعيهم الجمالي على فطنة بحقائق الأشياء والأفكار ((ما غالبت الدنيا إنساناً إلا غلبته، إلاّ من أشاح عنها وزهد فيها، وذلك هو الانتصار)) (283).

وبسبب اخـتلاف الرغائب، وتباين المواقف تتحول الحياة إلى ساحة نزال ((تغير معنى الكفاف في البلاد المتقدمة، فلم يعد من حق الإنسان أن يعيش، بل أن يحيا، ويدخـر، ويقتني، ويستمتع بكل منتجـات الحضارة على نحو مُرض. فطبيعي إذن أن يتسع نطاق الصراع بين الأفراد والجماعات، وأن تتغير معاني المباديء والمثل العليا، والقيم الأخلاقية، فهذا منطق المعركة، والحاجة البشرية))(284).

والبطل والضحية هو الإنسان، ((من بداية الحياة حتى نهايتها، كانت هناك حرب واحدة، متصلة هي الإنسان، وكل المعارك والأحداث في تاريخها آثار صور مصغرة لـها، وباختصـار، الحرب المدمـرة والباقيـة هـي الإنسان)) (285).

إن للحياة منطقها الخاص الذي يعيه العقلاء وأولو الألباب، وللعقلاء منطقهم الخاص الذي تعيه الحياة، فالزينة الزائفة لا تستوقف ذا اللّب، وإن كان هذا هو الخيط الذي يمسك به العشاق. ولهذا فالعقلاء لا يحبون الحياة حين تكون زيفاً، والحياة كذلك لا تحب العقلاء ((الحياة كالمرأة كلتاهما تحب الذكي، وتكره العاقل)) (286).

الحياة في منطق العقلاء شبكة من الصغائر والتفاهات ((ما أكثر صغائر الحياة، وما أكثر التفاهات فيها ؛ لأنها نسيج الحياة)) (287).

ولكن “ جمال الحياة ” مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود هذه التفاهات والصغائر؛ لأنها أوهام تبعث السعادة في النفوس، حين تظل متعلقة بها، وباحثة عنها، وحاثة الخطى إليها، وإن اكتشفت في نهاية الأمر أنها صغائر وتفاهات ((كم هو شريف أن تخلو الحياة من الأوهام، والنفاق، والكذب، ولكن لم تصبح قبيحة، مريرة، إذا غدت هكذا؟!

إننا نقضي على سعادتنا عندما نطرد آخر الأوهام من نفوسنا)) (288).

هذه هي الحياة بكل تناقضاتها، علينا أن نفقه حقيقتها، فالحديث عن “ المثاليات ” في الحياة، والبحث عن “ اليوتوبيا ”، وحياة بلا منغصات أو صغائر أمر مستحيل، فعلينا أن نؤمن بهذه الحقيقة، وأن نتوازن داخلياً للسير في طريق مليء بالأشواك ؛ لأن صدمة هذه الحقيقة أخف من صدمة الإيمان بوجود حياة مثالية لا وجود لها ((الحياة في إجمالها ليست اختياراً، ولكنها شيء فرض علينا فلابد من استقبال متطلباته على أي نحو، وإذن فعلينا أن نحتفظ بكل قوانا وحواسنا وأعصابنا في حالة توازن واستعداد للسير مع السائرين.

في مسألة الحياة قبولها وتقبلها لا يستطيع الإنسان أن يهرب ليعيش وحده، إنه حيث يعيش منفرداً، سيقابل الحياة وتناقضاتها وصراعها ومرارتها، وسيجد من البداية وفي النهاية أن وجوده بين الناس ومعهم أكثر من ضروري، وأن أي تعقيد في الحياة وسوء انعكاساته على النفس والمشاعر أهون من تعقيد حياة يختارها ويحسبها خالية من المؤثرات والضنك)) (289).

الحياة مليئـة بالمحاسـن والمساويء، وفيها الجمال وفيها القبح، هذه حقيقتها. والعقلاء من يدركون هذه الحقيقة، ويدعون إلى اكتشافها وهذه هي غاية المفكرين والأدباء التي ((يجب أن تكون دعوة إلى اكتشاف مسرات الحياة ومحاسنها ؛ لأن النظـرة السلبـيـة إلى الحياة دليل الفتور وضيق مدى الخيال)) (290).

إن المتشائمين من واقع الحياة ليسوا ثائرين على الحياة، ولا كارهين لمباهجها ((إنما هي ثورة الراغب المستزيد، لا ثورة الكاره المجتوي)) (291).

وفي هذا المعنى يقول :

آمالنا ملء النفوس فهل ترى

صفرت من الآمال نفسُ الزاهد؟

وأرى الزهادة في مظاهرها تقي

من تحته لهب الطّماح الخامد(292)

والحياة قوامـها التجدّد، فليس للحياة “ جمال ” إذا كانت إيقاعاً رتيباً، لا جديد فيه، ((فالحياة-كما قلنا-حياة بالتغيير الدائم، والتجدد المستمر، والتطور هو معنى الجمال وسره فيها، والسعادة في رأينا هي المسرّة المتجددة)) (293).

فمعنى الحياة في ذاتها هو ((الزمن والحركة والتغيّر والتحوّل، وإلا كانت متحفاً جامداً لا فرق بين الصور القاتمة فيه، والصخور النائمة فيه)) (294).

والزمن الذي هو معنى الحياة لا يكمن في الدقائق والساعات والأيام والشهور والدهور وإنما يكمن في الشعور بها ((والزمن ليس إلا إحساسنا بالحركة والتحوّل ولو وقف كل شيء في أعيننا لا يريم مكانه لما كان الجمال، ولا كان الشعور بالسعادة)) (295).

والشعور الفياض بحركة الحياة وتحولها، هو الذي يدفع الإنسان للحركة الدائمة لفهم هذه التحوّلات، والاستعداد لها، ولهذا يختلف الأفراد، والأمم في قوة هذا الشعور، فالذي تكون الطاقة الشعورية لديه طاقة مشبوبة يكون مهيأ لإدراك طبيعة الحـياة، وما عدا هذا تدوسه عجلة الحياة، ويتخطاه الركب. والكثير من الناس يظل معلقاً بالقديم ؛ لأن للجديد مشقاته، وأيسر الحلول معاداة الجديد، ولكن يظل الثمن باهضاً لهذا العداء الأحمق ((إن الشعوب التي تتوقف عن السير مع تيار الحياة والتغيير، تضطر بعد إلى أن تعدو لاهثة، وبجنون، لكي تعوّض ما فاتها من الوقت، وفي هذا العدو الاضطراري مزالق الخطأ، وكبواته)) (296).

صنمية القديم، وعبودية الإرث. صنيع العقول الميتة، والأفكار المجدبة، أما العقول الحيّة، والأفكار المخصبة فهي التي تنفر من التقليد، وتكره الاجترار، وتأبى العبوديّة.

والجديد ينتزع المعتقدات، ويهزّ النفوس، ولهذا لا يتقبله كثير من الناس، لأنه يشكك في معارفهم، وهذا ما نجده مع دعوات الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه عليه، ومع كل دعوة جديدة ((ومازالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشاعرها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة.

وشأن الجديد في هذه السبيل، أن يكون رمز الإقلاق والبعثرة، وما يهون على النفوس والأفكار، أن تنزل عن قوانينها الأدبية، وتقاليدها وعقائدها، إلا مكرهة..)) (297).

الحياة حركة دائبة، وتطلع متوثب، ولا سبيل لفهم الحياة، والاستمتاع بـها، وتحقيق الوجود الإنساني فيها، إلا بالسعي في أكنافها، والتأمل في حركتها، والتوازن مع إيقاعها الذي لا يهدأ، توازناً دقيقاً لا تكون الحركة فيه تهوراً وإيقاعاً ناشزاً، ولا يكون الوقوف نوماً عميقاً، وموتاً أبدياً.

بهذا المقياس الدقيق تكون الحياة حياة حقيقية، ويكون الإنسان “ عملاً صالحاً ”، وعاشقاً للجمال في جوهره، والله جميل يحب الجمال.

وحمزة شحاتة كان يحدثنا عن الحياة في حقيقتها، لا عن حياته الخاصة، وعن شقاية العقل الحيّ، وجهاده لاستيعاب هذه الحقيقة، والتوازن معها، حتى أصبح رأس المفكّر هو مشكلته ((ذلك العبء الثقيل، هو رأسي الذي أنوء بحمله منذ تفطنت للحياة، وغُرست بتجاربها القاسية، ولو أن لي في موضعه من عاتقي رأس حيوان أعجم لما أخطأت العزاء في محنة فمن لي بذاك)) (298).

يقول عن إشكالية العقل النابض :

أرى عقلاء القوم فاضت صدورهم

أسىً، وأرى الجُهّال قد مُلئوا بشرا

قدحت زناد العزم في راجح النُّهى

وناشدته عهد الجهاد، فما أورى

فأيقنت أن العقل أبطأ مركب

إلى غاية تستعجل الواثب البكرا

وما العقل إلا يومة طال جُهدها

فما نورت ليلاً، ولا أظلمت فجرا(299)

إنها شكاية ابن مقبل، الذي أدرك هذه الحقيقة واصطلى بنارها فقال :

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

تنبو الحوادث عنه وهو ملموم(300)

يقول حمزة شحاتة :

وهي دنيا الشذوذ يرتفع الجاهل فيها ويستذل الحصيف(301)

ومع هذا فالمفكر العظيم لا يجد المتعة، ولا يكتشف الجمال إلاّ في هذا النصب القاتل ((ليس أحبّ إلي من النصب في سبيل تعديل الموازين ومعاناة الحقائق واحتمال مشقة الهدم والبناء في نفسي وفكري، فإن كانت الحياة حياة باستمرار حركتها، وتجدد دواعيها، وتعدد صورها، فالنفس ما تكون النفس العميقة إلا بما يجيش بها من أسباب التغيير والتحول والتقدم

والتقهقر))(302).

وجميع مجالات الفلسفة الجماليّة التي عرض لها حمزة شحاتة، تنوّع الحديث عنها بتنوع الجنس الأدبي الذي جسدّها شعراً ونثراً، فالفلسفة الجماليّة خلاصة أدب متنوع، فيه القصيدة، والمحاضرة، والمقالة، والرسالة، ولكل جنس أدبيّ خصائصه الفنية التي يستقل بها عما سواه، ممّا يجعل الحديث عن تلك الخصائص فوق طاقة هذه الدراسة، لثراء أدب حمزة شحاتة، ودقة صنعته، وتنوّع أسلوبه، وخصوبة معجمه اللغوي، وصوره الفنية، ولهذا نقول على وجه الإجمال إنّ أبرز خصائص الفن عنده تتمثّل فيما يأتي :

1 – صفاء اللغة، فلغته واضحة الدلالة، سهلة البناء، وجمله تميل إلى القصر وكثرة المعطوفات، الأمر الذي يبعدها عن الإبهام والتعقيد، وعباراته منتقاةٌ بعناية، حيث تتجلى فيها دقة العالم، وحس الفنان، يعضد ذلك ثقافة وحسّ رفيع يمكنه من تطويع لغته لحمل تجاربه وأفكاره. ووضوح اللغة هنا هو وضوح الفن الذي يشف ولا يكشف، ولذلك فلغته على سهولتها، عميقة الغور، ثرية المضمون، واسعة الدلالة.

2 – بروز عنصر المفارقة حيث تتجلى الأضداد بصورة جليّة ؛ لأن حمزة شحاتة مولع بالبحث عن حقائق الأشياء، وهدم كثير من الأعراف والأفكار، ليقيم على أنقاضها قيماً جديدة، فكانت اللغة مساوقة لهذا النظر العميق.

3 – التكرار فهناك قضايا ذات حضور خاص عند حمزة شحاتة، كالشعور بعدم الانتماء للمجتمع، وخيانة المرأة، وضمور الوعي الإنساني. وهذا التكرار أدى به إلى تكرار مفردات بعينها، وأساليب ذات جرس موسيقي بارز كالمطابقـة، ورد العجـز على الصدر، والسخرية ويتجلّى هذا في “ رفات عقل ”.

4 – شيوع أسلوب الاستفهام في شعره ورسائله، وحكمه، ومقالاته، ولعلّ ذلك يعود إلى شكّه في كثير من المسلّمات والأعراف الاجتماعيّة، وخبرته بأحوال الناس، مما يتيح له تصورات كثيرة، ومعاني متعددة، يصبح الاستفهام معها هو الجواب الوحيد.

هكذا تجلّت “ الفلسفة الجماليّة ” عند حمزة شحاتة، فلسفة شاملة تقف على أدق خصائص الفن الجميل، وتتأسس على رؤية شاملة لقضايا الإنسان والعالم، وجوهر هذه الفلسفة الانغماس تحت قشور الأشياء والأفكار إلى الأعماق، لاستجلاء المكنون، والمضنون به على كثير من الخلق، الذين لا يجتهدون في الكشف عن غوامض المعرفة، ولا يتلذذون بالانغماس فيها، ولا يتحرقون لاستجلاء أسرارها الخبيئة.

لقد كان حمزة شحاتة، رجلاً نبيلاً، وإنساناً شريفاً، قبل أن يكون فيلسوفاً، ومبدعاً، فإنسانية الإنسان كانت المحرك الأول لنشاطه الفكري والإبداعي، وكثيراً ما نجد المثقف يتلون بحسب المواقف والغايات، يلبس في كل يوم قناعاً جديداً، لكن حمزة شحاتة ظلّ مصابراً وباحثاً عن واقع أفضل، وغد أجمل، تمتليء فيه الأرض بشراً، وتنشرح النفوس بسرور لا ينقطع. ويستعيد الإنسان جوهره المفقود، وقدّم كل ما يملك من أجل إيمانه العميق بهذا المبدأ العظيم.

رُبما يكون قد خسر أشياء كثيرة، خسر الراحة، والاستقرار الأسري، والأصدقاء غير الصادقين، ولكنه كسب الأهمّ من هذا كُلّه، كسب راحة الضمير، وأمانة الكلمة، ولحظة التاريخ، وإكبار الأجيال الجديدة التي وجدت في عطائه الشعري والفلسفي نموذجاً للمثقف الأمين على شرف الكلمة، ومباديء الإنسانية.

إنّ صـــبري بما يؤود ضليعٌ

وفــؤادي بما أريـــغ كفيل

وورائي من الـــهوى والمودّا

ت شكولٌ مـضت، ودوني شكول

إنما نعشــق الجمــال لمعنا

ه، وحسن السمات ضيفٌ عجولُ(303)

الهوامش والتعليقات

—————————————–

(1) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف، عزيز ضياء، الرياض : المكتبة الصغيرة، الطبعة الأولى، 1397 هـ / 1977 م، ص 5.

(2) مباديء في نظرية الشعر والجمال، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، حائل : النادي الأدبي بمنطقة حائل، ط1، 1418 هـ، ص 53.

(3) علم الجمال، دني هويسمان، ترجمة : ظافر الحسن، بيروت : منشورات عويدات، ط4، 1983 م، ص 196.

(4) لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، القاهرة : دار المعارف “ مادة جمل ”.

(5) مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، الدكتور ميشال عاصي، بيروت : دار العلم للملايين، ط1، 1974 م، ص 17.

(6) حمار حمزة شحاتة، حمزة شحاتة، الرياض : دار المريخ، ط1، 1397 هـ / 1977 م، ص 86.

(7) المرجع نفسه ص 67، 68.

(8) الرجولة عماد الخلق الفاضل، حمزة شحاتة، جدة : تهامة، ط1، 1401 هـ / 1981 م ص 25.

(9) جريدة صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ الموافق 11 مارس 1940 م، ص 3.

(10) المرجع نفسه ص 3.

(11) نفسه ص 3.

(12) نفسه ص 3.

(13) نفسه ص 3.

(14) نفسه ص 3.

(15) حمار حمزة شحاتة ص 76.

(16) المرجع نفسه ص 76.

(17) نفسه ص 68.

(18) نفسه ص 69.

(19) نفسه ص 70.

(20) نفسه ص 70.

(21) نفسه ص 71.

(22) نفسه ص 72.

(23) نفسه ص 73.

(24) نفسه ص 73.

(25) نفسه ص 74.

(26) السابق ص 78.

(27) نفسه ص 78.

(28) ديوان حمزة شحاتة، جدة، دار الأصفهاني، ط1، 1408 هـ / 1988 م، ص 159

(29) جريدة صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ، الموافق 11 مارس 1940 م، ص 3.

(30) المرجع السابق ص 3، وانظر ديوان حمزة شحاتة ص 26.

(31) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

(32) حمار حمزة شحاتة ص 84.

(33) المرجع نفسه ص 84، 85.

(34) جريدة صوت الحجاز الأحد 24 محرم 1359 هـ، الموافق 4 مارس 1940 م، ص 4

(35) حمار حمزة شحاتة ص 69.

(36) المرجع نفسه ص 91.

(37) نفسه ص 61.

(38) نفسه ص 61.

(39) نفسه ص 66.

(40) نفسه ص 89.

(41) علم الجمال هويسمان ص 199.

(42) المرجع السابق ص

(43) المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، بيروت : دار الكتاب اللبناني، ط1، 1971 م 1 / 247.

(44) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

(45) المرجع نفسه ص 22.

(46) نفسه ص 24.

(47) نفسه ص 37.

(48) نفسه ص 23.

(49) نفسه ص 64.

(50) رفات عقل ص 96.

(51) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 22.

(52) القيم الجماليّة، الدكتـورة راويــة عباس عمارة، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1987 م، ص 193.

(53) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 21، ص 22.

(54) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 85.

(55) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر، الدكتور عبد الله الغذامي، جدة : النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط1، 1405 هـ / 1985 م، ص 202، ص 203.

(56) المرجع نفسه ص 194 وما بعدها.

(57) رفات عقل ص 24.

(58) نفسه ص 24.

(59) نفسه ص 24.

(60) نفسه ص 24.

(61) نفسه ص 24.

(62) نفسه ص 24.

(63) نفسه ص 24.

(64) نفسه ص 25.

(65) رفات عقل ص 22.

(66) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 102.

(67) المرجع نفسه ص 19.

(68) نفسه ص 16.

(69) نفسه ص 23.

(70) نفسه ص 76.

(71) نفسه ص 77.

(72) نفسه ص 76.

(73) نفسه ص 77.

(74) نفسه ص 77.

(75) رفات عقل ص 77.

(76) حمار حمزة شحاتة ص 81.

(77) المرجع نفسه ص 77.

(78) نفسه ص 79.

(79) رفات عقل ص 25، ص 26.

(80) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 30.

(81) رفات عقل ص 29.

(82) المرجع نفسه ص 30 وفيه بالغموض المتوخى، ولعلّها الموحي.

(83) نفسه ص 29.

(84) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، الدكتور إحسان عباس، بيروت : دار الثقافة، ط4، 1404 هـ / 1984 م، ص 257 في حديثه عن الحاتمي صاحب المقولة الشهيرة في تشبيه النص بالجسد.

(85) رفات عقل ص 29.

(86) المرجع نفسه ص 30.

(87) نفسه ص 26.

(88) مقدمة شعراء الحجاز في العصر الحديث ص 14، ورفات عقل ص 26.

(89) الخطيئة والتكفير ص 290 وما بعدها.

(90) رفات عقل ص 45.

(91) المرجع نفسه ص 45.

(92) نفسه ص 17.

(93) نفسه ص 16.

(94) الكلّيات معجم في المصطلحات والفروق اللُّغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق : عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق، ط2، 1982 م، 2، 256.

(95) المصدر نفسه 2 / 256.

(96) نفسه 2 / 256.

(97) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي 4 / 297 نقلاً عن العقل في التراث الجمالي عند العرب د. علي شلق، بيروت دار المدى، ط1، 1985 م، ص 190.

(98) الهوامل والشوامل لأبي حيان التوحيدي ومسكويه، نشره أحمد أمين والسيد صقر القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1370 هـ / 1951 م، ص 142.

(99) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، صححه وضبطه وشرح غريبه : أحمد أمين وأحمد الزين، نسخة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والنشر بالقاهرة، بيروت : دار مكتبة الحياة بدون تاريخ 1 / 148، 149.

(100) علم الجمال لدني هويسمان ص 197.

(101) المرجع نفسه ص 197.

(102) نفسه ص 196.

(103) رفات عقل ص 75.

(104) المرجع نفسه ص 12.

(105) المرجع نفسه ص 12.

(106) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 12.

(107) حمار حمزة شحاتة ص 23.

(108) الديوان ص 50، ص 51.

(109) المرجع نفسه ص 78.

(110) نفسه ص 18.

(111) رفات عقل ص 44.

(112) المرجع نفسه ص 81.

(113) حمار حمزة شحاتة ص 50.

(114) المرجع نفسه ص 51.

(115) نفسه ص 51.

(116) رفات عقل ص 15.

(117) المرجع نفسه ص 15.

(118) حمار حمزة شحاتة ص 60، ص 61.

(119) رفات عقل ص 13.

(120) المرجع السابق ص 14.

(121) بنية التخلف، إبراهيم البليهي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، ط1، 1415 هـ / 1995 م ص 191.

(122) الديوان ص 175.

(123) في النقد الذاتي ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، خالص جلبـي، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط3، 1405 هـ / 1985 م، ص 365.

(124) رفات عقل ص 65.

(125) المرجع نفسه ص 64.

(126) نفسه ص 89.

(127) نفسه ص 89.

(128) نفسه ص 65.

(129) حمار حمزة شحاتة ص 39.

(130) المرجع نفسه ص 40.

(131) نفسه ص 39.

(132) نفسه ص 42.

(133) نفسه ص 54.

(134) نفسه ص 54.

(135) نفسه ص 55.

(136) نفسه ص 55.

(137) نفسه ص 54، ص 55.

(138) نفسه ص 56.

(139) إلى ابنتي شيرين، حمزة شحاتة، جدة، تهامة، ط1، 1400 هـ / 1980 م.

(140) الديوان ص 56.

(141) في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت، دار الشروق، ط7، 1398 هـ / 1978 م 1 / 574.

(142) رفات عقل ص 37.

(143) المرجع نفسه ص 81.

(144) نفسه ص 95.

(145) نفسه ص 81.

(146) نفسه ص 51.

(147) إلى ابنتي شيرين، المقدمة ص 16.

(148) رفات عقل ص 83.

(149) المرجع نفسه ص 51.

(150) نفسه ص 78.

(151) نفسه ص 79.

(152) نفسه ص 79.

(153) نفسه ص 78.

(154) نفسه ص 23.

(155) حمار حمزة شحاتة ص 53.

(156) رفات عقل ص 94.

(157) المرجع نفسه ص 97.

(158) نفسه ص 98.

(159) نفسه ص 99.

(160) نفسه ص 58.

(161) نفسه ص 73.

(162) نفسه ص 73.

(163) نفسه ص 63.

(164) نفسه ص 63.

(165) نفسه ص 55.

(166) صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية 1400 هـ / 1980 م، كتاب الرضاع باب الوصية بالنساء 2 / 1091.

(167) رفات عقل ص 38.

(168) المرجع نفسه ص 55.

[169) نفسه ص 55.

(170) نفسه ص 42.

(171) نفسه ص 57.

(172) نفسه ص 61.

(173) المرجع السابق ص 62.

(174) نفسه ص 68.

(175) نفسه ص 59.

(176) نفسه ص 82، ص 83.

(177) ميلاد مجتمـع، مالك بن نبي – الجـزء الأول شبكة العلاقــات الاجتماعية، ترجمة عبد الصبور شاهين، طرابلس، دار الإنشاء، طربلس، دار الإنشاء، ط2، 1974 م ص 15.

(178) رفات عقل ص 15.

(179) المرجع نفسه ص 20.

(180) مخطط الانحدار وإعادة البناء، الدكتور خالص جلبـي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، 1417 هـ ص 99، ص 121.

(181) بنية التخلف ص 86.

(182) الأمة المسلمة مفهومها، مقوماتها، إخراجها، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت : العصر الحديث 1412 هـ / 1992 م، ص 20.

(183) رفات عقل ص 47.

(184) المرجع نفسه ص 47.

(185) نفسه ص 49.

(186) نفسه ص 48.

(187) نفسه ص 46.

(188) شروط النهضة، مالك بن نبـي، ترجمة عمر مسقاوي وعبد الصبور شاهين، بيروت : دار الفكر، ص 19.

(189) رفات عقل ص 70.

(190) الر جولة عماد الخلق الفاضل ص 106.

(191) المرجع نفسه ص 120.

(192) نفسه ص 24.

(193) نفسه ص 24.

(194) نفسه ص 33.

(195) نفسه ص 31.

(196) نفسه ص 31

(197) نفسه ص 51 – 56.

(198) نفسه ص 64.

(199) نفسه ص 66، ص 67.

(200) نفسه ص 68.

(201) نفسه ص 64.

(202) المرجع السابق ص 68.

(203) نفسه ص 70.

(204) نفسه ص 70.

(205) نفسه ص 71.

(206) نفسه ص 71.

(207) صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب الحث على إكرام الجار والضيف 1 / 70.

(208) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 78.

(209) المرجع نفسه ص 79.

(210) نفسه ص 81.

(211) نفسه ص 81.

(212) نفسه ص 85.

(213) حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف ص 47.

(214) المرجع نفسه ص 47، ص 48.

(215) انظر بتوسع النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربيّة الدكتور عبد الله الغذّامي، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط1، 2000 م.

(216) جماليات المكان، غاستون باشيلار، ترجمة : غالب هلسا، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط3، 1407 هـ / 1987 م، ص 31.

(217) المرجع نفسه ص 36.

(218) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 87.

(219) المرجع نفسه ص 90.

(220) نفسه ص 90.

(221) رفات عقل ص 39.

(222) المرجع نفسه ص 64.

(223) جماليات المكان ص 38.

(224) إلى ابنتي شيرين ص 136.

(225) جماليات المكان ص 83.

(226) رفات عقل ص 95.

(227) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 89، ص 90.

(228) المرجع نفسه ص 92.

(229) نفسه ص 110 – 111.

(230) نفسه ص 111.

(231) نفسه ص 111.

(232) حمار حمزة شحاتة ص 41.

(233) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 92.

(234) المرجع نفسه ص 111.

(235) نفسه ص 91.

(236) انظر على سبيل المثال المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور : مختار علي أبو غالي، الكويت : عالم المعرفة 1415 هـ / 1995 م، ص 14 وما بعدها.

(237) رفات عقل ص 45.

(238) الخطيئة والتكفير ص 210.

(239) المرجع نفسه ص 208 – 211.

(240) رفات عقل ص 88.

(241) حمار حمزة شحاتة ص 53.

(242) الديوان ص 32.

(243) المرجع نفسه ص 67.

(244) نفسه ص 198.

(245) انظر أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ 6 / 136.

(246) رفات عقل ص 70.

(247) المرجع السابق ص 40.

(248) نفسه ص 47.

(249) إلى ابنتي شيرين ص 111.

(250) الديوان ص 187 من قصيدة طويلة عنوانها “ أبيس ”.

(251) الخطيئة والتكفير ص 148.

(252) الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، تعريب شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1419 هـ / 1998 م ص 150.

(253) مبادي في نظرية الشعر والجمال ص 11.

(254) المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، بيروت : مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1408 هـ / 1988 م، ص 13.

(255) النحل آية 5 – 6.

(256) منهج الفن الإسلاميّ، محمد قطب، بيروت : دار الشروق، ط5، 1401 هـ / 1981 م، ص 29.

(257) حمار حمزة شحاتة، ص 32.

(258) المرجع نفسه المقدّمة ص 5.

(259) نفسه المقدمة ص 6.

(260) نفسه ص 29.

(261) نفسه ص 28.

(262) نفسه ص 29.

(263) نفسه ص 30.

(264) نفسه ص 30.

(265) نفسه ص 31.

(266) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري – دراسة في أصولها وتطورها، الدكتور : علي البطل، بيروت : دار الأندلس، ط1، 1980 م، ص 138 وما بعدها.

(267) حمار حمزة شحاتة ص 31.

(268) المرجع نفسه ص 32.

(269) نفسه ص 33.

(270) نفسه ص 36.

(271) نفسه ص 36.

(272) نفسه المقدمة ص 13.

(273) نفسه المقدمة ص 97.

(274) رفات عقل ص 97.

(275) المرجع نفسه ص 64.

(276) نفسه ص 74.

(277) نفسه ص 46.

(278) نفسه ص 50.

(279) نفسه ص 49.

(280) نفسه ص 49.

(281) نفسه ص 74.

(282) نفسه ص 52.

(283) نفسه ص 52.

(284) نفسه ص 67.

(285) نفسه ص 54.

(286) نفسه ص 43.

(287) نفسه ص 90.

(288) نفسه ص 86.

(289) إلى ابنتي شيرين ص 190، ص 191.

(290) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 112.

(291) حمار حمزة شحاتة ص 76.

(292) الديوان ص 159.

(293) المرجع السابق ص 66.

(294) نفسه ص 87.

(295) نفسه ص 67.

(296) رفات عقل ص 41.

(297) الرجولة عماد الخلق الفاضل ص 23.

(298) حمار حمزة شحاتة ص 52.

(299) الديوان ص 162.

(300) ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه : عزة حسن، دمشق، مديرية إحياء التراث القديم، 1381 هـ / 1962 م، ص 273.

(301) الديوان ص 40.

(302) حمار حمزة شحاتة ص 60.

(303) الديوان ص 63.

المصادر والمراجع

1 – أعلام النساء في عالمي العربي والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، بدون تاريخ.

2 – إلى ابنتي شيرين، حمزة شحاتة، جدة، تهامة، ط 1، 1400 هـ / 1980 م.

3 – الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، صححه وضبطه، وشرح غريبه : أحمد أمين وأحمد الزين، نسخة مصورة عن طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، بيروت : دار مكتبة الحياة، بدوت تاريخ.

4 – الأمة المسلمة، مفهومها، مقوماتها، إخراجها، ماجد عرسان الكيلاني، بيروت، العصر الحديث، 1412 هـ / 1992 م.

5 – الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، تعريب : شفيق أسعد فريد، بيروت، مكتبة المعارف، 1419 هـ / 1998 م.

6 – بنية التخلّف، إبراهيم البليــهي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، ط 1، 1415 هـ / 1995 م.

7 – تاريخ النقد الأدبي عند العرب – نقد الشعر من الجاهلية حتى نهاية القرن الثامن الهجري – الدكتور إحسان عباس، بيروت : دار الثقافة، ط 4، 1404 هـ / 1984 م.

8 – جماليات المكان، غاستون باشيلار، ترجمة : غالب هلسا، بيروت : المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 3، 1407 هـ / 1987 م.

9 – حمار حمزة شحاتة، قام بجمعه عبد الحميد مشخص، الرياض، دار المريخ، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.

10 – حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف، عزيز ضياء، الرياض، المكتبة الصغيرة، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.

11 – الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية نموذج إنساني معاصر، الدكتور: عبد الله الغذامي، جدة : النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط 1، 1405 هـ / 1985م.

12 – ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه : عزة حسن، دمشق، مديرية إحياء التراث القديم، 1381 هـ / 1962 م.

13 – ديوان حمزة شحاتة، جدة : دار الأصفهاني، ط 1، 1408 هـ / 1988 م.

14 – الرجولة عماد الخلـق الفاضل، حمزة شحاتة، جدة : تهامة، ط 1، 1401 هـ / 1988 م.

15 – رفات عقل، حمزة شحاتة، قام بجمعه وتنسيقه : عبد الحميد مشخص، جدة : تهامة، الطبعة الأولى، 1400 هـ / 1980 م.

16 – شروط النهضة، مالك بن نبـي، ترجمة : عمر مسقاوي، وعبد الصبور شاهين، بيروت دار الفكر.

17 – شعراء الحجاز في العصر الحديث، عبد السلام الساسي، راجعه وصححه : علي العبادي الطائف، مطبوعات النادي الأدبي بالطائف، ط 2، 1402 هـ.

18 – صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم النيسابوري، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، 1400هـ / 1980 م.

19 – صوت الحجاز 2 صفر 1359 هـ، الموافق 11 مارس 1940 م.

20 – الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، دراسة في أصولها وتطورها، علي البطل، بيروت : دار الأندلس، ط 1، 1980 م.

21 – العقــل في التراث الجمالي عند العرب، علي شلق، بيروت : دار المدى، ط 1، 1985 م.

22 – علم الجمال، دني هويسمان، ترجمة : ظافر الحسن، بيروت : منشورات عويدات، ط 4 1983 م.

23 – في ظلال القرآن، سيد قطب، بيروت : دار الشروق، ط 7، 1398 هـ / 1978 م

24 – في النقد الذاتي، ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، خالص جلبـي، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط 3، 1405 هـ / 1985 م.

25 – القيم الجمالية، الدكتورة راوية عباس عمارة، الاسكندرية : دار المعرفة الجامعية، 1987 م.

26 – الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق : عدنان درويش ومحمد المصري، دمشق، ط 2، 1982 م.

27 – لسان العرب، ابن منظور الإفريقي، القاهرة : دار المعارف، بدون تاريخ.

28 – مباديء في نظرية الشعر والجمال، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، حائل : النادي الأدبي بمنطقة حائل، ط 1، 1418 هـ

29 – مخطط الانحدار وإعادة البناء، الدكتور خالص جلبـي، الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، كتاب الرياض، 1417 هـ.

30 – المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، نجيب الكيلاني، بيروت : مؤسسة الرسالة، ط 2، 1408 هـ / 1988 م.

31 – المدينة في الشعر العربي الحديث، الدكتور : مختار أبو غالي، الكويت : عالم المعرفة، 1415 هـ / 1995 م.

32 – المعجم الفلسفي، الدكتور جميل صليبا، بيروت : دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1971 م

33 – مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، الدكتور : ميشال عاصي، بيروت : دار العلم للملايين، ط 1، 1974 م.

34 – منهج الفن الإسلامي، محمد قطب، بيروت : دار الشروق، ط 5، 1401 هـ / 1981 م.

35 – ميلاد مجتمع – الجزء الأول شبكة العلاقات الاجتماعية – مالك بن نبـي، ترجمة : عبد الصبور شاهين، طرابلس، دار الإنشاء، ط 2، 1974 م.

36 – النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربيّة، الدكتور عبد الله الغذامي، بيروت : المركز الثقافي العربي، ط 1، 2000 م.

37 – الهوامل والشوامل، أبو حيان التوحيدي، ومسكويه، نشره : أحمد أمين، والسيد صقر، القاهرة : مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،1370 هـ / 1951م

uqu.edu.sa/majalat/shariaramag/mag24/f19.htm

363 Views

عن

إلى الأعلى