الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » إبراهيم ناجي .. وقصيدة وطنية مجهولة

إبراهيم ناجي .. وقصيدة وطنية مجهولة


العدد 62 جمادى الأولى(رمضان)-1425 هجري- تشرين الأول (أوكتوبر )-2004م

[رجوع]

إبراهيم ناجي.. وقصيدة وطنية مجهولة

مصطفى يعقوب عبد النبي

القاهرة – جمهورية مصر العربية


على الرغم من أنّ جماعة “أبوللّو” التي أسّسها الشاعر أحمد زكي أبو شادي سنة ,1932 والتي تعدّ من أبرز الظواهر الأدبية في تاريخ الأدب العربي المعاصر, قد ضمّت عشرات الأسماء من الشعراء العرب, إلاّ أن إبراهيم ناجي يقف في مقدّمة تلك الأسماء. فقد كان ناجي واحداً من ألمع شعراء جيله; إذ تميّز شعرُه بنسيج خاص من رقة العاطفة وشفافية الخيال فضلاً عن عذوبة الألفاظ التي يحسّ بها كلّ من قرأ شعره.

يقول الناقد الشهير مصطفى عبد اللطيف السحرتي: كان ناجي ظاهرةً شعريّةً فريدةً, بهرت بيئتنا الأدبية في مطلع الثّلث الثاني من هذا القرن, شاعريّةً مجدّدةً نفرت من القوالب القديمة; شاعريّة غنائيّة وجدانيّة مبدعة.
وعندما يُسطّر النقد الأدبيّ الصادق, فسوف يسجّل بمداد من ذهب أثر ناجي الأدبي البارز في فنّ الشعرالعربيّ المعاصر. سوف يسجّل له إبداعه التعبيري وصدقه الوجدانيّ, وهما جناحا الشّاعر النابغة على مرّ العصور. وإبداعه الشعريّ يمثُّلُ في لفظه النصّ المختار, وإيقاعه المتوائم مع الإنفعال وخياله الرفّاف الوثّاب ووحدته العضويّة.
فألفاظُ ناجي ليست بهرجاً ولا زينةً, ولكنّها لبناتٌ لتجربته الشعريّة, لها جرسُها, ولها صُورها, ولها معانيها… الخ (1)
ومن الثابت أنّ ما جاء على لسان السحرتي, لم يجاوز الحقيقة, أو أنه من قبيل المغالاة في تقدير شاعريّة ناجي, والدّليل على ذلك ما جاء على لسان ناقديّن شهيريّن آخرين; الأوّل: هو الدكتور محمد مندور في معرض تعليقه على قصيدة ناجي الشهيرة “العودة” حيث يقول: “هذه القصيدة التي أحسبها من روائع النّغم في الشّعر العربيّ الحديث, تقطع بإنّ الدعوة إلى التجديد قد نضجت واستقام فهمُها, وذلك لأنّ القصيدة تندرج تحت فن عربيّ قديم رائع, وهو فن بكاء الديار. ومع ذلك أيّ جدة في هذه القصيدة, وأيّ أصالة, وأيّ جمال في هذا التصوير البيانيّ الرائع الذي جسّم المعنويّات أروع تجسيم وأقواه”(2)
والثاني: هو الدكتور شوقي ضيف الذي خلُص من خلال قراءته لشعر ناجي إلى القول بأنّ “كلّ هذا شعرٌ رومانسيٌّ خالًصٌ, وهو في هذا الباب, إذ أخرج جوانب من شعرنا من الباب القديم; باب الرؤية والخيال إلى باب الحقيقة والتجربة الواقعة”(3)
تلك كانت بعض ملامح من شاعريّة ناجي, وهي شاعريّةٌ قد أهّلته لأن يكون أكثر تأثيراً في شعراء جيله من رائد “أبوللو” ومؤسّسها نفسه الدكتور أحمد زكي أبو شادي.(4)
ناجي ونتاجه الشعري
كان أوّل ما صدر لناجي (1898 – 1953) هو ديوان “وراء الغمام” سنة ,1934 الذي قُوبل بهجوم قاس من النقّاد, ولاسيّما طه حسين والعقاد. فقد نقده طه حسين نقداً مرّاً في كتابه “حديث الأربعاء” واصفاً شعره بأنّه ذو جناح ضعيف لا يقدر على التحليق(5), ليس هذا فحسب, بل إنّه- أي طه حسين- قد فضل عليه الشاعر علي محمود طه الذي وصفه بأنه مهيأ ليكون جبّاراً في فنّه(6).
أمّا العقاد فكان أكثر حدّة وعُنفاً, فوصف شعر ناجي بالتصنع والمرض بل لم يكتف بهذا الوصف فاتّهم ناجي بسرقة شعره.(7)
ولعلّ هذا النقد القاسي الذي تعرّض له ناجي والذي كاد بسببه أن يهجر الشعر(8), كان سبباً رئيسياً في قلّة الدواوين الشعريّة التي أصدرها ناجي في حياته, إذ لم يصدر له سوى ديوانٌ واحد بعد ذلك وهو ديوان “ليالي القاهرة”.
وبعد وفاته بأربع سنوات صدر له ثالث دواوينه, وهو ديوان “الطائر الجريح” الذي توفّر على جمعه صديقه الشاعر أحمد رامي.
وفي سنة 1960 أصدرت وزارة الثقافة المصريّة “ديوان ناجي” وهو ديوان “شامل” ضمّ دواوين ناجي الثلاثة بالإضافة إلى بعض القصائد المتناثرة التي لم ترد في أيّ من الدواوين السابقة. وقد قام بجمعه كلٌّ من الدكتور أحمد هيكل – أستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم وقتها – والشاعرين; أحمد رامي وصالح جودت بالإضافة إلى شقيق الشاعر, محمد ناجي. وعلى الرّغم من صدور “ديوان ناجي” الذي كان – في حينه – بمثابة الأعمال الكاملة, إلاّ أنّه من السهل على الباحث في حياة ناجي وشعره أن هذا الديوان لا يتناسب في حجمه وفي الكمّ الشعريّ مع شاعر بحجم ناجي, فضلاً عمّا اشتهر عنه بين معاصريه من الشعراء بالقدرة على الارتجال.
ولعل الدليل على وجود عدد غير قليل من القصائد المجهولة, التي لم تضمّها أيٌّ من المجموعات الشعريّة السابقة الذكر أنّ الأستاذ حسن توفيق -الذي يعتبر من الثّقات في حياة ناجي وشعره – قد توفّر على جمع أشتات هذه القصائد المجهولة من مصادرها الأولى حيث نُشرت لأوّل مرّة ليتوّج هذا الجهد مؤخّراً بإصدار “الأعمال الشعريّة الكاملة” لإبراهيم ناجي. إذ توصّل – بجهد فرديّ محمود- إلى كشف النقاب عن أكثر من مائة قصيدة, بعضها من القصائد المجهولة تماماً, وبعضها الآخر من القصائد المبتورة التي حذف ناجي بعض أبياتها فأثبتها الأستاذ حسن توفيق كاملةً. وقد كانت لكاتب هذه السطور مساهمةٌ متواضعةٌ في الكشف عن بعض القصائد المجهولة لناجي بلغت أكثر من عشر قصائد.(9)
قصيدة مجهولة :
لعلّ من أبرز المآخذ التي أخذها النقّاد على ناجي هي قلّة قصائده في الوطنيّة, إذ يكاد يخيّل لقارئ شعره أنّ صاحبه لم يُحسن من فنّ الشعر, سوى الشّعر العاطفي فقط, الأمر الذي حدا بالدكتور محمد مندور أن يقرّر أن ابراهيم ناجي “قد أوشك معظم شعره أن يصبح قصيدة غرام متصلة وإن تعدّدت أحداثها وتنوّعت أنغامها”(10)
وقد كانت قلّة قصائد ناجي في الوطنيّة والتي لا تتناسب مع شهرته كشاعر من أبرز شعراء جيله سبباً كافياً لمآخذ كثيرة حوله وحول شعره حتى أنّ الأستاذ أنور الجندي قد غمزه من طرف خفيّ في وطنيّته بقوله: “وقد أُخذ على ناجي قصوره عند فنّ واحد وأنّه لم ينظم في القضايا الوطنيّة والقوميّة ولم يشارك أمّته في تحدّياتها وأخطارها التي مرّت بها… “(11)
من جهة أخرى فقد دفع العدد المحدود من قصائد ناجي في الوطنيّة ¯¯ والذي لا يتجاوز تسع قصائد ¯¯ الدكتور طه وادي إلى اتخاذ نمط غير مألوف في تفسيره لقصيدة ناجي الطويلة “ليالي القاهرة” كنوع من التبرير الذي يلمسه القارئ دون أن يصرّح به الكاتب حول قلّة القصائد الوطنيّة عند ناجي, وقد تجلى هذا النمط من التفسير في قوله: “هذا الجو الغزل العجيب, ليس في تقديرنا سوى معادل موضوعيّ لحبّ آخر وحبيبة أخرى, وأنّه غزلٌ في حبّ مصر, وحسرةٌ على ما أُصيبت به, حزنٌ شديدٌ وحسرةٌ أليمةٌ على عدم القدرة على تحقيق آمالها وقهر أعدائها”(12).
وربّما يكون هذا القول مقبولاً في مجال تناول الكاتب لشعر ناجي بالنّقد والتحليل, إلاّ أنّه ليس من المقبول أن يكون هذا القول مجرّد تبرير لقلةّ قصائد ناجي في الوطنيةّ, أو محاولة من الكاتب ستر هذا النقص في شعر ناجي.
غير أن الإنصاف يقتضي منّا أن نقرر حقيقة من الحقائق التي قد تبدو على قدر من الغرابة, وهي أنّه كما كان إبراهيم ناجي طبيباً نابهاً حيّ الضمير إذ كان يعالج مرضاه من الفقراء بالمجان(13), كان أيضاً شاعراً لم يغب عن قضايا وطنه مصر أو أمّته العربيّة. بل لعلّنا لا نجاوز الصواب إن قلنا أنّ ناجي كان من شعراء الوطنيّة المبرّزين, ولم يقصر فنّه الشعريّ على شعر العاطفة وأقاصيص الحب.
ولعل الدليل الحيّ على ذلك, ما كشف النقاب عنه كاتب هذه السطور,من وجود قصيدتين مجهولتين تماماً من قصائد ناجي في الوطنيّة, قد أتيح لنا أن نعثر عليهما في كتاب “أدب العروبة” الذي أصدرته سنة 1947 “جماعة أدباء العروبة” وهي جماعةٌ أدبيّة ترأسهّا الوزير الأديب إبراهيم الدسوقي أباظة الذي عُرف برعايته للكثير من شعراء مصر.
وكانت القصيدة الأولى بعنوان “نداء” ومطلعها:
اليومُ يومُك في الرّجال فناد
في ساحة مجموعة الأشهاد
أمّا القصيدة الثانية فجاءت بعنوان “المجد الحيّ” ومطلعها:
يا أمّة نبتت فيها البطولاتُ
لا مصر هانت ولا الأبطال ماتوا(14)
- – ب – - ب – /- – ب -/ – - -
إذن فهناك الكثير من القصائد المجهولة لناجي والقابعة في مصادرها الأولى من الدوريّات والمجلات الأدبية التي كان ناجي ينشر فيها قصائده.
وأغلب الظن أن قلة القصائد الوطنية في شعر ناجي يرجع إلى أنه- أي ناجي- كان كثيراً ما يلقي تلك القصائد في المنتديات والمحافل الأدبية تاركاً للحظ وحده أن يجمعها كتابٌ أو تنشرها دوريّة من الدوريّات الصادرة في حينها.
نخلص من هذا لنقول, أنّنا قد عثرنا على قصائد مجهولة تماماً من قصائد ناجي في الوطنية لا يدري النقّاد والكتّاب عنها شيئاً, لم ترد ضمن “الأعمال الشعرية الكاملة” إذ نُشرت هذه القصيدة المجهولة في مجلة من أبعد المجلات عن نشر الشّعر, وهي; “المجلّة الطبية المصرية” التي كانت تصدرها “الجمعية الطبية المصرية”.
وإذا كانت هذه المجلة العلمية المتخصصة قد جرت العادة ألا تنشر على صفحاتها سوى الأبحاث الطبية التي غالباً ما تكون باللغة الانجليزية, غير أننا قد وجدنا في بعض أعدادها وتحديداً في العدد الأوّل من السنة العشرين الصادر في يناير سنة ,1937 أنها أفسحت قدراً كبيراً من صفحاتها لنشر وقائع المؤتمر الطبّي التاسع الذي حضره عددٌ من الوفود الطبيّة العربيّة.
لقد كان ناجي – بالطبع – وباعتباره طبيباً وشاعراً في طليعة الشعراء الذين خصّوا هذه الوفود بتحيّة من شعريّة تعدّ من أسمى ما نظمه شاعرٌ في العرب والعروبة.
ولعلّ في هذه القصيدة التي تُنشر الآن لأوّل مرّة ما يُنصف وطنيّة ناجي وإحساسه القومي المبكّر بآلام الوطن العربي الكبير.
قصيدة حضرة الدكتور إبراهيم ناجي
يومٌ أطلّ محجّلاً بسّاما أدّ التحيّة فيه والإعظاما
يا شاعر الوادي وغرّيد الرّبى قُل للضيوف تحيّةً وسلاما
مصر .. العريقُ وفادُها حفظتُ لكُم عهداً على طُول المدى وزماما
لستُم بها غُرباء, أنتُم أهلُها أنّى حللتُم تنّزلُون كراما
كم يجمع الماضي القريبُ قلوبنا أيّام كُنتُم للجهاد قياما
أبناؤُنا شُغلٌ لكُم وجهادُكم هُو قصّة المصريّ حيثُ أقاما
الجارُ نحو الجار يُرنُو مُشّفقاً جزعا يكابدُ مثله الآلاما
لو يستطيع مشى إليه باذلاً عوناً ولُو ملك القيام لقاما
ويكاد يذري الدّمع لولا موقف جعل الدموع على الرّجال حراما
بل حسبُنا الماضي البعيد فأنّه جمع الأصول ووحّد الأقواما
الشّرقُ مهدٌ للنبوغ ومولدٌ للمجد فيه ربا وشبّ غُلاما
زكت النبوّة في حماهُ ورعرعت وتألّقت كالفرقديّن نظاما
مُوسى الذي شقّ العُباب وفجّر الصخّر العنيد سواكباً تترامى
عيسى الذي فدّى الوجود وعلم الغفّران والإحسان والإكراما
ومحمّدٌ يكفيك أنّ محمّدا بيّن البريّة أوجد الإسلاما
هذا هو الشّرقُ العظيم لم يزل نوراً لمن رام الهدى وإماما
المجّدُ يأبى أن يحّ بغيره واللّه يأبى أن يراه ظلاما
قُل للأطبّاء العظام بمجمع لم يحو إلاّ نابغين عظاما
مصرٌ بلاد العلم أشرق فجرُه فيها وقد كان الورى أحلاما
أدنت له من قبل واحتفلت به وسقتهُ للورّاد جاماً جاما
مرحى بهذا الجمع فوق بساطها متهلّلين أحبّةً وندامى
عاش ائتماركمُ وبُورك سعيُكم وجهادكُم للعلم عاماً عاما

الهوامش

  • “شعراء مجددون”, مصطفى عبد اللطيف السحرتي, ص .96
  • “الشعر المصري بعد شوقي”, د. محمد مندور, ج ص ص .85
  • “الأدب العربي المعاصر في مصر”, د. شوقي ضيف, ص .158
  • “الشعر المصري بعد شوقي”, مصدر سابق, ص .81
  • “حديث الأربعاء”, د. طه حسين, ح 3 ص .151
  • المصدر السابق, ص .154
  • “ابراهيم ناجي”, د. علي محمد القي, ص .326
  • المصدر السابق, ص .322
  • “مطالعات وذكريات”, العوضي الوكيل, ص .261
  • مجلة الثقافة, العدد ,2 ديسمبر ,1989 ديوان ناجي… مراجعة واستدراك وقصائد مجهولة, مصطفى يعقوب عبد النبي, ص 104 – .122
  • “الشعر المصري بعد شوقي”, مصدر سباق, ص .81
  • “آفاق جديدة في الأدب”, أنور الجندي, ص .197
  • “شعر ناجي… الموقف والأداة”, أنور الجندي, ص .197
  • “بلابل من الشرق”, صالح جودت, ص .20
  • مجلة “الحرس الوطني” العدد ,81 ذو القعدة ,1409 إبراهيم ناجي وقصائده المجهولة في الوطنية, مصطفى يعقوب عبد النبي, ص 106 – .108


164 Views

عن

إلى الأعلى