يوسف إدريس وببليوجرافيا كاتب


العدد 63 محرم 1425هـ / تشرين الثاني (نوﭭمبر)2004م- شباط (فبراير) 2005م.

[رجوع]

دراسات ومقالات

يوسف إدريس وببليوجرافيا كاتب

ياسر محمد دويدار

الإسكندرية – جمهورية مصر العربية



أخرجت السينما المصرية عن قصص وروايات يوسف إدريس (19 مايو 1927 – أول أغسطس 1991) 11 فيلماً وثلث فيلم (أي جزء من فيلم طويل من ثلاثة أفلام قصيرة) إلى جانب فيلم واحد من أفلام التليفزيون المصري ومسلسل واحد من إنتاج التليفزيون المصري, وعدد من أفلام التخرج في المعهد العالي للسينما بالجيزة. وتم إنتاج هذه الأعمال في الفترة من عام 1963 حتى عام 1990.
يقول د. صبري حافظ في عدد ديسمبر 1987 من مجلة (أدب ونقد) إن يوسف إدريس حين بدأ كتابة القصة القصيرة عام 1950 في أثناء دراسته في كلية طب جامعة القاهرة لم يكن دارساً لفن القصة. ولا عارفاً بإنجازات الكتاب الرواد, ولكنه كان مسلحاً بما هو أكبر من كل الدراسات, وأهم من كل المعارف المدونة, كان مسلحاً بموهبة كبيرة على القص التلقائي الآسر, وبمعرفة حميمة بتيارات الثقافة المصرية التحتية: الثقافة بمعناها الاجتماعي الشامل, وليس بتعريفها الأدبي الضيق, فأي ثقافة تحتية كان يعرفها الشاب وهو في الثالثة والعشرين من عمره.
ولد يوسف إدريس في قرية صغيرة تدعى “البيروم” مركز “فاقوس” بمحافظة الشرقية لأب يعمل في التفتيش الزراعي, تزوج قبل أم يوسف وأنجب بنتين وكان يوسف هو الابن الأكبر عل” سبعة أبناء من الزوجة الثانية. ولنا أن نتأمل شظف العيش لأسرة بهذا العدد لا يملك راعيها غير راتبه المحدود. وقد تحدث زملاء يوسف إدريس من أبناء قريته بعد وفاته كيف كانوا يسيرون ثلاثة كيلو مترات على الأقدام ليصلوا إلى المدرسة الابتدائية في فاقوس, ولنا أن نتأمل الطموح العظيم لرب الأسرة كثيرة العدد وهو يرسل بولديه الكبيرين ليدرس أحدهما الطب في القاهرة والآخر الفنون في كلية الفنون الجميلة حيث سكن الأخوان شقة صغيرة في شارع “المبتديان” بالقاهرة, والأهم من كل ذلك علينا أن نتأمل القاهرة التي جاءها إدريس عام .1945
كانت القاهرة والحرب العالمية الثانية تضع خاتمتها مدينة من أكثر مدن العالم غلياناً, شبابها هم أبناء صناع ثورة 1919 الذين أدركوا أن عليهم صنع ثورة أخرى تنجح في تحقيق ما فشلت فيه ثورة الآباء, جيل أدرك أن الاستقلال الوطني لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية, وأن هذا الاستقلال لن يتحقق دون أن يرتبط بالعدالة الاجتماعية, فكلا الهدفين وجهان لعملة واحدة. شهد يوسف إدريس في أثناء دراسته تكوين لجنة الطلبة والعمال في جامعة القاهرة ,1946 واشترك في مظاهرات جيله وتعرض للاعتقال أكثر من مرة, وكان يقضي في المعتقل يومين أو ثلاثة. وقبل تخرج يوسف إدريس من كلية الطب في ديسمبر عام ,1951 وكما يقول د. ناجي نجيب في كتابه “الحلم والحياة في صحبة يوسف إدريس” الصادر عام 1985، اشترك كاتبنا في تنظيم سري “انحصر جهده في الإعداد للتدريب على السلاح بين الطلبة والعمال” باسم “اللجنة التنفيذية للكفاح المسلح”, واشترك في حركة “أنصار السلام”, وكانت أولى رحلاته إلى أوروبا للاشتراك في مؤتمر أنصار السلام في فيينا في فبراير عام .1952 وفي خضم الانغماس في العمل السياسي في أثناء الدراسة كتب يوسف إدريس أول قصصه القصيرة بعنوان “أنشودة الغرباء”, ونشرت في مجلة “القصة” في العدد الصادر في الخامس من مارس عام ,1950 ويعد تخرجه نشر في “روز اليوسف” الأسبوعية, وفي “المصري” اليومية أهم الصحف المصرية عشية الثورة.
بعد ثورة يوليو عام 1952 اشترك الطبيب الأديب في إنشاء مجلة “التحرير” أولى مجلات الثورة في سبتمبر ,1952 مما يعني تأييده للثورة بغير شك, وفي أغسطس عام 1954 صدرت أولى مجموعاته القصصية “أرخص ليالي” (أو أرخص ليال بالعربية الصحيحة), والتي اعتبرت فاتحة عهد جديد في الأدب القصصي العربي, وفي نفس الشهر قامت سلطات الثورة باعتقال يوسف إدريس, ولكن هذه المرة لمدة 13 شهراً. والواضح من ببليوجرافيا الكاتب أنه كتب بغزارة بعد خروجه من المعتقل في سبتمبر عام 1955 وعلى نحو ربما لا مثيل له طوال حياته الإبداعية (40 سنة).
ففي الفترة من 1955 إلى 1959 أصدرت مسرحية “ملك القطن”(1955) ومجموعة قصص “جمهورية فرحات” (1956) ورواية “قصة حب” ومجموعة “أليس كذلك” ومجموعة “البطل”(1957) ومجموعة “حادث شرف” ومسرحية “اللحظة الحرجة” (1958) ورواية “الحرام” (1959). وفي نفس هذه الفترة تزوج السيدة “رجاء الرفاعي”في 28 أغسطس 1957، وانتدب من وزارة الصحة إلى وزارة الثقافة, ثم إلى المؤتمر الإسلامي حيث عمل مع سكرتيره العام أنور السادات, وصاغ له كتابين من كتبه, ثم ترك العمل في الحكومة وأصبح صحفياً في جريدة “الجمهورية” عام 1959، وقيد في نقابة الصحفيين عام 1961.
لم يخرج يوسف إدريس من معتقل الثورة التي أيدها مهزوماً إذن, وإنما منتصراً. ولكن من الذين انتصر. إنه بالقطع ليس يوسف إدريس الشاب الوطني الذي حلم بثورة تفوق ثورة آبائه, ويشترك فيها بالكلمة والفعل, وإنما يوسف إدريس الكاتب الفنان الذي قرر أن يصنع “ثورته” الخاصة, وأن يحمي إبداعه من بطش السلطة, بالتعاون مع هذه السلطة, وخاصة بعد أن قام زعيم الثورة بتأميم قناة السويس عام 1956، وشهدت مصر حتى مطلع عام 1959 ربما أزهى ثلاث سنوات في تاريخها المعاصر وهي السنوات التي شهدت الوحدة مع سوريا في فبراير 1958، وإعلان الجمهورية العربية المتحدة.
وأثناء عمله في جريدة “الجمهورية” سافر يوسف إدريس إلى الجزائر في ذروة حرب التحرير عام 1961 كصحفي, ولكنه لم يكتف بالكتابة, وإنما حقق أمنيته الكبرى باقتران الكتابة بالفعل, فاشترك في بعض العمليات العسكرية كمقاتل. وفي عام 1962 أنجب يوسف ابنه الأول “سامح” ثم ابنه الثاني “بهاء” عام 1964. وبعد هزيمة الخامس من يونيو عام 1967 أنشأ عيادة في ميدان الجيزة ليحترف الطب لأول مرة في حياته, وكان ذلك تعبيراً واضحاً عن اليأس الذي اجتاح جيله وكل الأجيال بعد الهزيمة المنكرة. ولكنه لم يلبث أن أغلق العيادة, والتحق بالعمل في وزارة الثقافة, ثم ترك الوزارة, واستقر في جريدة “الأهرام” منذ عام 1969 حتى وفاته, وخلال هذه الفترة أنجب ابنته الوحيدة “نسمة” عام 1973.
تلك هي الخطوط العريضة في حياة كاتبنا كما جاءت في مصادر عدة وخاصة كتاب الدكتور ناجي نجيب, وبعد تخليصها من كثير من الوقائع موضوع الخلاف, أو بالأحرى الوقائع التي تختلط بالخيال أو ربما يحب صاحب السيرة وبعض مريديه أن يصوروها كأن يقال أنه اعتقل عام 1954 لنقده اتفاقية الجلاء دون وجود أي دليل على ذلك, أو أنه ذهب إلى الجزائر للاشتراك في حرب التحرير, وغير هذا مما لا يزيد قيمة الكاتب, تماماً كما أن عدم اعتقاله عام 1959 ومقاله في شكر السيدة جيهان السادات عندما كان زوجها رئيس للجمهورية لا يقلل من قيمته. فقد ترك يوسف إدريس تراثاً قصصياً جميلاً يجعل كل ما عداه في هامش سيرته. صحيح أن كل كلمة ينشرها أي كاتب تدمغه إلى الأبد كما يقول سارتر, ولكن حجم تراثه القصصي ومدى جماله وقيمته وتأثيره يظل بنوره وكل ما عداه ظلال.

لا وقت للحب

يقول د. ناجي نجيب إن يوسف إدريس كتب رواية “قصة حب” عام 1957 من واقع مشاركته في “اللجنة التنفيذية للكفاح المسلح” عام ,1951 بينما يقول عبد الستار الطويلة في مجلة صباح الخير في 8 أغسطس 1991 إن فكرة الرواية نبتت في أثناء اعتقال يوسف إدريس (1954-1955) وأنه استلهمها من حكايات صديق المعتقل الدكتور حمزة البسيوني الذي شارك في الكفاح المسلح في القناة عام ,1951 ولهذا اختاريوسف إدريس اسم حمزة لبطل الرواية. وأياً كان الأمر فالسؤال هو ما الذي دفع صلاح أبو سيف لإخراج فيلم “لا وقت للحب” عام 1963 عن رواية “قصة حب” الصادرة عام 1957 والتي تدور أحداثها من أواخر شهر يناير إلى أواخر شهر فبراير 1952 وما الذي جعل المخرج يطلق على الفيلم عنوان “لا وقت للحب”, وإلى أي مدى يعبر الفيلم عن يوسف إدريس.
أما مدى تعبير الفيلم عن الكاتب فهو يعبر عنه تماماً لأنه نفسه كاتب الحوار, وأما العنوان الجديد فيرتبط بالدافع الأصلي إلى اختيار هذه الرواية عام 1961، واسترداد يوسف إدريس وصلاح أبو سيف والعديد من مثقفي مصر الباحثين عن العدالة الاجتماعية الأمل في أن تقوم ثورة يوليو بتغيير جذري في بنية المجتمع المصري, ومحاولة اختيار التنمية المستقلة, ودعوة جماهير الفقراء للمشاركة في صنع القرار, ودعوة المرأة للمشاركة في صنع الحياة خارج المنزل أيضاً: كانت الأحلام في ذروتها إلى درجة رفع شعار أنه “لا وقت للحب”.
كتب يوسف إدريس حوار الفيلم بينما كتب السيناريو لوسيان لامبير, وهو كاتب فرنسي تعاون معه أبو سيف في تلك المرحلة. ويعبر الفيلم عن مرحلة تطلع الثورة إلى التغيير الجذري من خلال العودة إلى الماضي القريب, بالتحديد إلى يناير 1952 حيث وقعت بعض الأحداث التي أدت إلى التبكير بموعد الثورة في يوليو, وأهمها تعاظم الكفاح الشعبي المسلح ضد الاحتلال البريطاني في مدن القناة, وهي الأحداث التي عاشها يوسف إدريس, وشارك فيها على نحو ما. فالفيلم أقرب إلى سيرة ذاتية للفنان في شبابه.
تبدأ أحداث الفيلم في منطقة الأهرامات حيث نرى رحلة مدرسية من ناحية, ومعسكر مقاومة شعبية للتدريب على السلاح من ناحية أخرى. ويتم التعاون بين معلمة المدرسة الشابة التي تشرف على الرحلة وتقوم بدورها “فاتن حمامة” وأحد الفدائيين الذين يدربون الشباب على السلاح ويقوم بدوره “رشدي أباظة”.
وتبدأ قصة حب تتحول فيها المعلمة من فتاة بسيطة تطمح إلى الزواج والاستقرار ولا علاقة لها بالعمل العام, إلى مناضلة تشارك في المقاومة بفعالية كبيرة, ويتحول الفدائي من مناضل يعطي كل حياته لقضيته إلى مناضل وعاشق للفتاة في نفس الوقت. وينتهي الفيلم بإنقاذ الفدائي من كمين أعد له عن طريق اشتراك كل سكان الحي في أغنية شعبية تحذره من الخطر. وكما تتسم الرواية بالطابع التقريري المباشر, كذلك يتسم الفيلم بذلك الطابع, بل أنه يبرز ضعف الرواية التقريري لأننا نرى أحداثها دون أسلوب يوسف إدريس المتميز النابض بالحيوية, والذي يغطي ذلك الضعف في النص الأدبي.
الحرام والعيب
وفي المرحلة نفسها من تاريخ مصر قبل هزيمة 1967 أخرج هنري بركات “الحرام” عام 1965 عن الرواية التي صدرت بالعنوان نفسه عام 1959،وأخرج جلال الشرقاوي “العيب” عام 1967 عن الرواية التي صدرت بالعنوان نفسه عام 1962. وكلا الفيلمين من أهم الأفلام المصرية في الستينيات.
فـ”الحرام” تدور في الريف, و”العيب” تدور في المدينة, والشخصية المحورية في الحرام امرأة فلاحة (عزيزة), وفي العيب فتاة موظفة (سناء), وكلا من عزيزة وسناء تسقطان تحت ضغط الحاجة فيما يطلق عليه الدكتور شكري عياد (عدد أدب ونقد) السقوط الجنسي الذي يعبر عن السقوط الحقيقي أو “فقدان احترام الذات”. ولكن بينما تموت عزيزة إثر الحمّى بعد مولد الطفل الحرام فيما يشبه الانتحار, تقرر سناء الاستمرار في السقوط بعد أن فقدت القدرة على المقاومة.
توفر لفيلم “الحرام” كاتب قصصي ومسرحي كبير (سعد الدين وهبه) وممثلة كبيرة (فاتن حمامة) ومصور كبير (ضياء المهدي) وماكيير كبير (مصطفى إبراهيم) ومونتيرة كبيرة (رشيدة عبد السلام) ومهندس صوت كبير (نصري عبد النور) وممثل كبير (زكي رستم) وموسيقى شاب بارع (سليمان جميل) فتكاملت عناصره الفنية ولم تقل قيمة الفيلم عن قيمة الرواية التي تعتبر أعظم روايات يوسف إدريس. ورغم أهمية فيلم “العيب” حيث مثلت لبنى عبد العزيز دور سناء, وكانت لبنى كممثلة هي رمز المرأة “الجديدة” من خلال اختياراتها الدقيقة للأدوار, إلا أن نهاية الفيلم أوحت بصمود البطلة, فأصبح تغير المجتمع يقوم أساساً على صمود الأفراد على النقيض عمما يذهب إليه يوسف إدريس.
ونهاية فيلم “الحرام” تختلف عن نهاية الرواية أيضاً, ولكن على نحو يؤكد رؤية يوسف إدريس. إذ يستبعد سعد الدين وهبة الصفحات الثلاث الأخيرة المفتعلة عن الإصلاح الزراعي وثورة يوليو التي “أنهت”بؤس الفلاحين. وهي النهاية التي يذكر الدكتور ناجي نجيب أنها ربما كانت بإيحاء من يوسف السباعي.
وشخصية المرأة في “العيب” كانت موضوعاً لخلاف غريب. إذ بينما أجمع نقاد إدريس على أنه ينتصر للمرأة في هذه الرواية, وفي كل رواياته, بل وتذهب الكاتبة إقبال بركة (مجلة صباح الخير) إلى القول بأنه “بعد قاسم أمين لم يقف إلى جانب المرأة المصرية, ويناصرها, ويتعصب لقضيتها كاتب مثل يوسف إدريس في كل ما كتب, ترى الناقدة والأديبة الكبيرة الدكتورة لطيفة الزيات (مجلة أدب ونقد) أن سناء “وفقاً للمؤلف تسقط سقوطاً كاملاً لمجرد أنها امرأة. أحادية الكيان على غير الرجل المتعدد الأبعاد”.
يقول يوسف إدريس في روايته “النساء أو الفتيات شخصياتهن متماسكة مترابطة ككتلة واحدة تضم قيمهن جميعاً, وكلها قيم متحدة واحدة, الحرام فيها حرام تحت مختلف الظروف والأحوال, والحلال أيضاً واحد, والعيب في العمل مثل العيب في الشرف, وما يعيب في البيت يعيب أيضاً في المصلحة, كتلة مترابطة واحدة, فرق كبير بينها وبين قيم الرجال الموزعة على أدراج ودوسيهات بحيث يحيا الرجل صادقاً بأكثر من مقياس وأكثر من شرف وأكثر من حلال أو حرام”. وهذا الموقف الواضح في مناصرة المرأة ينطبق أيضاً على الرجال والنساء كما نراهم في “الحرام”.

5 ساعات

يتكون فيلم “3 قصص” عام 1968 من ثلاثة أفلام الأول “دنيا الله” تأليف نجيب محفوظ وإخراج إبراهيم الصحن, والثاني “5 ساعات” تأليف يوسف إدريس وإخراج حسن رضا, والثالث “إفلاس خاطبة” تأليف يحيى حقي وإخراج إبراهيم الصحن. ويعتبر هذا الفيلم من أحسن الأفلام المصرية الست التي تكونت من ثلاثة أجزاء وأنتجت من 1966 إلى 1976، وكان الفيلم الثاني منها.
قصة “5 ساعات” من أوائل قصص يوسف إدريس القصيرة, فقد كتبها ونشرها لأول مرة عام 1952، وجاءت ضمن مجموعته الأولى “أرخص ليالي” عام 1954 وتعتبر هذه القصة من القصص التي استمدها من تجاربه الشخصية مباشرة. يقول د. شكري عياد (مجلة الهلال أغسطس 1991) إنها “قصة واقعية عن مصرع الضابط عبد القادر طه الذي قتله حرس “فاروق” الحديدي وتحدثت عنه الصحف في أوائل عهد الثورة, وقد اتفق أن كان يوسف طبيباً مناوباً في قسم الاستقبال في القصر العيني حينما حمل إليه الضابط الجريح”.
جاء الفيلم الذي اشتركت في تمثيله “نادية لطفي” و”رشوان توفيق” معبراً عن القصة التي تصور محاولات إنقاذ الضابط قبل استشهاده, والتي يتحول فيها إلى رمز لجيل كامل هو جيل يوسف إدريس الذي استشهد منه عشرات الشباب في الفترة من بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى قيام ثورة يوليو, وغني عن الذكر أن شكل الفيلم التمثيلي القصير شكل مناسب للتعبير عن القصة القصيرة في السينما في مصر كموضة استمرت عشر سنوات, بعد ظهورها في السينما الأوروبية في نفس الفترة, ومن ناحية أخرى لم يكن من بين الستة أفلام التي أنتجت غير فيلم واحد عن قصة ليوسف إدريس.

حادثة شرف
أخرجت السينما المصرية ثمانية أفلام روائية عن قصص قصيرة ومقالات ليوسف إدريس من عام 1970 إلى عام 1990 ومعالجة القصة القصيرة في فيلم روائي مشكلة فنية معقدة. فالقصة القصيرة الناجحة هي بمعنى تعبيرها عن موقف محدود في مساحته الدرامية, أو بالأحرى ليست “ملخصاً” لرواية طويلة. وبالتالي فتحويل القصة القصيرة الناجحة إلى فيلم روائي أو مسرحية من عدة فصول يقتضي إما إضافة أحداث, أو صياغة جديدة للقصة بلغة السينما الخالصة أو لغة المسرح الخالص, وليس “التطويل” في أحداث القصة القصيرة ذات الموقف الدرامي المحدود.
قام يوسف إدريس بنفسه بتحويل بعض قصصه القصيرة إلى مسرحيات من فصل واحد, أو عدة فصول, لكن هذه المسرحيات لم تأت على نفس المستوى الرفيع لمسرحيته الخالصة “الفرافير”.
وفي أول فيلم من الأفلام الروائية المعدة عن قصصه القصيرة, وهو فيلم “حادثة شرف” إخراج شفيق شامية عام 1971 حاول يوسف إدريس ذات المحاولة في السينما فقام بكتابة سيناريو وحوار قصته التي كتبها ونشرها لأول مرة عام 1958 وجعلها عنواناً لمجموعة قصصية نشرت في العام نفسه.
و”حادثة شرف” من أجمل قصص يوسف إدريس تتناول مرة أخرى, ولن تكون أخيرة, السقوط الجنسي لفتاة قروية, ولكنها هذه المرة تسقط لأنها جميلة مما يثير الشكوك فيها, فلا تجد في النهاية غير الانحراف بالفعل.
ولا مجال هنا لحديث عن الفيلم وأصله الأدبي, فالفيلم إنشاء جديد بواسطة مؤلف الأصل الأدبي نفسه, ولكن يوسف إدريس لم ينجح في الكتابة للسينما قدر نجاحه في الكتابة الأدبية, وكان الفيلم من ناحية أخرى التجربة الأولى من نوعها لمخرجه, ويعاني الكثير من الضعف.

قاع المدينة

وفي عام 1974 عرض فيلم “قاع المدينة” إخراج حسام الدين مصطفى عن قصة يوسف إدريس التي كتبها ونشرها لأول مرة بنفس العنوان عام 1956 ونشرت في مجموعة “أليس كذلك” عام 1957 وفي هذا الفيلم قام الناقد الكبير أحمد عباس صالح بكتابة السيناريو والحوار, ورغم انه من خير من يدرك أبعاد أدب يوسف إدريس إلا أنه في محاولته إضافة أحداث تحوّل القصة الأدبية القصيرة إلى فيلم روائي استسلم لبعض تقاليد الأفلام التجارية السائدة. فلم يأت الفيلم على نفس مستوى عمق القصة.
إنها قصة عزيزة في “الحرام” ولكن في قاع المدينة, وليس في قاع القرية. فالمرأة التي يمرض زوجها في المدينة تعمل خادمة, وسقوط الخادمة على أيدي صاحب البيت, كما كان سقوط عزيزة على أيدي صاحب الأرض. وصاحب البيت في “قاع المدينة” قاض يمثل قمة مجتمع المدينة مثل صاحب الأرض الذي يمثل قمة مجتمع القرية. ولكن القاضي في الفيلم يعاني من مشكلة جنسية, ولا يجد الحل لمشكلته إلا مع الخادمة, وتلك إضافة تغير من طبيعة القصة الأصلية, كما يجعل الفيلم من الشخصية النسائية الثانية في حياة القاضي, والتي تمر مروراً عابراً في القصة شخصية رئيسية دون مبررات درامية كافية, وإنما لمجرد إضافة المزيد من الأحداث.
ورغم تقاليد الأفلام التجارية السائدة التي كان للمخرج الدور الرئيسي في وجودها, ففيلم “قاع المدينة” يدخل تاريخ السينما المصرية لما تميز به من مستوى رفيع في الأداء التمثيلي لبطلته “نادية لطفي” التي تمكنت من الإحساس بمأساة الخادمة بأسلوب سينمائي متكامل, فلم تعتمد على الحركات الخارجية الغليظة, أو الملابس, أو الماكياج, وقد لخصت هذا الإحساس بنظرة واحدة وهي تدق الباب بطريقة مختلفة بعد أن تحولت إلى عاهرة وفقدت ذاتها.


النداهة وعلي ورق سليوفان
وفي عام واحد (1975) أخرج حسين كمال “النداهة” و”على ورق سليوفان” عن قصتين ليوسف إدريس كتب الأولى ونشرها لأول مرة عام 1968 وكانت عنواناً لمجموعة عام 1969 وكتب الثانية ونشرها لأول مرة عام 1970 وصدرت في مجموعة “بيت من لحم” عام 1971.
ومرة أخرى نجد في “النداهة” السقوط الجنسي في قاع المدينة: ولكن هذه المرة لفلاحة من قرية جاءت لتعيش مع زوجها بواب العمارة, فيغويها أحد سكان العمارة, ومثل موظف العيب وخادمة قاع المدينة تقاوم المرأة, ولكنها عندما تسقط يكون سقوطها كاملاً. فعندما يقرر الزوج العودة بزوجته إلى القرية تهرب منه في الميدان الواسع المزدحم بإرادتها الكاملة, ودون أي نداء خفي (النداهة أو القدر التي دفع بها من القرية إلى المدينة).
ويقول الأستاذ / سمير فريد في كتابه أدباء مصر والسينما عام 1999
كتب سيناريو وحوار “النداهة” الثنائي التلفزيوني المعروف آنذاك مصطفى كامل وعاصم توفيق فأجادا تحويل القصة إلى فيلم روائي يصور بانوراما الحياة في القاهرة في منتصف السبعينات من خلال سكان العمارة, وتكاملت عناصر الفيلم كما في “الحرام” من الأداء التمثيلي لماجدة وشكري سرحان إلى تصوير عبد الحليم نصر وموسيقى إبراهيم حجاج ومونتاج رشيدة عبد السلام وديكور نهاد بهجت, غير أن المقابلة بين القرية والمدينة جاءت تقليدية, وكان تحويل ذئب النساء الذي يغوي الفلاحة إلى مهندس إلكترونيات, وديكور منزله الكاريكاتوري, والموسيقى الإلكترونية المصاحبة لظهوره تعبير ساذج عن الصراع بين البراءة التقليدية وغير الحقيقية في القرية وافتقاد هذه البراءة في المدينة, فالمجتمع المصري لا يعاني من مشاكل المجتمع التكنولوجي, وإنما من مشاكل افتقاد التكنولوجيا. وتلك إضافة لا علاقة لها بالقصة الأدبية ليوسف إدريس.
ولكن من ناحية أخرى جاء الفيلم بارعاً في التعبير السينمائي الخالص عن جوهر القصة من خلال الأغنية التي تكرر من البداية إلى النهاية معبرة عن القدر الخفي “النداهة” على شريط الصوت ومن خلال لقطات قصيرة لمشهد الاغتصاب باللون الأزرق على شكل رؤى تأتي البطلة قبل وقوع حادث الاغتصاب ذاته على شريط الصورة. بل وجاءت نهاية الفيلم والمختلفة عن نهاية القصة مناسبة ولا تتناقض مع فكر يوسف إدريس في نفس الوقت, إذ تسير الفلاحة بهمة في مونتاج متواز مع لقطات لها وهي تعمل ممرضة في مستشفى, أو عاملة في مصنع, ويتصاعد الإيقاع وهي تمضي بثقة في شوارع القاهرة التي تعود إليها هذه المرة غازية وليست مغزوة.
وعلى النقيض من “النداهة” جاء فيلم “على ورق سيلوفان” ربما الفيلم الوحيد في كل سينما يوسف إدريس في حياته الذي ينتمي إلى الأفلام محكمة الصنع التي يمكن أن تدور أحداثها في أي مكان أو أي زمان, والفيلم الوحيد أيضاً الذي تفلت فيه البطلة زوجة الطبيب من السقوط الجنسي نتيجة انشغال زوجها عنها, عندما تذهب إليه لأول مرة بالصدفة فتراه وهو يعمل, وتدرك من أبعاد شخصيته أبعاداً لم تكن تدركها من قبل.

الثمانينات

أما الأفلام الباقية وهي “حدوتة مصرية” إخراج يوسف شاهين, “والعسكري شبراوي” إخراج أشرف فهمي عام 1988 ثم “حلاوة الروح” إخراج أحمد فؤاد درويش فتختلف تماماً عن الأفلام الثمانية السابقة. فالفيلم الأول والثالث عن مقالين أعاد يوسف إدريس كتابتهما كقصتين للسينما مباشرة أو ما يسمى معالجة درامية, وبالتالي فهما لا يعبران عن أدب يوسف إدريس, وإنما عن إدريس كاتب المقالات.
والفيلمان الثاني والرابع هما الوحيدان اللذان أخرجا عن قصتين دون استخدام العنوان الأصلي, ففيلم “العسكري شبراوي” عن قصة “مشوار” التي كتبها يوسف إدريس ونشرها لأول مرة عام 1953 وجاءت ضمن مجموعة “أرخص ليالي” عام 1954 وهو فيلم تجاري رديء. وفيلم “حلاوة الروح” عن قصة “العسكري الأسود” التي كتبها ونشرها لأول مرة عام 1961، وكانت عنواناً لمجموعة صدرت عام 1962، وهو فيلم يفتقد ألف باء اللغة السينمائية, ويعاني من ركاكة يندر وجودها في تاريخ السينما المصرية. ومن الغريب أن “حلاوة الروح” عنوان قصة أخرى ليوسف إدريس كتبها ونشرها لأول مرة عام 1970 وصدرت في مجموعة “بيت من لحم” عام 1971.

قصة (فتاة من ديناميت)
لم يكن إشراق شمس ذلك اليوم بغريب على تلك الفتاة الرقيقة الحالمة ابنة السبعة عشر عاماً فقد تعودت أن ترى الشمس وهي تشرق من خدرها لتضيء النهار.
كانت الفتاة تهفو بفؤادها إلى شمس من نوع آخر تنير وطنها المكبل بالأغلال, إنها شمس الحرية التي طالما حلمت بها منذ أن ولدت, فاستيقظت من نومها وأدت فريضة الصبح, وظلت تتلو القرآن.. وقبل ذهابها إلى المدرسة.. طبعت على جبين أمها قبلة رقيقة وطلبت منها أن تدعو لها أن يوفقها الله فيما ستقوم به..
وذهبت إلى مدرستها, ووقفت في فناء المدرسة وهتفت بالنشيد الوطني الفلسطيني بصوت هادر.. ارتجت له جدران المدرسة, ويرتفع علم وطنها فلسطين حزيناً على صارية. لقد تمنت منذ نعومة أظفارها أن يرتفع هذا العلم على بقاع أرض القدس المحتلة.. وانتهت من طابور الصباح, وأخذت كل طالبة تتوجه إلى فصلها وعلى سلم المدرسة دار حوار قصير بينها وبين زميلتها.
- ما أخبارك يا (آيات)?
- بخير والحمد لله.
- أين ستذهبين بعد انتهاء اليوم الدراسي?
- لدي عمل سوف أقوم به.
- ألا يمكنك تأجيل هذا العمل?
- كلا.. لأن ما سأقوم به سوف يعود بالنفع عليكم جميعاً!!
- ماذا تقصدين?
- ستعرفين.. ستعرفين.
وانهمكت (آيات) في اليوم الدراسي.. فكانت محط إعجاب مدرساتها.. بخاصة مدرسة التاريخ التي شرحت لها (آيات) بالحجة والبرهان كون وطنها فلسطين وطن عربي أصيل يملكة الشعب الفلسطيني, وأعجبت بها أيضاً مدرسة اللغة العربية. بخاصة في خطبتها الرنانة التي أبرزت فيها جرائم الصهاينة الشنيعة, وما يفعله الإسرائيليون في أبناء شعبها الباسل.

فكم من الهدايا حصدتها (آيات) في هذا اليوم!!!
وكم من الشهادات منحت تقديراً لها!!!
وكم من الجوائز حصلت عليها!!!

وعقب انتهاء اليوم الدراسي.. كانت (آيات) تزين وجهها بنور لا مثيل له.. فقد شاهدتها زميلاتها في أجمل صورة لها وجهها يضاهي البدر في تمامه, ويحيط بها هالة من النور الرباني وهي ترتدي الحجاب الإسلامي.
كانت ابتسامتها العذبة قد حُفرت على شفتيها ووقفت (آيات الأخرس) بنت قرية “الدهشية بمحافظة بيت لحم” وصافحت كل مدرساتها بكفها الرقيق الدافئ.. وعانقت زميلاتها بشدة, وأعطتهن ورقة صغيرة بيضاء ورجتهن بعزة الله والوطن ألا يفتحنها إلا في الغد..
ومضت (آيات الأخرس) في طريقها بأقدام ثابتة بكل عزم وقوة.
لم تكن (آيات) خائفة أو مضطربة ولم يعرف الخوف طريقاً لقلبها مضت في الدرب الطويل تزفها الملائكة, وتباركها عناية الله وأرواح الشهداء.
وفي مستوطنة (كريات) اليهودية كانت تضج بالبشر ذوي الوجوه السوداء والمخالب البارزة هكذا بدوا في أعين (آيات) وهي تتقدم نحوهم.

يعيشون على أرض ليست أرضهم!!
ويملكون وطناً ليس وطنهم!!
كم بغضتهم وكرهتهم!!

واختارت تجمعا يمتلئ باليهود وتقدمت نحوهم بثبات وقوة وتلت الشهادتين ثم ألقت بنفسها عليهم, وانفجرت العبوة الناسفة التي كانت تلتف حول خصرها لتصرع اثنين, وتصيب ثلاثة وعشرين شخصاً من اليهود الخونة.. وتتناثر أشلاؤها لتصبح مصابيح تنير غياهب وطنها المحتل وتكون روحها فتيلاً يشعل نار الانتفاضة المقدسة.
ولما تناقلت الأنباء خبر استشهادها أطلقت أمها زغرودة مدوية تردد صداها في الأجواء وعانقت روحها أرواح الشهداء السابقة.. وظلت تطوف الحارات والميادين الفلسطينية تهتف باستشهاد ابنتها وارتفاعها إلى الجنة.
وأخذت الأم تقذف قطيع اليهود بالحجارة الصلدة التي طالما احتفظت بها آيات في حجرتها وحقيبتها المدرسية. وقرأت صديقاتها الورقة المودعة لديهن فكانت كلماتها من نور ساطع.
“سلامي إلى وطني الحر فلسطين.. اقرأن الفاتحة جميعاً على روحي بعد تحرير القدس”.
استشهدت (آيات) وضحّت بنفسها, ومستقبلها لتلحق بإخوانها الشهداء.
(محمد جمال الدرة – إيمان حجو – وفاء إدريس – يحيى عياش).
كانت جنازتها حارة تنزّلت فيها الملائكة.. ترفرف أجنحتها في سماء الفردوس, لتستقر (آيات) هناك عند مليك مقتدر.

كلمات البحث الموفِدة:

  • قصة حب يوسف ادريس pdf download (1)
  • وفاة بهاء يوسف ادريس (1)
134 Views

عن

إلى الأعلى