المخطوطات القرآنية


العدد 63 محرم 1425هـ / تشرين الثاني (نوﭭمبر)2004م- شباط (فبراير) 2005م.

[رجوع]

قراءات ومراجعات

المخطوطات القرآنية

عرض كتاب:
في المتحف الإسلامي في الحرم الشريف/القدس

د. ياسين عايش
قسم اللغة العربية
الجامعة الأردنية


هذا عنوان كتاب ألفه الأستاذ خضر سلامة, مدير المتحف الإسلامي ومكتبة الأقصى بالقدس الشريف, ونشرته دار غارنت Garnet بالمملكة المتحدة, واليونسكو للنشر بباريس, وطبع بإسهام من المملكة العربية السعودية عن طريق منظمة اليونسكو,
يقع هذا الكتاب في مائتين وخمس صفحات, وذلك عدا التوطئة والمقدمة اللتين جاءتا في أربع صفحات. والكتاب في ثلاثة فصول ومسرد بالمصطلحات وقائمة بالمصادر والمراجع. وقد تفاوتت أحجام الفصول تفاوتاً بيّناً, فبينما شغل كل من الفصلين الأول والثاني عشرين صفحة, وجدنا الفصل الثالث يمتدّ في مائة وخمسين صفحة, وذلك لأن هذا الفصل يشكّل جسم الكتاب الرئيس, وهو عرض لنماذج مصورة من المخطوطات القرآنية في المتحف الإسلامي في المسجد الأقصى الشريف, وقد بلغ مجموع تلك اللوحات مائة وستين لوحة بعضها لصفحات من المصاحف الشريفة, وبعضها لأشكال الأغلفة, وبعضها للوقفيات التي أوقفها أصحابها لتلك المصاحف. وفي الكتاب أيضاً سبع وعشرون لوحة لنماذج من القطع الأثرية التي يشتمل عليها المتحف كالنقوش الحجرية الرومانية واللاتينية والإسلامية والصليبية, ولبعض المنسوجات العثمانية, ولقطع فخارية وزجاجية مملوكية وعثمانية, ولبعض الأواني والقناديل النحاسية المملوكية والعثمانية, ولقطع خشبية وحديدية أموية وصليبية ومملوكية وعثمانية.
ويعرض المؤلف في الفصل الأول من كتابه القيّم هذا لمحة تاريخية عن المتحف الإسلامي منذ أنشئ عام 1922 حتى الآن, ويصف قاعاته وصفاً دقيقاً, ثم يفصّل القول في محتوياته, ويخلص إلى القول إن معروضات هذا المتحف تمثل صورة مصغرة عن نتاج الحضارة الإسلامية عبر عشرة قرون, لا في فلسطين وحدها, بل على امتداد رقعة العالم الإسلامي في فنون العمارة والزخرفة والنقوش, وفي فنون الخط والنسيج وآلات الحرب, والعملة ومسكوكاتها, فيذكر أن في المتحف أكثر من ثلاثمائة قطعة خشبية, منها حوالي مائة قطعة خشبية أموية بأحجام وزخارف مختلفة, ومجموعة ثانية تعود للعصر الفاطمي, أبرزها المنبر الذي صنعه نور الدين زنكي في حلب سنة 564هـ وأحضره معه صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير المسجد الأقصى من الصليبيين سنة 583هـ, وهو المنبر الذي لم يبق منه إلا بعض القطع بعد أن أحرقه الصهاينة يوم 21/8/1969م. ومن القطع الخشبية في هذا المتحف قطع تعود للعصر المملوكي, وهي أبواب الصخرة المشرفة التي كتب على إحداها ما يفيد أنها صنعت في عصر السلطان قايتباي المملوكي. وثمة باب آخر كتب عليه ما يفيد أنه صنع زمن السلطان سليمان القانوني العثماني, وهذا فضلاً عن قطع خشبية عثمانية أخرى بعضها يعود إلى زمن السلطان عبد المجيد, وأخرى تعود إلى زمن السلطان محمود الثاني سنة 1233هـ/1817م.
أما موجودات هذا المتحف من المعادن فأغلبها أدوات نحاسية وأخرى حديدية, ومن تلك الموجودات الحديدية نذكر الدرابزين الذي صنعه الفرنسيون, وأحاطوا به الصخرة المشرفة التي اتخذها الصليبيون أثناء احتلالهم للقدس مذبحاً للمراسم الدينية المسيحية, وقد فعلوا ذلك ليحموا الصخرة من النهب; إذ كان الحجاج الصليبيون يقتطعون منها قطعاً يحملونها معهم تذكاراً حين يعودون إلى ديارهم في أوروبا.
وأكثر القطع النحاسية وفرة في المتحف الإسلامي هي الشمعدانات والمباخر والدسوت والأختام والصحون والأباريق والمغارف, وتعود هذه القطع النحاسية إلى عصور مختلفة صليبية ومملوكية وعثمانية.
وفي المتحف أيضاً قطع فضية لمبخرتين وشمعدانين ومعطرتين. وهذا فضلاً عما فيه من أسلحة من سيوف وخناجر وبنادق ومسدسات ومكاحل وبلطات, وأقدمها سيف مصنوع في إيران سنة 785هـ/1383م.
وفي المتحف مقدار كبير من قطع القاشاني (البلاط) والفخار والجرار والأسرجة (جمع سراج), والصحون والأكواب. وهي ترتد في جملتها إلى العصرين الأيوبي والمملوكي. وقد لوحظ أن لكل عصر “نوعية معينة من الفخار, فطريقة العمل ونمطه يتفاوتان بين فترة وأخرى, وكلما كان الفخار أقدم كانت صناعته أكثر إتقاناً, وألوانه ورسوماته أكثر دقة وتحديداً” (خضر سلامة ص11).
وفي المتحف كذلك قطع من الزجاج من القوارير والقناديل والمكاحل, والصحون بعضها بيزنطي وبعضها الآخر إسلامي مملوكي أو عثماني, وأجمل هذه القطع الزجاجية قنديل ضخم مزيّن بالرسوم النباتية والحيوانية وبخطوط مذهبة (خضر سلامة, ص14).
أما ما في المتحف من منسوجات فقد بلغ أربعين قطعة, بعضها أغطية أضرحة لقبور بعض الأنبياء في فلسطين, وبعضها أكسية للكعبة المشرفة, فضلاً عن ثوب نسائي كان لزوجة حاكم القدس سنة 1830م, وعباءة لمفتي الشافعية في القدس سنة 1734م وعمامته. وقد حلّيت أغطية القبور وأكسية الكعبة بآيات من القرآن الكريم, وبأسماء السلاطين أو الولاة العثمانيين الذين أهدوها.
وفي المتحف مجموعة كبيرة من النقود بعضها ساساني (فارسي قديم) وبعضها بيزنطي, وبعضها إسلامي أموي وعباسي وأيوبي ومملوكي وعثماني وهاشمي أثناء الحكم الهاشمي في جزيرة العرب. وهي نحاسية في الأكثر, تليها الفضية ثم الذهبية.
ومن أجمل ما في المتحف الإسلامي من موجودات تلك الرقوم الحجرية وتيجان الأعمدة التي أحضرت إلى هذا المتحف من مدن فلسطينية مختلفة, وأقدم تلك الرقوم (شواهد القبور, أو الصحائف الحجرية المنقوشة تخليداً لذكرى ما) ذلك النقش الذي أحضر من حلحول, فتاريخه يعود إلى سنة 55هـ/674م. وهذا فضلاً عن نقوش صليبية مزينة برسوم إنسانية وحيوانية خرافية تفصل بينها جذوع وأوراق نباتية. وثمة نقوش رومانية ولاتينية. (خضر سلامة, ص16).
وأخيراً فإن في المتحف الإسلامي مجموعة ضخمة من الوثائق تعود لعهود المماليك, وقد كتب أكثرها باللغة العربية, في حين كتبت 28 وثيقة باللغة الفارسية وكتب بعضها على الورق, وكتب بعضها الآخر على الرق. (خضر سلامة: ص18).
ويعرض المؤلف في الفصل الثاني لأربعة محاور هي خطوط المصاحف في المتحف الإسلامي, وتزيينها, وتجليدها, ومدخل عام عن تاريخ القرآن الكريم.
أما المحور الأول فيعنينا منه قوله إن المصاحف الشريفة في المتحف كتبت بأربعة خطوط هي الكوفي, والنسخ, والثلث, والمغربي.
ثم تناول في المحور الثاني القول في تزيين حروف المصاحف وبما في صفحات المصاحف من زخارف نباتية وهندسية وألوان ذهبية وزرقاء وحمراء وخضراء وبرتقالية. وقد جرت العادة أن ينجز الخطاط نسخه لمخطوطة المصحف تاركاً في أثناء ذلك الفراغات اللازمة للتزيين, سواء في بدايات الفصول أو في نهاياتها, ثم يقوم المزيّن أو المزخرف أو المذهب بعمله في مرحلة لاحقة, ونادراً ما يكون الخطاط هو المزيّن أو المزخرف, ولذلك كان يرد اسم المزيّن جنباً إلى جنب مع اسم الخطاط.
وتناول المحور الثالث شؤون صناعة أغلفة المصاحف, وتطور هذه الصناعة في عدد من أقطار العالم الإسلامي, وخصائص كل صناعة, وقد لاحظ الدارس – خضر سلامة – أن الأغلفة الإسلامية قد تميزت بوجود طية الإغلاق في جميع الكتب, ثم اقتصرت هذه الطية على المصاحف في فترة لاحقة, وصنعت أكثر الأغلفة من الجلد, كما صنع بعضها من الحرير, أو من الورق المقوّى المصنوع من عجينة البردي والمغطى بطبقة جلدية.
وفي المحور الرابع عرض المؤلف لتاريخ نسخ القرآن الكريم بدءاً من تدوينه في الرقاع والأقتاب ثم بجمعه في صحف زمن أبي بكر الصديق ثم بنسخه في مصاحف أربعة في عهد عثمان بن عفان وانتهاءً بتقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء ثلاثين, وبجعل كل جزء في جزأين, ثم ما رافق ذلك كله من جهود العلماء المسلمين في إعجام حروفه بالنقط والشكل.
أما الفصل الثالث من الكتاب فهو عرض مصور لبعض ما في المتحف الإسلامي من مصاحف, وأجزاء مصاحف, كتبت جميعاً على الورق باستثناء المصحف الكوفي وبعض الأجزاء الكوفية (الربعات) التي كتبت على الرقّ. وقد خلت هذه المصاحف جملة من أسماء خطاطيها أو من قاموا بتزيينها.
والمصحف الكوفي الذي أشرنا إليه هو أقدم نسخة مخطوطة لمصحف في المتحف الإسلامي, إذ يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث, وقيمة هذه النسخة لا تكمن في قدمها حسب, بل في ما فيها من خط وتزيين يرتد إلى تلك الحقبة البعيدة من الزمان الإسلامي, وأحدث ما في المتحف من مصاحف أو أجزاء مصاحف شريفة يرتد تاريخها إلى القرن الرابع عشر الهجري, ثم تتوزع المصاحف أو أجزاء منها بعد ذلك على القرون من السابع إلى الثالث عشر, وقد جاءت بعض المصاحف ممهورة بأسماء واقفيها, وخلت أخرى من ذلك لتلف أصابها, أو عبث لحق بها.
وفي الجملة فإن عدد المصاحف في دراسة خضر سلامة هي اثنا عشر مصحفاً, في حين بلغ عدد أجزاء المصاحف التي تضمنتها هذه الدراسة خمس عشرة ربعة.
والحق أن قيمة هذا الكتاب لا تبدو جلية واضحة ما لم يطلع المرء على الكتاب نفسه, لأن اللوحات المصورة فيه هي التي تبرز قيمة الكتاب, وتظهر فنون الخط الإسلامي, وعناية المسلمين الأولين بكتابهم الكريم مع ما رافق ذلك من ألوان التزيين والتذهيب والتجليد التي تعكس في جملتها ذوق الحضارة الإسلامية في المكان والزمان, وهو ما جعل الفنانين الغربيين يسمون الفنون العربية الإسلامية التي خلت من رسوم التمثيل والتشخيص بفن الأرابسك.

17 Views

عن

إلى الأعلى