الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » نظريات وفكر سياسي » قراءات مقارنة لنماذج فيدرالية عالمية – لمى مضر الإمارة

قراءات مقارنة لنماذج فيدرالية عالمية – لمى مضر الإمارة


قراءات مقارنة لنماذج فيدرالية عالمية – لمى مضر الإمارة

بيت الحكمة / بغداد

أقر مجلس الأمن وبالإجماع قراراً حول العراق، يقضي بأن العراق دولة ذات سيادة تتبع النظام الفدرالي، إلا أن قلة من الناس لديهم فكرة واضحة عما تعني الفيدرالية، رغم أن معظمهم سمع بالكلمة ولديهم آراء قوية بشأنها.

ومن خلال مطالعتي في إحدى النشريات الشهرية، أثار انتباهي مقال نشره الكاتب كمال علي، وهو صحفي مقيم في بغداد، أشار فيه إلى أن هناك عراقيين يستقون معرفتهم عن الفيدرالية من الزعماء الدينيين أو من الإعلام العربي، وكلا المصدرين يرسمان الفيدرالية كفكرة غربية خطرة تهدف الى تقسيم العراق وإضعافه.. وفي بعض الأحيان توصف الفيدرالية بمؤامرة لتسليم كركوك الغنية بالنفط الى الأكراد. في الوقت ذاته يقول بعض العراقيين أن الفيدرالية شرط اساسي لحماية حقوق الأقليات وآخرون يدينونها على اعتبار أنها مؤامرة لتقسيم واضعاف دولة ذات سيادة.والسؤال هو كيف يمكن لشخص أن يقرر مستقبل نظام حكمه باتباع النظام الفيدرالي، إذا كان لا يفهم معناها، وحتى لو تم اقرار النظام الفيدرالي، فإن هناك من يتساءل عن كيفية تطبيقها في العراق، فالبعض يطالب بفدرالية محافظات، أي أن تتحول المحافظات العراقية الثمانية عشرة إلى ولايات ذات صلاحيات واسعة فيما يخص شؤونها الخاصة، أو فيدرالية على أساس إقليمي، في حين يفضل آخرون، متمثلين بالأكراد، ما يسمى بالفدرالية الاقليمية او العرقية التي تمنح سلطات لثلاث او اربع مناطق داخل العراق، بما يتواءم مع المجموعات الاكبر في العراق (الشيعة، السنة، الأكراد).

وإذا كان بعض العراقيين يفهمون ان الفيدرالية تشير الى لامركزية السلطة، واذا كان بعضهم يعرفون الفرق بين الاشكال الادارية والاقليمية، فان آخرين يرون أي شكل من اشكال الفيدرالية تعبير لطيف عن تفتيت العراق. في حين يتصور البعض، وانطلاقاً من مفهوم خاطئ، بان الكونفدرالية افضل من الفيدرالية..

سنحاول في هذه الورقة تحديد مفهوم الفيدرالية وماذا يقصد بها، فضلا عن القاء الضوء على بعض النماذج الفدرالية التي اتبعتها دول متعددة في العالم في محاولة لسبر أغوار هذه التجارب واستخلاص الدروس لما يمكن ان يكون منها ذا مردود إيجابي على الحالة الراهنة في العراق.

المبحث الأول: مفهوم الفيدرالية:

اشتق مصطلح «فيدرالية» من الكلمة اللاتينية Foedus ومعناها المعاهدة والاتفاق.. والفدرالية كمصطلح تحمل المعاني التالية: (عصبية، تحالف، عقد اجتماعي، عقد زواج) وفي الجميع يفترض وجود طرفين يدخلان في العقد والاتفاق باراداتهم وطواعية1.

يوجد هنالك من يعد اصطلاح الفيدرالية اصطلاحاً فضفاضاً وقلما أعطى معنى واضحا غير مشكوك في معناه في آن واحد، وتذهب دائرة معارف العلوم الاجتماعية Encyclopedia of Social Seine هذا المنحى إذ تشير الى ان الفيدرالية اصطلاح غامض وغير واضح وأشارت الى انه يستعمل في أحيان كثيرة بأربعة معان هي (التحالف – العصبة – الاتحاد الكونفدرالي – الاتحاد بمعناه الأدق)2.

على أية حال، يتبدى الاتحاد الفيدرالي عموما في انصهار الدول الداخلة فيه، واندماجها في دولة واحدة، بحيث تفقد الدول الاعضاء شخصيتها الدولية وتغدو هذه الدول بعد قيام الاتحاد دويلات او ولايات، وتنشأ شخصية دولية جديدة هي شخصية دولة الاتحاد المركزي التي تتمتع وحدها بمظاهر السيادة الخارجية كافة وبجزء من السيادة الداخلية لكل ولاية.. وتخضع جميع مؤسسات الدولة لرئيس واحد هو رئيس الدولة الاتحادية3.

ويرى جيمس ماديسون (أستاذ النظم السياسية في الولايات المتحدة) ان الفيدرالية هي نظام توزيع الصلاحيات بين حكومتين او اكثر تمارسان السلطة على مجموعة الناس نفسها وعلى الاقليم الجغرافي ذاته4.

ويورد الاستاذ أحمد عطية الله في كتاب القاموس السياسي تعريف الفيدرالية بانها نظام سياسي من شأنه قيام اتحاد مركزي بين دولتين او مجموعة من الدول او الدويلات، بحيث لا تكون الشخصية الدولية الا للحكومة المركزية، مع احتفاظ كل وحدة من الوحدات المكونة للاتحاد ببعض الاستقلال الداخلي، بينما تفقد كل منها مقومات سيادتها الخارجية التي تنفرد بها الحكومة الاتحادية، ويتألف رعايا الدولة الفيدرالية من مجموع رعايا الدول او الدويلات المكونة للاتحاد والتي تعد وحدات دستورية لا وحدات إدارية كالمحافظات في الدولة الموحدة ويكون لكل وحدة دستورية نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ولكن الدستور الاتحادي يفرض وجوده مباشرة على جميع رعايا هذه الولايات بغير حاجة إلى موافقة سلطاتها المحلية5.

أما الموسوعة السياسية فقد أوردت أن الفيدرالية تعني اتحاد مجموعة من الدول المستقلة بمقتضى دستور في شكل اتحاد دائم تسوده حكومة مركزية تمارس سلطاتها بطريق مباشر على حكومات هذه الدول (التي تصبح ولايات) ويكون الدستور هو المنظم للعلاقات بين هذه الولايات من جهة، وبين الحكومة المركزية من جهة أخرى، وتكون للدولة الجديدة شخصية قانونية دولية في حين تفقد الدول الداخلة في الاتحاد شخصيتها القانونية الدولية6.

ويشير سموحي فوق العادة إلى أن الاتحاد المركزي عبارة عن نظام تتنازل بموجبه الدول الاعضاء عن سيادتها وجميع سلطاتها إلى جهاز مركزي يتولى تسيير جميع الشؤون الرئيسية كالسياسة الخارجية والدفاع الوطني والاقتصاد والتجارة والصناعة.. الخ، وتحتفظ ببعض الاختصاصات المحلية الصرفة، وهذا الاتحاد يؤدي إلى تأليف ما يسمى بالدولة الاتحادية7.

وهكذا نخلص إلى أن النظام الفيدرالي هو نظام سياسي ضمن طابع دستوري يضمن تقسيم الحكم السياسي بين المستويات السياسية المختلفة (مركزي واقليمي)

وينشأ الاتحاد الفيدرالي باحدى طريقتين8:

انضمام دول عدة إلى بعضها وهي الطريقة الأكثر اتباعا، وعادة يكون دافع الدول إلى هذا الاتحاد تقارب شعوبها من النواحي التاريخية والحضارية والثقافية، أو شعور هذه الدول بحاجتها إلى الاتحاد لصد عدوان الغير عليها والحيلولة دون تحقيق مطامع العدو، وهذه هي الطريقة التي اتبعت في نشأة الولايات المتحدة.

قد ينشأ هذا الاتحاد نتيجة تفكك دولة كانت في الأصل دولة موحدة أو بسيطة إلى دويلات عدة تستقل كل أقسامها الإدارية استقلالا تاما ويصبح لها سلطة تشريعية تملك اختصاصات –ذي اصل دستوري – لا يمكن تعديلها إلا بإجراءات خاصة، وهذه طريقة تكوين الاتحاد السوفيتي السابق وبعض دول أمريكا اللاتينية.

ولقد انقسم الفقه تجاه ذلك إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: يعرّف الفيدرالية بانها نظام الدول التي لا ينقصها من السيادة الداخلية الا القليل بالقدر اللازم لتنفيذ عهد الاتحاد، وتفقد السيادة الخارجية بتمامها، لأن كل العلاقات الخارجية تبقى في قبضة الحكومة المركزية التي تعد حكومة فوق حكومات الدول المتحدة تمثل المصالح المشتركة في الداخل وتمثل هذه الدولة في كل شيء في الخارج، اما الدول التي تؤلف الاتحاد فلا تكون في نظر الدول الاجنبية الا اقساما ادارية مهما بلغ استقلالها الداخلي، وبالتالي لا يكون للدول الاعضاء شخصية قانونية دولية لانها تتركز في الدولة الفيدرالية وحدها.

الاتجاه الثاني: يرى الفيدرالية بانها النظام الذي يتكون من اتحاد دول عدة في شكل دولة واحدة هي الدولة الفيدرالية، بمقتضى دستور اتحادي مع بقاء سلطات الحكم موزعة بين الدول الاعضاء في الحدود التي تتكفل وثيقة الاتحاد ببيانها، مع تمتع كل من الدول الفيدرالية والدول الاعضاء بالشخصية القانونية الدولية.. فصارت اختصاصات الدولة الفيدرالية والدول الاعضاء تتحد وفقاً لارادتها دون تقيد بالنمط التقليدي، مثال ذلك دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية السابقة، حيث أضيفت للدستور المادتين رقم (18) (أ) و (ب) في فبراير 1944ونصت المادة (18) (أ) على أنه» يحق لكل جمهورية متحدة ان تقيم علاقات مباشرة مع الدول الاجنبية وان تعقد معها الاتفاقات وتتبادل واياها التمثيل الدبلوماسي القنصلي» ونّصت المادة (18) (ب) « لكل جمهورية متحدة تشكيلاتها الجمهورية العسكرية الخاصة بها «.. والدستور السويسري الصادر في 29/ مايو/1874 حيث نصت المادة (9) على ان «تمنح المقاطعات حق ابرام المعاهدات المتعلقة بالاقتصاد العام وعلاقات الجوار والبوليس مع الدول الاجنبية9. وعلى كل حال، فان هذا لا يمثل الا مجرد استثناءات للقاعدة العامة في هذا الخصوص، ويترتب على تمتع دولة الاتحاد المركزي بشخصية دولية دون غيرها من الولايات فضلا عن ممارسة مظاهر السيادة الخارجية واعداد الجيش والبحرية وكل ما يتعلق بامور الحرب والسلم.. وجمع الواردات وتنظيم التجارة الخارجية والعالمية وسك النقود وتنظيم البريد.. وحقوق التأليف والاختراع والتوطين10 فضلا عن سيطرتها على المسائل التي تخص المصالح العامة والتي تقضي الضرورة شمولها جميع المقاطعات شمولا متساويا11، ومثال ذلك :

اقامة جنسية مشتركة لجميع رعايا الدويلات الأعضاء، حيث يتمتع الرعايا جميعا بجنسية واحدة هي جنسية دولة الاتحاد، إلى جانب ذلك تمتع الفرد برعوية الدويلة او الولاية التي ينتمي اليها دون ان يعتبر ذلك ازدواجا في الجنسية.

فالمواطن لا يتمتع الا بجنسية واحدة هي جنسية الدولة المركزية ذات السيادة، اما الرابطة التي تربط الفرد بالولاية فلا يمكن تكييفها على انها جنسية لان الدويلة ليس لها شخصية دولية ولا تتمتع بسيادة كاملة. وعلى هذا النحو يكون عنصر الشعب في دولة الاتحاد هو مجموع مواطني الولايات كلها، فهم يتمتعون بجنسية واحدة هي جنسية دولة الاتحاد.

يعد اقليم الاتحاد وحدة واحدة بحيث يشمل جميع اقاليم الدويلات او الولايات الداخلة في الاتحاد، كما قد يشمل اجزاء اخرى لا تتبع الدويلات وتخضع للاتحاد،مثل المستعمرات..

اما الولايات فانها تتمتع ببعض مظاهر السيادة، تاركة بعضها الآخر للدولة المركزية، ويتبدى هذا الوضع بان يكون لكل دويلة او ولاية دستورها الخاص، وسلطاتها العامة المميزة (تشريعية- تنفيذية- قضائية) وهو ما يعني انه يتوقف عليها ادارة شؤونها المحلية او تلك الامور التي تتطلب معالجة تختلف بحسب المنطقة المحلية، وهو فعل يضم مسائل كثيرة كتنظيم الطرق والمواصلات والعمل والزواج والطلاق والتربية والقانون المدني والجنائي12. ويحدد الدستور الاختصاصات المشتركة بينهما، وعند حصول تعارض بين قانون الدول المركزية وقانون الدول الاعضاء فالمبدأ السائد يقضي برجحان القانون الاول باعتباره أسمى مقاما، وقد تأيد ذلك بنص وارد في مختلف الدساتير الاتحادية (القسم الثاني من الفصل السادس من الدستور الامريكي لعام 1787 والمادة الثانية من الدستور الالماني لعام 1871، والمادة 85 من الدستور السويسري لعام 1874)13.

أما بالنسبة للسلطات الثلاث للاتحاد الفيدرالي، فنجد ان السلطة التشريعية تتبدى في هيئة نيابية تمثل دول الاتحاد بأكملها، وتقوم هذه الهيئة بالوظيفة التشريعية إلى جانب هيئة نيابية أخرى تخص كل دويلة أو ولاية تابعة للاتحاد، ويتكون البرلمان الاتحادي من مجلسين أحدهما يقوم على أساس تمثيل مجموع رعايا الولايات التي تتكون منها الدول الاتحادية، فهذا المجلس يمثل شعب الدولة بأكمله بحيث يقوم بانتخاب جميع أفراد الولايات كما لو كانت الدولة موحدة والثاني يقوم على أساس الولايات باعتبارها وحدات سياسية متميزة. ويكون تمثيل الولايات في هذا المجلس على أساس المساواة بان يكون لكل ولاية عدد متساو من الأعضاء دون النظر إلى مساحتها أو تعداد سكانها – مثلما هو مطبق في الولايات المتحدة الأمريكية – على انه يلاحظ ان قاعدة المساواة في تمثيل الولايات بالنسبة للمجلس الثاني غير مطلقة – مثلما هو مطبق في كندا – وتأخذ اغلب الدساتير الاتحادية بمبدأ المساواة في الاختصاص التشريعي بين المجلسين ومن ثم لا يمكن سن أي قانون إلا بموافقة المجلسين عليه، ويختص البرلمان الاتحادي بمجلسيه بالتشريع في جميع المسائل التي تهم الدولة بأسرها، هذا فضلا عن اشتراكه مع المجالس النيابية للولايات لتنظيم بعض المسائل المهمة بأن يضع قواعد عامة على برلمانات الولايات احترامها والتقيد بها عند وضع تشريعاتها الخاصة، أما برلمان الولاية فانه يقتصر على وضع التشريعات الداخلية الخاصة بالولاية وفي حدودها فقط، مع مراعاة عدم تعارض هذه التشريعات ومثيلاتها التي يقوم الاتحاد البرلماني بوضعها15.

وأما السلطة التنفيذية في الدولة الفيدرالية فانها تتكون من سلطة تنفيذية اتحادية تمثل دولة الاتحاد بأكملها، كما يوجد في كل ولاية من الولايات الداخلة في الاتحاد جهازها التنفيذي الخاص بها، ويختلف تكوين السلطة التنفيذية بحسب ما اذا كانت الدولة تقوم على اعتناق النظام الرئاسي او نظام حكومة الجمعية او النظام البرلماني، وهو ما سنلاحظه في الامثلة التطبيقية التي سترد لاحقا.

وأما السلطة القضائية، فإلى جانب القضاء المحلي الذي يتبع الولايات، يوجد القضاء الاتحادي او الفيدرالي الذي يتبع الدولة المركزية، وتختص المحاكم الفيدرالية عادة بالنظر في المسائل المهمة كتلك التي تثور بين الاتحاد والولايات الداخلة فيه او بين الولايات بعضها بعضاً، كما يعد جهة استئنافية تستأ نف أمامها الأحكام الصادرة من محاكم الولايات، وأما القضاء المحلي فيختص بالفصل في المنازعات المحلية التي تثور داخل حدود الولاية17.

وهنالك مسالة مهمة يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار الا وهي مسالة السيادة، فالسيادة في الدولة الفيدرالية لا تستقر في يد الحكومة الاتحادية ولا في يد الأعضاء، كما أنها غير مجزأة بينهما أيضاً، إذ أن السيادة وحدة لا يمكن تجزئتها ولكن ممارسة الصلاحيات الحكومية يمكن توزيعها على عدد من الهيئات، والسيادة تستقر في الدولة نفسها، فكل من الحكومة الاتحادية والحكومات الاقليمية هي وكيلة للدولة، ولا تستطيع أي منهما السيطرة او القضاء على الأخرى، ويحتوي الدستور الفيدرالي على نصوص تخص صلاحيات كل من الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية. وعلى أية حال، يختلف توزيع الاختصاصات بين السلطتين، وذلك بحسب ظروف ونشأت كل دولة. ففي الدول الاتحادية التي تقوم نتيجة انضمام دول عدة موحدة أو بسيطة يتجه الدستور إلى توسيع اختصاصات الولايات رغبة في الاحتفاظ لها بقدر كبير من الاستقلال ويجعل من اختصاص السلطات الاتحادية اختصاصا محدودا او استثنائيا، أما في الدول التي نشأت نتيجة لتفكك دولة واحدة بسيطة إلى دويلات فيتجه الدستور فيها إلى منح سلطات الاتحاد المركزي الجانب الاكبر من الاختصاصات، ويجعل من اختصاصات الهيئات المحلية اختصاصات محدودة18.

واليوم يقطن ما يقارب 40% من سكان العالم في اكثر من 25 جمهورية فيدرالية19..، وان هذه النسبة تدعونا لان نبحث في المحاسن التي يتمتع بها النظام الفيدرالي والتي دفعت هذه الدول لكي تتبع نظاماً كهذا، كما يدفع بنا في المقابل لان نبحث في المساوئ التي ترافق اتباع هكذا نظام وحالت دون تطبيقه في بقية الدول.

أولا: إيجابيات اتباع النظام الفيدرالي:

سد الحاجة لإيجاد نظام تستطيع به المناطق الصغيرة الاتحاد سلميا بدون تضحية بحقوقها السياسية، بحيث تستطيع كل منطقة ان تكون جزءا حيويا متماسكا بالنسبة للجميع.

ان هذا النظام يفسح المجال للاتحاد الاختياري بشروط متكافئة.

ان سيطرة الحكومة الاتحادية على المصالح العامة وترك المسائل المحلية لتحلها المناطق المحلية نفسها، يؤدي إلى قوة ناتجة عن الترابط بين الاجزاء الناتجة عن التفاعل بين هذه الأجزاء، فاتباع الولايات سياسة موحدة في كل من الشؤون الخارجية والمسائل الوطنية العامة، مقابل وجود حرية تشريع قوانين ملائمة وخاصة لكل مقاطعة حسب ظروف وعادات كل واحدة يفسح المجال لحل المشكلات على اساس الحاجة المحلية مقدماً الأهم على المهم.

يسمح اتباع النظام الفيدرالي للمقاطعات لمحاولة اجراء تجاربها وسياساتها الخاصة التي ترتئيها مناسبة لها على نطاق محلي، والتي ربما ستكون خطرة لو طبقت على الصعيد الوطني.

يساعد اتباع النظام الفيدرالي على منع حدوث ما يهدد كيان الدولة من جراء المنازعات التي قد تنشب بين القوميات والنزاعات المختلفة في الدولة، وهذا النظام يناسب الدول ذات المساحات الواسعة والنزاعات والظروف المختلفة، أو الدول التي يكون سكانها منقسمين جغرافيا وعنصريا، وغير ذلك من الانقسام والذي يمكن جمعه سياسيا في حال اعطاء كل منها استقلالا ذاتيا محلياً، وهو ما قد يشجع على تنمية الروح القومية والروح الاتحادية معاً.

يخفف اتباع النظام الفيدرالي الواجبات الكثيرة الملقاة علىعاتق الحكومة المركزية20.

توحيد الدول ذات النظم المغايرة والمتباينة في دولة واحدة قوية. وفي هذا الخصوص قرر البعض أن هذا النظام يمكن الاخذ به بنجاح وتطبيقه على قارة بأسرها، وهو ما تحقق فعلا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.

أن هذا النظام يعمل على الجمع بين عاطفتي الاتحاد والاستقلال معاً، وهو من ناحية حقق عاطفة الاتحاد بالحفاظ على وحدة الدولة باسرها بالنسبة لمظاهر السيادة الخارجية والمسائل العامة في المجال الداخلي، ومن ناحية أخرى يحقق عاطفة الاستقلال بوجود الاستقلال الذاتي الداخلي لجميع الولايات، بأن يجعل لكل منها سلطات عامة متميزة ومستقلة عن سلطات الاتحاد، ولا شك في أن تمتع الولايات باستقلال ذاتي يعد وسيلة ناجحة في معالجة الأمور العامة21.

اما سلبيات اتباع النظام الفيدرالي فهي:

إذا ما أخذ مبدأ توزيع السلطة إلى أبعد من المسائل الداخلية ليشمل العلاقات الخارجية وحصل خلاف مع دولة أخرى، فان الدولة الفيدرالية تلاقي معارضة الأعضاء في توسيع صلاحياتها المركزية.

إن الولايات أو المقاطعات، وبسبب من سيطرتها على شؤون المواطنين واملاكهم والتشريعات الخاصة بهم، قد يخلقون مشكلات معقدة للحكومة الاتحادية حين قيامها بتطبيق بنود معاهداتها مع الدول الأخرى، وفي الوقت ذاته قد يتداخل عقد الحكومة المركزية والمعاهدات في الصلاحيات الممنوحة إلى أعضاء الاتحاد بموجب الدستور.

ضخامة التكاليف والتأخير الناشيء عن وجود جهاز حكومي مضاعف.

صعوبات جدية في ممارسة القضاء، وهذه الصعوبات ناشئة عن وجود قوانين مختلفة لكل مقاطعة22.

إنّ هذا النظام يواجه الاعتراض القائم على الأنانية، والخاص باحتفاظ كل دولة بمواردها، لأن الاتحاد الفيدرالي لا تحصل فيه الحكومة المركزية على موارد الولايات كافة، وإنما تحتفظ كل ولاية بمواردها الخاصة لتنفق محلياً، مع مساهمتها بجانب من مواردها في النفقات العامة للحكومة المركزية23.

إن ازدواج السلطات العامة في دولة الاتحاد الفيدرالي يؤدي في غالب الامر إلى تداخل وتشابك اختصاصات الدولة الاتحادية واختصاصات الولايات، الأمر الذي يؤدي إلى وجود منازعات داخلية لا حدّ لها.

قد يعمل هذا النظام على تفتيت وحدة الدولة إذا ما قوى الدستور من اختصاصات سلطات الولاية، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف الحكومة الاتحادية وصعوبة سيطرتها على شؤون ومصالح الدولة العامة.

قد يكون هذا النظام معيباً من الناحية المالية، إذ يؤدي تعدد السلطات وازدواجها إلى تحمل المواطنين أعباء مالية كثيرة في صورة ضرائب تفرض عليهم24.

المبحث الثاني : نماذج تطبيقية:

سيقوم هذا المبحث بمحاولة لدراسة بعض النماذج العالمية في بعض الدول التي تطبق النموذج الفيدرالي وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السويسري، وأخيراً روسيا الاتحادية.

النموذج الأول: الولايات المتحدة الأمريكية

تعود أصول الفيدرالية الحديثة الى تأسيس الولايات المتحدة، سنة 1787 حين توصل المتشددون إلى تشكيل حكومة مركزية ذات ثقل مركزي مع منافسيهم من مساندي فكرة حقوق الولايات إلى اتفاق وسطي ألا وهو تقسيم الحكم وتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية بتمثيل شعبي وحقوقي عام للمواطنين25.

إن الاختراع الأمريكي للفدرالية استند على مفهوم جديد للسيادة.. فطوال الأزمة التي سبقت انفصال أمريكا عن بريطانيا في عام 1776، كان المستوطنون يجادلون في حين كان البرلمان الإنكليزي يتحكم بكل الشؤون التي تتعلق بالإمبراطورية ككل، إذ كانت الهيئات التشريعية في المستوطنات في الواقع تسن قوانين خاصة بتلك المستوطنات، ومع هذا فإن الحكومات الأمريكية المبكرة في حقبة الحرب الثورية كانت تعمل بموجب النظرية القديمة بعدم جواز تجزئة السيادة، بموجب مواد النظام الكونفدرالي عام 1783. ففي أول دستور للبلاد، كان لكل ولاية أو مستوطنة سيادتها وكانت الولايات تتعاون في رابطة صداقة لمعالجة القضايا التي تهم البلاد ككل، ولكن تبين ان تجربة الشكل الكونفدرالي للحكم لم تكن مرضية.. كما ان البعض اعتبرها خطرة، فما حصل لم يكن ان ولايات عمدت الى حرمان بعض مواطنيها من حرياتهم وحسب، بل قامت أيضاً بتغليب مصالحها الخاصة على مصالح الدول ككل، فأدى الاستياء واسع النطاق من مواد النظام الكونفدرالي في العام 1787 الى عقد مؤتمر لمندوبي الولايات من اجل صوغ دستور جديد26.

ان النظام الدستوري الأمريكي وليد تيارين فكريين قديمين:

أولهما: محلي ناشئ عن تنوع الأوضاع الجغرافية والإقليمية، واختلاف المصالح الاقتصادية والنزعات النفسية بين سكان الشمال وسكان الجنوب، والثاني: ذو صبغة قومية اتحادية مبني على وحدة الجنس والأماني والتنظيم السياسي27.

ويعزى نجاح النظام الدستوري في الولايات المتحدة الى أنه لم يجعل للاتحاد الفيدرالي إلا سلطات مذكورة على سبيل الحصر، يحدها ما احتفظ به الدستور، صراحة، لكل من الولايات من سلطات ذاتية توازي السلطات الفيدرالية وتوازنها، فالولايات تتمتع بجميع الحقوق والسلطات التي تخول للدول المستقلة، فيما عدا ما يأتي28.

الحقوق التي يسلبها الدستور الفيدرالي صراحة من الولايات.

الحقوق التي بقيت على المشاع بين الولايات والحكومة الفيدرالية، وهذا عندما يقوم التعارض بين أوجه الاستعمال الفيدرالي لهذه الحقوق وأوجه استعمال الولايات لها.

حق الانفصال عن الاتحاد أو الاستقالة منه.

من ذلك مثلاً، أن الدستور يحرم على الولايات أن تتفاوض مع أية حكومة أجنبية. وليس ما يمنع إحدى الولايات من أن تتفاوض مع ولاية أخرى، إلا أن كل معاهدة تبرم بين ولايتين لا تصبح نافذة إلا بعد الحصول على موافقة الكونغرس، ولكل من الولايات والحكومة الفيدرالية حق تنظيم الأوضاع الصناعية والعمالية التي تتصل بالتبادل التجاري بين الولايات إلا في المسائل الداخلية، فالولايات مستقلة، حتى في الأمور التي تؤثر في أحوال الولايات الأخرى، من جراء التنافس مثلاً، كقوانين ضريبة الدخل في الولاية، أو قوانين الطلاق، وقد تيسر لأية ولاية ان تلحق بالولايات الأخرى أضراراً بليغة، قبل ان يصبح بالإمكان وقفها عند حدها، إما بتعديل الدستور الفيدرالي، أو بتفسيره على وجه يزيل الضرر أو يتدارك الإرهاق29.

ويقضي التعديل العاشر الذي تم عام 1791 بأن تعتبر الاختصاصات التي لم يمنحها الدستور إلى الدولة المركزية أو يحجبها عن الدول الأعضاء من اختصاص هذه الدول أو من اختصاص الشعب. وبالاستناد إلى هذا النص تعد القضايا التالية داخلة في اختصاص هذه الدول وهي: تنظيم الانتخاب والتشريع التجاري والجزائي، باستثناء ما يتعلق بالتبادل التجاري بين الدول الأعضاء، ولمحاكم كل دولة حق الفصل في جميع الدعاوى المدنية والجزائية التي تشملها قوانين هذه الدول، غير ان قراراتها المتعلقة بتطبيق أحكام الدستور الاتحادي والقوانين الاتحادية والمعاهدات الدولية المعقودة من قبل الدولة المركزية قابلة للاستئناف لدى المحكمة العليا في واشنطن.

وتتولى الحكومة المركزية للدولة الاتحادية الشؤون التالية: الإشراف على العلاقات الدولية، والدفاع الوطني، وتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية وبين دول الاتحاد، وإصدار النقد، وشؤون البريد، وفرض الضرائب وجبايتها، ومعاقبة الجرائم المقترفة ضد الاتحاد أو التي يحظرها القانون الدولي (كالقرصنة) وسن تشريع موحد في شؤون الإفلاس، واكتساب الجنسية، الخ..

أما تعديل دستور الاتحاد فإنه يتم بموافقة ثلاثة أرباع مجالس الدولة (المادة الخامسة من الدستور)30.

ان النظام الدستوري الأمريكي هو إذن ميزان ذو كفتين، إذ أودعت إحداهما سلطات مركزية فوضت فيها الحكومة الاتحادية بتوكيل لا رجوع فيه من الولايات المستقلة ذات السيادة.. وأودعت الكفة الأخرى سلطات لا مركزية احتفظ بها لكل من الولايات على حدة، ولا تزال تلك الولايات تسهر عليها وتتشبث بها كاملة، ولو أنه في الوقت نفسه نلاحظ ان قوانين الحكومة المركزية، ومقرها في واشنطن العاصمة تطبق على أي فرد يعيش داخل حدود البلاد، في حين تطبق قوانين حكومات كل من الولايات الخمسين على الناس المقيمين في تلك الولايات فقط31.

لقد استطاع الدستور الأمريكي ان يحقق، بين الكفة المركزية والكفة اللامركزية، توازناً عجزت الأجيال عن زعزعته، في نفس الوقت الذي يربط الولايات بعروة وثقى، فلقد تنازلت الولايات إلى غير عودة عن حقها في أن تخرج من الاتحاد وتنفصل عن الولايات المتحدة. ولم تنشب الحرب المدنية عام 1794 ثم في عام 1861 إلا من جراء ما ادعته بعض الولايات من أن من حقها أن تتحرر من بعض قيود الدستور الفيدرالي (محتجة بأن الدستور الفيدرالي لا يخرج عن ان يكون عقداً تراضت عليه دول كانت مستقلة قانوناً، مما جعل هذا العقد معاهدة دولية غير موثّقة بزمن، فلكل طرف ان يفسد هذه المعاهدة ويزيل القيد ليعود طليقاً في الميدان الدولي كما كان أولاً، وأودعت الولايات الثائرة على الاتحاد إذ إنها لا تزال دولاً بكل معنى الكلمة، فالحرب التي نشبت بين الولايات من جراء هذا الخلاف على تفسير الدستور الفيدرالي تعد حرباً دولية لا حرباً أهلية داخلية، ويسري بين الطرفين القانون الدولي فيما يقضي به من أصول التعامل بين الدول المتعادية، بمعنى أن المحارب الذي يقع في أيدي الأعداء يعد أسير حرب. أما الاتحاد الفيدرالي فكان يذهب إلى النقيض قائلاً إن الدستور الفيدرالي ميثاق أبدي يربط الولايات بعروة وثقى لا تنفصم مدى الدهور، فأهل الولايات الثائرة إنما هم مواطنون خونة، ومن يقع منهم في أيدي القوى المركزية يعد متمرّداً على السلطات الشرعية، فعقوبته الإعدام ومصادرة أملاكه32.

لقد كان واضعو الدستور مدركين لاحتمال وقوع نزاع بين مستويي الحكم او بين عناصر كل من المستويين، خاصة في مجال استخدام الصلاحيات المتزامنة، وقد تبنوا بعض الاستراتيجيات لتحاشي ذلك33.

أولاً: أعطى الدستور الفيدرالي ( دستور الولايات المتحدة) سيادة أعلى من سيادة دساتير الولايات، وهذه الحالة أعطت المحكمة العليا سلطة فرض تطبيقه، فقد تضمن الدستور فقرة أعلنت ان إجراءات الحكومة القومية تكون لها السيادة عندما يتضارب استخدامها الدستوري لسلطاتها مع الإجراءات المشروعة للولايات.

ثانياً: وكجزء من الحملة لتأمين المصادقة على الدستور، وافق واضعوه على دعم وثيقة الحقوق التي تضم التعديلات العشرة الأولى للدستور، ويهدف الى منع الحكومة المركزية (الفيدرالية) من التدخل في الحريات الفردية.

ثالثاً: وضع الدستور القواعد الأساسية للعلاقات بين الولايات بتعداده الموجبات المتبادلة المفروضة على الولايات تجاه بعضها، وجعل الحكم كله ولاية جديدة تنضم الى الاتحاد متساوية مع الولايات الأصلية.

رابعاً: تم تمثيل الولايات في الحكومة المركزية الفيدرالية بعدد متساو من الممثلين في المجلس الأعلى للكونغرس، أي مجلس الشيوخ.

لقد استطاع الدستور الأمريكي ان يحقق التكتل الإقليمي بين دويلات متجاورة مع الاحتفاظ لكل منها بحقّ تجميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية الذاتية التي لا تتنافى وجوباً مع اتحادها ببعضها بعضاً، إذ إن لكل من الدول الأعضاء دستوراً خاصاً بها ينطوي على النظام الجمهوري، ويترأس السلطة التنفيذية فيها حاكم ينتخب بالانتخاب العام لمدة تتراوح بين سنتين أو أربع سنوات، والسلطة التشريعية مرتبطة بالكونغرس المؤلف من مجلس الشيوخ ومجلس النواب باستثناء دولة نبراسكا التي اختارت عام 1937 نظام المجلس الموحد، ولكل دولة محكمة عليا تعد المرجع القضائي الأعلى34.

أما أجهزة الاتحاد الرئيسة فتتألف في الولايات المتحدة من ثلاثة أجهزة أساسية، هي: الجهاز التنفيذي: ويتولاه رئيس يتم انتخابه لمدة أربع سنوات بالانتخاب العام. وقد أصبح من الجائز إعادة انتخابه بعد انتهاء ولايته لدورة ثانية فقط وذلك منذ 27 شباط 1955؛ ويساعده عشرة وزراء مسؤولين أمامه مباشرة، وهو الذي يملك حق تعيينهم وإقالتهم، وينضم 348 عضواً ينتخبون لمدة سنتين، أما مجلس الشيوخ فيضم 100 عضو، يمثل كل ولاية من الولايات الخمسين عضوان بغض النظر عن حجم الولاية أو عدد سكانها، ويتم انتخابهم لمدة ست سنوات ويجدد ثلثهم كل سنتين، أما الجهاز القضائي فمؤلف من محكمة عليا تضم تسعة قضاة يعينهم الرئيس بموافقة مجلس الشيوخ مدى الحياة، وتتولى هذه المحكمة تسوية المنازعات التي تنشأ بين الدول الأعضاء، وتنسيق قوانين هذه الدول مع قانون الدولة المركزية، ومراقبة دستورية القوانين بصورة عامة35.

النموذج الثاني: النظام السياسي في سويسرا

يعد النظام السويسري المثال الوحيد في الوقت الحالي على تطبيق النظام المجلسي (أو كما هو معروف نظام حكومة الجمعية النيابية) بعد ان تراجعت جميع الدول التي أخذت بهذا النظام عن تطبيقه بعد فترات زمنية متفاوتة.. وتعد سويسرا منذ عام 1948 دولة اتحادية فيها دستور هو دستور 29/ مارس/ 1874 الذي حل محل دستور 12 أيلول 1848 واستبدل بالنظام الديمقراطي التمثيلي النظام الديمقراطي المباشر36.

ويتميز هذا الدستور، بأن من الأمور السهلة إجراء بعض التعديلات عليه، إذ يشترط لتعديله موافقة أغلبية الناخبين والمقاطعات الأعضاء37.

ان خصائص حكومة الجمعية النيابية تتوافر بشكل واضح في النظام الدستوري للاتحاد السويسري، إذ يتولى البرلمان المكون من مجلسين (المجلس الوطني ومجلس الولايات) السلطة العليا في البلاد بمقتضى الدستور الاتحادي، فيختص البرلمان السويسري بممارسة السلطة التشريعية، ويشرف على شؤون الحكم والإدارة، ويبرم المعاهدات مع الدول الأجنبية، كما يباشر البرلمان مهمة اختيار أعضاء المجلس الاتحادي الذي يتولى السلطة التنفيذية، فضلاً عن قيامه باختيار قضاة المحكمة العليا والقائد العام للجيش، وهو ما سنوضحه فيما يلي:

تعد سويسرا أصغر دولة من بين حوالي 30 دولة تتبع النظام الفيدرالي في العالم، وتتألف من 26 كانتونا38 ولكل منها دستوره الخاص، ومجلسه التنفيذي وبرلمانه ومحاكمه وقوانينه، وقد انقسمت تاريخياً ثلاثة كانتونات الى أنصاف كانتونات وهي أينتسيل و وانثرفالدين وبازل39.

أما اللغات فهنالك أربع لغات رسمية في سويسرا، هي اللغة الألمانية المنتشرة بنسبة 70% (وتستخدم في 15 كانتوناً)، وتأتي بعدها الفرنسية بنسبة 20% (وتستخدم في 5 كانتونات)، ثم الإيطالية بنسبة 5% (وتستخدم في تيسان، ومن ثم الرومانشية بنسبة 1% وتستخدم في كريزون.. وقد اصبحت لغة وطنية بتاريخ 8 تموز 193740.

وبصورة عامة يتألف النظام السياسي السويسري من ثلاثة مستويات سياسية، استنادا ً إلى الدستور الفيدرالي، وهي:

المستوى الكونفدرالي.

مستوى الكانتونات.

مستوى السلطات المحلية.

وللمستوى الكونفدرالي السلطة فقط في المجالات التي يقرها الدستور وتعود بقية المهام والمجالات لمستوى الكانتونات.. وهنالك حالات تتقاسم فيها الكونفدرالية والكانتونات مهام محددة41.

أما الأجهزة الأساسية، فهي:

أولاً: البرلمان وهو الجمعية الفيدرالية التي تتألف من غرفتين هما: مجلس الولايات وقوامه 44 عضواً.. بنسبة عضوين عن كل مقاطعة كبيرة كانت أم صغيرة، والمجلس الوطني وقوامه 200 نائب منتخب لمدة أربع سنوات بنسبة نائب واحد عن كل 22000 مواطن. ويعد هذا المجلس الحصن الحصين للنظام السويسري42.

ويجتمع المجلسان اعتيادياً أربع مرات سنوياً مدة كل منها اجتماع ثلاثة أسابيع، ولكلا المجلسين حقوق متساوية وموقع متساو، ويعد المجلس الوطني الممثل المباشر للشعب وتوزع المقاعد وفق العدد الكلي لكل كانتون وطول الفترة التي يمارس بها صلاحيته أربعة ممثليه ومدة بقاء هذا الممثل في منصبه، ولإقرار أي قانون لابد من مناقشته وإقراره في كلا المجلسين43.

ثانياً: السلطة التنفيذية، التي تسمى المجلس الفيدرالي، وهو يتألف من سبعة أعضاء وينتخب بشكل فردي من قبل كلا المجلسين لمدة أربع سنوات، ولا يجوز إقصاء العضو عن منصبه قبل انقضاء فترة الأربع سنوات (وتعد مهمته محدودة جداً وفخرية أكثر منها فعلية) ويتولى واحد من أعضاء المجلس الفيدرالي (المستشارين) رئاسة الدولة لمدة عام واحد وبالتناوب، وتتخذ القرارات جماعيا وعلى أساس قرار الأغلبية، ويصبح القرار جاهزاً للتنفيذ كأنه اتخذ جماعياً.

ويقوم كل مستشار فيدرالي بادارة واحدة من الوزارات التالية44.

الشؤون الخارجية.

الشؤون الداخلية.

العدل والشرطة.

الدفاع والحماية المدنية والرياضة.

الشؤون المالية.

الشؤون الاقتصادية.

شؤون البيئة والمواصلات والطاقة والاتصالات.

وتملك الجمعية الاتحادية مبدئياً حق إقالتهم متى شاءت، غير ان معظم أعضائه يستمرون غالباً في الحكم مدة عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً، مما يضمن للمجلس قسطاً وافراً من الاستقرار، كما أن المجلس الاتحادي جهاز غير متجانس، ولكنه ينعم بحكم الضرورة بالتوازن السياسي والجغرافي، إذ إن ثلاثة من أعضائه يمثلون الآن الحزب الراديكالي وثلاثة آخرين يمثلون الحزب الكاثوليكي، والسابع يمثل حزب الفلاحين، وفي الوقت نفسه يمثل أربعة منهم المنطقة الألمانية، واثنان المنطقة الفرنسية، وواحد المنطقة الإيطالية45.

ثالثاً: السلطة القضائية والمحكمة العليا: تتألف المحكمة العليا السويسرية من 30 قاضياً و(11) قاضياً احتياطياً ملازمين يتم انتخابهم من قبل الجمعية الفيدرالية لمدة 6سنوات. وتعد المحكمة العليا المرجع الأخير للطعون والتمييز القضائي46 وتقع في مدينة لوزان.

وأما بالنسبة للسلطات المحلية، فإن المادة الثالثة من دستور عام 1874 نصت على ان الكانتونات تتمتع بالسيادة ضمن الحدود المعينة لها في الدستور الاتحادي، وتمارس جميع الحقوق غير الممنوحة للسلطة الاتحادية، والدولة المركزية تضمن لجميع الكانتونات سلامة أراضيها وحرية سيادتها، وصيانة دستورها، وحرية الشعب وحقوقه، وحقوق المواطنين الدستورية، وجميع الحقوق والاختصاصات التي منحها الشعب الى السلطات العامة47.

وتنقسم الكانتونات كافة الى بلديات وكوميونات.. فهنالك الآن (3000) بلدية وكوميونة في سويسرا ويتمتع حوالي 20% منها بوجود برلمانها الخاص بها أما 80% منها فتتخذ القرارات فيها عن طريق الديمقراطية المباشرة في الجمعيات المحلية48.

ولكل كانتون حكومة خاصة قائمة على مبدأ سيادة الشعب. وبالرغم من أن الدستور الاتحادي لم يميز بشكل واضح بين اختصاصات الدولة المركزية واختصاصات المقاطعات، إلا أنه بصورة عامة يمكن تصنيفها الى ثلاث فئات، هي:

أ: القضايا التي تدخل ضمن اختصاص الدولة المركزية وحدها وهي القضايا الدولية والشؤون العسكرية والاقتصادية.

ب: القضايا التي تتقاسم اختصاصاتها الدولة المركزية والكانتونات، فتتولى الأولى سن القوانين وتقوم الثانية بتنفيذها، وهذا ما يتم في القضايا المدنية والجزائية، وشؤون العمل الصناعي، والمواصلات البرية والنهرية والجوية، وشؤون الصحة والاسعاف العام. والضمان الاجتماعي وتنظيم استغلال القوى المائية.. الخ.

ج: القضايا التي تتمتع المقاطعات فيها بكامل الاختصاص التشريعي والإداري شرط مراعاة بعض المبادئ العامة التي نص عليها الدستور الاتحادي، وفي مقدمة هذه القضايا التعليم والشؤون المالية49.

إلا ان ما يمكن ملاحظته على النظام السياسي السويسري هو عدم التوازن الأفقي (عدد الكانتونات وسعتها) إذ تتغاير هذه الكانتونات من ناحية الأبعاد الاجتماعية/ الاقتصادية، فمثلاً كانتون زيورخ وبيرن هما أكبر 70 مرة من أصغر الكانتونات مثل كانتون أبنسل رودس الداخلية، فمن ناحية عدم المساواة الاقتصادية، رغم صعوبة وضع خط فاصل بين الأغنياء والفقراء، يمكن اعتبار ان 20% من الناتج المحلي الإجمالي يتشكل في كانتون زيورخ وحده في الوقت الذي يعيش فيه 16% من السكان.. وفي عام 1998 كان الناتج المحلي الإجمالي لكانتونات مثل بازل ضعف الناتج المحلي الإجمالي لكانتون جورا، ويشير هذا وأمثلة أخرى الى عدم التماثل في هذه الحالة.

يزيد على ما تقدم وجود عدم توازن رأسي (العمودي)، ويشتمل هذا على المصاريف أو الإنفاقات والفعاليات التي تقوم بها الكانتونات المختلفة والتي تيسّر لنا إحصائيات متعددة ليس هنا مجال ذكرها50.

إلا أنه في الوقت ذاته يعد هذا اللاتوازن العمودي والرأسي بؤرة الديناميت الفيدرالية السويسرية، وتنقسم هذه بدورها الى التفاعل المتبادل فيما يخص تنفيذ المسؤوليات وتوزيع الموارد المالية51.

النموذج الثالث : روسيا الاتحادية.

ان نظرة عامة الى الدستور الاتحادي في روسيا الاتحادية والذي تم تبنيه في 12/ كانون الثاني/ 1993 أي بعد عام كامل من استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في كانون الأول 1991، تبين وبصورة لا لبس فيها إلى الأسس التي قرر شعب روسيا الاتحادية الاتحاد عليها، فشعب روسيا الاتحادية شعب واحد متعدد القوميات، كما يشير في ديباجته الى المصير المشترك على أرض الدولة ويؤكد على حقوق الإنسان وحرياته والمحافظة على وحدة الدولة التاريخية52.

من هنا يمكننا استنتاج ما يلي:

ان الاتحاد هو خيار حر للقوميات المؤسسة لشعب روسيا الاتحادية.

ان المصير المشترك هو الدافع الاول لهذا الاتحاد.

ان الارض التي تشكلها روسيا الاتحادية هي الوعاء الذي تم فيه هذا الاتحاد.

ان حقوق الانسان وحرياته مرتكز أساسي من مرتكزات الاتحاد.

ان أمن المواطنين وتوافقهم هو الآخر احد اهداف الاتحاد.

والأهم من ذلك جميعاً هو «المحافظة على وحدة الدولة التاريخية، مما يعني ان هذا الاتحاد الاختياري هو اتحاد أبدي غير قابل للانفصال.

لقد وصفت المادة الأولى من الدستور الروسي وفي القسم الخاص بأساسيات النظام الدستوري بان الاتحاد الروسي هو (دولة ديمقراطية ذات نظام حكم فدرالي وحكومة تتبع النظام الجمهوري، وان اسمي روسيا الاتحادية وروسيا هما اسمان مترادفان يعني إحداهما الآخر، مما يدفعنا للاستنتاج بان الهوية القومية/ الحضارية للدولة الروسية هي الهوية الروسية53.

ويشير الدستور الروسي الى قضية الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) واستقلاليتها عن بعضها، وهو ما نصت عليه الفقرة رقم (10) من الدستور الروسي والتي تقول ( إن سلطة الدولة في روسيا الاتحادية تمارس على أساس الفصل بين الفروع التشريعية والتنفيذية والقضائية.. وتكون هذه الهيئات مستقلة عن بعضها بعضاً54.

وفي الوقت نفسه أكّد الدستور على مسؤولية الدولة عن حماية رفاه وسلامة الشعب. وبإشارة الى الإرث الاشتراكي للدولة بيّن الدستور ضمان حد أدنى من الأجور والدخل المضمون ودعم الأسرة والأمومة والطفولة والمعاقين والمواطنين المتقدمين في السن، مع تطوير نظام للخدمات الاجتماعية، وغير ذلك من الضمانات.

وبيّن الدستور بان الرئيس هو رئيس لروسيا الاتحادية وأن السلطة تمارس من قبله ومن قبل المجمع الفيدرالي (يعني المجلس الفيدرالي) (مجلس الدوما)، حكومة روسيا الاتحادية والقضاء55.

ويمارس الرئيس صلاحياته (الواسعة) على أساس النظام الرئاسي (أي أنه يمارس السيطرة اليومية على شؤون الفرع التنفيذي (الحكومة بوزاراتها ومؤسساتها المختلفة)فيقوم بتعيين رئيس الحكومة الذي يعرض على مجلس الدوما للموافقة عليه، وله حق ترؤس اجتماعات الحكومة وله ان يقرر إقالة الحكومة، ويقدم مرشحه لمجلس الدوما لتعيينه وكذلك رئيس البنك المركزي ويحيل الى مجلس الدوما أيضاً اقتراحه بتسريح رئيس البنك من منصبه، وله حق تعيين أو طرد الرئيس التنفيذي للحكومة والوزارات الفيدرالية بحسب اقتراح رئيس الحكومة.

ويحيل الى المجلس الفيدرالي مرشحيه للتعيين من المكتب القضائي للمحكمة الدستورية، والمحكمة العليا، ومحكمة فصل النزاعات العليا، فضلاً عن مرشحيه للادعاء العام، كما يحيل الى المجلس الفيدرالي اقتراحه بتسريح المدعي العام لروسيا الاتحادية من واجباته، وتعيين القضاة من المحاكم الفيدرالية56. يقوم بالإشراف على مجريات السياسة الخارجية، ويجري المفاوضات، ويوقع على المعاهدات الدولية، ويوقع وثائق المصادقة، ويقبل اعتماد ووثائق استدعاء الممثلين الدبلوماسيين المعتمدين من قبله57، ويعد الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويستطيع في حالة الاعتداء ضد الدولة أو التهديد المباشر لها ان يقدم مادة قانون حول الأراضي أو المناطق الروسية مع الإعلام المباشر للمجلس الفيدرالي ومجلس الدوما58، كما يستطيع إعلان حالة الطوارئ وذلك حسب الظروف السائدة وبما يقره قانون الدستور الفيدرالي59. كما يقوم رئيس الدولة بالدعوة لانتخاب مجلس الدوما وحل المجلس وبالطرق التي يقرها الدستور، فضلاً عن دعوته الى استفتاء عام وإدخال مسودة قانون الى مجلس الدوما وتوقيع ونشر القانون الفيدرالي وتقديم رسائل سنوية للتجمع الفيدرالي حول وضع البلد والاتجاهات الأساسية للسياسات الداخلية والخارجية 60.

ويعترف الدستور بحق الحكم الذاتي المحلي في أنحاء روسيا الاتحادية كافة وهو بذلك يضمن حق العرقيات كافة والمجموعات القومية الأخرى.. إذ أشارت الفقرة (5) و(65) من الفصل الاول (تتكون روسيا الاتحادية من جمهوريات ذات حكم ذاتي، وعددها 21 جمهورية، و6 اقاليم ذات حكم ذاتي، و53 منطقة ذات حكم ذاتي ومدينتين فيدراليتين هما موسكو وبيرسبرغ، وهنالك إمكانية لزيادة واستحداث مثل هذه المناطق، ونلاحظ هنا ان مدينتي (موسكو) العاصمة وبيترسبرغ (العاصمة القيصرية) قد عُّدتا مدينتين فدراليتين.

ولكل جمهورية أو مقاطعة أو مدينة فيدرالية أو إقليم حكم ذاتي، قانونها وتشريعها الخاص61. لكن مع هذا يبقى الدستور الفيدرالي مالكاً للقوة القانونية العليا والتأثير المباشر ويطبق في جميع أنحاء روسيا الاتحادية62.

أما بالنسبة للمواطنة، فإنها تكتسب وتنهى حسب القانون الفدرالي وهي من درجة واحدة ومتساوية مهما كان سبب اكتسابها,والمواطنون متساوون في حقوقهم وواجباتهم63.

وأشارت المادة 66الى ان الوضع القانوني للجمهوريات الاتحادية يحدده القانون، وكذلك الأمر بالنسبة للأقاليم والمناطق.

وتشيرالمادة 71 الىالسلطات والصلاحيات الفدرالية وتشمل ما يلي64:

تبني وتعديل الدستور والقانون الفيدرالي والاشراف على تطبيقها.

التكوين الفيدرالي والاراضي التابعة لروسيا الاتحادية.

تنظيم وحماية حقوق وحريات الانسان والمواطن, وتنظيم وحماية حقوق الاقليات الوطنية.

تأسيس نظام الهيئات التشريعية والتنفيذية والسلطات القضائية الفيدرالية, وطريقة تنظيمها وفعالياتها، وتكوين الهيئات الفدرالية لسلطة الدولة.

خصائص وامتيازات الفيدرالية والدولة واداراتها.

تحديد المبادئ الاساسية للسياسة والبرامج الفيدرالية في مجال الدولة, الاقتصاد, البيئة, والتطورالاجتماعي والوطني لروسيا الاتحادية.

وضع إطار قانوني لاقتصاد السوق, وتوحيد العملة, والأرصدة, ونظام الرسوم الجمركية, وإصدار الأموال وخطط لنظام التسعيرة, والخدمة الاقتصادية الفيدرالية بما في ذلك البنوك الفيدرالية.

الميزانية الفيدرالية, وجباية الضرائب الفيدرالية, وصندوق التنمية الإقليمي الفيدرالي.

دوائر السلطة الفيدرالية, والطاقة النووية, والمواد القابلة للانشطار, والتنقلات والمواصلات الفيدرالية, والسكك الحديد, والاستعلامات والاتصالات, والأنشطة الفضائية.

السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لروسيا الاتحادية, والمعاهدات الدولية لروسيا في السلم والحرب.

العلاقات التجارية الخارجية لروسيا الاتحادية.

الدفاع والأمن, والإنتاج العسكري, تحديد طرق بيع الأسلحة, والذخيرة الحربية, والترسانة الحربية والمعدات الأخرى, وإنتاج المواد القابلة للانشطار, والمواد السامة, والمواد المخدرة وطرق استخدمها.

تعريف الوضع القانوني وحماية حدود الدولة, والمياه الإقليمية, والمجال الجوي, والمنطقة الاقتصادية الحرة والجرف القاري لروسيا الاتحادية.

المحاكم القانونية, ومكاتب الادعاء, والجنايات, والإجراءات الجنائية والتشريعات التنفيذية الجنائية, والعفو العام والعقوبات المدنية, والإجراءات المدنية وتشريع قوانين الأحوال الشخصية.

قانون المكتب الفيدرالي.

الخدمات الأرصادية, والنظام المتري وقياس الزمن, وقياس سطح الأرض, ورسم الخرائط, والتسميات للمناطق الجغرافية, والإحصاء والتعداد الرسمي.

التصميم الفني والعناوين المشرفة للدولة.

خدمات الدولة الفيدرالية.

الخاتمة :

أذن، يتضح مما سبق ان كل التجارب الفيدرالية القائمة حاليا, رغم قلتها قياسا الى نمط الدولة المركزية الموحدة65 تعتمد على صيغ متشابهة من حيث الشكل والمضمون.. فمن ناحية الشكل فان النظام الفيدرالي يقوم على أساس لامركزية إدارية بالنسبة للولايات والأقاليم المكونة للدولة الاتحادية, وليس في كل الحالات على أسس جغرافية/ قومية أو دينية/ طائفية. أما من ناحية المضمون، فإن غالبية التجارب تشير الى وجود حالة معينة من تقسيم السلطات وتوزيع الصلاحيات فيما بين الدول الفيدرالية وبين الولايات أو الأقاليم المكونة لها، إذ تختص الأولى بأعمال السيادة و الشؤون السياسية الأخرى كافة، كإعلان الحرب وعقد الاتفاقيات الخارجية ووضع نظام العمل والسيطرة عليه، والسيطرة على الثروات القومية، في حين ينصب اختصاص الحكومات المحلية على الإدارة المحلية التابعة لها، وما يترتب على ذلك من صلاحيات تتعلق بالمجالات الثقافية والتعليمية، فضلاً عن الأنشطة والتجارب بين الحكومات أو الولايات، وقضايا الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والأمور كافة التي ليست من اختصاص الحكومة الفيدرالية، بما لا يتعارض مع القانون الأساسي (الدستور) للدولة وحفظ وصيانة الأمن الداخلي وتشغيل منظومات فرض القانون والسيطرة عليها، والمحافظة على الوحدة الوطنية أرضاً وشعباً، وفي هذا السياق، فان مطلب الفيدرالية المراد تطبيقه على العراق، إذا كان لابد من طرح صيغته وتسويق طروحاته كبديل حتمي أو خيار وحيد، برغم أن هذا الموضوع هو من صلاحية الشعب وحده66 دون سواه، فهو مصدر أي سلطة وغاية أي تشريع فينبغي علينا والحالة هذه الاقتداء بالتجارب الفيدرالية المستقرة والناجحة في العالم المتقدم كالفيدرالية الأمريكية والسويسرية والروسية وسواها،عبر تشكيل حكومات محلية مخولة بكافة الصلاحيات الإدارية والتشريعية بما يخدم شؤون ولاياتها، على ان لا يتعارض ذلك مع اختصاص وصلاحية الدولة الفيدرالية (الاتحادية). ونرى ان يكون شكل الدولة العراقية المستقبلي اتحادياً أبدياً بين مكونيها الرئيسيين (العرب والأكراد) باعتبارها الصيغة المقبولة والمعقولة التي تلبي الطموحات لمختلف مكونات الشعب العراقي وباعتبار ان ذلك يتوافق مع متطلبات القانون الدولي ويستجيب لمواثيقه الخاصة بمبادئ حقوق الإنسان وإشاعة روح المساواة في الحقوق والمساواة والواجبات لجميع أبناء الشعب دون تمييز أو مفاضلة على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو اللغة.

إلا أن ما سيؤخذ على النظام الفيدرالي في حال تطبيقه في العراق أن العراقيين لم تتراكم لديهم خبرة كافية لتطبيق مثل هكذا نظام، وان كان هذا لا يعد مانعاً من تطبيقه، ولكن ينبغي التثقيف على هذا الأساس وبيان آلية العلاقة بين السلطة المركزية والسلطات المحلية؛ ليكون المواطن على بينة لنمط نظام الحكم الذي سيعيش في كنفه.

الهوامش:

هناك مصطلح آخر قد يتداخل مفهومه مع مفهوم الفدرالية لدى غير المختصين الا وهو الكونفدرالية والتي تعني ذلك الاتحاد الناشئ بموجب اتفاق بين دولتين او اكثر في معاهدة دولية على الدخول في الاتحاد مع احتفاظ كل دولة باستقلالها الخارجي وبقاء نظمها الداخلية دون تغيير، وتملك الدول الداخلة في المعاهدة حق الخروج منها متى شاءت فضلا عن تمتع رعايا كل الدول بجنسيتهم الخاصة بهم، ذلك ان العلاقات تقوم بين الحكومات وليس الشعوب، كما ان الحروب التي قد تنشأ بين دول الاتحاد الكونفدرالية تعد حروبا دولية.. وفي نهاية المطاف يمكن للاتحاد ان ينتهي بين الدول عن طريق الانفصال حسب ما تقتضيه المصالح الخاصة بكل دولة داخلة في معاهدة الاتحاد الكونفدرالي.. والاتحاد الكونفدرالي اتحاد ضعيف الروابط يجمع بين دول مستقلة تحتفظ فيه كل دولة باستقلالها التامّ.. مع الاتفاق على بعض القطاعات المشتركة بين الدولتين او الدول المشتركة فيه.. ويشترط في مثل هذا النوع من الاتحاد عادة ان تكون قراراته بالاجماع بل انها تكون عادة مجرد توصيات ترفع الى السلطات المختصة في كل بلد على حدة لإقرارها النهائي.

عبد الوهاب امكيالي وآخرون، الموسوعة السياسية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الاولى 1974، 20. انظر قضايا سياسية، الفدرالية بين المفهوم واشكالية التطبيق في العراق،كراس صادر عن التجمع الوطني المستقل، الكراس الثاني 1تموز 2003، ص7

حميد الدهلكي، مشروع الصدرين.. تعدد ادوار وحدة هدف http //www.daawa party: com /jamahir 15. Htm

نقلا عن عبد الرحمن البزاز، الدولة الموحدة والدولة الاتحادية ( القاهرة: دار القلم، الطبعة الثالثة 1966 ) ص59 ورد محمد فتوح محمد عثمان، رئيس الدولة في النظام الفدرالي ( القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977 ) ص10

ابراهيم عبد العزيز شيحا، الموجز في النظم السياسية والقانون الدستوري: دراسة تحليلية للنظام الدستوري اللبناني ( بيروت، الدار الجامعية السنة بلا ) ص73

ديفيد نودنهايمر، الفيدرالية والديمقراطية

https//usinfo.state.gov/arabic/democracy/democrcy4.htm

نور الدين الحيالي، الفيدرالية وخطورتها على مستقبل العراق، ص6 (ارجع إلى أحمد عطية الله)

قضايا سياسية راهنة، مرجع سبق ذكره، ص 3-4 ارجع إلى مجموعة باحثين، موسوعة العلوم السياسية، الكويت، جامعة الكويت، الجزء الاول، 1993-1994، ص 460

سموحي فوق العادة، القانون الدولي العام، ص 145.

إبراهيم عبد العزيز شيحا، مرجع سبق ذكره، ص ص 74-75.

محمد فتوح عثمان، مرجع سبق ذكره، ص 12.

ريموند كارفيلد كيتيل، العلوم السياسية، ترجمة فاضل زكي (بغداد: مكتبة النهظة، الجزء الأول، 1966)، ص 312.

إبراهيم عبد العزيز شيحا، مرجع سبق ذكره، ص ص 76-77.

ريموند كارفيلد كيتيل، مرجع سبق ذكره، ص 312.

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 147.

ريموند كارفيلد كيتيل، مرجع سبق ذكره، ص 312.

ابراهيم عبد العزيز شيحا، مرجع سبق ذكره، ص 78.

المرجع السابق، ص 80.

المرجع السابق،ص81.ايضاhttp: fire.proh osting.comzarabudarahahia-alfedralia-doktor-majid.htm

لمزيد من التفاصيل، انظر: ريمونك كارفيلد كيتيل، مرجع سبق ذكره، ص 310-314. وكذلك ابراهيم عبد العزيز شيحا، مرجع سبق ذكره، ص81.

هذه الدول هي (الولايات المتحدة الامريكية، وروسيا الاتحادية، وسويسرا، وألمانيا، وكندا، واستراليا، وبلجيكا، والبوسنة والهرسك، والبرازيل، واثيوبيا، والإمارات العربية المتحدة، والهند، وماليزيا، والمكسيك، ونيجريا، والباكستان، وصربيا والجبل الأسود، وأسبانيا، وجنوب أفريقيا، والنمسا، وفنزويلا) http:fire. prohosting.comzarabudFEDRALASTAT.htm

ريموند كارفيلد كيتيل، مرجع سبق ذكره، ص319.

ابراهيم عبد العزيز شيحا، مرجع سبق ذكره، ص 89.

ريموند كارفيلد كيتيل، مرجع سبق ذكره، ص 319-320.

محمد فتوح عثمان، مرجع سبق ذكره، ص 18.

ابراهيم عبد العزيز شيحا، مرجع سبق ذكره، ص 89.

http://fire-prohosting.com/zarabud/defintion.htm.

أنظر ذلك في ديفيد بودنهايمر، مرجع سبق ذكره، ص2.

سمو حي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 137.

دافيد كوستمان كويل، النظام السياسي في الولايات المتحدة، ترجمة توفيق حبيب (القاهرة: مكتبة الخانجي، السنة بلا)، ص 195.

المرجع السابق، ص 196.

سموحي فوق العادة مرجع سبق ذكره، ص 149.

ديفيد بودنهايمر، مرجع سبق ذكره، ص 2.

دافيد كوشمان كويل مرجع سبق ذكره، ص من 32 33.

ديفيد بودنهايمر، مرجع سبق ذكره، ص 2.

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 149.

المرجع السابق، ص 149.

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 150.

ريموند كارفيلد كيتل، مرجع سبق ذكره، ص315.

الكانتونات: مناطق ادارية تملك نوعاً من الاستقلال الذاتي داخل الدولة.

Fridolin M. R.waither, Introduction to the swisslegalsys tem: Abuide for Foreign Researchers,http://www.11X.com/features /swiss.htm

انظر المرجع السابق، وأيضاً راجع سمو حي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 150.

Feidolin M.R. walther,op.city,p3.

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، صص 150 151.

Feidolin M.R. walther,op.city,p4.

I bid.

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 151.

I bid.

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، صص 150 151.

Feidolin M.R. walther,op.city,p4

سموحي فوق العادة، مرجع سبق ذكره، ص 152.

للمزيد من التفاصيل ارجع إلى:

Dr Sohjawalti, Balance and I mbalance in the Swiss Federa/ System,Lausanne University and Georgetown University August 2001, PP 1- 18.

I bid.

الدستور الروسي، الديباجة.

راجع القسم الأول، أساسيات النظام الدستوري، الدستور الروسي، الفقرة (1).

الدستور الروسي، الفقرة 10.

الدستور الروسي، الفقرة 11، المادة (أ).

الدستور الروسي، الفقرة 83.

الدستور الروسي، الفصل الرابع، الفقرة 86، المادة أ، ب، ج، د.

الدستور الروسي، الفقرة 87، 1، 2.

الدستور الروسي، الفقرة 88.

الدستور الروسي، الفقرة 84.

الدستور الروسي، الفصل الاول، الفقرة (5).

الدستور الروسي، الفقرة، 15.

الدستور الروسي، الفصل الاول، الفقرة (6).

الدستور الروسي، الفقرة (71).

هي الدولة التي تنفرد سلطة واحدة بإدارة شؤونها الداخلية والخارجية ولا يؤثر في الدولة كونها تحتوي على رقعة واسعة أو ضيقة من الأرض، أو أنها مكونة من عدة مقاطعات أو أقاليم تخضع للنظام اللامركزي في الإدارة. راجع حكمت شبر، القانون الروسي الدولي العام (بغداد: مطبعة دار السلام. الجزء الأول، 1975، ص239).

يترك الأمر للاستفتاء الشامل للشعب العراقي.

http://www.ju.edu.jo/old_publication/Cultural68/68/Federal.htm

كلمات البحث الموفِدة:

  • تحميل كتاب الانظمة السياسية المعاصرة – الدول والحكومات – دكتور ابراهيم عبدالعزيز شيحا (1)
  • تحميل كتاب النظام المالي الفيدرالي (1)
118 Views

عن

إلى الأعلى