الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الاقتصاد والمال » الأسهم والبورصات » الاستثمار في الأسهم وحكمه في الشريعة الإسلامية

الاستثمار في الأسهم وحكمه في الشريعة الإسلامية


8403.imgcache الاستثمار في الأسهم وحكمه في الشريعة الإسلامية

الاستثمار في الأسهم وحكمه في الشريعة الإسلامية

حمزة حمّاد
عمان – الأردن

إننا في هذا العصر بحاجة إلى البحث عن الحلول النافعة، حتى وإن قامت على رأي فقيه واحد ما دام رأيه يحقق المصلحة للمسلمين؛ وما دام هذا الفقيه فقيها بمعناه الاصطلاحي، لا (التجاري)!! وليس هناك – في رأيي- ما يدعو إلى البحث عن رأي سابق ما دامت المشكلات وليدة العصر الجديد!! بل لا يجب – في رأيي- أيضا أن يقف تحليل ما يجدُّ من قضايا على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى ذلك إلى ضعف المسلمين، واستيلاء أهل الكفر على بلاد الإسلام كما هو حاصل اليوم. لذا يجب أن نبحث في إطار المبادئ والأصول العامة التي تحقق الخير للأمة، بحيث لا نتعارض مع نص شرعي ثابت.
ولما كان للاستثمار أشكال ووجوه شتى. ونظراً لأهميته وضرورة ممارسته في مختلف الأزمنة والأمكنة. ولأن الشبهات حول حلّ المعاملات وحرمتها قائمة منذ عهده صلى الله عليه وسلم، فقد كان الاستثمار عن طريق الأسهم من هذه الأمور المختلف في حلها. لذا فقد وقفت على مسألة ( الاستثمار في الأسهم)، ونظرت في وجهات النظر المبيحة والمحرمة، ما أمكنني من ترجيح أحد الحكمين، والرد على الحكم المعارض.
وبما أني أتحدث عن حكم ( الاستثمار في الأسهم)؛ كان من المنطقي أن أنظر في الكلمتين المعنونتين للمقالة؛ الاستثمار، والأسهم. وكانت مقالتي هذه من نظرة على الاستثمار، ووقفة على الأسهم والاستثمار فيها.
أولا: الاستثمار
تعريف الاستثمار
الاستثمار لغة: هو مصدر الفعل استثمر، أي طلب الإثمار. وثـمـر الشجر ثمورا أي أظهر ثمره. وثمر الشيء أي نضج وكمل. ويقال ثمر المال أي نما وكبر بمعنى زاد. ويقال استثمر ماله وثمره أي استعمله في الإنتاج. والثمرة هي واحدة الثمر؛ فإذا استعملت للشجر فهي ما تحمله الشجرة، وإذا استعملت للشيء فهي فائدته، وإذا استعملت للقلب فهي مودته.(1)
الاستثمار اصطلاحا:
المصطلح الشرعي: يرتبط بالرشد والسفاهة، كمعيار للتفريق بين شخصيهما؛ فالسفيه الذي لا يصلح لاستثمار ماله وإصلاحه. ويقال عنه رشيداً إذا استطاع أن يصلح ماله ويثمره.(2)
المصطلح الاقتصادي: هو إعادة استخدام المال في العمليات الإنتاجية، بقصد الحصول على إيراد أعلى من رأس المال المستعمل في المشروع.(3) ويكون رأس المال المستعمل إما عن طريق القروض، التي تسد بعد فترة متفق عليها من قبل المقرض والمقترض. وإما من خلال رأس المال المدفوع الذي يدفعه المساهمون الأساسيون في الشركة،(4) وقد تكون مساهمتهم جزءاً من رأس المال، ثم تعوض بقية المبلغ من خلال الأسهم المطروحة للاكتتاب.(5)
وقد يكون الاستثمار إما بطريقة مباشرة، بشراء الآلات والمعدات والمواد الأولية. وإما بطريقة غير مباشرة بشراء الأسهم، والسندات.(6)
2.حكم الاستثمار في الإسلام:
يقول الله تبارك وتعالى: }ولا تُؤتُوا السُّفهاء أموالكُمُ الّتي جعل اللّهُ لكُم قيامًا وارزُقُوهُم فيها{ (النساء: 5). نستدل من كلام الله جل وعلا في هذه الآية أن العناية بالمال وتثميره وتقويته واجبة. حتى تقوى شوكة الأمة وتصبح قادرة على بناء ذاتها. وقادرة على تحصيل المعارف والتقدم والتطور وتحقيق الخير والسعادة لأبنائها، حتى تتمكن من النهضة وبناء الحضارة الإسلامية، حيث لا يتحقق ذلك إلا بالمال. معنى ذلك أن الاستثمار واجب على الأمة الإسلامية.
ويدلنا وجوب الزكاة في الأموال التي يحصل عليها أصحابها إلى أن ذلك مرجعه التجارة. إذ لا تجب الزكاة على من يعيش معيشة الكفاف، وإنما على من له رصيد من المال قد بلغ نصابه. فهذا يدفع أصحاب المال إلى التجارة؛ فإن لم يفعلوا تشتتت أموالهم ونفدت بين الصدقات والنفقات.
ويقول الله تعالى: }كي لا يكُون دُولةً بين الأغنياء منكُم{ (الحشر: 7) ونخرج من ذلك إلى أن الأموال يجب أن توزع في المجتمع الإسلامي، ومن المعلوم أن الأموال لا توزع إلا بطريقين: إما الصدقات والمواريث، وإما عن طريق الاستثمار، حيث يستفيد منه المجتمع بفئاته جميعها من تجار وصناع وزراع وما إلى ذلك.
نقف أخيرا على قوله تعالى: } وأعدُّوا لهُم ما استطعتُم من قُوّة{ (الأنفال: 60) ومن أين ستأتي هذه القوة إن لم يكن لدى الأمة مال تعد نفسها بواسطته، وكيف تشتري ما يلزمها من سلاح وعتاد إن لم يكن بالمال! وإنا لنرى الجهاد بالمال يقدم على الجهاد بالنفس؛ }يُجاهدُوُن في سبيل الله بأموالهم وأنفُسهم{. ذلك أن الجهاد بالنفس يتطلب الإعداد بالمال. ويجب للحصول على المال أن يستثمر، ويـُنـمـّى، ومن هنا فالاستثمار واجب لضرورته. ولا ننسى أن من مقاصد هذه الشريعة الخمسة الحفاظ على الأموال، وذلك لا يتحقق إلا عن طريق استثمارها وتنميتها.
ثانيا: الأسهم
تعريف الأسهم:

الأسهم هي جمع سهم، والسهم من معانيه اللغوية النصيب. وساهمه الشيء أي قاسمه وأخذ سهما أي نصيبا، ومن هذا المعنى أخذ مصطلح الشركة المساهمة.(7)
والسهم بمعناه الاقتصادي، هو الجزء من رأس المال المستعمل في الشركة. وللأسهم مجموعة خصائص أهمها تساوي قيمتها، وبالتالي تساوي حقوق مالكيها، كل حسب قيمة ما له من الأسهم؛ إذ يحق لحامل السهم نصيبه من أرباح الشركة، واحتياطاتها، وحق التنازل عن السهم والتصرف فيه، كما ويحق له اقتسام موجودات الشركة في حال تم تصفيتها!(8)
والسهم كما عرفه الدكتور طارق حماد هو صك يثبت لصاحبه الحق في حصة شائعة في ملكية صافي أصول شركة مساهمة. ويضمن له الحق في الحصول على حصة من أرباح الشركة بما يتناسب مع ما يملك المساهم من أسهم. وتكون مسؤولية المساهم محدودة بمقدار مساهمته. (9)
أنواع الأسهم:

هناك معايير عدة تقسم الأسهم وفقا لها، ويهمنا هنا التصنيف الذي نرتكز عليه من حيث الحل أو الحرمة. لذلك سنقسم الأسهم إلى قسمين، الأول أسهم المؤسسات الحرام، وأسهم المؤسسات غير الحرام.
أولا: أسهم الشركات الحرام:
الأسهم التي تطرحها شركات يقوم نشاطها على عمل محرم منهي عنه شرعا، كتلك التي يكون محلها الخنزير، والخمور والمخدرات، والقمار ونحوها من المحرمات. وكذلك الشركات التي ينحصر نشاطها في الربا كالبنوك الربوية. فهذه الشركات جميعها لا يجوز إنشاؤها أصلا، وبالتالي لا تجوز المساهمة في إنشائها، ولا التصرف فيها بيعا ولا شراءً.
ثانيا: أسهم الشركات الحلال:
وهذه الأسهم تكون لشركات قائمة على مبادئ لا تتعارض مع شرع الله تعالى، من حيث رأس مالها الحلال، وتعاملها في الحلال، ونشاطها وإنتاجها الملتزم بحدود الحلال، ولا تتعامل بالربا إقراضاً، ولا اقتراضاً. فهذا النوع من أسهم الشركات سواءً أكانت تجارية أم صناعية أم زراعية فليس هناك ما يمنع من القول بحلها وحل جميع التصرفات الشرعية فيها؛ وذلك لأن الأصل في التصرفات والعقود المالية الإباحة ، وهذه الأسهم ليس فيها ما هو محرم، وكل ما في الأمر أنها نظمت أموال الشركة وفقا لقواعد الاقتصاد الحديث، ولم تتصادم بأي مبدأ إسلامي.
هناك عدة وجهات نظر أثيرت حول التعامل بالأسهم، وقيل بحرمتها، لأسباب عدة، لذا لا بد من الوقوف على أبرز هذه الشبهات، وتمرير رأينا القائل بحلها عليها، فإني أرجح رأيي الذي أحاول هنا إثباته.
وجهات النظر المثارة حول حرمة أسهم الشركات غير الحرام:

  1. أن هذه الأسهم جزء من النظام الرأسمالي الذي لا يتفق جملة وتفصيلاً مع الإسلام. وأن الشركات الرأسمالية لا تجوز شرعاً؛ لأنها تمثل وجهة نظر مخالفة للإسلام؛ فلا يصح الأخذ بها.(10)
  2. قيست الأسهم على أوراق النقد حيث يهبط سعرها ويرتفع، وتتفاوت قيمتها وتتغير، ومن هنا يخرج السهم بعد بدء الشركة عن كونه رأس مال، ويصير ورقة مالية!(11)
  3. الجهالة في عملية الشراء، حيث لا يعلم المشتري علماً تفصيليًّا بحقيقة محتوى السهم.
  4. أن جزءاً من السهم يمثل ديناً للشركة؛ فلا يصح بيعه بثمن مؤجل؛ لأنه يكون بيع الدين بالدين وهو منهي عنه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ أي: الدين بالدين.

الرد على وجهات النظر الأربع، التي تفضل بها أصحابها الأكارم جزاهم الله خيرا:
القضية الأولى: (قضية المرجعية الرأسمالية)
أقول في هذا إن الإسلام لم يبتدع أخلاقه ابتداعا؛ لقد جاء الإسلام إلى بيئة فيها من الأخلاق ما هو صالح وفيها ما هو فاسد، فأقر ما فيه خير، ونهى عن المفسدة. إذن فالإسلام لا يرفض شيئاً؛ لمجرد أنه جاء من نظام آخر، أو وجد فيه، وإنما الحكم في الإسلام يجب أن يكون موضوعياً، يقوم على مدى موافقاته لقواعد الشرع، أو مخالفته لها، ولا ننسى أن (الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها). وبما أن الأسهم القائمة على الحلال لا تتضمن مانعاً شرعيا، فما الذي يدعو إلى القول بحرمتها؟!
ويقول أصحاب هذا الرأي إن الأسهم بمثابة سندات بقيمة موجودات الشركة، وهي تمثل ثمن الشركة وقت تقديرها، وليست أجزاء لا تتجزأ من الشركة، ولا تمثل رأس مالها عند إنشائها. غير أن هذا الحكم والتصور للأسهم ربما ظنه أصحابه مطابق للحقيقة، لكن ظنهم ليس في مكانه؛ إذ الواقع الذي عليه الشركات المعاصرة، أن الأسهم ليست سندات، وإنما هي حصص في الشركة، وأن كل سهم بمثابة جزء لا يتجزأ من كيان الشركة، وأن مجموع الأسهم هي رأس مال الشركة.(12)
القضية الثانية: (قضية قياس الأسهم على الأوراق النقدية)
لقد قاس إخواننا الأسهم على أوراق النقد، من حيث كون سعرها يهبط ويرتفع، وتتفاوت قيمتها وتتغير، بحيث يخرج السهم بعد بدء الشركة عن كونه رأس مال، ليصبح ورقة مالية لها قيمة معينة.
والواقع أن هذا القياس للأسهم غير دقيق، وقياسها على الأوراق النقدية قياس مع الفارق؛ لأن الأسهم في حقيقتها هي حصص في رأس مال الشركة، وأجزاء تقابل أصولها، وموجوداتها، وهي وإن كانت صكوكاً مكتوبة لكنها يعنى بها ما يقابلها.
أما قضية هبوط أسعارها وارتفاعها فالسبب فيها يختلف عن سبب ذلك في النقود. ذلك أن تغير قيمة الأسهم يعود إلى نشاط الشركة نفسها، حيث ترتفع عندما تزداد أرباحها، أو تزداد موجوداتها، وثقة الناس بها، وتنخفض في حالة الخسارة. وما ذلك إلا كبيع قطعة أرض، إذ يبيعها أصحابها، فيحصلون على ربح جيد فيتقاسمونه بينهم. وكلما كانت الأرباح أعلى كانت الحصص الموزعة أكثر! فإذا بيعت بخسارة تحمل كل واحد من الشركاء الخسارة بحسب حصته فيها! فهذه صورة توضيحية لمسألة الأسهم، فما المخالف للشرع في ذلك؟!
وأما سبب انخفاض قيمة الورقة النقدية فيعود إلى مسألة التضخم ، وإلى الأنظمة الدولية بهذا الخصوص وسياسة الدولة في إصدار الأوراق النقدية؛ فربما أصدرت أوراقا نقدية لا حاجة لها فعلا في الاقتصاد، ولا يوجد لها مقابل حقيقي، فيصبح عرض النقد أعلى من الطلب عليه، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض قيمته. أما السهم فيتمثل مبلغا من المال أضيف إلى رأس مال الشركة فأصبح ممثلا في أصولها وموجوداتها.
القضية الثالثة: (قضية الجهالة في عقد البيع)
إذا كان هناك نوع من الجهالة أو الغرر في مثل هذا العقد فإن جوازه يكون وفقا للقاعدة الشرعية، التي تقول « بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين بالتزام أدناهما»(13) كما أن «الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو ما كان في المعقود عليه أصالة، أما الغرر في التابع… فإنه لا يؤثر في العقد»، كما يقول الأستاذ الصديق الضرير.(14)
فالمشتري يعلم علماً إجماليًّا كافياً بقيمة السهم، وما يقابله من الموجودات من خلال ميزانية الشركة، ونشاطها، وهذا العلم يكفي لصحة البيع حيث إن العلم في كل شيء بحسبه.
ثم إن بيع الحصص المشاعة جائز بالاتفاق، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية . «يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم».(15)
القضية الرابعة (قضية القياس على بيع الدين بالدين)
يطيب لي هنا أن أذكر بأن عقد شراء السهم لا ينطبق عليه بيع الدين بالدين، إذ إن هذا الجزء من ديون الشركة داخل في السهم تبعاً، فإن وجود النقود في الأسهم يأتي تبعاً غير مقصود؛ لأن الأصل والأساس فيها هي الموجودات العينية.
فالسهم يراد به هذا الجزء الشائع من الشركة دون النظر إلى تفصيلاته، فما دام للسهم مقابل من موجودات الشركة لا يعامل معاملة النقد بسبب أن جزءاً من الموجودات نقد، والقاعدة الفقهية تقضي أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، وأنه يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً.(16) ومن أمثلة ذلك كما يقول السيوطي: «ومن فروعها… أنه لا يصح بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع، فإن باعه مع الأرض جاز تبعاً…»(17)
إذن فالشركات القائمة على الحلال وتمتنع عن مزاولة الأنشطة المحرمة، وتتوافر فيها قواعد الشركة من المشاركة في الأعباء والتكاليف، وتحمل المخاطر والخسائر، ولا تكون لأسهمها ميزة مالية على غيرها… هي حلال، ويجوز إصدارها، والتصرف فيها؛ فذلك كله من التصرفات المباحة التي أجازها الشارع للمالك في ملكه.
3-لقد اختلف المعاصرون بين رأيين:

هناك نوع من الأسهم ليس بالمطروح من شركة حرام، لكن في الوقت ذاته ليست حلالا خالصا! فما الحكم في تداول مثل هذه الأسهم؟
الرأي الأول: هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض.
الرأي الثاني: يقول بإباحتها وإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقاً دون التطرق إلى التفصيل السابق، منهم السادة: علي الخفيف، وأبو زهرة، وعبد العزيز الخياط، ووهبة الزحيلي وغيرهم.(18)
وجهة نظر المحرمين:
لقد بنى أصحاب الرأي المعارض رأيهم على أن هذه الأسهم ما دام فيها حرام ، أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه الأسهم محرم شراؤها، بناء على النصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام، والشبهات، وعلى قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.
وجهة نظر المبيحين:
اعتمد هؤلاء العلماء على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة، وما شابها من بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحلال، فما دام أكثرية رأس المال حلالاً، وأكثر التصرفات حلالاً فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الغالب، ولا سيما أن إزالة هذه النسبة من المحرمات ممكن بعد معرفتها من خلال الميزانية المفصلة، أو الاطلاع على نشاط الشركة، ثم التخلص منها، بصدقة تقابل قيمة هذه النسبة الحرام.(19)
كما ولنا أن نستند على القواعد الفقهية، وما جاء به الفقهاء، مما استخلصوه من عموم الشريعة ومبادئها في اليسر، ورفع الحرج والمشقة على ضوء ما يأتي:
أولا: اختلاط جزء محرم بالمال لا يجعل مجموع المال محرماً عند الكثيرين. غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «إن الحرام نوعان»: حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة، وغير طعمه، أو لونه، أو ريحه حرم، وإن لم يغيره ففيه نزاع… ثم ما هو حرام لكسبه كالمأخوذ غصباً، أو بعقد فاسد. فإذا اختلط هذا الحرام بالحلال لم يحرمه. وإن كثيراً من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدراهم الحلال حرمت جميعها، وهذا خطأ، وإنما يخشى الناس إذا كانت الدراهم الحلال قليلة، فيجتنبونها. أما مع الكثرة فالنزاع حول ذلك قائم.(20)
ثانيا: على ضوء ذلك فمسألة الشركة المختلطة بين الحل وبعض التصرفات المحرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية ، يمكن أن تتضح صورتها أكثر بذكر نصوص الفقهاء في هذه المسألة:
يقول ابن نجيم الحنفي: « إذا كان غالب مال المهدي حلالاً فلا بأس بقبول هديته، وأكل ماله ما لم يتبين أنه حرام ، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلا إذا قال: إنه حلال ورثه، أو استقرضه « ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق لا تخلو من الفساد والحرام يتنزه المسلم عن شرائه، ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له. وقال أيضاً: «إذا اختلط الحلال والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء والأخذ إلا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام، كذا في الأصل».
ثم ذكر صوراً أخرى فقال: «ومنها البيع ، فإذا جمع بين حلال وحرام في صفقة واحدة، فإن كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة، فإنه يسري البطلان إلى الحلال لقوة بطلان الحرام، وإن كان الحرام ضعيفاً كأن يكون مالاً في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن… فإنه لا يسري الفساد إلى القن لضعفه…» (21)
وقال الكاساني : «كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه».(22)
وقال الفقيه ابن رشد في هذه المسألة: «فأما الحالة الأولى: وهي أن يكون الغالب على ماله الحلال، فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر الله تعالى، ويتوب إليه برد ما عليه من الحرام… أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم… وإن كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدًا على ما أعطى…»
ثم قال: «وإن علم بائعه في ذلك كله رد عليه ما أربى فيه معه، فإذا فعل هذا كله سقطت حرمته، وصحت عدالته، وبرئ من الإثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء».(23)
وقال العز بن عبد السلام : «وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة»(24). ومثله قال الزركشي.(25)
4- الرأي الراجح:

الرأي الراجح في هذه المسألة هو كما يلي:

  1. أن مجلس الإدارة ، والمدير المسؤول لا يجوز لهم قطعاً مزاولة أي نشاط محرم، فلا يجوز لهم الإقراض أو الاقتراض بفائدة، فإن أقبلوا على ذلك فقد قبلوا على أنفسهم بالحرب التي أعلنها الله تعالى عليهم «فإن لم تفعلُوا فأذنُوا بحرب من اللّه ورسُوله» (البقرة: 279) ولا سيما بعد ما يسر الله للمسلمين وجود بنوك إسلامية في أغلب الأماكن، أو قيامها باستثمار جميع أموالها في خيارات إسلامية كثيرة.
  2. أما مشاركة المسلمين في هذه الشركات السابقة وشراء أسهمها، والتصرف فيها فجائزة ما دام غالب أموالها وتصرفاتها حلالاً، وإن كان الأحوط الابتعاد عنها.ولكن ينبغي على من يشترك فيها مراعاة ما يلي:
  • أن يبذل جهده وماله لتوفير المال الحلال الطيب المحض ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً، ولا يتجه نحو ما فيه شبهة إلا عند الحاجة الملحة ومصلحة المسلمين، واقتصادهم من المشاركة في التنمية والاستثمار والنهوض باقتصادهم من خلال الشركات الكبرى.
  • أن صاحب هذه الأسهم عليه أن يراعي نسبة الفائدة التي أخذتها الشركة على الأموال المودعة لدى البنوك، ويظهر ذلك من خلال ميزانية الشركة، أو سؤال مسئولي الحسابات فيها عنها، وإذا لم يمكنه ذلك اجتهد في تقديرها، ثم يصرف هذا القدر في الجهات العامة الخيرية.
  • لا يجوز للمسلم أن يؤسس شركة تنص في نظامها الأساسي على أنها تتعامل بالربا إقراضاً واقتراضاً، ولا يجوز كذلك التعاون في تأسيسها ما دامت كذلك؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، إلا لمن يقدر على تغييرها إلى الحلال.
  • أن الحكم بإباحة تداول هذه الأسهم – مع هذه الضوابط- خاص بما إذا كانت الأسهم عادية، أو ممتازة لكن ليس امتيازها على أساس المال.

أسهم الشركات التي يمتلكها غير المسلمين:
تطرح أسهم لشركات يمتلكها أشخاص غير مسلمين، ولكن نظامها لا ينص على التعامل في الحرام. وقد شدد في ذلك البعض أكثر من ذي قبل. ولكن ليس ثمة ما يمنع من التعامل فيها حسب الضوابط السابقة، “وقد انتهت ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية التي عقدت في الرباط 20- 25 ربيع الآخر 1410 هـ إلى أن أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال لكنها تتعامل أحياناً بالربا… فإن تملكها، أو تداولها جائز نظراً لمشروعية غرضها، مع حرمة الإقراض ، أو الاقتراض الربوي، ووجوب تغيير ذلك، والإنكار والاعتراض على القائم به، ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص بما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة بصرفه في وجوه الخير.
وكذلك ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي حيث أجازت باتفاق المشاركين شراء أهم الشركات العاملة في البلاد الإسلامية لقصد العمل على أسلمة معاملاتها ، بل اعتبروا ذلك أمراً مطلوبا، لما فيه من زيادة مجالات التزام المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية. وأجازوا بالأغلبية شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد غير الإسلامية، إذا لم يجدوا بديلاً خالصاً من الشوائب».(26)
وعصارة القول:
أن كل شيء في الإسلام قائم على العقيدة والقيم والأخلاق. والاستثمار، شأنه شأن سائر المبادئ الإسلامية، له قوانينه وقواعده الخاصة المعتمدة على ما شرعه الشارع.
الأسهم هي جمع السهم وهو صك يمثل جزءاً من رأس مال الشركة ، أو هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال.
أسهم الشركات التي يكون نشاطها في المحرمات كالبنوك الربوية والشركات التي تتعامل في الخنزير والمسكرات والمخدرات فحكم الاستثمار في هذه الأسهم التحريم القطعي.
أسهم الشركات التي يكون نشاطها في الحلال المحض كالبنوك الإسلامية، والشركات الإسلامية فحكم الاستثمار في هذا النوع الإباحة دون خلاف.
أسهم الشركات التي يكون محل نشاطها الحلال، وليس في نظامها الأساسي أن تتعامل في الحرام ، ولكن قد تتعامل مع البنوك الربوية إقراضاً أو اقتراضاً فحكم هذا النوع مختلف فيه.والذي تقتضيه مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة جواز الاستثمار فيه بالشروط التالية:1- أن يكون دخول المساهم في مثل هذه الشركات لأجل تغيير الشركة وأسلمتها.2- أن يتخلص المساهم من نسبة الأموال المحرمة على ضوء الميزانية فيدفعها إلى الجهات العامة.وأما المدير وأعضاء مجلس الإدارة وكل من يشارك في كتابة العقود الربوية فآثمون بلا ريب إلى أن يذروا الربا.
وعلى المسلم أن يتحرى الحلال في معاملاته جهد استطاعته. وأن يلغي الربا من حياته إلغاءً، ويجتنب الشبهات قدر إمكانه.
الهوامش:

  1. لسان العرب، ط. دار المعارف؛ والقاموس المحيط؛ والمعجم الوسيط؛ مادة «ثمر»
  2. بداية المجتهد، ط. الحلبي (2/281)
  3. د. إسماعيل عبد الرحمن ود. حربي عريقات «مفاهيم أساسية في علم الاقتصاد الكلي»
  4. د.كامل البكري «مبادئ الاقتصاد الكلي»
  5. د.سعيد ضو، و د.طارق إسماعيل «تكاليف الاستثمار والتمويل» مطبعة كلية الهندسة /جامعة القاهرة.
  6. المرجع السابق.
  7. القاموس المحيط، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة «سهم»
  8. د. علي حسن يونس: «الشركات التجارية»، ص (539) ط. الاعتماد، بالقاهرة. و د. صالح بن زابن المرزوقي البقمي،» شركة المساهمة في النظام الإسلامي السعودي» ط. جامعة أم القرى 1406 هـ، ص (334).
  9. د.طارق حماد، «دليل المستثمر إلى بورصة الأوراق المالية» كلية التجارة – جامعة عين شمس. كليوباترا للطباعة والكمبيوتر/1998.
  10. الشيخ تقي الدين النبهاني «النظام الاقتصادي في الإسلام» ص (133) ط. القدس، الثالثة 1372 هـ.
  11. النبهاني»النظام الاقتصادي في الإسلام» ص (141 – 142) ط. القدس، الثالثة 1372 هـ.
  12. د. صالح بن زابن مرجعه السابق ص (344).
  13. مجموع الفتاوى، ط. الرياض (29/227).
  14. الغرر وأثره، ص (594)
  15. مجموع الفتاوى (29/233)
  16. زيد الدين بن إبراهيم بن محمد، الأشباه والنظائر لابن نجيم، مطبعة العامرة/القاهرة ص (121 – 122)
  17. الأشباه والنظائر للسيوطي، ص 133 ط. عيسى الحلبي/القاهرة.
  18. علي الخفيف/الشركات(96- 97). أبو زهرة/بحثه في منشورات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية (2/184). د.عبد العزيز الخياط الشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ط. الرسالة (2/187). وهبة الزحيلي/ بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي.
  19. المراجع السابقة.
  20. مجموع الفتاوى، ط. الرياض (29/320-321).
  21. زيد الدين بن إبراهيم بن محمد، الأشباه والنظائر لابن نجيم، مطبعة العامرة/القاهرة ص (112-114)
  22. بدائع الصنائع (6/144).
  23. فتاوى ابن رشد، (1/631 – 649) تحقيق: المختار بن الطاهر التليلي، ط. دار الغرب الإسلامي.
  24. قواعد الأحكام (1/72 – 73).
  25. المنثور في القواعد،(2/253 ) ط. أوقاف الكويت
  26. الفتاوى الشرعية في الاقتصاد، ص 17 ط. مجموعة بركة سنة 1411 هـ.

http://www.ju.edu.jo/old_publication/Cultural68/68/ashum.htm

81 Views

عن

إلى الأعلى