الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » شعر وشعراء » الوصف في شعر البحتري بين الواقع والخيال

الوصف في شعر البحتري بين الواقع والخيال


8407.imgcache الوصف في شعر البحتري بين الواقع والخيال

الوصف في شعر البحتري
بـــــــــيـــــــــــــــــــــن
الواقع والخيال

د. يوسف الحشكي
عمان – الأردن

البحتري هو الوليد بن عبيد الطائي، أحد شعراء العصر العباسي، ولد في منبج من أعمال مدينة حلب، سافر في ريعان شبابه إلى معرّة النعمان وحمص وحلب، وفي حلب التقى أبا تمام (حبيب بن أوس الطائي) على ما يذكره مؤرّخوه ولكنه سرعان ما عاد إلى المعرّة ومنبج، ثم شدّ الرحال إلى بغداد وسامراء، وهناك لمع اسمه وذاعت في الناس شهرته، وأسعفه ذلك على الاتصال بالفتح بن خاقان وزير الخليفة المتوكل فقدمه للخليفة، فكانت له عنده حظوة، وغدا شاعره الخاص ونديمه، فلقي منه ومن وزيره الخير الكثير، ونعم في ظلّهما بعيش نضير، وكان حاضراً معه ليلة قتل، فحزن عليه حزناً شديداً، ظل متصلاً بنفسه مدة طويلة، وإن عاود اتصاله بالخلفاء وعدد من الأمراء، فبلغ منزلة عالية، ولم يكن مسرفاً، فأثرى حتى قيل إنه كان يسير في موكب من عبيده، فلما شاخ وتقدمت به السن رجع إلى منبج وطنه الأول حيث وافاه الأجل سنة 284هـ.
وصف البحتري بالبخل والقذارة، وهنا نقول: إن أكثر المؤرخين يذهبون إلى أنه كان بخيلاً، ويروون ما يدل على بخله، وأما وصفه بالقذارة؛ فإن أبا الفرج الأصفهاني يروي في أغانيه أنه كان من أوسخ خلق الله ثوباً، وهنا لنا أن نتساءل: ألم يكن البحتري يجالس الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة، وهؤلاء –ولا ريب- ينفرون من وسخ الثياب، فكيف يقبلون أن ينادمهم البحتري وهو قذر الثياب، وعليه فإننا نقف موقف الشك من رواية أبي الفرج، ويمكن أن نقطع الشك باليقين فنؤكد أنه كان نظيف الثوب يستطيع بها أن ينادم الخليفة وأن يمنحه الخليفة بعض خلقه، لكن رغم هذا التأكيد، أليس من حق الآخرين أن يتساءلوا: ألم يكن البحتري بخيلاً حقاً، فإذا كان البخيل يبخل بماله على الآخرين حيث أصبح البخل فيه خلقاً وديدناً فهو إذن من اليسير جداً أن يبخل على نفسه حتى في تنظيف ثيابه على قاعدة من يقول:

يقتّر عيسى على نفسه
وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره
تنفس من منخر واحد
وتورد بعض مصادر حياته أنه كان جباناً، والجبن صنو البخل، وسنعاود الحديث عن وصفه بالجبن، بعد أن نذكر أن البحتري نظم الشعر في الغزل الذي يتصدر مطالع قصائده، والرثاء، والمدح، والفخر، والعتاب والاعتزاز والهجاء، الحكمة والوصف، وكان شديد الإعجاب بشعره إلى حد ممقوت يغيط السامعين والممدوحين. ويهمنا في هذه الدراسة وفي هذاالصدد، شعره في الوصف فقد قيل: المتنبي وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري، وقد اعترف مؤرخو البحتري بمقدرته على الوصف وقالوا: إنه أجود أنواع شعره، ومؤرخوه على حق وصواب حين عرفوا له مكانته في هذا الفن، فهو قدير على تصوير ما يرى تصويراً ينقل إليك الصورة كاملة، فمن المعلوم أن الوصف في الشعر العربي يقوم على الأشياء الحسية، ولكن البحتري يمزج المحسوسات بالوصف الخيالي، ويستلهمه في تصوير الأحوال غير المنظورة فيضيف إليها من خياله ما يتمم نقصانه، ويبرزه في أكمل صورة، وكان كثير الوصف للقصور ومواكب الخلفاء وحياة البذخ والترف التي شهدها بعينه، ورآها بقلبه، ولكن يبلغ في الوصف أحياناً مبلغ الخيال الذي يقترب من مخالفة الحقيقة، ومجانبة الواقع، ونورد في هذا الشأن قصيدته التي عنونتها بعض المصادر ب(معركة مع ذئب) وبعضها ب(ذئب ضار)، ونستذكر ما سبق أن أوردنا من أن البحتري وصف بالجبن، ففي هذه القصيدة يصف فيها البحتري ذئباً لقيه في رحلة كان يقوم بها ليلاً –ولا ريب في أن السير ليلاً يتطلب جرأة وشجاعة- ويصور معركة دارت بينهما، وانتهت بسقوط الذئب قتيلاً وشواء البحتري له، واتخاذ بعض لحمه طعاماً، وقد بدأها بداية غزلية تقليدية جاء مطلعها:

سلام عليكم لا وفاء ولا عهد

أما لكم من هجر أحبابكم بد
وفيها يقول:

وليل كأن الصبح في أخرياته

حشاشة نصل ضم أفرنده غمد

تسربلته والذئب وسنان جائع

بعين ابن ليل ما له بالكرى عهد

وأطلس ملء العين يحمل زوره

وأضلاعه من جانبيه شوى نهد
هكذا كانت بداية المعركة والنزال، فالوقت ليلاً والصبح يوشك أن يدركه، سار فيه وبقدرة قادر يواجهه ذئب جاشم ثم يغالبه النوم، ولكنه لم يستسلم لسلطانه، فالجائع لا ينام، وأمعاؤه تتصارع تبحث عن طعام يهدّئ من سورتها، كان البحتري يحمل السلاح لمواجهة هذا الطارئ المباغت، وحتى يكون لانتصاره على خصمه قيمته وحلاوته فلا بد من وصف قبيله بالضراوة والشراسة والصرامة والجرأة، فالذئب أغبر اللون يميل إلى السواد يصعب تبينه في عتمة الليل، طويل الجسم مهيب مندفع الصدر تحمله أطراف بارزة ظاهرة للعيان، هكذا يبدو الذئب للوهلة الأولى، وليزداد المشهد إثارة، ترسم ريشة البحتري للذئب صورة مخيفة مرعبة، فذنبه طويل كالحبل يجرّه خلفه، وظهره اعتراه الاعوجاج فبدا كالقوس الأعوج، حيث يقول:

له ذنب مثل الرشاء يجره

ومتن كمتن القوس أعوج منأد
ويمضي في رسم صورة الذئب فينتقل إلى إظهاره هزيلاً ضعيفاً براه الجوع، لا يرى فيه الرائي إلا هيكلاً عظمياً التصق به جلده ولولا بقية روح فيه لكان جثة هامدة حيث يقول:

طواه الطوى حتى استمر مريره

فما فيه إلا العظم والروح والجلد
ولتكتمل الصورة وضوحاً نراه يظهر في أشد حالات التحفز لأي شيء يلوح أمامه ليكون على درجة عالية من الجاهزية للانقضاض على فريسة يسوقها الحتف بظلفها، فها هو يعوي وقد فغر فاه، وبدت أنيابه معوجة، وشرع يصوت مستعجلاً صيده، يرتعد ويرتعش وهو على هذه الحالة كالإنسان الذي أصابه برد قارس، فأخذت أسنانه يصطك بعضها ببعض من شدة البرد، فيقول:

يقضقض عصلاً في أسرّتها الرّدى

كقضقضة المقرور أرعده البرد
إلى هذا الحد يظهر لنا الذئب في صورة مخلوق ضعيف هزيل هدّه الجوع، ويلاحظ هنا أن البحتري يقع في التناقض، فكيف يكون التوفيق بين صورة الذئب في مطلع القصيدة والهيئة التي أظهرها عليه في هذا البيت؟
فالقارئ يحس أن هذا الذئب مشرف على الموت، ويستمر البحتري في قصته مع الذئب حيث ينتقل إلى مسرح المعركة، ولا ندري ما الذي حدا به إلى أن يختار الصحراء مكاناً لها، وما الذي كان يريده البحتري من السير ليلاً في هذه البيداء القاحلة من أي مظهر من مظاهر الحياة؛ ليكون هذا الذئب فريد مخلوقاتها وقد أضناه الجوع وعضه بنابه، يقول:

سما لي وبي من شدة الجوع ما به

ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد
ثم لنا أن نتساءل: ما الذي دفع البحتري إلى المسير في مثل هذه البقعة وحيداً لا يؤنسه بشر أو يساعده نصير؟ فنراه يتحول بقدرة قادر إلى ذئب مفترس في صورة إنسان مقبل إلى الدخول في عراك مع ذئب ضار، وقد أضمر كل منهما للآخر شيئاً، ولا يدري من سيكون صاحب الحظ الأوفر في الانتصار على خصمه، يقول:

كلانا بها ذئب يحدث نفسه

بصاحبه والجد يتعسه الجد
وتنشب المعركة، وتتوالى أحداثها، وتتتابع حروف العطف التي تعطي الأحداث حركة وحيوية بحيث تبدو متسارعة، فها هو الذئب يعوي إيذاناً ببدء المعركة، ثم يقعي على مؤخرته، استعداداً للانقضاض، ولكن البحتري يبادر إلى القيام بحركة، فيرتجز فيثير الذئب ويهيجه، وتتتابع الأحداث باندفاع الذئب وإقباله نحو البحتري وبسرعة مذهلة وكأنه البرق الذي تلاه رعد شديد، يقول:

عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته

فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
وأمام هذا المشهد المستجد الجاد يسارع البحتري إلى استخدام سلاحه فيرسل سهماً مريشاً نحو خصمه فيصله وقد بدا لامعاً وكأنه نجم خر في ليل مظلم حالك، فيقول:

فأوجرته خرقاء تحسب ريشها

على كوكب ينقض والليل مسود
ولكن المعركة لا تزال في بدايتها، وسرعان ما يحمى وطيسها، ويشتد أوارها، حينما يدرك البحتري أن هذا السهم كان طائشا لم يهز هذا الذئب، أو يخيفه، بل على العكس من ذلك لم تزده إلا جرأة وصرامة ومضاء، ولكن البحتري يظهر لنا نفسه وكأنه كان يداعب هذا الذئب أو يمازحه، لكنه يدرك أن الأمر جدّ خطير، يقول:

فما ازداد إلا جرأة وصرامة

وأيقنت أن الأمر منه هو الجد

فكان عليه أن يتابع إرسال سهامه تجاه عدوه، فيرميه بسهم آخر، وليكن مصيباً منه مقتلاً فيزرعه في قلبه واضعاً حداً لحياته، يقول:

وأتبعتها أخرى فأضللت نصلها

بحيث يكون اللب والرعب والحقد
ويسقط الذئب على الأرض مضرجاً بدمائه، بعد أن أورده البحتري منهل الردى، ولكن هذا المنهل كان مر المذاق لا عذوبة فيه، فقد شرب منه كأس الموت، يقول:

فخرّ وقد أوردته منهل الردى

على ظمأ لو أنه عذُب الوردُ

هكذا تنتهي المعركة بعد صول وجول بانتصار البحتري على الذئب، ولكن المشهد لم ينته بعد، فها هو البحتري ينهض مزهوّاً بحلاوة الفوز والنصر، فيجمع الحصى والحطب ويشعل النار ليضع من فوقها لحم صيده، ويتخذ منه شواء، يقول:

وقمت فجمّعت الحصى فاشتويته

عليه وللرمضاء من تحته وقدُ

ويكتفي البحتري بأن يأكل منه قليلاً، ثم يغادره ممرّغاً في التراب، يقول:

ونلت خسيساً منه، ثم تركته

وأقلعت عنه وهو منعفرُ فرد

ولنا هنا أن نتساءل: ما الذي أحلّ للبحتري أكل لحم ذي مخالب؟ أهو الجوع؟ أم هو التشفي
أما لكم من هجر أحبابكم بدّ
حشاشة نصل ضمّ إفرنده غمد
بعين ابن ليل، ماله بالكرى عهد
وأضلاعه من جانبيه شوًى نهد
ومتن كمتن القوس أعوج منأدّ
فما فيه إلا العظم والروح والجلد
كقضقضة المقرور أرعده البرد
ببيداء لم تعرف بها عيشة رغد
بصاحبه والجد يتعسه الجد
فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
على كوكب ينقض والليل مسود
وأيقنت أن الأمر منه هو الجد
بحيث يكون اللب والرعب والحقد
على ظمأ لو أنه عذب الوردُ
عليه وللرمضاء من تحته وقدُ
وأقلعت عنه وهو مُنعفرٌ فردُ
سلام عليكم لا وفاء ولا عهد
وليل كأن الصبح في أخرياته
تسربلته والذئب وسنان جائع
وأطلس ملء العين يحمل زوره
له ذنب مثل الرشاء يجره
طواه الطوى حتى استمر مريره
يقضقض عصلاً في أسرّتها الردى
سما لي وبي من شدة الجوع ما به
كلانا بها ذئب يحدث نفسه
عوى ثم أقعى فارتجزت فهجته
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها
فما ازداد إلا جرأة وصرامة
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها
فخرّ وقد أورته منهل الرّدى
وقمت فجمّعت الحصى فاشتويته
ونلت خسيساً منه ثم تركته

والشماتة من خصم بدا ضعيفاً في بداية القصيدة، ثم استحال عدواً صلباً؟
ويحسن بنا أن نورد الأبيات التي تتحدث عن هذه المعركة مجتمعة، ثم نعقبها بالتعليق عليها:
فهذه الأبيات من قصيدة طويلة، بدأها بداية غزلية كما ذكرنا سابقاً، انتقل بعدها إلى الفخر مخلّق فيه ما شاء مع كثير من المبالغة غير المقبولة في نحو قوله:

مهيب كنصل السيف لو ضربت به

ذرى أجأ ظلت وأعمالها وهد

ثم تعرض لوصف المعركة الآنفة الذكر بينه وبين ذئب عظيم، عاد فوصفه بالهزال والنحافة ولولا ما فيه من روح لكان مجرد عظم يغشيه جلد جاف، وهذا وغيره يجعلنا نشك في حقيقة هذه المعركة، بل نكاد نجزم بأنها معركة خيالية مفتعلة نسجها البحتري من نبات خياله، فصورها كما تخيلها حافة بالانفعالات والحركة، فجاءت صورة وافية حلوة بانتصاره على الذئب، ولكنها لا تعدو أن تكون خيال شاعر، وقد سبقه إلى ذلك شاعر آخر هو الفرزدق، غير أن البحتري كان أكثر دقة في وصف ما دار من كرّ وفرّ وفي التهويل في وحشية ذئبه، وتضخيم شأنه، وفي الاعتزاز والافتخار ببطولته، كما أن المتنبي طرق هذا الضرب من الشعر في وصف معركة دارت بين أمير وأسد وكذلك أبيات بشر ابن عون في لقائه الأسد أيضاً.
ويحقّ لنا هنا أن نوجّه سؤالاً إلى البحتري، وهو ما الذي دفعه إلى اختلاق هذا الحديث بينه وبين ذئب وهميّ؟ هل أراد أن ينفي عنه ما وصف به من جبن كما تذكر بعض المصادر؟ وهل أراد أن يعوّض نقصاً كان يحسّ به؟ وهل كان لسان حاله، هو قول المتنبي:

وإذا ما خلا الجبان بأرض

طلب الطعن وحده والنزالا

غير أن هذا لا ينفي قدرة البحتري وبراعته في وصف المشاهد التي عاينها حقيقة، ونسجّل له هنا وصفه إيوان كسرى، وما فيه من صورة أنطاكية، فهو لا يكاد يذكر شيئاً تراه العين حتى يصف إحساسه إزاء ما يراه، فعندما وصف صورة أنطاكية –مثلاً- وفيها الكسرى أنو شروان يحث جهده على الإقدام، وقد أظله علم كبير، ولبس ثوباً أخضر- واعتلى صهوة جواد أصفر، وأخذ الروم والفرس يقتتلون، بين يديه، ولا تكاد تسمع لهم صوتاً- حدثك عن شعوره، فهو يحس كأن المنايا ترفرف فوق هذا الجمع الحاشد، وأن ما يراه ليس صورة لجنّ ولكنهم أجناد حقيقية يقتتلون حقاً، ثم يقول:

يغتلي فيه ارتيابي حتى

تتقرّاهم يداي بلمس

ولا تكاد تخطو خطوة في هذه القصيدة الرائعة إلا رأيت صورة للعين وإحساسات للنفس، ومثل ذلك قصيدته في وصف بركة أنشأها المتوكّل في أحد قصوره، وتأمل هذه الصورة البارعة للبركة في الليل، يقول:
إذا السماء تراءت في جوانبها
ليلاً حسبت سماءً رُكّبت فيها
حقاً كان البحتري وصّافاً بارعاً لما يشاهد، ولا سيما إذا كان ما يصفه يشاهده حقيقة وواقعاً، وأن يتخذ من الخيال مركباً يحلق عليه في سماء التصوير، ولكن نحسب أننا لا نجافي الحقيقية إذا قلنا: بأن وصف مالم يحصل أو يحدث لا يعطي الشاعر ذلك التقدير والإعجاب الذي يعطيه ما يقع ويتم، إلا إذا كنا نؤمن بتلك المقولة القائلة: أعذب الشعر أكذبه.
وللإنصاف نقول: إن روعة هذه المقطوعة تكمن في طرافتها، لقلة من حذا حذوها من الشعراء، وتتجلى المقدرة على الوصف فيها من تناول الحركة والانفعالات التي تتبعها بالتفصيل حتى كأن الشاعر فيها رسام والكلمات في فمه ريشته وألوانه المعبّرة. كما أنه كان موفقاً أيما توفيق في انتقاء الألفاظ التي تتناسب وموضوع القصيدة، وتخدم ما رمى إليه من معان بكل جلاء ووضوح متجنباً التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام وغريب الاستعارات، كما تجلّت مقدرته في اختياره لحروف الألفاظ التي استخدمها فجاءت أصواتها ملائمة للمواقف التي تعرضت لها أبيات المقطوعة، وإكثاره من إيراد أحرف الطاء والصاد والضاد والظاء وتوالي حرف القاف وحروف العطف، كل هذا وغيره دليل على ما ذهبنا إليه من قدرة البحتري على اختيار اللفظ المناسب للمعنى المقصود، فهو شاعر مطبوع لا مصنوع، ويجيد ويبتكر في الوصف، وألفاظه نقية مختارة، وتراكيبه رشيقة مجلوة، تغلب عليها السلامة والسلاسة وقد لاءم بين الألفاظ التي جعل لها جرساً موسيقياً رائعاً، وإيقاعاً حلواً، وقد يطلب الصور البيانية، ويتعمد المحسنات البديعية كما في (طواه الطوى) لكنه لا يعقدها ولا يخرج منها صوراً غريبة تعجب بندرتها بل يتناولها أقرب تناول، وقد جاءت الأبيات حافة بالكلمات النابضة بالحركة والألوان المتعددة، مما يجعل حواس القارئ يتخيلها وكأنها ماثلة أمامه، فالصبح والإفرند والذئب الوسنان الهاجع، وعين ابن الليل، والكرى والأضلاع والشوى، والعظم والجلد والأنياب العصل والمقرور، والبرد والهواء والإقصاء والارتجاز والبرق، والرعد والخرقاء والكوكب المرّيش، والليل المسود، والنصل واللب والورد والحصى الرمضاء، كل ذلك شاهد على ما ذهبنا إليه وأن شعر البحتري من أجمل ما خلّف العصر العباسي.

http://www.ju.edu.jo/old_publication/Cultural68/68/albuhtori.htm

205 Views

عن وائل-2

إلى الأعلى