الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » فنون متنوعة » المدرسة التعبيرية

المدرسة التعبيرية



العدد السبعون- ربيع الآخر 1428 هـ/ آيار 2007

المدرسة التعبيرية
زيزيت أبو خضرا
الجامعة الأردنية
قبل أن نتحدث عن المدرسة التعبيرية يجدر بنا أن نتطرق إلى ثلاثة من أهم الفنانين الذين كوّنوا مرحلة في حد ذاتهم وخاصة بعد المدرسة التأثيرية، فلو تأملنا أعمالهم فإننا نرى فيها صفات التأثيرية، ولكننا إذا أمعنا النظر فإننا نرى أن أعمال هؤلاء تختلف عن أصحاب المذهب التأثيري أو الانطباعي، ويجدر بنا أن نذكر أسماء هؤلاء الثلاثة هم: (بول سيزان) و(فان جوخ) و(بول جوجان) فالذي يريد أن يتعرف شخصية الفن المعاصر في بداية القرن العشرين عليه أن يتعرف الشخصيات الثلاث، لقد ابتعد هؤلاء عن المدرسة التأثيرية فصاروا مرحلة سميت ما بعد التأثيرية، وقد مهدت هذه المرحلة لظهور المدرسة التعبيرية والوحشية على حد سواء.
على أية حال كان سيزان أباً للفن الحديث في القرن العشرين، لقد كان تمهيداً للعديد من الحركات الفنية ولكن أوضحها هو التكعيبية التي تظهر في أسلوبه، وقد مهد (فان جوخ) للمدرسة التعبيرية كما مهد (بول جوجان) الطريق للمدرسة الوحشية باعتماده على الحس الفطري في رسم الأشكال. والآن، وقد عرفنا شيئاً عن بعض الفنانين الذين أثروا في القرن العشرين، علينا أن نعود إلى المدرسة التعبيرية، بعد أن عرفنا أن الفنان (فان جوخ) هو الذي مهد الطريق لظهور هذه المدرسة، فالتعبيرية اتجاه فني يرتكز على تبسيط الخطوط والألوان، لقد خرجت هذه المدرسة على الأوضاع الكلاسيكية التي تقوم على تسجيل معالم الجسم بل الطبيعة تسجيلاً دقيقاً، سواء في الخط كما ذكرنا أم في تلوين الأشكال، فقد ركزت على دراسة الأجسام ورسمها والمبالغة في انحرافات بعض الخطوط أو بعض أجزاء الجسم وحركته، وهي بهذا تقترب بعض الشيء من الكاريكاتير، ثم اعتمدت هذه المدرسة على إظهار تعابير الوجوه والأحاسيس النفسية من خلال الخطوط التي يرسمها الرسام التي تبين الحالة النفسية للشخص الذي يرسمه الفنان، وقد ساعد على ذلك استخدام بعض الألوان التي تبرز انفعالات الأشخاص بل تثير مشاعر المشاهد للموضوع التعبيري.
إن التعبيرية وجه آخر للرومانسية، إن المذهب التعبيري يعيد بناء عناصر الطبيعة بطريقة تثير المشاعر، والمذهب التعبيري قد صار يعمل على التنظيم والبناء من جديد للصورة الرومانسية ولكن في أسلوب تراجيدي يتسم بما تعانيه الأجيال في العصر الحديث من قلق وأزمات، ويعد الفنان جوخ أشهر فناني هذه المدرسة والرائد الأول لها والفنان (مونخ) والفنان (لوتريك).
التعبيرية: الثورة على التجسيم:
تميزت السنوات الأولى من القرن العشرين بظهور عدة اتجاهات فنية جديدة كان أهمها: الوحشية والتعبيرية والتكعيبية وكانت هذه الاتجاهات حداً منطقياً لما وصل إليه الفن الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر، فمن المعلوم أن مصوري عصر النهضة اهتموا بالتجسيم لأنهم جعلوا من الفن الإغريقي مثلهم الأعلى، ومنذ ذلك الحين أصبحت العناية بإبراز كتلة الأجسام بواسطة التظليل من أهم خصائص الفن الأوروبي، ولسنا نجد مثل هذا الاهتمام بتظليل الأجسام في فنون التصوير التي عرفتها المدنيات الأخرى كالفن المصري أو الفارسي أو الهندي والصيني، ولذلك يعتبر ما حدث للفن الأوروبي خلال القرون التالية لعصر النهضة ظاهرة استثنائية في تاريخ الفن، فقد أخذ الفنان الأوروبي يتحرر شيئاً فشيئاً من فكرة التظليل موجهين اهتمامهم إلى لغة الألوان بدلاً من لغة الظل والنور (الضوء) وأخذت هذه الفكرة تتطور من مدرسة إلى أخرى فتنضم أكثر وأكثر. ورأينا من يستخدم الألوان في شبه مساحات مسطحة، ثم ازداد هذا الميل عند من يعرفون بالانطباعيين حتى وصلنا إلى (جوجان) رائد الفن الرمزي الذي يسعى ليجعل دنيا الواقع ودنيا الخيال يتواءمان، فلقد أعلن الثورة على التجسيم وقال بصراحة: (إن الغلطة الكبرى هي الفن الإغريقي مهما يكن جماله) وكان ينصح أتباعه بدراسة فنون التصوير الأخرى، كما ينصحهم بعدم الرسم من (الموديل) حتى لا يقيدوا مشاعرهم بالمظاهر الحسية، لأن الفن تجريد على حد تعبير، ينبع من ذهن الفنان وخياله وليس صورة منسوخة.
8413.imgcache المدرسة التعبيرية
ظهور الوحشية والتعبيرية:
في عام 1901 أقيم معرض كبير لأعمال الفنان (جوخ) كان يندرج في فترة من فتراته الفنية تحت مدرسة الانطباعية، وفي عام 1903 أقيم معرض آخر لأعمال الفنان جوجان، فأثار هذان المعرضان اهتمام جماعة من الشباب الفنانين، وفي السنة التالية أفرد صالون الخريف (معرض كان يقام في باريس لعرض أعمال الفنانين) قاعة خاصة لأعمال هؤلاء الشباب، وقد بلغت جرأتهم في استخدام الألوان والتعبير بها أن أطلق ناقد على هذه القاعة اسم قفص الوحوش (fauves)، ومن ثم أصبح يعرف اتجاه هذه الجماعة باسم الوحشية (fauvisms)، وفي الوقت الذي ظهرت الوحشية في فرنسا ظهرت في ألمانيا الحركة التعبيرية متأثرة أيضاً بجوجان وفان جوخ، وقوي التأثير بالتراث القوطي بتهاويله وأشباحه وتخيلاته الموحشة الغربية، والتعبيرية نقيض الانطباعية، فالانطباعية تعتمد كثيراً على الإحساسات البصرية والانطباع الأول عن كل ما يقع عليه بصرك، أما التعبيرية فتنبع من انفعال باطني (أي تأثير بحدث أو بشيء ما وانفعالك به) وإذا ما نظرنا الآن في تطور الفن الأوروبي منذ واقعية أواسط القرن التاسع عشر حتى ظهور هذه الاتجاهات الجديدة نجد أنه يشبه إلى حد ما تطوراً آخر حدث في ميدان العلم وهو الانتقال من مفهوم الكتلة أو المادة إلى مفهوم (الطاقة)، فالفنان لا يصف أشياء وإنما يعبر عن معان نفسية وذهنية، ومن أهم فناني الوحشية ماتيس (Matisse) أبرع ملون في العصر الحديث، أما أهم فناني المدرسة التعبيرية فهو جيمس انور insor) والبلجيكي وكوكوشكا (kokoschka) النمساوي وقرز مارك (Mark).
التعبيرية:
ظهرت ملامح التعبيرية في أعمال الكثير من فناني نهاية القرن التاسع عشر كما نجدها في بعض أعمال فناني الوحشية الفرنسية والمستقبلية الإيطالية، ومن ثم تمثلت التعبيرية في مدارس عدة وسواء في أوروبا أو في أمريكا اللاتينية، وفي ألمانيا يعتبر الفنان (فان جوخ) أول من مهد للتعبيرية، غير أنها لم تظهر بوصفها مدرسة إلا عند الفنان النرويجي أدوار مونش 1944-1863 Edward Munch. تأثر مونش في بداية حياته الفنية بالتأثيرية الجديدة وبالوحشية وبفن فان جوخ وجوجان على الأخص، غير أنه ركز على القيم التعبيرية في أعماله، فأنتج مجموعة كبيرة من اللوحات المرسومة والمحفورة أهمها لوحته (الصرخة)، وقد خصص له متحف خاص في أوسلو.
اشتهر في التعبيرين وتميز مونش كل من ماكس بيكمان 1950-1884 الألماني الجنسية وايميل نولد 1867 الألماني وأوسكار كوكوشكا 1980-1886 النمساوي وجرود رولت. التعبيرية حركة فنية يعبر فيها تعبيراً انفعالياً وتعتمد على تحطيم المظاهر السطحية للأشياء، حيث يتحول العمل الفني إلى وسيلة اتصال بالآخرين، ناقلاً إليهم مشاعر الفنان وأحاسيسه وأفكاره ورؤيته الخاصة للعالم، ويصبح التعبير أساسياً لإدارة الفنان الخلاقة ومفهومه الفني.
إن الفنان التعبيري لا ينقل موضوعاً جمالياً بل ينقل المشاعر العارمة إزاء موضوع معين، وهو لا يلجأ إلى العقل بل يلجأ إلى العاطفة، وأفضل طريقة يستطيع أن يفهم بها الإنسان المذهب التعبيري بوصفه حركة فنية هي أن ينظر إليه بوصفه معارضاً لمذهب الانطباعي، ففي حين تكون الحركة في الاتجاه الانطباعي من الطبيعة إلى الفنان نجد أن المصور التعبيري يسقط أحاسيسه الباطنية إلى صورة معاناته وأحلامه، وعواطفه المحتمة. التعبيرية ترتكز على البركان الثائر داخل أغوار النفس الإنسانية، والانطباعية اعتتمدت على الإحساسات البصرية وعلى تحليل الألوان، وأما التعبيرية فتنبع من انفعال باطني وتوتر داخلي، والفرق بين التعبيرية والرومانسية وبينهما أوجه شبه كبيرة، فهما معاً يعدا نزعة مضادة للواقع وهما معاً يعتمدان على الإسقاط وهما يرتكزان على الأحلام وعلى الخيال وهما أخيراً انتصار للذات ضد الموضوع، الواقع أن التعبيرية تختلف عن الرومانسية في أنها لا تلوذ بالهرب والتقوقع داخل الذات أمام ما يهدد الإنسان بل على العكس من ذلك تواجه الخطر بكل شجاعة، وقد أعلنت تمردها الواقع ورفضته بكل حماسة؛ وذلك في سبيل تشييد ملامح جديدة للإنسان المعاصر.
وتسعى التعبيرية جاهدة إلى أن توضح القيمة التعبيرية في العمل الفني، وتحقق ذلك بطرق عدة منها:
- المبالغات والتحويرات الكثيرة في الخطوط والألوان.
- الإهمال المعتمد للاتجاه نحو الطبيعة، والذي يتبناه التأثيريون.
- استعمال الألوان المتكاملة.
- المذهب التعبيري يعيد بناء عناصر الطبيعة بطريقة تثير المشاعر.
من فروع التعبيرية:
• جماعة القنطرة أو الجسر:
ظهرت في درسن وتأسست في عام 1905 ورأت العنف الثوري ضرورة علمه على الرغم من ارتباطها بتيارات سبقتها كالرمزية والفن الجديد، ومن ممثلي هذه الجماعة كيرشز وهيجل، اللذين لجآ إلى الفن لخطي معتمدين في ذلك على ما تقدم لهم من (قيم تشكيلية) فنون القرون الوسطى والبدائيين، وقادوا التعبير عن هذا الشعور العاطفي القلق المتناقض مع المفاهيم الكلاسيكية وما تسعى إليه من جمال مثالي، غير أن الحركة التعبيرية الألمانية لم تنم وتأخذ أبعاداً جديدة إلا مع فناني الفارس الأزرق وقد تفرق أعضاء هذه الجماعة في عام 1913.
• جماعة الفارس الأزرق:
أسسها في عام 1911 في ميونخ كل من (واسيلي كازرنسكي وفرانز مارك 1916)، وتبعهم كل من اوجستال ماك وبوك كلى.
أقام الفارس الأزرق في سنتي 1911-1912 معرضين كبيرين شارك فيهما حشد كبير من أهم الفنانين الأوروبيين المعاصرين، وفي سنة 1913 شهدت ألمانيا أكبر تظاهره فنية أوروبية من خلال معرض الخريف الألماني الأول، وهو معرض شامل ومنفتح على مختلف التيارات العالمية، وفي هذا الإطار تكونت جماعة الفارس الأزرق.
كانت معارض الفارس الأزرق لا تتوقف عند أسلوب فني محدد، بل تلتقي فيها مختلف التيارات الفنية على تناقضها وتباينها كالتعبيرية ومختلف الاتجاهات التجريدية، وعلى الرغم من تعدد اتجاهات ممثليها إلا أنها تلتقي ضمناً حول مسائل الفكر والفن.
تحاول التعبيرية أن تعيد طرح موضوعات كان الفن قد فقدها منذ زمن بعيد وصاغها بأسلوب مبتكر يقوم على استعادة القيم الرمزية من خلال الخط واللون والشكل، أخذت هذه الحركة أبعاداً جديدة وانتشرت على نطاق واسع في أنحاء العالم، ولم تقتصر على الرسم والتصوير بل شملت مختلف الانشطة الثقافية.

http://www.ju.edu.jo/old_publication/cultural%2070/cultural/cultural/madrasah.htm

كلمات البحث الموفِدة:

  • رسومات لمدرسة التعبيرية (1)
727 Views

عن

إلى الأعلى