الرئيسية » موسوهة دهشة » علوم و تقنية » فلك وفضاء » التنجيم في ميزان العلم

التنجيم في ميزان العلم



العدد السبعون- ربيع الآخر 1428 هـ/ آيار 2007

التنجيم..
في ميزان العلم…

محمد المشهداني
بغداد-العراق
أعجب الإنسان منذ أقدم العصور بالنجوم المتلألئة في السماء, هذا الإعجاب حوله إلى مراقبة تضمنت صوراً من التعظيم والتبجيل فقرن حركاتها بحركاته ومصيره على الأرض ومن خلال مراقبته لمئات بل آلاف من السنين جمع كمّاً هائلاً من المعلومات التي ترتبط بحياته على الأرض فظهر التنجيم. وتحولت رؤية الكواكب من صورة نظرية وخرافية –تمثلت عند الإنسان القديم- إلى صورة اتصفت بالعلمية، فبدأ الإنسان يدون جميع المعلومات التي تقترن بحركات الكواكب وعلاقتها بالأحداث التي تحصل على الأرض، واستطاع البابليون أن يرسلوا القواعد العلمية الأولى لعلم الفلك والتنجيم وخلفهم الكلدانيون ثم اليونانيون الذين ربطوا مصائر الناس بالكواكب وخرجوا بنظريات وفلسفات كان لها دور بارز في تقدم الفلك والتنجيم، واستفاد المسلمون العرب من المخلفات العلمية لهذه الحضارات وكان لكتب الفلك والتنجيم نصيب وافر عندهم، وعبر هذه الرحلة الطويلة التي استمرت آلاف السنين نجد أن لهذا العلم أو الفن أنصاراً من جميع المستويات العلمية والثقافية والاجتماعية بل نجد أن أنصاره اليوم أكثر من مؤيديه في الماضي.
فهل يمكن أن يكون للتنجيم مكان في عالمنا العقلاني والعلمي المعاصر؟!
وما طبيعة علاقتنا بالنجوم أو الإشعاعات الكونية؟ وهل للتنجيم حقيقة كونية أم هو مجرد وهم وخرافة؟
وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من عرض الطرق التي يستعملها المنجم في تحديد التنبؤات المتعلقة بمصير الإنسان، ولنبدأ بأهم شيء في ذلك (خريطة الأبراج Horoscope) التي تعطي معلومات وافية عن الشخص، ولعمل مثل هذه النظرية لا بد من اتباع النقاط التالية:
- ذكر تاريخ الولادة ومكانها.
- تثبيت حساب الوقت الفكلي الموافق لساعة الولادة واليوم والشهر والسنة والموقع.
- إيجاد الدليل المؤشر للإنسان في منطقة البروج المعبر عنه بالبرج.
- توزيع الكواكب على الخريطة الفلكية، ويكون ذلك حسب الأزياج والتقاويم الفلكية السنوية أو حسابات الكمبيوتر.
- تحديد الطالع وهو موقع أشعة الشمس في الأفق في أثناء الولادة.
ومن خلال تحديد هذه المعلومات يستطيع المنهج أن يحلل شخصية الإنسان ويحدد بعض التوقعات المستقبلية التي تتعلق بحياته، إلا أن الجدل القائم بين القائمين على العلوم التقليدية وبين الفلكيين لا يتطرق للوسائل التي يتم بوساطتها رسم خريطة النجوم وإنما في التعليل المناسب لها، فمن ناحية يقول المنجمون إن الحياة على الأرض تتأثر سلباً أو إيجاباً بالمؤثرات الكونية المعبر عنها بحركات الكواكب، ويضيفون إن التأثيرات التي تتعلق بآراء الشخص ومستقبله ولحوادث التي تقع له تتعلق ببعض المؤثرات والأوضاع لكونية، وأن أقوى هذه المؤثرات تأتي من النجوم والكواكب القريبة من الأرض، وأن المكان النسبي لوجود هذه الكواكب والنجوم حين ولادة الإنسان له تأثير واضح علينا وأن طبيعة هذا التأثير تختلف من كوكب إلى آخر ويوافقهم في ذلك أصحاب العلوم التقليدية، لكن الخلاف الجوهري يكمن في تفسير وتعليل المتغيرات الكونية، فالمنجمون يعتمدون في تحليلاتهم لآثار المتغيرات الكونية هذه على ما يعتبرونه حقائق ثابتة في حين أنها في نظر العالم الفلكي ليست كذلك، وتبعاً لذلك تثور عواصف من الجدل العنيف بين الطرفين ومن بين ما يستند عليه الفلكيون في تفنيد علم التنجيم Astrology واعتباره ضرباً من ضروب الوهم والخداع، أن الأرض بفعل ظاهرة الترنح قد انحرفت عن محورها نحو الغرب وهذا الانحراف يكون درجة واحدة كل سبعين سنة، مما أدى إلى أن فترة حصول الاعتدال الربيعي تكون في برج الحوت أو بالأحرى في نهاية برج الدلو فيما يطلق عليه المتحمسون من الفلكيين عصر الدلو، وهذا الأمر يجعل جميع ما يقوم به المنجمون من حسابات لتوقعاتهم خاطئة، لذلك فإن مواقع الأبراج بالنسبة للأرض والشمس ومدة مكوث الشمس في كل برج قد تغيرت بسبب إضافة برج حيث أضيف برج الحواء، وكذلك مدة مكوث الشمس في كل برج قد تغيرت بسبب إضافة البرج الثالث عشر، وقد ادعت إحدى الفلكيات البريطانيات اكتشاف مجموعة من النجوم بين برجي الميزان والعقرب أطلقت عليها اسم برج الأفعى، مخطئة بذلك حسابات المنجمين، ومن بين ما يستند عيه المعارضون للتنجيم أيضاً التناقضات التي تذكر في الصحف والمجلات المتعلقة بالأبراج وتوقعاتها اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية وغيرها.
ويرد الفلكيون المنجمون على هذه الاعتراضات بأن موقع دائرة البروج ثابت وليس له علاقة بظاهرة الترنج مع اختلاف الميل المتعلق بالأرض والشمس، بل إن الاعتدال الربيعي وأول دخول الشمس في بداية دائرة البروج المعبر عنها بالحمل يكون في 21/3 من كل سنة ولا يتغير هذا التقويم لأن تغيره يعني إجراء تعديلات مستمرة في تحديد مواقع بداية الأبراج وضبطها وهذا الأمر صعب ولا يتوافق مع الكم الهائل من الأحكام التنجيمية التي يعتمد عليها المنجم في تحديد بعض التوقعات، وأما ما يخص البرج الثالث عشر فإن الاتحاد العالمي للمنجمين وكلية الدراسات التنجيمية وجميع المعاهد والمؤسسات التي تعنى بالتنجيم والتي تضم كبار الفلكيين لم تعترف بوجود برج ثالث عشر في حزم دائرة البروج بل بعض المراجع التاريخية أشارت إلى أن قدماء البابليين عرفوا مجموعة من النجوم بين برجي الميزان والعقرب، إلا أنهم لم يعتبروها برجاً لعدم اشتراكها في خط دائرة البروج وأما ما يخص توقعات الأبراج المذكورة في الصحف والمجلات فإن المنجمين يؤيدون الفلكيين وغيرهم في المبدأ نفسه، وهو أنها لا تعني شيئاً لأنه ليس لها أساس علمي فلكي وأن الذين يكتبونها ليسوا متخصصين، بل هي مجرد تسلية لا أكثر.
ومن بين المعارضين للتنجيم والمؤيدين له نجد أن هناك قسماً ثالثاً يرى أن للكواكب والنجوم والأبراج تأثيراً على الحياة والإنسان، ويكون سبب هذا التأثير ما تصدره هذه الكواكب من إشعاعات وطاقة تتناسب مع الإنسان فتحدث تغيراً في سلوكه وتصرفاته إلا أنهم يرون أن هذا التأثير لا يكون إلا ذو طبيعة بيولوجية وفسيولوجية وصحية ونفسية وليس له علاقة بالمستقبل أو ما يتعلق بمصير الإنسان أو التوقعات الفلكية.
إن العديد من الفلكيين المنجمين ومن خلال تراكم العديد من المعلومات الفلكية التي قرنت بأحداث على الأرض استنتجوا دراسات واسعة وكبيرة تقوم على أساس المشابهة والتكرار، وقد أكدت الدراسات الميدانية التي أجريت خلال النصف الثاني من القرن العشرين صدق هذه المعلومات التي يعتمد عليها المنجمون، فقد وجد مثلاً أن الزوايا 180 و90 درجة تعطي دلالة سلبية للإنسان وأن بقية الزوايا تكون إيجابية، والأمر نفسه أكده الباحث كلارك إذ جمع عشرين شخصاً ممن تراوحت أعمارهم بين خمسة وأربعين إلى ستين سنة يعملون في مهن مختلفة وتؤلف السيدات حوالي نصف عددهم، أعطى قائمة بأسمائهم وأعمارهم وأخرى بالمهن التي يمارسونها لعلماء النفس ولعلماء الفلك من المنجمين وطلب من كلا الطرفين أن يوفق بين كل اسم في القائمة الأولى والمهنة من القائمة الثانية، وكانت النتيجة أن واحداً فقط من علماء النفس وبقدر وافر من الخط استطاع أن يتوصل إلى الحل الصحيح، في حين أن سبعة عشر من بين عشرين فلكياً توصلوا على هذا الحل، مما أعطى دليلاً واضحاً على صحة المعلومات الفلكية المستعملة لهذا الغرض، كما توصل عالم الإحصاء والنفس الفرنسي «ميشيل غوغولين» إلى نتائج مدهشة حيث اكتشف أن العلاقة بين الأفلاك والأرض أقوى من مجرد كونها محض صدفة، بل قرر أن هناك علاقة معينة بين حركة بعض الأفلاك ووظيفة المرء أو تخصصه، وهذا ما أكدته الدراسات الميدانية، حيث أجريت استقراءات أخذت لخمسين ألف شخص من كلا الجنسين يمثلون مشاهير السياسة والسلطة والعلم والأدب والفن بجميع أنواعه ومن خلال عمل خرائط فلكية دقيقة لهم وجد أن ثمة علاقة بين الكواكب وتشكيلات زواياها وبين المهن والأعمال التي يمتهنوها، وكانت نتائج هذه الدراسة مذهلة لأنها كانت متوافقة بنسبة تزيد على 90% من مهن وأعمال النماذج المأخوذة.
ومن بين الدراسات التي أجراها الفرنسي غوغولين، أن ارتفاع المريخ أو زحل إلى الذروة في الخارطة الفلكية يجعل الإنسان ناجحاً في مجال العلم والطب، أما ارتفاع المشتري فيشير إلى مشاهير الرياضيين والأبطال العسكريين والوزراء والممثلين والصحفيين والمؤلفين والمسرحيين.
وظل غوغولين يجد صعوبة بالغة في تصديق تلك النتائج بالرغم من مطابقتها للواقع، ولكنه بعد دراسة طويلة دامت أكثر من خمس سنوات خرج بنظرية علمية أطلق عليها اسم «الوراثة الفلكية» التي تشير إلى أن هناك عوامل وراثية غير معروفة يمكن أن تؤثر على نوع التخصص الذي سيختاره الطفل عند ولادته وموعد اختيار ذلك.
ومن بين أهمّ الدراسات التي أجريت على علم التنجيم الدراسة التي قام بها عالم النفس الشهير كارل يونج الذي وجد أن هناك علاقة وارتباطاً بين حركات النجوم في الأبراج وبين الأمراض التي تصيب الإنسان، وقد دعا إلى الاعتراف بالتنجيم وكان يصر في أواخر أيامه على الحصول على خريطة يطالع مرضاه لأن ذلك يساعد على فهم شخصية المريض وصفاته النفسية مما يفيده في علاج المريض.
إن إدعاء أكثر الفلكيين بعدم مصداقية التنجيم تقوم على أساس أن انحراف الأرض في محورها يؤدي إلى خطأ في حساب المنجمينن جعل العديد من الفلكيين المنجمين يحاولون تعديل بعض الأزياج والحسابات الفلكية وفق التغيير الذي أحدثته ظاهرة الترنح وانحراف الأرض عن محورها كما فعل مؤسسة التنجيم الشرقي في بداية الثمانينات من القرن الماضي، حين كلفت الأستاذ «دورسان» بحل هذه الإشكاليات فوضع ما يسمى ب»السيد روسكوب» الذي عدل في الفرق الحاصل في ظاهرة انحراف الأرض حول محورها نحو الغرب وخرج بدراسة جديدة أطلق عليها اسم Retour au Zod Iauue desn Etolles ولكن هذا لا يعني أن التنبؤات التي ذكرها الأقدمون أو التي ما زال يستخدمها بعض المنجمين خاطئة لأن العديد منها كان له مصداقية كبيرة، وما اعتمد عليه المنجم الكبير نوستراداموس خير شاهد، ويمكننا أن نبرهن على صدق نتائج التنجيم بما ذكره العديد من المنجمين من الأخبار والحوادث التي كان لها مصداقية كبيرة، والحديث لا يسعنا لسرد هذه الأخبار، لذا سنشير على ما ذكره أحد منجمي «مدرسة هامبورغ» حينما كشفت عن موت امرأة في فينا (عاصمة النمسا) برصاصة في ظهرها وهو في هامبورغ عن طريق أخذ تاريخ ولادتها ومكانه، وكان ما ذكره صحيحاً بنسبة كبيرة.
ولكن السؤال هو: إذا كان التنجيم مبنياً على أساس علمي نرجع فنقول: «كيف يعمل»؟ وكيف يمكن أن تؤثر النجوم في الإنسان؟
إن أفضل نظرية تفسر ذلك حتى الآن هي نظرية العالم النفساني كارل يونج الذي يقول بوجود «تزامن» أو توافق بين الأحداث، ويعتقد يونج أن التزامن هو الوجه الآخر لعلاقة السببية، وبعبارة أخرى إذا وقع حدثان في الوقت نفسه، أو تبع أحدهما الآخر بوقت قليل فمن المحتمل أن لا تكون بينهما علاقة سببية مباشرة، بمعنى أن أحدهما تسبب في الآخر، ومع ذلك فقد تكون بينهما علاقة ما لا ندرك كنهها. وفي حالة التنجيم لا تتسبب أوضاع الشمس والقمر والنجوم والأبراج في وقوع أحداث معينة ولكنها قد «تتزامن» ساعة الميلاد مع طول عمر المولود أو قصره.
ومما سبق نستطيع أن نرى أن الاختلاف الكلي بين صورة التنجيم العلمي الصحيح وبين ما نراه من أساليب الخداع لقراءة الحظ والأبراج في الصحف والمجلات مثلاً أو ما أشبه ذلك، فالنتائج التنجيمية العلمية تقوم على أساس علمي وحساب دقيق لحركات الكواكب في الأبراج، فضلاً عن أن تراكم المعلومات عبر آلاف السنين مما أعطى مصداقية كبيرة لها حينما تتزامن مع حدث فلكي أو كوني، وليس من المعقول أن تقوم مؤسسات وجمعيات علمية لها مكانتها بتضليل الناس، ولا يعقل أن يعتمد ملايين الناس على اختلاف مستوياتهم وثقافاتهم على شيء وهمي، فالأمر الذي لا نفهمه اليوم قد نجد له جواباً في الغد، فالكثير من الأمور التي كنا نعدها ضرباً من ضروب الخيال أصبحت حقيقة نعيشها ونلمسها في عصرنا، وهنا يذكرنا بقول العالم الفيزيائي «ماكس بلانك» الحائز على جائزة نوبل «إن نواميس الطبيعة لا تخضع لأية إرادة بشرية، فهي وجدت قبل ظهور الحياة على الأرض وستبقى بعد زوالها».


http://www.ju.edu.jo/old_publication/cultural%2070/cultural/cultural/tanjeem.htm

كلمات البحث الموفِدة:

  • تحميل كتاب التنجيم (1)
71 Views

عن

إلى الأعلى