الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » القرآن الكريم » القرآن والمنهج » الإنسان المتكامل في القرآن الكريم

الإنسان المتكامل في القرآن الكريم



الإنسان المتكامل في القرآن الكريم

مصطفى عشوي

- محاضرة بالمؤتمر العالمي عن الإرشاد والعلاج النفسي من المنظور الإسلامي،
- “الإنسان المتكامل في القرآن الكريم” (بالانكليزية). تنظيم: الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا كوالالمبور-ماليزيا:15-17 يوليو 1997.


مقدمة:
قد يكون من الممتع حقا أن نؤكد أن معرفة الخالق تساعدنا على معرفة المخلوق، كما أن معرفة المخلوق حق المعرفة تساعدنا على معرفة الخالق. وليس هدفنا في هذه الدراسة إثبات وجود الله؛ فنحن نؤمن إيمانا قاطعا وجازما بوجوده، ونشهد بوحدانيته وربوبيته. ولكن ما نقصده هو فهم صفاته الرائعة كما وصف نفسه في كتابه الكريم، وفهم مخلوقاته العجيبة والعظيمة والتي ليست إلا جزءا بسيطا من تجلى عظمته تعالى. وعليه، فإن عظمة الكون وعظمة الإنسان من عظمة الله تعالى وإن كانت عظمة هذه الكائنات ليست إلا جزء بسيطا -لا يكاد يذكر- بالقياس إلى عظمة الخالق سبحانه وتعإلى.
ولا شك، أن منهج القرآن في إثبات وجود الله قائم على دعامتين أساسيتين:
1- إثبات وحدانية الله تعالى وتفرده بالصفات والأسماء الحسنى.
2- توجيه إدراك الإنسان إلى ضرورة التأمل في مخلوقات الله تعالى بدلا من التأمل في ذاته تعالى؛ وذلك لهدفين متكاملين: الأول؛ ويتمثل في الاستدلال على وجود وعظمة الله تعالى. والثاني، ويتمثل في العمل على تسخير الطبيعة للإنسان -كما أراد الله تعالى- لشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وعبادته حق العبادة.
ولاشك، أن معرفة الإنسان لأسرار نفسه، ومعرفة بعض أسرار الكون المحيط به تؤديان به إلى معرفة أكبر وأعمق بخالقه وخالق الكون. وقد حث الله تعالى الناس على التأمل في الكون وفي أنفسهم حتى يتبين لهم الحق تبارك وتعإلى.
وكإسهام في دراسة المخلوقات ارتأينا دراسة صفات الإنسان انطلاقا من القرآن الكريم كمصدر من مصادر تحصيل المعرفة، وقد ارتأينا استعراض هذه الصفات كما جاءت في القرآن الكريم على قدر فهمنا النسبي لنصوص القرآن الكريم.
والهدف من هذه الدراسة هو الوصول إلى استجلاء صفات الإنسان وفهمها كما وصف هذا الإنسان -من طرف خالقه في القرآن الكريم “عاريا”- دون أقنعة ودون عمليات تجميل وتنميق وتبديل لخلق الله.
ولا غرو، فإن مفهوم الشخصية في لغات مثل الإنجليزية والفرنسية Personality”" مشتق من أصل لاتيني “Persona” ويعنى بهذا المفهوم الأخير القناع الذي يوضع على الوجه أثناء الأداء المسرحي. فهل يدرس علم النفس الحديث حقيقة الإنسان أم يدرس الأقنعة التي يضعها الإنسان على وجهه وعلى سلوكه بصفة عامة ؟ ليس المقام هنا مقام الإجابة عن هذا السؤال الهام بصفة مباشرة. ولكن إطلاعنا على وصف الإنسان في القرآن الكريم سيبين لنا كيف أن الإنسان قد وصف دون أقنعة ودون تجميل …بينما سنخصص فصلا كاملا لكيفية وصف الإنسان في علم النفس الحديث.
- وصف الإنسان في القرآن الكريم:
وصف الله تعالى الإنسان بعدة صفات يبدو أن بعضها (جبلي) وراثي، بينما بعضها الآخر مكتسب بالتعلم والتأثر، ومن الممكن اكتسابها وتعديلها وتغييرها بل ومحوها. ويلاحظ المتمعن في هذا الوصف مدى واقعيته وجلائه. وتتجلى واقعية هذا الوصف في وصف الإنسان -كما هو-؛ أي الإنسان بصفاته السلبية من جهة وبصفاته الإيجابية من جهة أخرى.
ونحن نؤكد على هذا الوصف الواقعي لكي يكون هذا النوع من الوصف نموذجا منهجيا للبحث العلمي في علم النفس وغيره من العلوم من منظور إسلامي بدلا من الاعتماد المستمر على الحدس وتفسير النصوص تفسيرا لغويا وعقليا دون اللجوء إلى استقراء الواقع والوصول انطلاقا من عمليات الاستقراء إلى صياغة قوانين ونظريات حول السلوك الإنساني وخصائص الشخصية الإنسانية. ولا يعنى هذا أبدا الاستغناء عن النصوص بل كل ما ندعو إليه هو القيام بعملية تكاملية يتم فيها الانتقال من النصوص إلى فهم الواقع ومن الواقع إلى فهم النصوص.
ومن الصعب أن نستنتج فيما إذا كان الإنسان قد وصف في القرآن الكريم سلبيا أكثر مما وصف إيجابيا لأن المعتبر في التقويم ليس الجانب الكمي فقط لورود الصفات السلبية والإيجابية بل هو الجانب النوعي. وبتعبير آخر، فان إحصاء الآيات الكريمة التي وصفت الإنسان قد يبين لنا أن الإنسان قد وصف سلبيا أكثر مما وصف إيجابيا إلا أن اعتبار الجانب النوعي أو الكيفي في الوصف الإيجابي للإنسان مثل “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم” ومثل ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” ومثل “وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس … ” ، ومثل قوله تعالى: {ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} يجعل من الصعب الاستنتاج أن الإنسان قد وصف سلبيا أكثر مما وصف إيجابيا.
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أن وصف الإنسان في القرآن الكريم قد لا يكون سلبيا أو إيجابيا وإنما عبارة عن وصف لواقع ونفسية الإنسان مثل قوله تعالى: “زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب” (آل عمران:14).
ومهما يكن، فإن استعراض الآيات الكريمة التي تعرضت للإنسان بالوصف الدقيق قد يجلى بعض الغموض في هذا الجانب.
ومن الملاحظ، أن تصوير الإنسان في القرآن الكريم يتصف بالواقعية؛ فالإنسان يتعلم ويتذكر وينسى، وأنه يأثم ثم يندم ويستغفر ويتوب وأنه ينفعل ويفعل ويتفاعل؛ ولذا فقد يكون جحودا وكنودا وجزوعا وصابرا ومصابرا، وقد يصبح مؤمنا وكافرا ومنافقا، وشقيا وسعيدا وكريما وبخيلا ويضحى هلوعا، جزوعا، وغير ذلك من الصفات والصفات المرتبطة بتكوين الإنسان من الناحية الجبلية أو البيولوجية، والمرتبطة بسعي الإنسان في الحياة الدنيا، ومصيره يوم الدين.
ولا يعنى وصف القرآن الكريم للإنسان وصفا واقعيا؛ أي الإنسان كما هو في الواقع بصفاته السلبية والإيجابية، أن القرآن الكريم قد أهمل وصف الإنسان كما ينبغي أن يكون بل الصحيح هو العكس؛ إذ أن الهدف من نزول الفرقان وإرسال الرسل والأنبياء هو الارتقاء بسلوك وأخلاق الإنسان من مرتبة بسيطة (طبيعية) إلى رتب ومراتب متدرجة في العلو والارتقاء، والحسن والإحسان.
ومما ينبغي التنبيه إليه، أن تناول (مقاربة) هذه الدراسة ليس تناولا معياريا بل هو عبارة عن تناول قائم على الاستقراء التام لألفاظ القرآن الكريم التي لها علاقة بالإنسان كموضوع للوصف سواء كان ذلك بإيراد صفات مباشرة أو بإيراد جوانب أو أعضاء ترتبط بصفات معينة مثل ارتباط صفة الزيغ وما ينجم عنها من سلوك بالقلب.
وعليه، يمكن أن أورد فيما يلي صفات الإنسان في القرآن الكريم حسب التصنيف الآتي:
1- صفات الإنسان (النوع) : ويمكن توزيع هذه الصفات إلى صفات سلبية وصفات إيجابية، كما يمكن توزيعها إلى صفات تتعلق بالخلق وإلى صفات خلقية (بكسر الخاء)؛ وإلى صفات وراثية (جسمية وغير جسمية)، وصفات غير وراثية (مكتسبة) سواء كانت جسمية أم غير جسمية؛ وغالبا ما ترتبط هذه الصفات بأنواعها المختلفة بالسلوك والأنماط المتعددة للشخصية.
ومن الممكن أن تتوزع الصفات السلبية والإيجابية، والصفات الوراثية وغير الوراثية إلى:
1- صفات جسمية (تتعلق مثلا بالجانب الوراثي، النمو الجسمي)
2- صفات روحية (تتعلق أصلا بالإيمان بالغيب وإيمان بالعمل الصالح)
3- صفات نفسية (تتشعب إلى: عقلية، وجدانية، سلوكية)
4- صفات خلقية (بضم الخاء) ( مثل جانب القيم في السلوك: الشجاعة، الكرم)
ورغم أهمية دراسة كل الجوانب المذكورة أعلاه لفهم مختلف الأبعاد التي تكون الإنسان المتكامل الأبعاد والجوانب والوظائف، فإن الذي يهم علماء النفس أساسا هو الصفات النفسية المتعلقة بالعمليات العقلية والوجدانية والسلوكية.
لقد ذكر الله تعالى في سورة النساء في خطاب موجه إلى جميع بنى البشر بأنهم خلقوا من نفس واحدة وبث منها رجالا كثيرا ونساء. {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}، كما ذكر سبحانه وتعإلى أن خلق آدم كان من طين لازب، ومن حمأ مسنون. أما أصل التناسل بعد هبوط وحواء من الجنة فهو الزواج الذي يؤدى إلى خلق الإنسان من نطفة “من ماء مهين”.
وأصل الخلق هذا (من طين) هو الذي دفع إبليس للتمرد على أمر الله تعالى عندما أمره بالسجود لآدم؛ إذ أن إبليس قد خلق من نار، وقد اعتقد أن أصل خلقه أكرم من أصل خلق آدم.
2- صفات الإنسان المسلم: ويشترك مع الإنسان غير المسلم في الصفات الوراثية أساسا ويختلف عنه في كثير من الصفات غير الوراثية؛ أي النفسية والخلقية.
3- صفات الإنسان المؤمن: ويشترك مع الإنسان غير المسلم في الصفات الوراثية كما يشترك مع المسلم في بعض الصفات ويختلف عن كل واحد منهما أيضا. ومن الجدير أن نلاحظ أن الاختلاف بين الإنسان المؤمن والإنسان غير المسلم وغير المؤمن اختلاف نوعي، بينما اختلافه مع الإنسان المسلم اختلاف في الدرجة وليس في النوعية إذ يجمع بينهما التوحيد وكثير من العمل الصالح.
4- صفات الإنسان المحسن: ويشترك مع المذكورين أعلاه في بعض الصفات ويختلف عنهما أيضا حيث إن اختلافه عن الإنسان غير المسلم وغير المؤمن وغير المحسن اختلاف نوعي بينما اختلافه مع الإنسان المسلم والإنسان المؤمن اختلاف في الدرجة وليس في النوعية.
وباختصار، يمكن وصف العلاقة بين شخصية المسلم وشخصية المؤمن وشخصية المحسن بأنها علاقة ثلاث مجموعات متداخلة بشكل عمودي ويمتد من أدناها إلى أعلاها هرم تقع في أدناه الصفات القاعدية لكل من الشخصيات الثلاث وتتربع على قمته خصائص شخصية المحسن التي تتميز عن شخصية المؤمن والمسلم ، وتتوسطه شخصية خصائص المؤمن التي تشكل بدورها قاعدة ثانية لشخصية المحسن.
5- صفات الإنسان الكافر: ويشترك مع الإنسان المسلم والمؤمن والمحسن في الصفات الوراثية ويتباين عنهم تباينا نوعيا في عدد غير قليل من الصفات.
6- صفات الإنسان المنافق: ويشترك مع الإنسان المسلم والمؤمن والمحسن في قليل من الصفات الظاهرية خصوصا. ويشترك مع الإنسان الكافر في كثير من الصفات إلا أنه يختلف اختلافا نوعيا في صفاته العقلية والوجدانية عن الإنسان المسلم والمؤمن والمحسن.
وفي الواقع، فإن هذا المبحث في اختلاف صفات الإنسان حسب التقسيم المذكور أعلاه قد يندرج في مبحث “الشخصية” ، أو علم النفس الاجتماعي؛ لأن العبرة هنا ليس الاختلاف في الصفات من الناحية النظرية بل الأهم في علم النفس هو دراسة مدى التشابه أو الاختلاف في السلوك بين أفراد أو جماعات ما على ضوء الواقع؛ أي واقع سلوك هؤلاء الأفراد والجماعات.
الإنسان في القرآن الكريم:
القرآن الكريم كله دعوة للإنسان من أول آية إلى آخر آية منه. ومن الصعب حصر الآيات التي تتحدث عن الإنسان، أو الآيات التي تتوجه بالخطاب إلى الإنسان وإلى الناس جميعا، إلا أنني اتبعت في هذه الدراسة أسلوبا بسيطا -بهدف حصر الموضوع- و قد تمثل هذا الأسلوب في محاولة إحصاء واستقراء الآيات التي وردت فيها كلمة “الإنسان” أو “الناس” أو “قوم”، واستجلاء معانيها.
بلغ عدد تكرار كلمة “الإنسان” في القرآن الكريم 58 مرة. أما كلمة “الناس” فقد بلغ تكرارها 182 مرة بينما كلمة “قوم” وردت 126 مرة، ووردت كلمة “القوم” 62 مرة، هذا عدا ورود كلمة “قومه” 36 مرة، وكلمة “قومك” 9 مرات، وكلمة “قومهم” 7 مرات، وكلمة “قومي” 5 مرات. وفي كل هذه الآيات إشارات إلى الإنسان بصفة فردية، وإلى الإنسان في تفاعله مع الآخرين.
ولعل تفاعل الإنسان مع “القوم” -كما ورد ذلك في عدة آيات في القرآن الكريم- يشكل قاعدة لاستخلاص الأسس النظرية للتفاعل الاجتماعي؛ وهو من مواضيع علم النفس الاجتماعي، من منظور إسلامي.
إذا تأملنا مجموع الآيات التي ورد فيها ذكر كلمة “الإنسان” فإننا نلاحظ ارتباطها بالمواضيع الآتية:
1- أصل خلق الإنسان: لقد وصفت عدة آيات عملية خلق الإنسان؛ فمنها ما يصف خلق آدم عليه السلام من صلصال كالفخار، وكيف نفخ الله فيه من روحه، ومنها ما يصف خلق الإنسان (تناسل بنى آدم) من نطفة أومن ماء مهين.
أ) خلق آدم: من آيات الله في الكون خلق آدم؛ إذ أن هذا المخلوق لم يكن شيئا مذكورا. وفي هذا المعنى يقول تعالى:{أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} مريم:67. وينص القرآن الكريم أن خلق الإنسان لم يكن من عدم بل من طين لازب، ومن صلصال، ومن حمأ مسنون. وقد ذكرت عدة آيات من باب التذكير عملية الخلق وعظمة الله في ذلك. يقول تعالى:{ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون} الحجر:26. ويقول تعالى:{خلق الإنسان من صلصال كالفخار} الرحمن:55. ويذكر تعالى أنه سوى الإنسان ونفخ فيه من روحه. يقول تعالى:{فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} الحجر:29. ويذكر الله تعالى الإنسان بأنه قد خلقه في أحسن تقويم. يقول تعالى{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} التين:4. ويقول أيضا:{يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} الإنفطار: 6-8.
ب) تناسل الإنسان: ونقصد بهذا الجانب عملية تناسل بنى آدم بعد هبوط آدم وحواء إلى الأرض. وقد ذكرت عدة آيات خلق الإنسان من نطفة من باب التذكير والإخبار قبل اكتشاف المخابر. يقول تعالى:
” أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين” يس:77. ويقول تعالى:”أيحسب الإنسان أن يترك سدى، ألم يكن نطفة من مني تمنى” القيامة36-37. ويقول تعالى في سورة الإنسان: “إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا” الإنسان:2.
وفي الواقع، فإن هناك آيات أخرى حول خلق الإنسان وتناسله ونموه في الرحم وبعد الولادة، وليس المقام هنا مقام حصر كل هذه الآيات. ومهما يكن، فإن خلق الإنسان الأول (آدم) قد تميز بعدة خصائص أهمها:
- لم يكن الإنسان -قبل خلقه- شيئا مذكورا.
- لم يخلق الله تعالى آدم من عدم بل خلقه من طين لازب (الجانب المادي أو الفيزيائي في الإنسان).
- نفخ الله تعالى من روحه في آدم؛ وفي هذا تكريم للإنسان لتمييزه عن بقية الكائنات (الجانب الروحي في الإنسان).
- خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم. يقول تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} التين:4. ولكن الإنسان بسبب كفره وعصيانه قد رده تعالى إلى أسفل سافلين. وقد استثنى الله تعالى من هذا الرد “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”. ويبدو أن الإيمان والعمل الصالح هو أساس الاستثناء في جميع الأحوال التي وصف الله تعالى فيها الإنسان بالصفات السلبية كما سيأتي أدناه. وعليه، فإن وصف الإنسان بالصفات السلبية إنما ينطبق أساسا على الإنسان الذي يعصى الله تعالى أما أساس الخلق فقد كان في أحسن تقويم وفي أحسن صورة. يقول تعالى: {خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير} التغابن:2.
- تكريم آدم بسجود الملائكة له بأمر من الله تعالى.
- تكريم بنى آدم بحملهم في البر والبحر (والجو) ورزقهم من الطيبات. يقول تعالى: {ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} الإسراء:70.
- تسخير الطبيعة للإنسان: يقول تعالى:{ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} لقمان:20.
وقد بلغ عدد الآيات التي تتحدث عن تسخير البحر والأرض والسموات وما فيها للإنسان خمس آيات؛ أي الآيات التي وردت فيها كلمة “سخر”. أما معاني التسخير في القرآن فأكثر مما ذكر.
- لم يدع الله تعالى الإنسان وحيدا في هذا الكون الفسيح بل زوده بالعقل للتمييز بين الأمور،كما زوده بالهداية والرسالة: “وهديناه النجدين” البلد:10.
- إذا تأملنا بعض الآيات التي تصف الإنسان وصفا سلبيا فإننا نلاحظ أنها تبدأ بفعل “خلق” مبنيا للمجهول مثل “إن الإنسان خلق هلوعا …” ، وبعض الآيات تبدأ بفعل ماض ناقص مثل قوله تعالى:
{ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا}، بينما يقول تعالى :{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}؛ فهو ينسب إليه عملية الخلق في أحسن تقويم. وإلى جانب هذه الآية هناك آية أخرى في سورة البلد:{ لقد خلقنا الإنسان في كبد}؛ والمقصود بهذه الآية -كما جاء في تفسير الجلالين- هو أن الله تعالى قد خلق الإنسان ليكابد أي ليواجه مصائب الدنيا وشدائدها.
وهذا الوصف واقعي جدا إذ أن المطلوب من الإنسان في هذه الدنيا هو بذل الجهد والسعي لاكتساب الرزق وتعمير الأرض؛ حيث هو مستخلف فيها.
والمتأمل لهذه الآيات يلاحظ أيضا عدم وجود أية آية تبدأ ب “خلق” أو “خلقنا” أو “كان” عندما يكون المقصود بالوصف سلوكا معينا مثل الظلم حيث لا نجد آية واحدة تقول “و لقد خلقنا الإنسان ظلوما” مما يعنى أن بعض الصفات والخصائص المرتبطة بالسلوك خصائص مكتسبة بمختلف أشكال وأنماط التعلم كالتقليد والاشراط وغير ذلك، وليست خصائص موروثة.
وبناءا عليه، فإن مسئولية الإختيار؛ أي اختيار أي سلوك تقع على الإنسان وليس على أحد غيره. ولا يمكن للإنسان أن يحاجج الله تعالى يوم القيامة بأنه خلق ظلوما وخلق كافرا وخلق منافقا فكيف يحاسب على شيء غير مخير فيه. ولكن ابتلاء الإنسان وامتحانه قد بينا فشل الإنسان في عدة أحوال وحالات ومواقف سواء كان ذلك في عالم الغيب؛ عندما ابتلى الله سيدنا آدم في الجنة فنسي، أم على أديم هذه الأرض حيث قام الإنسان بسفك دماء أخيه الإنسان (قتل قابيل لهابيل)، والفساد في الأرض وكأن الله -سبحانه وتعإلى- قد خلق الإنسان عبثا وأنه (الإنسان) لا يرجع إليه. فما هي أهداف خلق الإنسان؟



أهداف خلق الإنسان:
- خلافة الله في الأرض واستعمارها حسب سنن الله في الكون.
- عبادة الخالق، الله تعالى في الأرض: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني”
n امتحان الإنسان في هذه الدنيا لينال جزاءه فيها أو في الآخرة أو في كل منهما. يقول تعالى: “الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور” الملك:2.

خصائص الإنسان في القرآن الكريم

يمكن تصنيف هذه الخصائص بصفة عامة إلى صفات سلبية وصفات إيجابية، والملاحظ أن كل الصفات الإيجابية مترابطة ومتكاملة مع بعض، وكذلك الأمر بالنسبة للصفات السلبية. وفيما يأتي عرض لهذه الصفات كما جاءت في القرآن الكريم. وينبغي أن أؤكد هنا أن الصفات تكون أحيانا عبارة عن سمات ثابتة وغالبة أي دائمة ومسيطرة على سلوك الشخص أي تصبح هي التي تطبع سلوكه العام بينما تكون أحيانا أخرى سمات مؤقتة.
ومهما كانت هذه الصفات أو الجوانب التي ترتبط بها هذه الصفات مثل بعض الأعضاء كالقلب أو الوظائف مثل الخلافة فإنها ترتبط ولو نسبيا بالسلوك.
أ- الصورة الإيجابية:
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإنسان قد وصف سلبيا أكثر مما وصف إيجابيا، إلا أنه من الصعب الجزم بذلك انطلاقا من خلال عدد الآيات وتكرارها فقط بل إن التحليل النوعي والموضوعي إلى جانب التحليل الكمي قد يجلى بعض الغموض في هذا الموضوع. وقبل أن أستعرض وصف الإنسان في القرآن الكريم فإني أشير إلى أن ما أعرضه ليس إلا أهم مميزات الإنسان كما جاءت في القرآن سواء جاءت هذه المميزات في شكل صفات مباشرة أو غير مباشرة. وفيما يأتي عرض لبعض الآيات التي وصفت الإنسان وصفا إيجابيا:
1- الخلافة: لقد كرم الله تعالى الإنسان بأن جعله خليفة في الأرض حيث يقول تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون” البقرة:30. ويقول في آية أخرى يتبين منها معنى الخلافة المقصودة هنا وشروطها: “يا دوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب” ص:26.
2- الإيمان والعمل: يتبين من استقراء القرآن الكريم أن الإنسان قد زود بالقدرة -اختيارا- على الإيمان وما يترتب عنه من عمل صالح أو العكس كما سنرى ذلك فيما بعد.
ذكر الإيمان (على مستوى الجذر) 879 مرة، بينما ذكر العمل (على مستوى الجذر) 360 مرة. ورغم ارتباط الإيمان بالعمل في معظم آيات القرآن الكريم فإن العمل قد يتخلف عن الإيمان. ويتضح هذا المعنى من قوله تعالى: “يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” الصف:1-2.
3- التعقل: لقد كرم الله تعالى بنى آدم بالعقل؛ فالإنسان كائن عاقل، وقد جعل الله تعالى في الأرض آيات لقوم يعقلون، وقد مدح الله تعالى القوم الذين يعقلون. ويرجع تكريم بنى آدم وتفضيله على كثير مما خلق الله تعالى إلى العقل (انظر تفسير القاسمي).
وقد وردت كلمة “يعقلون” في القرآن الكريم 22 مرة، وكلمة “تعقلون” 24 مرة. والملاحظ أن الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم لم ترد أبدا بصيغة الاسم أي “عقل، العقل” كما لم يستعمل الفعل بصيغة المفرد بل استعمل بصيغة الجمع فقط؛ وهذا يدل حسب فهمى على ما يأتى:
1- لا يوجد في الإنسان عضو معين اسمه العقل.
2- العقل عملية ووظيفة (التعقل) وليس هيكلا أو بنية.
3- العمليات العقلية عمليات جماعية وليست فردية؛ أي أن الفرد (المنعزل) لا يمكن أن يقوم بعمليات عقلية عليا كالإستدلال والاستقراء إلا إذا كان بإلهام من الله تعالى أو بوحي منه. وإذا تأملنا مجمل الآيات التي وصفت العمليات العقلية في القرآن فإننا نجد عددها كبيرا جدا. وقد وردت هذه العمليات باستعمال فعل “عقل” في الماضى مرة واحدة -وبصيغة الجمع أيضا-؛ وذلك في قوله تعالى:
{أ فتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}. أما في المضارع فقد ورد هذا الفعل إما باستعمال ضمير الغائب في حالة الجمع “هم” -يعقلون- أو باستعمال ضمير المخاطب في حالة الجمع “أنتم”: -تعقلون-.
وهكذا، فقد ورد بالصيغة الأولى “يعقلون” 22 مرة، وورد بالصيغة الثانية “تعقلون” 24 مرة.
حاولت رصد المواقف التي استعمل فيها فعل “يعقلون” و”تعقلون”، فحددت الجوانب والمواقف الآتية:
- التأمل في الطبيعة وظواهرها. سورة البقرة:164، الرعد:4، النحل:12و 67.
- نعي تقليد الآباء تقليدا أعمى لأنه يتنافي مع الاختيار الواعي. البقرة:170.
- نعي عدم استعمال الحواس؛ وذلك لارتباط استعمالها بالعمليات العقلية العليا، وارتباط عدم استعمالها بالضلال وخطأ الإدراك. البقرة:171
- ارتباط الإستهزاء واللهو بعدم استعمال العقل. المائدة:58
- ارتباط افتراء الكذب على الله بعدم استعمال العقل. المائدة:103
- علاقة الإيمان بالله واستعمال العقل. يونس:100
- ارتباط العملية العقلية بالقلب. الحج:46.
ولاغرو، أن ترتبط العمليات العقلية والإنفعالية بالقلب؛ فهو العضو الذي يزود الدماغ وبقية الأعضاء بمصدري الحياة: الغذاء والهواء (الأكسجين) بواسطة الدم الذي يسرى في جميع شرايين وأوردة البدن. ولربما في عملية الإرتباط هذه أسرار لم يكتشفها العلم الحديث بعد.
- تشبيه الذين لا يسمعون والذين لا يعقلون بالأنعام بل هم أضل لأن الأنعام تستعمل سمعها فيما فيه مصلحتها. الفرقان:44 ؛ فالأنعام مثلا تستجيب للمنبهات السمعية والبصرية في بيئتها وفق غرائزها التي زودت بها لحمايتها من أعدائها ولتلبية حاجاتها الأساسية لحفظ النوع.
- علاقة الفسق بعذاب الله كقانون اجتماعي للذين لا يعقلون. العنكبوت:35
- ارتباط السلوك المنافي للذوق والآداب العامة بعدم استعمال العقل. الحجرات:4
- تفرق القلوب وتشتتها إلى حد الإقتتال مما يتنافي مع تحكيم العقل. الحشر:14
وإلى جانب مفهوم العمليات العقلية في القرآن الكريم فإن مفاهيم أخرى مرتبطة بالتفكر مثل “يتفكرون” قد تكررت عدة مرات في القرآن الكريم؛ فقد تكرر الفعل “يتفكرون” 10 مرات، و “تتفكرون” 3 مرات. وهذا يدل على قدرة الإنسان على التفكر والتفكير في القضايا المرتبطة بعالم الشهادة (الطبيعة).
وكذلك مفهوم “الألباب” الذي ورد في القرآن الكريم بصيغة الجمع فقط، وقد تكرر 16 مرة. وقد اقترن هذا المفهوم بالعلم و بالتذكر في أغلب الآيات؛ وذلك حسب التوزيع الآتى:
- علاقة التذكر بأولى الألباب: {وما يذكر إلا أولي الألباب} البقرة:269، سورة آل عمران:7، الرعد:19، إبراهيم:52، ص:43
- فهم الظواهر الطبيعية من طرف أولى الألباب. الزمر:21
- عدم الإغترار بكثرة شيء ما. المائدة:100
- استخلاص العبرة من القصص (الظواهر السابقة سواء كانت اجتماعية أم طبيعية).
- تدبر القرآن والتذكر. ص:29
- عدم استواء الذين يعلمون والذين لا يعلمون. الزمر:9
- اتباع أحسن القول بعد الاستماع. الزمر:18
أما مفهوم النهى فقد ارتبط في القرآن الكريم بظاهرتين إحداهما حيوية-وظيفية والأخرى تاريخية:
يقول تعالى :”كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى” (طه:54).
ويقول تعالى:”أ فلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى” (طه:128).
4- القلب: وردت في القرآن الكريم كلمة “قلوب” 15 مرة وكلمة “القلوب” 6 مرات. أما بصيغة المفرد فقد وردت كلمة “القلب” بالتعريف مرة واحدة، وكلمة “قلب” مرتين. وقد ارتبط استعمال مفهوم القلب في القرآن الكريم بمعان وأحوال نفسية مختلفة … وفيما يأتي العمليات والأحوال التي ترتبط بالقلوب أو القلب كما جاءت في القرآن الكريم:
- دور الإيمان والذكر في اطمئنان القلوب. يقول تعالى: “الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب” الرعد:28.
- دور القلوب في العمليات العقلية: “أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو إذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” الحج:46. ويقول تعالى: “ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم إذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون” الأعراف:179.
- تقلب القلوب والأبصار يوم القيامة وخوف المؤمنين من ذلك. النور:37.
- ارتباط الفزع الشديد والرعب بالقلوب. “… وبلغت القلوب الحناجر” الأحزاب:10. وغافر:18. “سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين” آل عمران:151.
- ارتباط الإشمئزاز بالقلب: “وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالأخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون” الزمر:45.
- ارتباط السكينة بالقلب: “هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ما إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما” الفتح:4.
- ارتباط الرحمة بالقلب:”ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون” الحديد:27.
- علاقة الزبغ بالقلب: يقول تعالى: “لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم: التوبة:117.
- ارتباط عدم الفهم بانغلاق القلوب: يقول تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها” محمد:24.
- ارتباط الفظاظة والغلظة بالقلب: “فبما رحمة لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين” آل عمران:159.
ورغم إيرادي للمعاني والأحوال المرتبطة بالقلب كما جاءت في ظاهر الآيات الكريمة، فإني أؤمن بأن مفهوم “القلب” قد استعمل في القرآن الكريم كما استخدم في الحديث الشريف ليعنى به العضو الموجود بالصدر وليعنى به جانب معنوي في الإنسان حيث يساعده هذا الجانب في عمليات الفهم والإيمان والإنفعال.
5- السمع والبصر: يقول تعالى: “إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا” الإنسان:21. إن السمع والبصر من الوظائف الأساسية لاكتساب المعرفة سواء كانت هذه المعرفة واردة عن طريق الوحي أم مكتسبة بواسطة العقل. وقد تكرر فعل “بصر” و”أبصر” بصيغة “يبصرون” 11 مرة، و”تبصرون” 9 مرات، و”أبصر” مرتان. وكذلك مفهوم “الأبصار” 9 مرات، و “بصائر” 5 مرات. ومن الواضح جدا من القرآن الكريم أن للإنسان مجال يبصره كما أن مجال بصره محدود؛ إذ أن هناك أشياء في هذا الكون لا يبصرها. يقول تعالى:”فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون” الواقعة:38-39. وإلى جانب هذا نلاحظ في القرآن الكريم دعوة الإنسان للنظر في الآفاق وفي النفس. يقول تعالى: “وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون” الذاريات:20-21. وقوله تعالى:
“سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد” فصلت:53. وقد تكررت الدعوة لاستعمال النظر (النظر العقلي والملاحظة) مرات عديدة في القرآن الكريم؛ وذلك في تكرار فعل “نظر” في المضارع بصيغة الجمع “ينظرون” 25 مرة، و “تنظرون” 7 مرات. والملاحظ أن الدعوة لاستعمال الملاحظة والبصر والنظر تشمل الظواهر الطبيعية والنفسية والاجتماعية وغيرها. تأمل معي الآيات الآتية وارتباطها بمختلف الظواهر:
- يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. النور:44.
- قد كان لكم في آية فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. آل عمران:13.
- هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فاتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار. الحشر:2.
نلاحظ في الآية الأولى أعلاه دعوة للتأمل وملاحظة الظواهر الطبيعية، بينما الآية الثانية دعوة للتأمل في ظاهرة نفسية-حربية، أما الآية الثالثة فدعوة للتأمل في ظاهرة نفسية-سلوكية (انفعالية)؛ تبين كيف يؤدى الرعب إلى إحباط المعنويات وتشوش الذهن واضطراب السلوك إلى حد التدمير الذاتي. بل إن المتأمل مجمل الآيات التي تدعو الإنسان للتأمل والملاحظة واستعمال الرؤية المباشرة أو غير المباشرة (العلم) لتبين له أن القرآن كله دعوة لملاحظة الظواهر التي ترتبط بالخلق والحياة والنفس والكون بصفة عامة. انظر مثلا صيغة “أو لم يروا” في القرآن الكريم؛ فقد تكررت هذه الصيغة 12 مرة. وقد ارتبطت هذه الصيغة في القرآن الكريم بالظواهر الآتية:
n بدء الخلق وإعادته (العنكبوت:19).
n خلق السموات والأرض وإحياء الموتى (الأحقاف:33).
n قوة الله أشد من قوة الأمم الطاغية (فصلت:15).
n إهلاك القرون وعدم رجوعها (يس:36).
n سقوط بعض الأجرام من السماء (الطور:44).
n خلق الأنعام للناس (يس:71).
n إخراج الرزع من الأرض الجرز تأكل منه أنعام الناس وأنفسهم (السجدة:27).
n إنبات الأزواج من الأرض (الشعراء:7).
n طيران (الطيور) (الملك:19) و (النحل:79).
n بسط الرزق لمن يشاء الله ويقدر (الروم:37).
n السكون والسكينة في الليل والإنشغال بالنهار (النمل:86)
n الحرم الآمن وتخطف الناس من حوله (العنكبوت:67).
n وضع أجل لا ريب فيه لبني البشر 0الإسراء:99).
n ظلال الأشياء وسجودها (النحل:48).
n إنقاص الأرض من أطرافها (الرعد:41).
n اتخاذ العجل إلها من طرف بني اسرائيل رغم أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا (الأعراف:148).
n تكبر الكاذبين و الغافلين عن آيات الله، واتباعهم سبيل الغي بدلا من سبيل الرشد (الأعراف:146).
n رؤية الآيات وعدم الإيمان بها من طرف الكافرين الذين جعل الله على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي إذانهم وقرا (الأنعام:25).
n إهلاك أمم سابقة بذنوبها رغم تمكينها في الأرض بطريقة لم يمكن بها الذين آمنوا (الأنعام:6).
n تسخير ما في السموات والأرض والنعم الظاهرة والباطنة للناس (لقمان:20).
n خلق سبع سموات طباقا (نوح:15).
n وبالإضافة إلى ورود صيغة الجمع ” ألم يروا، ألم تروا”، فقد وردت هذه الصيغة في شكل خطاب للرسول (ص): “ألم تر …”؛ وذلك 31 مرة. وكل ذلك دعوة لملاحظة ظواهر النفس والمجتمع والأمم والطبيعة، ولتأمل قضايا ماوراء الطبيعة (عالم الغيب) تأملا ليمكن من استخلاص العبر؛ وهذا المبحث في حاجة إلى دراسة أخرى معمقة.
n وبالاضافة إلى التنبيه إلى أهمية البصر الذي تكرر فعله على مستوى الجذر (148) مرة، فقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية السمع في تحصيل المعرفة إلى جانب البصر والعقل والشعور والألباب والنهى حيث ذكر فعل سمع في القرآن الكريم على مستوى الجذر (185) مرة.
n والملاحظ أن السمع غالبا ما يقترن بالبصر بل إن استقراء آيات القرآن الكريم يبين أن السمع يأتي دائما قبل البصر. ولعل لنمو السمع قبل نمو البصر عند الجنين دخلا في ذلك؟ وهذا موضوع في حاجة إلى بحث وتعمق قبل التسرع في استخلاص النتائج.
6- العلم والتعلم: {علم الإنسان ما لم يعلم} العلق:5. ويقول تعالى أيضا في هذا المعنى: {وعلم آدم الأسماء كلها…}. وقد أكرم الله تعالى الإنسان بتعليمه الأسماء وبتعليمه البيان. يقول تعالى في سورة الرحمن: { الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان} الرحمن:1-4.
7- التذكر: وهو ما يقابل سمة من الصفات السلبية عند الإنسان وهي النسيان. يقول تعالى: {وقال الذي أدكر من بعد أمة …}. وقد ذكر الله تعالى عملية التذكر عدة مرات في كتابه العزيز على النحو التإلى:
يتذكرون : 7 مرات وكل الآيات التي ورد فيها هذا الفعل بصيغة الجمع قا سبقت ب “لعلهم”، ومن ذلك قوله تعالى:{… ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} إبراهيم:25. وقوله تعالى:{وإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون”.
تتذكرون: 3 مرات، وهذه الآيات دعوة للتذكر؛ إذ تأتى بالسياق التإلى: أفلا تتذكرون.
يتذكر: 7 مرات، وقد ارتبد استعمال هذا الفعل بصيغة المفرد في المضارع بالتأكيد على ارتباط عملية التذكر بأولى الألباب. {… وما يتذكر إلا أولوا الألباب}.
8- الهداية والإلهام: {وهدينه النجدين} البلد:10. فالإنسان بإلهام من الله تعالى يستطيع التمييز بين الخير والشر؛ وذلك عن طريق العقل وعن طريق الكتب والرسل. وقد ذكر الله تعالى النفس السوية؛ وهي النفس المميزة بين التقوي والفجور؛ بحيث تصبح نفسا زكية إذا اتبعت سبيل التقوى، وتضحى نفسا خائبة إذا سقطت في هاوية الفجور. يقول تعالى: {ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} الشمس:7-10.
9- الروح: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر:29. وقد وردت نفس الآية في سورة ص: 72. تبين هذه الآية أن الله تعالى قد خلق آدم وسواه جسما وروحا فأمر الملائكة بالسجود له تكريما لخلق الله تعالى. ولعل نسبة الروح لله تعالى -كما تبينه هذه الآية- هي من الأسباب التي جعلت “الروح” من الأسرار التي استأثر بها الله تعالى بها في عالم الغيب، ومن الأسباب التي تفسر قوله تعالى -والله أعلم- في محكم تنزيله {ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}. وإنه لشرف عظيم للإنسان أن يكون قد نفخ الله فيه من روحه تعالى.
وإذا تأملنا هذا المفهوم في القرآن فإننا نجده قد تكرر مرتين نسبة لله تعالى “روحي” كما جاء ذلك في سورتي: الحجر و ص. وورد مرتين بصيغة التعريف “الروح”: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليل} الإسراء:85. والمقصود في هذه الحالات هو جوهر الحياة أو ما يحيا به البدن، وهو نفس المعنى المستعمل عندما نفخ الله تعالى الروح في السيد المسيح “ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين” التحريم:12.
وقد ورد هذا المفهوم (الروح) في القرآن الكريم ليعنى به “جبريل” عليه السلام خمس مرات. وعليه، يمكن القول بأن هذا المفهوم قد استعمل في القرآن الكريم بمعان متعددة؛ فهو أحيانا يستعمل ليعنى به جوهر الحياة أو مصدر الحياة في الجسم؛ وهذا المصدر أو الجوهر بالتعبير الفلسفي ليس من السهل دراسته دراسة مخبرية أو تجريبية إلا بطرق غير مباشرة . ولكن من الممكن دراسة بعض الجوانب القليلة من هذا الجانب. ولعل هذا القليل المتصل به هو الدراسة الحيوية أو البيولوجية للإنسان وكيف أن حياة الإنسان تختلف عن حياة الحيوان والنبات. ويبدو أن هذا الميدان العلمي (البيولوجيا) الذي يقع بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية من الناحية المعرفية والتطبيقية هو علم مايزال حديثا جدا، ولما تزال معلومات واكتشافات الإنسان فيه قليلة، وسوف تزداد معارف الإنسان في هذا الجانب مع التقدم العلمي في مجالات البيولوجيا وعلم الأعصاب وما يتصل بذلك من العلوم.
ومهما بلغت الإكتشافات في هذا الجانب أو سوف تبلغه فإنها لن تعدو كونها اكتشافات قليلة. “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”. وبدون شك، فإن التقدم العلمي في هذا الجانب سيساعد الإنسان على فهم نفسه أكثر سواء كان ذلك من الناحية الجسمية أم من النواحى الحيوية والعقلية والروحية. وعليه، فإنه من الجدير الإهتمام بهذا العلم وتطوير البحث فيه. وقد بين الله تعالى أنه سيرى الناس آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق من ربهم.
وأحيانا أخرى يورد هذا المفهوم ليعنى به الجانب الإيماني في الإنسان، وهذا جانب من الممكن دراسته دراسة موضوعية قائمة على الملاحظة بناء على قاعدة دراسة الظواهر دون السرائر؛ لأن الله تعالى هو الذي يتولى هذه الأخيرة ولا أحد غيره. وإنه قد يكون من نافلة القول التأكيد أن الإيمان والعمل (السلوك) لا ينفصلان في الإسلام بل إن القول والعمل لا ينبغي أن ينفصلا أو أن يتناقضا. وفي هذا المعنى الأخير يقول تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} الصف:3-4.
وباختصار، فإن الجانب الروحي عند الإنسان سواء كان بالمعنى الأول أم بالمعنى الثاني من الأهمية بمكان. ولاشك أنه جانب عظيم في تكوين الإنسان وتشكيل شخصيته. كيف لا ، وقد نسب الله تعالى الروح الذي نفخه في الإنسان إليه “من روحي” مرتين في القرآن الكريم.
وللمزيد من التفاصيل في المواضيع المرتبطة بالروح والنفس يمكن الرجوع إلى كتاب ابن القيم “الروح”؛ وفيه تفصيل لمفهوم الروح ولمفهوم النفس وما يرتبط به من المفاهيم كالنفس المطمئنة وأحوالها والنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء وأحوالهما أيضا، وغير ذلك من المواضيع المرتبطة بالجانب الروحي؛ التي تبتعد عن اهتمامات علم النفس الحديث الذي يعتمد أساسا على مناهج البحث العلمي القائمة على الملاحظة والوصف والتجريب والتحليل والاستنتاج.
وبالإضافة إلى مجمل هذه الصفات فقد وصف الإنسان بأنه ذو لب وقلب وفؤاد؛ أي أنه كائن ذو أبعاد روحية وعقلية وحسية ووجدانية وجسمية متفاعلة ومتكاملة؛ ولا يمكن عزل بعد من هذه الأبعاد عن بقية الجوانب إلا بهدف التعمق في فهم جانب ما على أن يرجع الباحث مرة أخرى للتفسير المتكامل لهذه الأبعاد.
ب- صورة الإنسان السلبية:
هناك جملة من الآيات الكريمة التي تصف الإنسان بأنه خلق (بضم الخاء) بعدة صفات كلها سلبية مثل: خلق الإنسان هلوعا، خلق الإنسان ضعيفا، خلق الإنسان من عجل، كما أن بعض الآيات تصف الإنسان بصفات سلبية مبتدئة الوصف بفعل ماض ناقص (كان) أو بفعل ماض مبني للمجهول.
وسأبين فيما بعد بأن هذه الصفات سواء كانت إيجابية أم غير إيجابية قابلة للتغير والتغيير؛ وذلك بالتربية والتعليم والتعلم وبالإيمان والعمل الصالح.
والملاحظ -من الناحية اللغوية- أن وصف الإنسان في القرآن غالبا ما يجىء بصيغة مبالغة على صيغة “فعول” و “أفعل”. وفيما يلي عرض لأهم صفات الإنسان السلبية التي وردت في القرآن الكريم:
1- الضعف: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} النساء:28. والضعف قد يكون جسميا كما قد يكون وجدانيا أو عقليا أو كل ذلك أو بعض ذلك؛ وهو ملازم للإنسان في كل مراحل عمره وخاصة في المرحلة الجنينية، ومرحلة الطفولة، ومرحلة الشيخوخة، وعند المرض والمواقف الصعبة والحرجة بل وحتى في بعض المواقف العاطفية. والملاحظ أن وصف الإنسان بالضعف في هذه الآية لم يأت في شكل قدح أو ذم بل جاء في شكل شفقة ورحمة على الإنسان بحيث يريد الله تعالى -وهو أعلم بعبده- أن يخفف عن الإنسان ولا يحمله فوق مالا يطيق. وهذا ما يفسره قوله تعالى:{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} الأنفال:66. والضعف المقصود في الآية ضعف جسمي ونفسي. ومما يدعم ضعف الإنسان جسميا ونفسيا ارتباط هذا الضعف بمختلف مراحل نموه من الولادة إلى الشيخوخة؛ وهذا ما توضحه الآية الآتية في سورة الروم: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} الروم:54.[AJ1]
وقد أورد الزمخشري في تفسير هذه الآية “…وخلق الإنسان ضعيفا” ما يلي:
“لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات. وعن سعيد بن مسيب: ما أيس الشيطان من بنى آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء، فقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف علي فتنة النساء”.
ويدل سياق الآية -كما يقول الزمخشري- “أن الله تعالى قد خفف على المؤمنين بإحلال نكاح الأمة ونكاح بنات الخال والخالة والعم والعمة دون أن يميلوا ميلا عظيما باستحلال الزواج من بنات الأخ والأخت، وهو ميل عن القصد والحق واتباع الشهوات.”
وتبين الملاحظة مدى ضعف الإنسان أمام الشهوات وخاصة الشهوات المرتبطة بالجنس والمال والسلطة؛ وقد أصبح هذا الضعف متمكنا في الإنسان إلى حد قد يوصف بأنه طبيعة إنسانية. وفي هذا المعنى يقول تعالى: “زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب” آل عمران:14. وقد أصبح معروفا مدى ضعف الإنسان أمام الشهوات والرغبات وضعفه تحت تأثير الإنفعالات بحيث أضحت تستعمل هذه الأحوال النفسية لإغراء الإنسان والإيقاع به في الحروب النفسية وفي الإشهار.
وقد ورد فعل “زين” مبنيا للمجهول -في القرآن الكريم- إحدى عشرة مرة، وقد ورد الفعل في كل هذه المرات في صيغة الذم، وورد فعل “زين” مرة واحدة مبنيا للمعلوم (الشيطان)؛ وذلك في قوله تعالى:” وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برىء منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب” الأنفال:48. وورد فعل “زينا” نسبة لله تعالى أربع مرات.
وإذا تتبعنا مصدر ضعف الإنسان فإننا قد نجده يعود إلى المصدر الفيزيائي الذي أنشأه الله منه وهو الطين، كما أن الله تعالى قد أراد أن يبين لآدم مدى ضعفه لكيلا يغتر بعلمه وبسجود الملائكة له وبمجمل خصائصه الإيجابية التي حباها الله به فامتحنه في الجنة ففشل في الامتحان؛ ويعود الفشل إلى الضعف أمام شهوة الخلود والملك الذي لا يبلى.
ولعل حب السلطة ومظاهر القوة واحتكار سلطة اتخاذ القرار من طرف كثير من الناس والأنظمة يعود إلى هذا الأصل؛ أصل الضعف أمام الشهوات والانفعالات.
والمفترض هو أن عوامل الضعف الأساسية هذه (الجسمية والنفسية) وتفاعلها مع عوامل الضعف المرتبطة بالبيئة التي واجهها الإنسان ويواجهها عبر العصور مثل الخوف من العطش والجوع والحر الشديد والبرد القارس والحيوانات المفترسة وغير ذلك من الظواهر كلها عوامل تفاعلت وتضافرت لتزيد من ضعف الإنسان بحيث يصبح الضعف الجسمي والنفسي ملازما لشخصيته وكأنه جزء فطري من طبيعته.
2- النسيان: يبدو أن النسيان آفة مرتبطة بالإنسان منذ أن خلق؛ وهذه صفة أساسية في الإنسان إلى حد أنه روي عن ابن عباس أنه قال: إنما سمي الإنسان لأنه
عهد إليه فنسي. يقول تعالى:{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} طه:115.
ومعروف أن النسيان هو السبب المباشر لتمكن غواية إبليس في آدم وزوجه؛ فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عنها طمعا في الخلد والملك الذي لا يبلى كما وسوس إبليس إليهما. والملاحظ أن النسيان الذي ينسب أحيانا إلى الشيطان غالبا ما يعبر عن ضعف الذاكرة وعدم الاهتمام بالموضوع المنسي؛ أي أن النسيان مرتبط أيضا بالدافعية. وكم من فرد تقرر مصيره نهائيا سلبا أو إيجابا بسبب نسيانه معلومات معينة في الامتحان مثلا أو عند اتخاذ قرار مهم في موضوع معين.
ويمثل النسيان -من الناحية الرمزية على الأقل- أول فشل للإنسان في أول اختبار يتعرض له في العالم الآخر. وليس هذا الفشل في الاختبار إلا تأكيدا على ضعف الإنسان وحدود علمه. فبالرغم من تفضيل الإنسان على كثير ممن خلق الله، ورغم سجود الملائكة له بأمر الله، ورغم تعليم الإنسان ما لم يكن يعلم، ورغم أن العلم لا يكون بدون ذاكرة… فإن هذا الفشل بفعل النسيان يبين حدود ذاكرة الإنسان وحدود علمه، وحدود تفضيله.
والظاهر أن هناك علاقة بين النسيان والاستعجال؛ فاستعجال الخلود، واستعجال الملك الذي لا يبلى هو الذي غطى على ذاكرة آدم فنسي أمر الله تعالى له ونسي تحذيره له بعدم الأكل من الشجرة… وهذا يدلنا أنه مهما كان النعيم الذي يرفل فيه الإنسان فإنه يرنو دائما إلى غيره ولو كان في ذلك هلاكه أحيانا! ويبدو أن هذه الحاجة التي يمكن وصفها بحب الاستعجال أساسية في الإنسان وكأنها جزء أساسي من طبيعته البشرية !
3- العجلة: يقول تعالى: “خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون” الأنبياء:37. ويقول تعالى أيضا في وصف عجلة الإنسان: “ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا” الإسراء:11.
ومن السهل ملاحظة مدى استعجال الإنسان، وكيف أن هذا السلوك الغالب عليه يشكل عاملا من عوامل ضعفه؛ إذ غالبا ما يرتكب الإنسان حماقات جارحة وأخطاء قاتلة بسبب الاستعجال في إصدار الأحكام واتخاذ القرارات وخاصة تحت تأثير الانفعالات، أو الاستعجال للوصول إلى الهدف أو المراد مثل حوادث السيارات والعمل ومختلف الأخطاء في شتى أنواع الأداء، أو الاستعجال في إشباع الحاجات.
ويعلق الزمخشري على هذا السلوك وعلاقته بحرية الاختيار وما قد يترتب عنه من جزاء وعقاب بقوله: “فإن قلت لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله -خلق الإنسان من عجل- وقوله -وكان الإنسان عجولا- أليس هذا من تكليف مالا يطاق ؟ قلت: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.”
وفي الواقع، إذا تتبعنا هذا المنطق فإننا نسلم مبدئيا بأن الله تعالى هو الذي ركب هذه الجوانب السلبية في الإنسان بينما تبين عدة آيات أن الله تعالى قد خلق الإنسان -أصلا- في أحسن تقويم (جسما وروحا وعقلا) وزوده علاوة على ذلك بالهداية؛ إذ أرسل له رسلا وأنبياء. ومن جهة أخرى، فإن فعل “خلق” قد ورد في الآيات التي تصف ضعف الإنسان و استعجاله وهلعه وجزعه ومنعه مبنيا للمجهول، ولم يرد بتاتا نسبة لله تعالى، وذلك عكس ما هو الأمر في الآيات التي تصف الإنسان إيجابيا مثل قوله تعالى:” لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”. فإذا قال أحدنا: وكيف تفسر آية 54 في سورة الروم المذكورة أعلاه؟
قلت: إن المقصود بالآية هو الضعف الجسمي الذي يمر به الإنسان في مختلف مراحل العمر التي تتداول عليها فترات الضعف والقوة كما هو مبين في الآية الكريمة، والله أعلم.
4- الجدل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} الكهف:54. لقد وصف الله تعالى الإنسان بأنه أكثر الكائنات جدلا وذلك رغم مجادلة إبليس لله تعالى عندما أمره بالسجود لآدم. وترتبط بهذه الصفة صفة أخرى وهي الخصام.
5- الظلم والجهل: لم أجد في القرآن الكريم اقتران صفتين سلبيتين عند الإنسان كما اقترنت هاتين الصفتين. ويبدو ذلك واضحا في قوله تعالى:{إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} الأحزاب:72. لاحظ صيغة المبالغة “ظلوما، جهولا”.
ويمكن التعليق على هاتين الصفتين (الظلم والجهل) أنهما غالبا ما تكونان مرتبطتين سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أم الأقوام والأمم. والعلاقة الظاهرة بين هاتين الصفتين علاقة ارتباطية وليست علاقة سببية؛ أي أنه ليس كل ظالم جاهلا، وليس كل جاهل ظالما إلا أن هناك ارتباطا قويا بين الظاهرتين. ومثال ذلك في الظواهر الطبيعية ارتباط البرق بالرعد ارتباطا قويا دون أن يكون أحدهما سببا للآخر بل كل منهما ناتج عن ظاهرة طبيعية أخرى.
والظلم دركات و ظلمات؛ وهو أنواع وفنون وأصناف:
1- فقد يكون الظلم ظلما للنفس كما في قوله تعالى: “… ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا” الطلاق:1.
2- وقد يكون ظلما لله؛ فقد وصف الشرك بالله تعالى بأنه ظلم عظيم؛ “وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” لقمان:13.
3- وقد يكون الظلم ظلما للآخر أو للآخرين.
4- وكما يكون الظلم من طرف فرد فقد يكون أيضا من طرف جماعة أو قوم ضد آخر أو آخرين.
وكذلك الأمر بالنسبة للجهل؛ فقد يكون على مستوى الفرد أو القوم. يقول تعالى: “قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكنى أراكم قوما تجهلون” الأحقاف:23.
والظلم، وإن كان صفة أساسية للإنسان إلا أنها صفة قابلة للتغير والتهذيب؛ وفي هذا المعنى يقول تعالى: “… إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم” النمل:11. ونفس الأمر بالنسبة للجهل وبقية الصفات السلبية؛ فهي قابلة للتغير نحو الأحسن بالإيمان والتعلم والممارسة؛ وهذا ما يدل على أن وجود هذه الصفات عند الإنسان ليس حتميا. وإن كان الأمر كذلك، فإن هذه الصفات ليست -كما يتصور- جزءا من الطبيعة البشرية بل هي نتيجة التعلم والتأثر بالمحيط والتوافق مع المحيط.
0
5- 6-البخل: يلاحظ البخل كصفة وسلوك عند الإنسان بدرجات متفاوتة. والملاحظ أيضا أن البخل قد ذكر في القرآن الكريم مقترنا بصفات أخرى، وسلوك آخر مثل الاستغناء والتولي والإعراض وكتمان نعم الله و خشية الإنفاق؛ وهذا ما يظهر في الآيات الآتية:
- “وأما من بخل واستغنى” الليل:8.
- “الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد” الحديد:24.
- “ها أ نتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم” محمد: 38.
- “فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون” التوبة:76.
- “الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله و اعتدنا للكافرين عذابا مهينا” النساء:37.
- “ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير” آل عمران:180.
- “قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا” الإسراء:100.
وللبخل كصفة أساسية في الإنسان -مثل بقية الصفات الأخرى- مستويات متباينة (درجات ودركات)؛ فقد يكون البخل شديدا حتى يصبح بخلا عن النفس وعن الأهل والأقارب، وأشده البخل والأمر بالبخل وكتمان فضل الله كما تدل الآيات أعلاه.
7- اليأس والقنوط: “وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا” الإسراء:83. والملاحظ من هذه الآية أن الإنسان غالبا ما يعرض عن ذكر الله في حالة النعمة، ولكنه يئوس، قنوط إذا مسه الشر في البر والبحر والجو؛ وهو في هذه الحالة ذو دعاء عريض: “وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض” فصلت:51.
يرتبط القنوط من رحمة الله بالضلال حيث يقول تعالى: “قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون” الحجر:56. ويلاحظ المتأمل في كتاب الله أن القرآن كله دعوة لنبذ القنوط ودعوة لرجاء مغفرة الله الذي يغفر الذنوب جميعا مما يفتح الأبواب على مصراعيها لاستئناف حياة خالية من الشعور بالذنب. يقول تعالى: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم” الزمر:53.
8- الكفر: “وهو الذي يحييكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور” الحج:66. ويقول تعالى: “وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا” الإسراء:67. ويقول تعالى أيضا: “فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان لكفور” الشورى:48. ويقول تعالى: “وجعلوا له من عباده جزء إن الإنسان لكفور مبين” الزخرف:15.
والملاحظ أن المقصود بالكفر في هذه الآيات هو كفر النعمة أو كفر الملة أو كليهما. والكفر سلوك يقوم به الإنسان وهو في كامل قواه العقلية؛ أي أنه ليس كفرا تحت الاضطرار أو الضغط والإكراه بل غالبا ما يكون في حالة النعمة والرخاء والهناء. ولربما هو العكس في غالب الأحوال؛ أي أن الإنسان عندما يصاب بمصيبة أو بمحنة أو بابتلاء غالبا ما يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء العريض والتقرب والعبادة بمختلف أشكالها (انظر الآية 67 من سورة الإسراء)، وإذا أنعم عليه نأى وأعرض بجانبه (انظر آية 49 في سورة الزمر). وهناك أيضا استثناء في هذه القاعدة مثل بقية القواعد؛ و الاستثناء يؤكد القاعدة ولا يلغيها.
9- الفجور: يقول تعالى: “بل يريد الإنسان ليفجر أمامه” القيامة:5. وقوله تعالى: “وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا” نوح: 26-27.
نفهم من هذه الآيات أن الفجور قد يكون سلوكا فرديا كما قد يصبح سلوكا جماعيا ومجتمعيا. وإذا أصبح سلوكا مجتمعيا كما حدث في مجتمع النبي نوح فإنه يصبح سلوكا طاغيا على بقية أنواع السلوك ويرتبط ارتباطا قويا بالكفر. وقد تصل درجة طغيان هذا السلوك إلى أن تصبح سمة متوارثة أو أن تصبح قاعدة سلوكية ذات قوة معيارية بحيث تقيد سلوك الأغلبية ولا يحيد عنها إلا قليل من الأفراد بفعل التنشئة الاجتماعية وعمليات التطبيع الاجتماعي.
10- الكنود: “إن الإنسان لربه لكنود” العاديات:6. فسر الكنود في القرآن بالكفران. و الكفران قد يكون كفران نعمة كما قد يكون كفران ملة أو كفران الاثنين. ويلاحظ هنا تأكيد هذه الصفة عند الإنسان مما يدل على تمكن هذه الصفة والسلوك من الإنسان سواء كان ذلك مع ربه أم مع بني جنسه.
11- الهلع والجزع: {إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا} المعارج:19-21. تبين هذه الآيات اتصاف الإنسان بالضعف حيث يركبه الجزع إذا أصابه أي شر أو مكروه بحيث يلجأ إلى الدعاء ويسأل الله تعالى بحرارة وبإلحاح ليستجيب دعاءه،كما يرجو أن يساعده الآخرون لإخراجه من ورطته، وأن ينعموا عليه، ولكن الشخص نفسه قد ينقلب على عقبيه ليتصف بالمنع والبخل في حالة النعمة والرخاء والهناء بحيث يعمى أو يتعامى عن آلام الآخرين وشقائهم وضعفهم وحاجتهم إلى دعمه المعنوي أو المادي. يقول تعالى: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون) الزمر:49.
12- الوسوسة: يقول تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ق:16. والملاحظ أن الله تعالى نسب الوسوسة في هذه الآية إلى الإنسان. وعليه، فإن الإنسان مسئول عن الوسوسة الصادرة عن نفسه بل وحتى إذا كانت هذه الوسوسة من مصدر آخر مثل الشيطان فإن الإنسان مسئول عن عواقبها. ولقد رأينا كيف تحمل أبونا آدم مسئولية وقوعه ضحية وسوسة إبليس مما يدل على قابلية الإنسان لأن يكون ضحية الوسوسة وعلى قدم نقطة الضعف هذه في الإنسان. يقول تعالى: ” فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى” طه:120.
13- الغرور: “يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم” الانفطار:6.
وهذه صفة غالبا ما ترتبط بالجهل والظلم؛ فالإنسان الذي يصاب بالغرور لجاه اكتسبه أو لسلطة حققها أو لمال جمعه أو لعلم حصّله، إنسان يعانى حقا ضعفا نفسيا كبيرا يريد تعويضه بمشاعر الغرور لتغطية ما به من ضعف.
تبين كثير من الملاحظات والدراسات النفسية أن كثيرا من الطغاة والجبابرة يشكون من عاهة أو من عقدة نفسية أو من إعاقة (عقدة النقص) فيلجئون إلى تغطية هذا النقص الفاضح بسلوك يتسم بالغرور والظلم والإستبداد حتى قالت العرب: كل ذي عاهة جبار.
14- الطغيان: “كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” العلق:6. ونلاحظ من هذه الآية كيف قرن الله تعالى بين الطغيان و الاستغناء. ولعل استعمال الفعل “استغنى” على وزن استفعل بدلا من فعل “اغتنى” مثلا له دلالة كبيرة؛ إذ الزيادة في المبنى ترافقها زيادة في المعنى. وغالبا ما يقترن الغرور بالطغيان في السلوك. والطغيان أيضا سلوك فردي وجماعي؛ وهو أشد الارتباط بالغنى والملك (السلطة) والظلم والجهل.
15- الحسد: هذه صفة قديمة في خبرة الإنسان؛ فقد خبر هذا الإحساس وهو في الجنة حيث حسده إبليس على ما فضله الله به عليه… وخبرها ابنا آدم؛ حيث حسد قابيل أخاه هابيل وقتله. وهذا القتل كان أول سفك للدماء على الأرض بفعل الحسد الذي وقع بين الأخوين. يقول تعالى: “واتل عليهم نبا ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين” المائدة:27.
والحسد ليست صفة فردية فقط وإنما قد تكون صفة جماعية يتسم بها قوم بأكمله. يقول تعالى: “ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير” البقرة:109.
16- الخسران: {والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
17- الخصام: يقول تعالى في وصف الإنسان كخصم لله تعالى: “أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين” يس:77. ويقول في سور النحل: “خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين” النحل:4. ولعل أقرب صفة من الصفات المذكورة أعلاه لهذه الصفة هي “الجدال” حيث عادة ما يرتبط الجدال بالخصام.
يلاحظ المتتبع لآيات الذكر الحكيم أن الإنسان قد وصف بصفات سلبية كثيرة اكتفينا بذكر ما نراه أبرزها. ورغم ارتباط هذه الصفات السلبية بالسلوك فإنها ليست قدرا محتوما غير قابل للتغير، بل إن هذه الصفات قابلة للتغير إلى نقيضها؛ وذلك بالإيمان والعمل الصالح، ونهي النفس عن الهوى. وقد أورد الله تعال استثناء للصفات السلبية المذكورة أعلاه في أكثر من موضع في القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين … والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون } المعارج:19-34.

نلاحظ في هذه الآيات كيف أن الله تعالى استثنى من الوصف السلبي (الهلع والجزع والمنع) المصلين الذين يتصفون بعدة صفات إيجابية:
الدوام على الصلاة – التصدق بأموالهم – الإيمان بيوم الدين – الخوف من عذاب الله – حفظ الفروج – مراعاة الأمانات والعهود – القيام بشهادة الحق – المحافظة على الصلاة. وقد استثنى الله تعالى كذلك في سورة العصر الإنسان من الخسران إذا كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
ومن الممكن أن نجد في القرآن الكريم شواهد كثيرة لهذا الاستثناء. وهذا الاستثناء وإن كان أحيانا يؤكد القاعدة إلا أنه يدل أحيانا أخرى على قدرة الإنسان على تغيير اتجاهاته ومواقفه وسلوكه أيضا نحو الأفضل؛ وذلك بالإيمان والعمل الصالح. كما أن التخلي عن الإيمان والعمل الصالح يؤدى -كقاعدة- إلى الاتصاف بالصفات السلبية المذكورة أعلاه سواء كان ذلك على مستوى الإتجاه أم الموقف أم السلوك.
وبناء على هذه القدرة التي يتمتع بها الإنسان على التغير سواء بالتطور نحو الأفضل أو النكوص نحو الأسوء، وتفاوت الناس في صفاتهم الوراثية وغير الوراثية؛ فإن الصفات المذكورة أعلاه سواء كانت صفات إيجابية أم صفات سلبية ليست -في مجملها- قدرا مقدورا بل هي صفات قابلة للتغير بالنمو والتطور (الإيمان والعمل الصالح) أو بالنكوص والتقهقر (الكفر والعمل السيء) وفق سنن وقوانين نفسية واجتماعية وتاريخية؛ والإنسان في كل ذلك مسئول بصفة فردية ومسئول بصفة جماعية؛ ذلك لأن هذه الصفات صفات فردية وجماعية أي أنها صفات ترتبط بسلوك الفرد والجماعات والأقوام والأنظمة والأمم.
ولعل استقراء الآيات الكريمة التي تتحدث عن الناس وعن أكثرهم يبين لنا وبكل وضوح أن أغلب الناس يتصفون بصفات سلبية. فقد وردت في القرآن الكريم صيغة “…ولكن أكثر الناس” 17 مرة، وكلها في صيغة القدح والذم. ولقد ارتبطت هذه الصيغة بالأوصاف الآتية:
- أكثر الناس لا يعلمون: يقول تعالى: “قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. سبأ:36.
ويقول تعالى: “لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون” غافر:57. وقد ورد نفس المعنى في سورة الجاثية:26. وتتمثل الحقيقة التي تؤكدها هذه الآية في كون خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس جميعا ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة !
- أكثر الناس لا يؤمنون: يقول تعالى: “إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون” غافر:59. ويدعم هذا قوله تعالى: “ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا” الإسراء:89. وفي سورة الفرقان:50.
- أكثر الناس لا يشكرون: يقول تعالى: “الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون” غافر:61. ويدعم هذا قوله تعالى: “يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور” سبأ:13.
ولعل استقراء تاريخ الأمم وسير الأنبياء والرسل بالإضافة إلى ملاحظة الواقع يؤكد لنا ما يقرره القرآن بخصوص سلوك أغلب الناس. ويمكننا بالتالي استخلاص نتيجة مفادها أن القوانين والسنن التي تسري على الأفراد قد تسري على الجماعات والأقوام والشعوب والأمم والعكس صحيح.
وكاستنتاج عام من مجمل الصفات المذكورة الإيجابية والسلبية ومن مجموع الإستثناءآت أن الإنسان كائن ضعيف، وأن ضعفه هذا قديم قدم خلق الإنسان أي خلق آدم حيث فشل آدم في الإختبار الأول الذي تعرض له في الجنة وذلك كله بسبب النسيان، وبسبب حسد إبليس لآدم على النعمة التي كان فيها. ولعل هذا الفشل هو أساس ضعف الإنسان وشعوره بالقصور والنقص مما حدا بالسيكولوجي أدلر أن يضع نظرية في علم النفس تقوم على تفسير السلوك بعقدة النقص التي يعانيها الإنسان، ويقول أدلر بهذا الصدد:
” إن كوننا بشرا معناه الشعور بالنقص”.
ولكن الله تعالى لم يدع الإنسان وحيدا دون هداية ودون عقل وإدراك بحيث أصبح في قدرة الإنسان أن يحول في هذه الحياة الدنيا كفره إلى إيمان، وضعفه إلى قوة، وهلعه إلى اطمئنان، وبخله إلى كرم وقس على ذلك مجمل الصفات السلبية التي يمكن تحويلها إلى صفات إيجابية ولو بنسب متفاوتة؛ وذلك بالتعلم والنمو والتغير نحو الأحسن (سيادة الصفات الإيجابية).
والعكس أيضا صحيح؛ أي أن اختيار سبل العصيان والكفران تؤدى إلى التقهقر نحو دركات (مستويات سفلى) تتميز بالعمل غير الصالح (سيادة الصفات السلبية).
إن محاولة معرفة الإنسان هذه من خلال الآيات القرآنية قد تشكل مدخلا أساسيا لبعض العلوم التي تهتم بالإنسان مثل علم النفس وعلم الإجتماع وعلم الإنسان. ولا يمكن أن أزعم أن هذه المعرفة الأساسية تجعلنا في غنى عن بذل الجهد، وإجراء الدراسات الميدانية المرتبطة بالإنسان بأبعاده الجسمية والنفسية والروحية والاجتماعية والحضارية. ولاشك، أن إجراء هذه الدراسات بصرامة علمية لا يمكن إلا أن تقودنا إلا تأكيد ما أورده القرآن الكريم تلميحا أو تفصيل ما جاء فيه مجملا أو تحقيق التكامل مع مجمل النصوص سواء كان ذلك نصا أم روحا.
· مسلمات حول الإنسان من القرآن الكريم:
· يمكن من خلال الوصف المقدم أعلاه أن أتقدم بالمسلمات الآتية حول الإنسان كما فهمت ذلك من القرآن الكريم:
· يتكون الإنسان من جسم وروح ولب وفؤاد وقلب.
· خلق الإنسان في أحسن تقويم جسما ونفسا وعقلا وروحا.
· بفعل تدخل عوامل الوراثة (الخلق من المني، تكون النطفة، خضراء الدمن…) وعوامل البيئة والمحيط (تأثير التنشئة الاجتماعية) يعتري الإنسان نقص في الفهم والإدراك وبالتالي نقص في الأخلاق والصفات (على مستوى التصور والسلوك).
· يمكن للإنسان أن يرتقي بصفاته و بسلوكه إلى أعلى درجات الإحسان متدرجا من الإسلام فإلى الإيمان فإلى الإحسان، كما يمكنه أن يتدحرج على دركات الظلم والجهل والكفر. ويتم هذا الإرتقاء أو النكوص بالقدرة على التغير والتعلم والتطور أو بالقدرة على التغير نحو الأسوء.
· موضوع الإنسان موضوع جدير بالبحث والتأمل بمنهجية تعتمد على الرؤية (الملاحظة) وعلى البحث الموضوعي لاكتشاف عظمة الخالق من خلال معرفة هذا المخلوق (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم…، فلينظر الإنسان مما خلق).
· أكثر الناس لا يشكرون وأكثرهم لا يعلمون وأكثرهم لا يؤمنون كما تواتر ذلك في القرآن الكريم.
· إن السنن التي تنطبق على الأفراد قد تنطبق على الأقوام والشعوب والأمم والعكس صحيح.
ما هو ملمح الإنسان في القرآن الكريم؟
هل من السهل وضع ملمح أو تصور عام للإنسان من منظور قرآني؟ ليس الجواب عن هذا السؤال بسيطا؛ ذلك لأنه لا يوجد إنسان مجرد فالإنسان ابن بيئته وثقافته ودينه أو عقيدته. ولكن القرآن الكريم يؤكد وبكل وضوح أن الإنسان قد خلق أصلا في أحسن تقويم …
ورغم تأكيد القرآن الكريم على الملامح الأساسية للإنسان بصفاته السلبية والإيجابية؛ فإن القرآن الكريم يبين -وبكل وضوح- أن الصفات الأساسية قابلة للتغير والتحسن بالتعلم والتعليم والتربية وبكل عمليات التنشئة الاجتماعية في مختلف مراحل العمر التي يمر بها الإنسان من الولادة إلى الوفاة.
إن الإنسان كما وصف في القرآن الكريم كائن ذو جسم وروح وعقل ووجدان وانفعال وذو أخلاق اكتسبها عبر القرون فأصبحت جزءا من طبيعته الجبلية أو الموروثة. ولا غرو في ذلك؛ إذ أصبحت بعض الدراسات الحديثة تتحدث عن إمكانية وراثة الإنسان لسلوكات نفسية واجتماعية كالإتجاهات .(Baron,1994)
ولعل قوة الخصائص الموروثة هو الذي دفع بعض السيكولوجيين إلى إعطاء أهمية أكبر للوراثة على حساب البيئة والمحيط النفسي-الاجتماعي في التأثير في السلوك.
ومهما كان تأثير الجانب الوراثي فإن تأثير كل من التنشئة الاجتماعية والتعلم لا يمكن أن ينكر أو أن يهمل.
إن هذه الصفات السلبية صفات ملاحظة عند كل الناس بنسب متفاوتة مهما كانت دياناتهم، وثقافاتهم؛ وبيئاتهم وذلك مثل الصفات الإيجابية تماما؛ ولكن بنسب متفاوتة. و منشأ هذا التفاوت هو تأثير العوامل التربوية في مراحل الطفولة الأولى بصفة أخص، وتأثير العوامل الثقافية والدينية والبيئية وغير ذلك من العوامل كالوراثة.
إن هذا الوصف الواقعي للإنسان بجوانبه الإيجابية والسلبية المتعددة يجعلنا نطرح سؤالا عن نوعية العلاقة أو العلاقات التي يمكن أن تكون بين الصفات الإيجابية والسلبية، وعن وظائف هذه الصفات -وهو الجانب الأهم في العلوم الاجتماعية: موضوعا ومنهجا- وخاصة في عمليات حماية النوع والتوافق مع البيئة الطبيعية والمحيط الاجتماعي من جهة، وفي عمليات النمو والتغير نحو الأحسن والرقي في السلوك الحضاري بفضل ما أوتي به الإنسان من صفات إيجابية جبلية أودعها الله تعالى فيه أو اكتسبها عبر العصور، وبفضل هداية الله تعالى لهذا الإنسان عن طريق الوحي والإلهام والعقل، وفي غير ذلك من العمليات المرتبطة بالتفكير والإبداع والإبتكار وبالحاجات والدوافع والوجدان وغير ذلك من خصائص الشخصية.
لا يخفي أن إيراد هذا الوصف لا يغنينا عن عمليات البحث المتواصل لفهم الإنسان سواء كان ذلك من خلال النصوص الدينية أو من منظور العلوم الاجتماعية الحديثة (علم النفس وعلم الإجتماع وعلم الإنسان..) وغيرها من العلوم المرتبطة بفهم الإنسان كالطب وعلم وظائف الأعضاء والكيمياء والبيولوجيا والفسيولوجيا.
ولاشك أن معرفة هذا الوصف يشكل قاعدة أساسية لفهم الإنسان من مختلف الجوانب المرتبطة بحياته العقلية والوجدانية والسلوكية (علم النفس العام)، وبعلاقاته بالآخرين في إطار اجتماعي معين (علم النفس الاجتماعي)، وارتباطه بمختلف المؤسسات الدينية والتربوية والمجتمعية (علم الإجتماع) باعتباره عضوا ضمن مجتمع ما، وغير ذلك من المواضيع المرتبطة بالإنسان بصفة عامة.
والمشكلة التي يتخبط فيها كثير من الباحثين المسلمين -الذين يحاولون التنظير للعلوم الاجتماعية من منظور إسلامي- تتمثل في رأيي في إهمال البحث الميداني والإكتفاء بإيراد النصوص والتعليق عليها دون بذل العناء من أجل إقامة الجسور بين الدراسة النصية والدراسة الواقعية؛ أي الإمبريقية (الدراسة القائمة على جمع معطيات من الواقع وتحليلها تحليلا موضوعيا).
ولعلي أزعم أن هذه الدراسة التي تعرضت إلى ملمح الإنسان من خلال القرآن الكريم قد تشكل قاعدة أساسية لأي عمل تنظيري من منظور إسلامي، على أن يجمع هذا العمل التنظيري بين فهم النصوص واعتمادها كمسلمات من جهة والقيام بالبحث التطبيقي أو الإمبريقي انطلاقا من هذه المسلمات والتصورات بهدف تدعيمها والبرهنة عليها عمليا من جهة أخرى.
وعليه، فإن الصفات الواردة أعلاه كملمح للإنسان بصفة عامة في حاجة إلى دراسة ميدانية للتعرف على ملامح شخصية الإنسان حسب انتماءاته الدينية والثقافية وتأثره بالبيئة: المناخ، الطقس، التلوث ونوع الغذاء ونوع الماء الذي يشربه، كما تنبغي دراسته في إطار تفاعله مع الآخرين وتأثره بالعوامل المختلفة أثناء عملية التفاعل مثل المتغيرات البيولوجية والفسيولوجية (الزواج، الوراثة، الهرمونات)، والمتغيرات التكنولوجية (نوع العمران، الآلات المستعملة، وسائل الإتصال)، والمتغيرات الشخصية (الجنس، السن، المستوى التعليمي)، والعوامل الثقافية (اللغة، العرف والعادات والتقاليد)، والعوامل الدينية (الإيمان، الفرائض، الحلال والحرام).
ولاشك، أن إتباع منهجية تجمع بين الدراسة النصية والدراسة الميدانية (الإمبريقية) -حيث يمكن الجمع بينهما- هو التي يخرجنا من ظاهرة إجترار وتكرار النصوص والإكتفاء بالتناول الأخلاقي والمثالي للقضايا النفسية والاجتماعية من جهة، ويدفعنا إلى إجراء الدراسات بصفة موضوعية قائمة على الملاحظة والوصف الدقيق أو التجريب -إن أمكن- والتحليل.
ولا تكتمل هذه المنهجية -سواء كانت قائمة على الاستنباط أم الاستقراء الناقص- إلا بتتويجها بالفهم “النصي” للقضايا التي ذكرناها. وبدون هذا الجهد المزدوج (فهم النص وفهم الواقع) فإن أية محاولة لفهم الإنسان وسلوكه في إطار فردي أو اجتماعي تصبح مبتورة. وأخيرا، فإن هذا الفهم المتكامل هو الذي يؤدي بنا -حسب اعتقادي- إلى الإسهام في معرفة وفهم الإنسان فهما أحسن بحيث يصبح الإنسان:
“الإنسان ذلك المعلوم” بدلا من: “الإنسان ذلك المجهول”.
ورغم إيرادنا في هذه الدراسة لكل من الخصائص السلبية والإيجابية التي يتميز بها الإنسان عن بقية الكائنات، فإن الصورة التي ينبغي أن نكونها عن الإنسان -في آخر المطاف- هي صورة إيجابية؛ فندعو مثلا إلى حرية الإنسان بدلا من عبوديته لغير الله (الحرية بدلا من الجبرية)، وإلى المسؤولية بدلا من التواكل والتسيب، وإلى الإبداع بدلا من الإجترار والتكرار، وإلى التفاؤل بدلا من التشاؤم بمستقبل الإنسان -مهما ساء ماضيه وحاضره-، وإلى الخير بدلا من الشر -مهما سفك الإنسان من الدماء-، وإلى المعرفة بدلا من الجهل … كما ندعو إلى فهم الإنسان ذي الأبعاد المتعددة: مادية وروحية وعقلية ووجدانية بدلا من الدعوات الحديثة التي تقوم على الإختصاص الضيق والنظرة الأحادية للإنسان على أنه ذو جوانب فيزيائية وبيولوجية فقط.
ومهما اجتهدنا في محاولاتنا لفهم الإنسان من خلال الدراسات الأمبريقية فإن فهمنا يبقى قاصرا إذا لم ندعمه بالوصف الذي جاء به الوحي… وكذلك الأمر بالنسبة للدراسات التي تكتفي بالنصوص الواردة في الموضوع فإنها تضحى عاجزة عن فهم بعض الجوانب المتعلقة بحياة وسلوك الإنسان وخاصة ما هو عرضة للتغير بفعل العوامل البيئية والتاريخية والتكنولوجية والثقافية وغير ذلك من العوامل المرتبطة بالنمو والتعلم.
ومهما كانت أهمية هذه الدراسة فليست إلا محاولة لفهم الإنسان على مستوى التصور انطلاقا من القرآن الكريم ونصوص الحديث الشريف التي ينبغي أن تصبح منطلقا لبحوث ميدانية (امبريقية) بحيث تتكامل التصورات القائمة على الإستنباط أو الاستقراء التام مع التصورات التي يمكن صياغتها انطلاقا من نتائج البحوث القائمة على الاستقراء الناقص.




http://faculty.kfupm.edu.sa/MGM/mustafai/Executives%20decision%20making%20+.htm

64 Views

عن

إلى الأعلى