ما هو التبشير ؟


ماهية التبشير

التبشير في أبسط معانيه ومرادفاته المجردة من المطامع السياسية والاستعمارية هو التنصير أي تحويل البشرية وبالأخص المسلمين إلى الديانة النصرانية وذلك باتخاذ وسائل وسبل متعددة متنوعة في إشكالها ومجالاتها.

ولو أنا أمعنا النظر في ذلك الدعم والتمويل الضخمين الذين خلف هذا النشاط التنصيري لوجدنا أن معظم الدول المدعمة لهذا النشاط على علاقة ليست بالوثيقة مع الكنيسة ومن هذه الدول على سبيل المثال لا الحصر أمريكا التي غطت نصف الأرض بمبشرين يزعمون إلى أنهم يدعون إلى حياة روحية وهي لا تبعد سوى المادة أما فرنسا فنجدها تحمي رجال الدين في الخارج على حين أنها على عداء مع الشيوعيين في الداخل وكثير من الدول المتزعمة دفة التبشير نجدها تسير على هذا النهج. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما الدافع لهذه الدول التي لا صلة لها بالدين وتزعم أنها قد جاءت لنشره لنهج هذا السلوك ؟؟!!

الدوافع الحقيقية للتبشير

هناك دوافع خفية وراء النشاط التنصيري والتي يُفصح عنها من خلال ما قاله القس صمويل في مؤتمر القدس الذي عقد أيام الانتداب البريطاني على فلسطين حيث يقول:

"أيها الأبطال الزملاء الذين كتب لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدس لقد أديتم الوسيلة التي نيطت بكم أحسن أداء. ووفقتم لها أسمى التوفيق، وأن كان يخيل إلى أنه مع إتمامكم العمل على الوجوه. لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية فيه.

إنني أقركم على أن الذين دخلوا أمن المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين، لقد كانوا أحد ثلاثة.

إما صغير لم يكن من أهله من يعرفه ما هو الإسلام. أو رجل مستخف بالأديان لا يبغى غير الحصول على قوت يومه، وقد اشتد به وعزت عليه لقمة العيش.وآخر يبغى الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية. ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية، ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية فإن هذا هداية لهم وتكريما هكذا وإنما مهمتكم بأن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها. وبذلك تكون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية.

وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام. وهذا ما أهنئكم عليه. وتهنكم عليه المسيحية والمسيحيون جميعا.

" لقد سيطرنا من ثلث القرن التاسع عشر على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا فيها مكامن التبشير. الكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية.

" ولقد أعددتم في ديار الإسلام شبابا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء طبقا لما أراده الاستعمار. لا يتهم للعظائم ويجب الراحة والكسل. ولا يصرف همة في دنياه إلا الشهوات. وإن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خبر النتائج وباركتكم المسيحية ورضي عنكم الاستعمار فقد أصحتهم بفضل جهادكم موضع بركات الرب "

الهدف أذن: سياسي استعماري بالدرجة الأولى تلك هي الحقيقة ولكن يتمكن الاستعمار الحديث من تحقيق هدفه المنشود فإنه يركز عشرية على زعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين بحيث يصبح الإسلام مجرد شعارات جوفاء، وطقوساً كهنوتية صماء، ومن ثم ينعزل عن ميدان الحياة عزلاً تاماً .

وبهذه العملية عملية التفريغ العقيدي يصبح المسلمون فريسة طيعة للاحتواء الاستعماري الخبيث.

مراحل تطوير التبشير:

الديانة المسيحية ديانة قديمة متواجدة في البلاد العربية منذ أمد ليس بالقريب وكان لها اتباع في بلاد العرب، كما كان لها نفوذا واسعا في الشرق إلا أن المسيحية فقدت كل هيمنة لها في الشرق، ولم تقم لها قائمة بعد ذلك في بلاد العرب لا سيما شبه الجزيرة العربية منذ بداية التوسع الإسلامي ولكن هذا لا يعني موت شجرة المسيحية، فقد كانت هناك محاولات جادة لإنماء هذه الشجرة ولعل ابرز هذه المحاولات تتمثل في الحروب الصليبية التي بدأت سنة 1096 م حيث أن هذه الحروب هدفت إلى محاربة المسلمين واسترجاع الأراضي المقدسة.

وقد تطور النشاط المسيحي الذي بدأ في القرن الثامن عشر يأخذ شكل مؤسسة تنظيمية تنظمها وتدعمها الهيئات الدينية العالمية. وبالتأكيد فأن الإتجاة التبشيري هو تطور حديث لهذا النشاط وقد استطاع أن يدخل أو يعيد المسيحية إلى عدد كبير من البلاد.

أن تطور هذه المؤسسات التبشيرية وتأثيرها الواسع على الموقف الديني هو أمر بالغ الأثر وأهم الأسباب التي دعت إلى قيام هذه المؤسسات ومهدت لها ثلاثة ألا وهي: عصر النهضة وحركة الإصلاح والتوسع الأوربي.

فالتطور الحديث في العمل التبشيري يدين بالفضل إلى هذه العوامل الثلاثة مجمعة إلا إن للتوسع الأوروبي الدور الأكبر للوصول بالعمل التبشيري إلى ما هو عليه اليوم حيث أن هذا العامل لكسب هذا العمل طابع العالمية ومن أهم النتائج التي تتضمن عنها هذا التوسع كانت في انتشار الثقافة الغربية والسلوك الغربي في الحياة وأهم من ذلك كله الدين.

وسائل وأساليب التبشير:

عندما بدأ التوسع الغربي يبسط نفوذه في عالمنا المعاصر كانت المسيحية واحدة من السلع الثقافية التي صدرها وقد استخدم لبث هذه الأفكار والمعتقدات وسائل وأساليب نستعرض بعضا منها في هذه العجالة مع بعض الإيجاز:

وسائل التنصير المباشرة:

ويقوم هذا النوع بهذا من التنصير منصرون متفرعون، تم ترسيمهم وعاظا لنشر النصرانية ويعتمد هذا النوع بالتنصير على الإقناع الفردي والوعظ العام في الكنائس والأماكن العامة لتعريف بحياة المسيح ومماته وتعاليمه وحوارييه وهذا النهج هو الوسيلة الوحيدة النموذجية للعمل التنصيري في مختلف العصور ويعرف عادة بالنهج الكلاسيكي، وقد أهمل النوع من التنصير منذ فترة طويلة وحلت محله. بعد تكوين جمعيات التنصير العلمانية الحديثة، وسائل جديدة لا تلتزم غالبا بالنهج الأخلاقي الذي رسمه الحواريون والرسل مما دفع بعض الإرساليات إلى مناهضة الطرق التي تدار بها جمعيات التنصير الحديثة والأساليب التي تتبعها في نشر النصرانية، وتعرف هذه الإرساليات ( بإرساليات الإيمان ).faith missions

وسائل التنصير المساعدة:

ويطلق هذا النوع من التنصير على الوسائل الحديثة التي أدخلتها الجمعيات في مجال التنصير كالتعليم والعلاج وغيرها. وقد ظهر هذا الأسلوب الحديث بصورة علمية في القرن الثالث عشر الميلادي عندما دخلت الدول الاستعمارية مع الإرساليات في تحالف للسيطرة على شعوب العالم وازداد انتشاره بعد الحرب العالمية الأولى. ومن مظاهر هذا النوع من التنصير:

التنصير عن طريق العلاج:

لم تظهر أهمية العلاج كوسيلة للتنصير إلا في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري ( التاسع عشر الميلادي ) عندما تكونت الجمعيات الطبية في أوروبا وأمريكا والتي تخص بتأهيل الأطباء والممرضين للعمل في مراكز التنصير.

التنصير عن طريق التعليم:

في المراحل المبكرة للنشاط التنصيري لم يكن ينظر للتعليم كوسيلة م وسائل نشر النصرانية بل غالبا ما ينظر إليه كموضوع يتعارض مع الهدف الرئيسي الذي أنشئت الإرساليات من أجله، وقد تغيرت هذه النظرة عندما أثبتت التجارب في ميادين التنصير في القرن الثالث عشر الهجري ( التاسع عشر الميلادي ) بأن التعليم أفضل الوسائل لنشر النصرانية، فتعليم القراءة والكتابة يساعد في التغلب على المشكلات الرئيسية التي عادة ما كانت تواجهه كالتعصب، وإقناع أولياء الأمور بإرسال أبنائهم إلى المدارس وهذا سيؤدي بطبيعة الحال لامتداد المدارس بالتلاميذ الصغار وأحيانا بالكبار. ثم يقودها هذا الإقبال لأعداد الذين ستعتمد عليهم الكنيسة الوطنية في المستقبل.

أما المادة التي تدرس في هذه المدارس فإنها ترتكز أساسا على تلقين مبادئ النصرانية عن طريق السؤال والجواب، ( يطلق عليها اسم الكاتيكسم ويعرف القائمون بتدريسها باسم الكاتيكست ومهمتهم تلقين الأطفال والأشخاص مبادئ وإعدادهم للتعميد ).

مجمل القول أن وسائل العمل التنصيري متعددة الجوانب ودائما في تطور مستمر وقد توصل المتنصرون بعد ممارسات طويلة لهذه الأساليب إلى حقيقة هامة وهي صعوبة تنصير المسلم لتمسكه بعقيدته، وفقدانه القابلية لفقدان أو استبدال دينه لذلك لجأ المنصرون في أساليبهم إلى التشكيك في العقيدة الإسلامية فقد جاء على لسان أحد أقطاب المؤتمر التنصيري الذي عقد عام 1927 بجبل الزيتون من أعمال فلسطين، حضرته أربعون دوله من دول الصليب قوله " أتظنون أن غرض التنصير وسياسته إزاء الإسلام هو إخراج المسلمين من دينهم ليكونوا نصارى ؟ إن كنتم تظنون ذلك فقد جهلتم التنصير ومراميه لقد برهن التاريخ من بعد أزمنته على أن المسلم لا يكمن أن يكون نصرانيا مطلقا، والتجارب دلتنا ودلت رجال السياسة النصرانية على استحالة ذلك، ولكن الغاية التي نرمي إليها هي إخراج المسلم من الإسلام فقط ليكون مضطربا في دينه وعندما لا تكون له عقيدة يدين بها ويسترشد بها وعندها يكون المسلم ليس له من الإسلام إلا اسم أحمد أو مصطفى. أما الهداية فينبغي البحث عنها في مكان آخر.

فعاليات التبشير:

أن السؤال الذي يبدو مهما الآن هو إلى أي أحد أثمر هذا النشاط التنصيري وماذا كانت نتائجه ؟

منذ عدة سنوات أجاب كاتب عربي مسلم على هذا السؤال منبها إلى خطورة ما يجري في هذا المجال قائلا: " وفي أيامنا هذه ( أكتوبر 1977 م ) توقف الإسلام في أفريقيا جنوبي الصحراء، كان المسلمون عشرة أضعاف المسيحيين واليوم أصبح المسيحيون أضعاف المسلمين المعركة اليوم تدور حول 70 % من سكان أفريقيا وهم وثنيون - وإذا سارت الأمور على هذا المنوال سنجد أنفسنا في أفريقيا 150 مليون مسلم في مواجهة 300 مليون غير مسلم على الأقل ".

غير أن النشاط التنصيري في أفريقيا لا يقتصر على الوثنين وحدهم بل يعمل في أوساط المسلمين أيضا ويركز على " نوعية " خاصة بينهم، وقد أشارت مجلة فوكس ( التي تصدر عن المؤسسة الإسلامية في بريطانيا ) إلى ما يجري في نيجيريا على وجه الخصوص فقالت: " هناك في نيجيريا مجموعة من أتباع عيسى ما زالوا مرتبطين بالعقيدة المسيحية رغم أنهم من الطلبة الذين يدرسون القرآن ويعتبرون في صفوف المسلمين ولكنهم يؤمنون بعيسى كنبي تفوق منزلته سائر الأنبياء. ولقد استهدف الكنيسة التنصيرية لغرب أفريقيا ( كنيسة البعثة الداخلية بالسودان سابقا ) هذه المجموعة من الطلبة في 63 قرية في الشمال، وعرفتهم بتفاصيل ما ورد في الإنجيل عن عيسى عليه السلام، وكانت استجابتهم وقد كان التجاوب أكثر وضوحا بين " الماجوزاوا" في أقصى الشمال حيث يعتبرون بمثابة المدخل لأمثالهم من أفراد المجتمع الإسلامي من الشعب الهوسا ".

وفي متابعة لنشاطهم هذا فإن إحصائياتهم تسجيل ارتفاعا متزايد ومستمرا ومن تلك الإحصائية التي نشرها " دافيد بارت " بمجلس التنصير الخارجي في ريتشموند بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية عن حصاد التنصير خلال عام 1986 م وجاء فيها " إن النسبة المئوية من سكان العالم الذين لم يصلهم صوت التنصير تناقصت في العام الماضي ( 1986 ) من 27.3% إلى 26.6% وازداد عدد المسيحيين في العام 1.572.875.100 مسيحي إلى 1.646.007.800 مسيحي.

وفي المقابل تشير الإحصائيات إلى أن عدد المسلمين الذين يرتدون عن دينهم سنويا يصل إلى ستة عشر ألف مسلم، ولذا يهيئ المنصرون أنفسهم للاحتفال بتنصير إندونيسيا كاملة عام 2000، أي بداية القرن الحادي والعشرين.

70 Views

عن

إلى الأعلى