الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » السياسة » الدولة الإسلامية المصرية في رؤية الإخوان المسلمين (مشروع مصر 2020)*

الدولة الإسلامية المصرية في رؤية الإخوان المسلمين (مشروع مصر 2020)*


الدولة الإسلامية المصرية في رؤية الإخوان المسلمين (مشروع مصر 2020)*

د. عمرو عبد الكريم

باحث مصري في العلوم السياسية




8573.imgcache الدولة الإسلامية المصرية في رؤية الإخوان المسلمين (مشروع مصر 2020)*

قبل البدء
: ثلاثة ملاحظات تمهيدية هذه الدراسة هي جزء من مشروع بحثي كبير باسم: مصر 2020 أشرف على إعداده وإدارته منتدى العالم الثالث برئاسة الدكتور إسماعيل صبري عبد الله وزير التخطيط في العهد الناصري.

وتقوم فكرة المشروع على تصور سيناريوهات خمسة محتملة للواقع المصري في الفترة الزمنية محل الدراسة وهي الفترة الممتدة إلى سنة 2020.

وكان الباحث مكلف ضمن فريق فرعي بكتابة سيناريو عن تصور الدولة الإسلامية بزعامة الإخوان المسلمين وسلوكها المحتمل في دائرة الشرق الأوسط

ونظرا لاختلاف التوجهات الفكرية بين الفريق البحثي الذي كنت أعمل ضمنه برئاسة أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والإدارة المركزية للمشروع لم تنشر هذه الدراسة ضمن منشورات المشروع بل حتى دار جدل عميق حول اعتمادها داخل المشروع.


وكان جوهر الخلاف حول الأسس الفكرية للمشروع ذلك أن إدارة المشروع سلمت الباحثين كراسات بها أسس ومسلمات فلسفية لكل سيناريو من السيناريوهات الخمسة المقدمة. غير أن الباحث وأيده الدكتور سيف- وجد أن ما قُدم ليست مسلمات النموذج الإسلامي بقدر ما هي مسلمات في أذهان واضعيها عن التيار الإسلامي جملة ومن ضمنه الإخوان المسلمين, فكان لا بد من إعادة بناء مسلمات جديدة للسيناريو الابتكاري (1): الدولة الإسلامية، ثم كتابة السناريو ذاته.
وهذه هي الملاحظة الأولى
الملاحظة الثانية: أن الطريقة المقدمة من قبل إدارة مشروع 2020 للباحثين وللفرق العاملة تتصور أنه يمكن بناء سيناريوهات مستقبلية للواقع المصري في الفترة محل الدراسة تقوم على تثبيت بعض عناصر الافتراضات المقترحة بمعنى أنه يمكن أن تلتقط صورة ثابتة للواقع في حين أن الواقع متحرك ولا يمكن البناء على تثبيت بعض عناصره, فالواقع والمجتمع ليس معملا كيميائيا, وتثبيت بعض عناصر الواقع هي مسألة افتراضية بغرض الدراسة, ولا يمكن أن نبني عليها سيناريوهات مستقبلية؛ أي إننا نحتاج إلى لقطة تليفزيونية تتحرك فيها جميع العناصر (عناصر المجتمع والواقع) وهذا ما نصحني به أستاذي الدكتور سيف وهو ما حاولت فعله.

الملاحظة الثالة: أن هذا السيناريو الإسلامي للدولة المصرية كتب قبل 11 سبتمبر 2001 ذلك التاريخ الذي فرض على عالمنا أن يؤرخ به لحوادثه ولو أعيد كتابة السيناريو مرة ثانية وهو لا شك أمر يهم كل المشغولين بالإصلاح والشأن العام في وطننا خاصة بعد الفوز المدوي للإخوان المسلمين في الانتخابات النيابية منذ أشهر قليلة لتغيرت كثير من جوانب التحليل، وأحسب أن تلك المهمة – مهمة كتابة سيناريوهات مستقبلية عن شكل الدولة المصرية تحت التصور الإسلامي – هي مهمة بالغة الضرورة للكل المهمومين بهذا الوطن واقعا ومستقبلا، ومع ذلك قام الباحث بعمل بعض التعديلات وإعادة القراءة على هذه النسخة وإن ظل الخط الأساسي للدراسة هو ما قدمه عام 2000







أولا : نقد عملية التنظير للسيناريو الابتكاري(1) الدولة الإسلامية


مقدمة منهجية: المنهج وما قبل المنهج

ربما كان العامل الأساسي وراء الإخفاق الشديد في فهم نموذج الدولة الإسلامية كما تطرحه أدبيات الحركات الإسلامية هو فشل النخبة العلمانية في فهم تلك الحركة ذاتها ولعل سوء الإدراك ناجم في معظمه عن سببين ربما كانا الأكثر جوهرية من مجموعة الاسباب التي تحول دون فهم الخطاب الفكري والسياسي الذي تطرحه تلك الحركة:




السبب الأول:

يعود إلى حقيقة أن غالبية الذين تصدوا لتفسير – والتعليق على – الحالة الإسلامية في مصر ينحدرون من خلفيات يسارية ساءتهم الهزيمة التي لحقت بأحلام الطوباوية الاشتراكية في مساراتها المختلفة إن على صعيد النظرية أو على صعيد التطبيق والممارسة فأصبحوا ليبراليين ديمقراطيين بين عشية وضحاها ونظرا لأن ما جرى لهم من تحول كان انقلابي الطابع ولأن المراجعات الفكرية كانت فجائية وسريعة فإن اغلبهم لم يتخلصوا تماما من موروثهم الفكري والثقافي خصوصا فيما يتصل بما يطلق عليه “الإسلام السياسي” فظل موقفهم من المشروع الذي تطرحه الحركة الإسلامية هو الرفض لكل ما تمثله وظلت الاختلافات بين الوان الطيف اليساري العلماني من المتصدين لنقد الحركة ومشروعها هي في تفسير هذا الرفض وتقديم التبريرات التي دعت لتبنيه وفي لغة الخطاب الموظف لصياغة هذا التفسير وظلت اطروحاتهم “هامش على متن النقد” للحركة الإسلامية وللدين الذي تعبر عنه مما يحدونا إلى البحث ليس عن المنهج والأدوات المستخدمة في تحليل الحركة الإسلامية وخطابها بل البحث عن ما قبل المنهج بتعبير العلامة محمود شاكر في دراسته بالغة الروعة “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”.

أما السبب الثاني:

فيعود في جوهره إلى ما يسمى “بالاسقاط المنهجي” ويتمثل في توظيف النظريات الغربية في علم الاجتماع بغرض دراسة الحركة الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية وهي في هذا التوظيف

تغفل مسألتين منهجيتين مهمتين:
أولهما: أن علم الاجتماع ومن حيث السياق التاريخي لنشأته ظل علما تفسيريا لا علما تأسيسيا توجيهيا، بمعنى أنه نشأ أساسا لتفسير الظواهر الاجتماعية وليس لافتعالها ورسم خطى تطورها(1)
وثانيهما: أنه وبالتعريف علم محكوم زمانا ومكانا بالإرث الثقافي المحلي للفضاء الاجتماعي الذي ولد نظرياته وهذا يجعله رهينة إما للثقافة المجتمعية السائدة في الأزمنة والأمكنة التي نشأ فيها أو لردات الفعل على تلك الثقافة
وإذا كانت أهم عناصر التقدم في علم السياسة الأمريكية هو قدرته على استخدام اساليب منهجية تجريبية كما يقول العلامة حامد ربيع فإن الإلتجاء إلى الأساليب الكمية والاستناد إلى لغة الارقام هو تقليد وضعت أصوله المدرسية واستقبلته تقاليد التحليل الاجتماعي في القارة الجديدة.
إلا أن تقاليد الفقه الأمريكي لم تستطع أن تطبق المنهجية التقليدية لعلم الاجتماع وللأساليب المتداولة في التحليل الاجتماعي على ظاهرة تأبى وترفض مثل هذه المنهجية التي لا تأخذ مسلماتها العقيدية ومسيرتها الحضارية في الاعتبار بل وتُسقط هذه المنهجية واقع البيئة المحلية أو تدرسة بمعايير مغرقة في استشراقيتها.
أن أولى علامات التعددية الحقيقية هي القبول بالآخر المختلف فكريا وسياسيا ومن ثم القبول بالتعددية في الرأي والمناهج والنماذج المعرفية الرئيسية (Paradigms) دون تشويه أو تسفيه والتسليم بحق كل المدارس في التصارع السلمي لاثبات فرضياتها والدعوة لمناهجها بشروط:

ألا تصر أحداها على أنها تملك الحقيقة الواحدة والمطلقة في فهم الواقع الحالي أو استشراف المستقبل.
أن تحدد بوضوح افتراضاتها الظاهرة أو الخفية وتطرح مسلماتها وتعلن تحيزاتها مسبقا.
عدم الاختفاء وراء مقولات عامة بدعوى حياد مزعوم يبطن تحيزات كامنة تعلن عن نفسها في مصطلحات ومفاهيم وأحكام مسبقة.

ومن ثم تفرض الضرورة العلمية والعملية لنقطة بدء – يظنها الباحث- أقرب لواقع الحالة الإسلامية متمثلة في المشروع الإصلاحي السلمي كما تعبر عنه حركة الإخوان المسلمين المصرية في تفاعلها مع الواقع المركب والعقد للوضع المصري القيام بنقد المسلمات المطروحة ابتداء.2 – نقد مسلمات وأهداف وآليات تحقيق الصورة المستهدفة للمشروع الإسلامي كما تطرحه أوراق مشروع مصر 2020

- لعل المشكلة الأساسية في عملية التنظير التي قدمها مشروع مصر 2020 هو استبطان مفهوما للدين ربما كان أقرب للمفهوم الذي أفرزته التجربة المسيحية في سياقاتها الغربية وفي ذلك يتم قصر الدين على الشعائر التعبدية أو بالفهوم الإسلامي النٌسك التي هي في جوهرها علاقة بين الفرد وخالقه وتوفير قاعدة لعملية التعبئة والحشد عبر صك الشعارات مثل الإسلام هو الحل (2)
كما يتجلى ذلك المفهوم في تصور عملية التنظير للسيناريو الابتكاري(1): الدولة الإسلامية لدور الدين في اضفاء الشرعية نتيجة لقيام النخبة الحاكمة في هذا السيناريو بإعلانهم الحكم بما أنزل الله (احكام الشريعة) مع عدم الأخذ في الاعتبار رضا الناس واختياراتهم الحرة.
ذلك أن الدولة الإسلامية في “النموذج المعياري” تنظر إلى دور الناس باعتباره دورا فاعلا أو أساسيا وأي تيار يزعم لنفسه صفة الإسلامية ويلغى دور الناس وحقهم في الاختيار أو ينتهك المباديء الأساسية لحقوق الإنسان -كما تقرها الشريعة الإسلامية – فهو نظام عار من تلك الصفة ولا يمثلها ولا يعبر عنها أصدق تعبير بل ويستحق المقاومة من منطق تحكيم شرع الله كما تستحقها تلك النظم الشمولية التي تلغي دور الناس وتزيف اختيارتهم.
وفي هذا الإطار ترتبط طاعة الحاكم بالطريق الذي أتى به إلى الحكم فلو اغتصب السلطة لما صار حاكما شرعيا للناس ولو مارس مقتضياتها بحكم الأمر الواقع فسيظل “إمام غلبة وقهر” لا “إمام واختيار وبيعة”
وفي حالة مجيئة عن رضا واختيار الناس يكتسب بذلك شرعية التأسيس ويبقى الحكم على شرعيته مرهونا بممارساته فإذا الغي دور من أتى به للسلطة فلا بيعة له ابتداء وهو غاصب للسلطة ممارسة وانتهاء .
بالإضافة إلى ذلك الافتراض الكامن والظاهر في عملية التنظير هذه إلى الشعب المصري وبقاء وعيه على ما هو عليه وعدم تطوره ونضجه حتى يقبل أي سلطة تعلن التزامها بالشريعة ولا تقبل بتداول السلطة سلميا بمعنى أن نضج الشعب قد يكون قيدا على أي سلطة إسلامية أو تدعي ذلك ولا تقبل بتعددية سياسية حقيقية أو حريات عامة أو حقوق انسان.
إن إعطاء الحاكم قدسية لأنه يحكم بالشريعة وجاء عن طريق إرادة الناس وباختيارهم الحر لا يضفي عليه شيء من القدسية من قريب أو من بعيد وتظل الصورة المعيارية لحكم الإسلام “أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم” و “لو رأينا فيك أعوجاجا لقومناه بسيوفنا”
وتظل البيعة والاختيار بالمصطلح الإسلامي علاقة عقد مدني -ليس بمعنى مدني ضد ديني- تحكم صيغة العقد وبنوده في ظل مرجعية عليا تظللها الشريعة الإسلامية.
وفي إطار هذا النموذج المعياري هناك فرق بين “الفرقة” على المستوى الاعتقادي وما نجم عنها من ظهور الفرق الإسلامية وهي مدارس في علم الكلام وبين الأحزاب السياسية وهي مدارس في استراتيجيات الإصلاح، فالأحزاب السياسية بالمعنى المعاصر ليست فرقا بالمعنى التراثي.
ولكل حزب الحق وكامل الحرية في طرح مشروعه في الإصلاح على جماهير الناس ثم يكفل النظام السياسي الطرق التي تسمح بالوصول للسلطة من يعبر عن رغبة الناس وإرادتها، وترتبط مشروعية النظام الموجود بقدر ما يوفر من طرق وآليات تداول سلمي للسلطة (3)

قضية المرأة:

تظل قضية المرأة من القضايا ذات الجدل السجالي بين مختلف التيارات الفكرية المصرية، إلا أن احتكار تيار بعينه الحديث باسمها ومحاكمة معتقدات التيارات الأخرى وتصوراتهم تجاه هذه القضية هو تجيير لقضية ذات ابعاد عقيدية وحضارية في صراع سياسي لصالح تيار سياسي بعينه
فمع إقرار تصور السيناريو لوضع الإسلام ضمانات لأمن المرأة إلا أنه يجعل من الواقع الاجتماعي حكما على التصور الديني
استجابة لهذه المحاكمات الفكرية أصدر “الإخوان المسلمون” بيانا بعنوان: المرأة المسلمة في المجتمع المسلم والموقف من مشاركتها في:

الانتخابات
اختيارها في المجالس المنتخبة
تولي الوظائف العامة والحكومة
العمل عموما (4)

كما تضمن هذا البيان موجزا لأهم الأسس الفقهية للمباديء التي تقرها جماعة الإخوان بشأن وضع المرأة في المجتمع وأهم حقوقها وواجباتها والبيان يحمل رؤية حضارية لقضية المرأة من الأرضية الإسلامية.3- إعادة بناء مسلمات وأهداف وآليات المشروع الإسلامي كما يقدمه الإخوان المسلمون

لعل نقطة البدء الصحيحة في بناء مسلمات المشروع الإسلامي كما يطرحه الإخوان المسلمون هي: فهم طبيعية حركة الإخوان كحركة اجتماعية سياسية يشكل البعد الديني الإسلامي محور أيديولوجيتها أو تصوراتها الفكرية.


بداية تمثل حركة الإخوان المسلمين حاصل إلتقاء عوامل تاريخية كبرى هي:

حركة الإحياء الإسلامي بالمعنى الواسع للكلمة أي بما هي استعادة بطيئة لكن دائمة ومستمرة للثقافة الإسلامية وتمثل قيمها.

تنامي حركة المعارضة السياسية بموازة أزمة الشرعية التي تعيشها الدولة المصرية وهي لا تنبع فقط من تفاقم نظام الاستبداد وحدة ولكن من تراجع قدرات وإمكانيات الدولة نفسها على مواجهة الحاجات والمتطلبات الاجتماعية المتزايدة.
اتساع دائرة الاحتجاج الاجتماعي وشمولها نتيجة ليس للأزمة الاقتصادية فقط ولكن أيضا لتبدل طبيعة القوى الاجتماعية وتفاقم حدة التفاوتات بين النخبة وجماهير الناس العادية.

أما نقطة البدء الثانية الصحيحة فهي: فهم المشروع السياسي الذي يحمله الإخوان المسلمون باعتباره مشروعا اصلاحيا شاملا وليس منهجا انقلابيا في التغيير ومن ثم لا تمثل السياسة – بالمعنى الضيق- باعتبارها سعيا للحصول على السلطة وصراع من أجلها إلا جزءا من كل وليست هي المحور الرئيسي الذي تدور عليه أعمال الحركة الإصلاحية وحوله.
ومن ثم فلم تقدم حركة الإخوان الإصلاحية نفسها باعتبارها بديلا عن الأمة بل باعتبارها جزءا من الأمة وأن كانت ترى أنها أثقل حملا وأكثر إدراكا للدور المنوط بها

وفي هذا الإطار يتحدد دور الحركة الإصلاحية باعتباره شحذا لفعاليات الأمة وتفعيلا لعناصرها طاقتها ومواردها كافة وتوجيه وجهتها وجهة استراتيجية باعتبار المشروع الإسلامي مشروعا إصلاحيا يسعى للتغير عبر بوابة الأمة وليس من خلال السلطة في ظل أوضاع عالمية تؤدي إلى تآكل مفهوم الدولة القومية وسيادتها أو ما يطلق عليه برتراند بادي “استهواء السيادة” أي سلبها في كتابه: الدولة المستوردة النقطة الثالثة: وهي أنه منذ آواخر الثمانينيات اتجهت جماعة الإخوان المسلمون إلى إحداث بعض التحولات والتعديلات في الهيكل التنظيمي أملتها أربعة اعتبارات:

الظروف السياسية في المجتمع التي نجمت عن الأخذ بالتعددية السياسية والتحول الديمقراطي.
رغبة الجماعة في الإسراع بعملية التغيير السياسي والاجتماعي التي تنشدها.
طول عمر الجماعة مما أضفى عليها طابع الثقة في النفس والإحساس بالقدرة على تحقيق حلمها في اقامة الدولة والمجتمع الإسلامي.
صعود جيل الوسط من الشباب ورغبته في القيام بدور مؤثر في حياه الجماعة السياسية(5)


أما أهم التحولات فهي:

اللامركزية في إدارة الجماعة وطرح الرؤى الإصلاحية
تخفيف دور القيادة الكاريزمية وإحلال القيادات الإدارية بدلا منها ومن ثم يجب أن تفهم المسلمات التي تطرحها الرؤية الإخوانية للمشروع الإسلامي من خلال:

طبيعة جماعة الإخوان باعتبارها حركة اجتماعية سياسية ذات بعد إسلامي.
طبيعة المرحلة التاريخية التي نشأت فيها حركة الإخوان.
طبيعة المشروع الذي حمله الإمام البنا باعتباره مشروعا اصلاحيا حسم خياراته التغيرية من الثورة إلى الإصلاح ومن السياسة إلى التربية ومن الانقلاب على السلطة إلى التغير الاجتماعي(6)

وكما لوحظ جون فول John O.voll عن حسن البنا أنه بالرغم من إدراك البنا أن قوة الإصلاح مرتبطة بقوة الحكم أصر البنا على أن يجعل للإخوان التزاما أوسع بالإصلاح الاجتماعي وليس بالسعي المباشر للسلطة السياسية وتظل هذه هي الفلسفة الحاكمة لرؤية الإخوان: أن الهدف هو اصلاح المجتمع وليس مجرد الوصول للحكم بل تطبيق للشريعة(7)





أهم مسلمات المشروع الإسلامي:
الإيمان بالمرجعية العليا للإسلام المجسدة في القرآن والسنة في بناء حياتنا كلها: ثقافية وتربوية، اجتماعية وسياسية واقتصادية حيث يمثل الإسلام كدين وحضارة المصدر الأكبر لتراث المجتمع المصري الفكري والثقافي ولأغلب أوضاعه الاجتماعية.يبدأ المشروع بإصلاح الفرد وبنائه بناءا متكاملا: روحيا بالعبادة، وعقليا بالثقافة وجسميا بالرياضة وخلقيا بالفضيلة مع التركيز على التغيير النفسي والعقلي فهو أساس كل تغيير، إن الله لا يغير ما يقوم حتى يعيروا ما بأنفسهم. ثم بناء البيت المسلم فالمجتمع المسلم فالأمة المسلمة في خطوات متدرجة ومراحل مدروسة، وفق سنن الله في خلقه بلا قفز على الواقع ولا إنكار للعوائق والصعوبات(8)الإسلام عقيده وشريعة نظام شامل لجميع شؤون الحياة عند المسلمين ينبغي عليهم الالتزام بجيمع تفاصيل الأمر والنهي التي حلمها لإصلاح الحياة الإنسانية دون اهمال بعضها أو إلغائها للتحذير الذي نزل به الوحي في قوله تعالى “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب”الدعوة إلى تجديد الدين والي الاجتهاد في فهمه لمن يملك شروطه وفي مجال الاجتهاد والنظر إلى الإسلام وأصوله بعين وإلى العصر ومشكلاته بعين أخرى.الاستفادة من كل المدارس الإسلامية في علاج مشكلاتنا المعاصره وخصوصا المدارس التجديدية في تراثنا الفكري والفقهي والانتفاع بإبداعاتها والإضافة إليها(9)المباديء الثابتة وغير المتغيرة في الشريعة قليلة جدا وتتكون من مباديء أساسية صممت لتحقق العدالة والمساواة الاقتصادية والاجتماعية وتحمي حقوق الإنسان والأرواح والممتلكات وتعاليم الإسلام(10)تفصيلات نظام الدولة يمكن إقراره عن طريق الاجتهاد – حيث وقفت النصوص الشرعية في سياسة العمران عند الثوابت والكليات والفلسفات والقواعد والأطر الحاكمة تاركة للعقل الإنساني والاجتهاد البشري حرية التفريع والبناء والتفصيل والإبداع في إطار القواعد والمباديء والأطر الحاكمة تحقيقا لإسلامية العمران المتجدد بمد فروع إسلامية من الأصول والقواعد لتظلل الإسلام هذه المتغيرات والمستجدات فتتواصل الصبغة الإسلامية للعمران دونما جمود ودونما قطيعة مع الأصول(11)تمتلك الدولة الإسلامية رسالة تدور حول قيم معينة لا تتغير ومحور هذه الرسالة هي حقوق المواطن وكرامته وتمكينه من تحقيق ذاتية.إقامة الدولة الإسلامية العادلة جزء من الإسلام وتنظيم السلطات فيها جزء من شريعته.يقيم الإسلام الحكومة كقاعدة من قواعد النظام الاجتماعي للناس لأن الإسلام لا يقر الفوضى ولا يدع الجماعة المسلمة بغير قيادة ولا إمام أو رئاسة .السلطة السياسية لا تستمد شرعيتها من أي مصدر إلهي ومصدر شرعيتها هو اختيار الناس ورضاهم فهي سلطة مدنية تستند إلى إرادة الأمة، فالحكام في نظر الإسلام أفراد من البشر ليست لهم على الناس سلطة دينية بمقتضى حق إلهي وإنما ترجع شعبية الحاكم في مجتمع المسلمين إلى قيامه على رضا الناس واختيارهم، والتزام الحكام بشريعة الإسلام لا يخولهم حق التفويض الإلهي واستمرار احتكار السلطة، بمعنى أن يظل الدين مصدر للقوانين والقيم وليس مصدرا للسلطة بأي حال.العمل على إقامة مجتمع فاضل راق جدير بالانتماء للإسلام متحرر من الظلم والقهر والخوف تتحقق فيه تنمية إنسانية شاملة وعدالة اجتماعية كاملة وتكافل انساني عميق، مجتمع يحارب الفقر والجهل والمرض والرذيلة.الانتقاء مما جائتنا به الحضارة الغربية فلا نقبل كل ما جاءت به ولا نرفضه بل نأخذ منه ما ينفعنا وما يتفق مع قيمنا وشريعتنا وندع ما يضرنا وما يخالف ديننا. tyle="font-family: Times New Roman;">الولاية للأمة فهي صاحبه الاختيار ورضاها شرط لاستمرار من يقع عليه الاختيار، فالأمة صاحبه الرئاسة العامة ووحدها لها حق اختيار الإمام أو الرئيس ولها عزله، أي إنهاء العقد وفسخه؛ فالأمة هي مصدر السلطات في الإسلام والقرآن يطالب المؤمنين إن يسيروا شئونهم عبر الشورى والأمة هي التي تعين حكامها والسلطة لا يمكن الحصول عليها بحد السيف لكن فقط عبر الاختيار الحر (12)الحرية حق للجميع حيث ممارسة الإنسان لحريته هي الوجه الآخر لعقيدة التوحيد، والنطق بالشهادتين بمثابة إعلان عبودية لله وحده وانعتاق من أي سلطان لأي واحد من الناس وأهم ممارسات الحرية هي تلك التي تتم على صعيد الاختيار والرؤى (13) فالحق في الاختلاف سنة من سنن الله الكونية والشرعية.المساواة بين الناس من الأصول فجميعهم خلقوا من نفس واحدة وجميعهم لهم الحصانة والكرامة التي يقرها القرآن للإنسان بصفته تلك بصرف النظر عن ملته أو عرقه أو دينه أو لونه؛ فالشريعة قدمت وأقرت مبدأ العدل والمساواة وكرامة الإنسان وعدم انتهاك الأموال والحرمات وهي تضم نصوص تتعلق بنظم هي بالإساس تعد اليوم جزءا من النظام السياسي.تتحقق مرونة الإسلام أولا في المجال الواسع الذي لا تحكمه النصوص وما يسميه د0 يوسف القرضاوي “منطقة العفو” وهي تعتبر المصالح الهامة والحقيقية للأمة. وهي مصدر التشريع في ضوء المقاصد العليا للشريعة والتشريع هنا قابل للتغيير والتطوير فضلا عن هذا تسمح النصوص الظنية (سواء في ثبوتها أو دلالتها) بالتفسير على أنحاء مختلفة بما يحقق مصلحة مجموع الأمة. يجب أن يضمن الدستور التوازن بين المؤسسات المختلفة في الدولة ولهذا يجب إلا تطغى مؤسسة على حقوق الأخرى وكذلك يضمن الدستور الحقوق والمباديء التي سوف تحمي الحقوق الفردية للناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.يٌلزم كل من القرآن والسنة المسلمين باحترام وحماية أمن غير المسلمين بالذات أهل الكتاب من المسيحيين واليهود كمواطنين في الدولة الإسلامية لهم كافة حقوق المواطنين ماليا ونفسيا ومدنيا وسياسيا في إطار قاعدة :”لهم ما لنا وعليهم ما علينا”.لغير المسلمين الحق في حيازة الممتلكات بكافة أنواعها. ولهم الحق في الالتحاق بكافة المهن ولهم الحق في شغل كافة المراكز في الدولة عدا تلك الوظائف التي تتعلق بضرورة تطبيق الشريعة التي لا يؤمنون بها أساسا ولهم الحق في الاستعانة بالقوانين الإسلامية إذا طلبو أهم أنفسهم من القاضي.لجميع المواطنين الحق في حرية الاعتقاد “لا أكراه في الدين” والحق في التعبر عما يؤمنون به.للمرأة كافة حقوق الرجل فيما أقرت شريعة الإسلام فهي مكرمة كالرجل تماما وهي عاقلة رشيدة ذكرها الله في القرآن والنبي في سنته بنفس الطريقة التي ذكر بها الرجل وتحاسب النساء أمام الله على الإيمان والشريعة كالرجال تماما. والحقوق المدنية والشرعية للمرأة هي نفس حقوق الرجل وتصرفاتهن المالية حرة حتى بدون إذن الآباء ورضاهم أو ولي الأمر أخا كان أو زوجا والقوامة في حدود قيادة الأسرة بالتشاور والتوافق كعائد لقيام الرجل بالتزاماته ومسئوليته.للمرأة الحق في تولي المناصب - فيما عدا الرئاسة العامة للدولة- فلها الاشتراك في البرلمان ناخبة أو منتخبة ولها الحق في تولي الوزارة، والكفاءة هي المعيار الوحيد للتقدم لشغل الوظائف العامة بصرف النظر عن نوع المرشح أو جنسه.






ثانيا: مدى احتمالية تحقق السيناريو الابتكاري (1): [FONT=Times New Roman (Arabic)]الدولة الإسلامية

رغم أن أحد افتراضات الباحث الكامنة والمعلنة هو عدم إمكانية تحقق سيناريو بعينة في عالم الواقع بنفس درجة النقاء الذي نسطر به معالم السيناريو على الورق فإن وصول سيناريو إلى سده الحكم هو محصلة تفاعل بين أمرين:

الأول: بلوغ العوامل الداخلية درجة من الاكتمال تسمح بطرح النموذج البديل في عالم الشهادة بعد تبلوره في عالم الغيب أو امتلاك قدر كبير من ركائز القوة الداخلية.الثاني: وهو خاص حياز أكبر قدر ممكن من ركائز القوة الخارجية ممثلة في: ظرف دولي موات، دعم الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة وقبول المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومعاونة مؤسسات التمويل الدولية خاصة صندوق النقد والبنك الدوليين.
الأمر الأول: حيازة ركائز القوى الداخليةذلك أن مدار الاحتمال في تحقق سيناريو الدولة الإسلامية هو على امتلاك نخبة النموذج قدرا أكبر من ركائز القوة الداخلية ممثلة في عدة أمور وهي:
النفاذ في أجهزة القوة وهي مناطق امتلاك قوة السلاح – ليس بغرض القيام بانقلاب بل بغرض حماية النموذج ذلك أن أحد مسلمات التغيير أو تحقق سيناريو الدولة الإسلامية هو مجيئه عبر خيار سلمي شعبي أما مناطق قوة السلاح فهي ممثلة في الأفرع الرئيسية في القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي (الشرطة) ونحسب أن الحركة الإسلامية المصرية ممثلة في الإخوان المسلمين أبعد ما تكون عن امتلاك مصدر القوة هذا.خبرة ممارسة السلطة أحد ركائز القوة المهمة فلن يهبط من يحكم داخل هذا النموذج من السماء فجأة أو يصل للحكم بين عشية وضحاها بلا سابق إنذار، فلابد من فترة طويلة من العمل داخل دولاب النظام السياسي لمعرفة كيف تدار الأمور وما هي المفاصل الرئيسية “الحاكمة” وهيكل جهاز الحكم، ونحسب أن تجربة النقابات المهنية والمشاركة في المجالس المحلية والنيابية مثلت هذه الركيزة من ركائز القوة الداخلية لذلك كانت عملية إخراج الإخوان من النقابات – على ما شابت ممارستهم من سلبيات- هي قطع السبيل على اكتمال هذا العنصر من عناصر ركائز القوة (14)القوة الاقتصادية ممثلة في “قوة المال وسلطته” على فتح الأبواب المغلقة والمؤسسات المغلقة عامل مهم في اكتمال ركائز القوة ونحسب أن ضرب ما اطلق عليه “المال الإسلامي” ممثلا في شركات “توظيف الأموال” كالريان والسعد ومجموعة شركات الشريف تندرج في عملية تجريد الحركة الإسلامية من هذا السلاح، حتى وإن لم تكن على صلة مباشرة بالإخوان القدرة على التعبئة والحشد وإثاره القضايا والاهتمام أحد ركائز القوة الذاتية عند الإخوان المسلمين وهي قدرة لابد منها لمن يطرح “مشروع دولة” ونحسب أن المحاكمات العسكرية المتوالية والمستمره لرموز وقادة الإخوان المسلمين منذ عام 1995 هي في تحييد العناصر والكفاءات ذات القدرة على التعبئة والحشد وطرح النموذج في عالم الواقع لذا يتوقع الباحث أن لا تنتهي تلك المحاكمات حتى تتجدد وإن اختلفت أشكالها (15) مؤسسات وسيطة أو مؤسسات المجتمع الأهلي ركيزة لابد منها وهي تعمل على خلق مؤسسات موازية – أو إن شئنا الدقة بديلة- في مجال الخدمات بصفة خاصة التعليم والصحة(16) ونحسب أن قانون الجمعيات الأهلية الأخير يندرج في سياق الحد من فعالية بناء مؤسسات بديلة أو هياكل للسلطة – حيث يضع القانون تلك المؤسسات تحت سيطرة الحكومة ممثلة في الجهة الإدارية المخولة الإشراف على تلك المؤسسات بالإضافة إلى المؤسسات الأمنية المختصة بضبط حركة المجتمع الأهلي – خاصة بعد تلاشي الحدود الوطنية عبر عولمة القضايا والتمويل والإعلام لذا يعمل النظام بلا كلل على إبعاد الرموز الإسلامية عن تلك المؤسسات الوسيطة وسائل الإعلام المحلية (قوة الصوت) وإلى أي مدى يصل هذا الصوت وبهذا العامل تفسر الإجراءات المعقدة لاستخراج رخصة جريدة أو مجلة – حيث تكاد توازي تماما تأسيس حزب سياسي ولعل هذا المجال (الإعلام) يشهد أكبر التناقضات التي تعيشها الدولة المصرية الحالية إذا بينما يسير قطار الاقتصاد في طريق الخصخصة والتحرير الكامل يسير قطار قطاع الإعلام (مقروء ومسموع ومشاهد) في طريق الاحتكار الكامل ( بل أشبه ما يكون بالعصر الشمولي الأول).

الأمر الثاني: وهو حيازة أكبر قدر ممكن من ركائز القوة الخارجية ممثلة في أمور:

ظرف دولي موات يقبل بعملية التحول أو التغيير في أحد الدول المحورية أو ما يطلق عليه التصور الأمريكي: “أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط”دعم الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.قبول/ اعتراف المؤسسات الدولية – خاصة الأمم المتحدةتأييد مؤسسات التمويل الدولية خاصة صندوق النقد والبنك الدولي

ويمكن رد هذه العناصر الأربعة إلى عنصر واحد هو العنصر الثاني وهو موقف الولايات المتحدة لأكثر من سبب ربما أهمها هو:

أن الولايات المتحدة باعتبارها قطب وحيد مهيمن على مختلف المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ومؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد) تشكل مواقف تلك المؤسسات.


وفي محاولة للإجابة على تساءل مفاده:هل يمكن أن تسمح الولايات المتحدة باعتبارها أهم أركان النظام الدولي المعاصر- إن لم تكن ركنه الوحيد – بقيام دولة إسلامية في مصر؟

وكيف يكون شكل التعامل مع هذه الدولة إذا قامت؟
وما هي التهديدات المحتملة للمصالح والمناطق النفوذ؟


الولايات المتحدة ومصر: الصراع بين حماية المصالح ونشر القيم

أن أية محاولة إجابة عن موقف الولايات المتحدة من تحقق سيناريو الدولة الإسلامية في مصر يجب أن تتعرض إلى:







أولا: الكيفية التي تبني بها السياسة الخارجية الأمريكية
ثانيا: وضع مصر في الإدراك الأمريكي
ثالثا: الدور الإقليمي “الغريزي” لمصر بحكم الموقع “الجغرافيا” والتاريخ والسوابق العملية.
رابعا: مناطق تماس المصالح والتقاء النفوذ
خامسا: درجة الاحتكاك والحد الأقصى للتنازل من كلا الطرفين

أما فيما يختص العنصر الأول: الكيفية التي تبنى بها السياسة الخارجية الأمريكية فإنها:
تستمد من تفاعل بين ثلاثة عناصر هي :

إدراك يقرره أشخاص أساسيون للصلات بين القضية المباشرة والمصالح الأمريكية الثابتة.
المناخ الذي تشكله ظروف سياسية إقليمية وعالمية هامة تنصب على القضية.
التركيبة السياسية الأمريكية وهي الإطار الداخلي الذي لابد من تقييم طرق العمل الممكنة فيه باعتبارها خيارات سياسية واقعية (17).

وإذا طبقنا تلك العناصر على استشراف موقف الولايات المتحدة لأهمية مصر (الموقع والسكان والعلاقات) نجد أن هناك ثلاث عوامل للإهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط ومصر على وجه الخصوص وهي:

أن الولايات المتحدة تقدم معونات ضخمة لبعض حكومات هذه المنطقة مثل مصر حيث تقدم لها امريكا معونة ضخمة للإصلاح الاقتصادي ولتحديث قدراتها العسكرية(18) وهي مساعدات مهمة لمواجهة خطر المد الإسلامي سواء كان هذا المد يشمل تهديدا للنظام أم لا (19)
إذا ما وصل الإسلاميون من التيار المتشدد للسلطة فإن ذلك سينسحب لحدود الدول المجاورة (20) بفعل تأثيرات “نظرية الدومينو”
حماية مصالحها في المنطقة

أما المناخ – الظروف الاقليمية والدولية العامة السائدة – الحالي فيؤثر بلا شك على عملية اتخاذ القرار وتأثير ما يسمى “بالإسلام السياسي” على عقلية النخبة السياسية الأمريكية وعامة الشعب الذين تشكل عقولهم أدوات الإعلام الهائلة Multi Midiaأما ثالث تلك العوامل فهو الخاص بالتركيبة السياسية الأمريكية إذ أن صنع السياسة الأمريكية أولا وقبل كل شيء هو مشروع تنافسي، فالنظام الذي يوجد البيت الأبيض دستوريا وعمليا على رأسه هرمي الشكل يشمل بالإضافة إلى الرئيس ومستشاريه الأجهزة الإدارية والكونجرس والأحزاب السياسية وجماعات المصالح المنظمة وهذه التركيبة تدعو حتما إلى المشاركة وبنفس الحتمية فإنه يحصل عليها أراء معارضة وتكون النتيجة النهائية غالبا حلا وسطا أو عدة حلول وسط من بين أفضليات مختلفة.

إن أساس اهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدور مصر مرتكز على دورها الإقليمي، فخلال السبعينيات لعبت الإدارة المصرية دور الحليف الثاني للولايات المتحدة في المنطقة وفي الثمانينيات طورت الإدارة المصرية علاقاتها مع “إسرائيل” بحيث لعبت دور المدخل الذي ولجت من خلاله إلى المنطقة بشكل أعمق وفي التسعينيات مثلت الإدارة المصرية حجر زاوية عملية التسوية الشاملة.
لكل ذلك تنظر الإدارة الأمريكية لدور مصر على أنه دور محوري يجب الحفاظ على استمراريته بكل السبل لكن اهتمام الولايات المتحدة بالدور الإقليمي للإدارة المصرية لا يعني إعطاءها دورا محوريا أو مركزيا في المنطقة (وذلك مثل فشل صيغة 6 – 2 أو إعلان دمشق)
كما لم تربط الولايات المتحدة نفسها بفكرة أن دولة عربية واحدة مثل مصر أو السعودية يمكن أن تعمل كوكيل إقليمي يمارس مختلف مهام “الوكيل” وإن ظل الهدف الأساسي من المعونة الاقتصادية الأمريكية لمصر مرتبط برغبة الولايات المتحدة في الاحتفاظ بدور مصر كوكيل عنها في بعض الوظائف الاقليمية التي تمثل فيها دور التسويغ لاتباع الولايات المتحدة سياسات في المنطقة ربما كان اتباعها بشكل مباشر يثير المشكلات مثل “حرب الخليج الثانية” .
أما الهدف الأكبر والأساسي للمعونة الأمريكية فيتمثل في ضرورة الحفاظ على النظام السياسي المصري القائم ولا يعني ذلك مجرد الحفاظ على “شخص الرئيس” الموجود بقدر ما هي رغبة في الحفاظ على شكل الحكم الحالي.
فالولايات المتحدة لم تبال بذهاب السادات ومجيء مبارك طالما أن التوجه قائم نحو الغرب والتغريب (أو فرض الاستقرار) من هنا فشخص الرئيس غير مهم بقدر ما إن شكل الحكم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية (الوضع الطبقي) هي المهمة.
ذلك أن سياسة مساندة العديد من النظم الاستبدادية في دول الجنوب هي سياسة أمريكية معروفة وثمة شرط ضمني لما يمكن أن يطلق عليه سياسات مساعدة الأنظمة (علاقة أو نموذج المساندة)حيث تشترط الولايات المتحدة مساندة نظام ما ارتفاع قدرته في الضبط والقمع في الداخل بحيث يقتصر دورها على المساندة المعلوماتية بشأن أوضاع الخارج والداخل وفي هذا الإطار نفهم إطلاق النظام المصري ليد مراكز الدراسات والبحوث الأجنبية في مصر فهذه الأجهزة لها دور في مساندة النظام معلوماتيا.
ويجب أن يكون واضحا أن اهتمام الولايات المتحدة المعلن بالديمقراطية لا يعني أنها لن تؤيد وبصورة قوية أحيانا نظما تسلطية ولا يعني أيضا أنها قد لا تضحي بهذا الاهتمام بل قد يصل بها الحال لضرب الديمقراطية إذا استدعى الموقف طالما ذلك في مصلحتها (حاله الجزائر مثلا)(21)
وكما جاء في تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية القومية في الولايات المتحدة: إن الولايات المتحدة تسعى للمحافظة على النظم “العلمانية” القائمة في بعض البلاد العربية حاليا وإن كان معظمها غير ديمقراطي ما دامت تلك النظم تدعم وتحمي المصالح الأمريكية في المنطقة، غير أن المساعي الأمريكية يجب أن تكون منضبطة وغير متهورة لدرجة التورط في صراعات داخلية بين الحكومة والإسلاميين، وحول مدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل العسكري في المنطقة لحماية مصالحها من الخطر الإسلامي يرى التقرير أن الإسلاميين ليسوا في مرحلة تكوين خطر حقيقي على أمريكا ومهما كانت عمليات الإسلاميين الإرهابية قوية ضد مصالح الأمريكيين في المنطقة فإنها لن تكون بالحجم الذي يقوض هيمنة واشنطن أو يضعف من وجودها (22)
ويعترف التقرير بأن الولايات المتحدة لن تملك التحكم في ضبط عملية التغيير فيما لو حصلت في إحدى الدول العربية لظروف تاريخية وسياسية وثقافية.
فعلى مدار عقود طويلة من صعود الدور الأمريكي عالميا بعد الحرب الثانية وطوال مرحلة الحرب الباردة انحسرت أهداف الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط في أمرين هما: البترول وأمن إسرائيل وعقب أنهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته الشرقية وتفكك/انحلال حلف وارسو صعد هدف ثالث على رأس أهداف الولايات المتحدة وهو نشر القيم الأمريكية أو بالأحرى منظومة الحياة الأمريكية Americans Way of Life وحاولت الولايات المتحدة في أغلب دول العالم إحداث اقتران رومانسي بين المصالح الأمريكية والقيم والتقاليد الأمريكية.
ولقد استطاعت الولايات المتحدة بواسطة التحكم في نتائج انتخابات أغلب دول العالم أن تجلب إلى السلطة قيادات جديدة تدعم المصالح الأمريكية وتقدس القيم الأمريكية وآليات السوق الحر. لذا فإن الولايات المتحدة تدعم تلك “الديمقراطيات” بلا حدود
ورغم أن الولايات المتحدة في حالة الدول الإسلامية في الشرق الأوسط لا تقلق بشأن مصالحها كثيرا لأن تلك المصالح مربوطة بشكل مباشر بالنخب السياسية الحاكمة سواء أكانت جمهورية أم ملكية (باستثناء ليبيا قبل تسليم القذافي لها أو العراق قبل احتلالها أو إيران قبل إعلانها تخصيب اليورانيوم أو ما يطلق عليهم في المصطلح الأمريكي الدول العاصية أو المارقة).
ولأن تلك النخب تدعم مصالح الولايات المتحدة فإن الأخيرة بدورها تدعم عروش الأولى في المقابل وتحاول بكل طاقتها الحفاظ على الوضع القائم فيها بشتى السبل الممكنة حتى لو كانت غير ديمقراطية.
فاتباع السبل الديمقراطية في تلك الدول قد يجلب إلى السلطة نخبة جديدة تهدد مصالح واشنطن بالإضافة إلى دعم الديمقراطية في دول الشرق الأوسط سوف يتيح كذلك قوة غير محسوبة للجماعات الإسلامية التي تجيد الوصول إلى أماكن التأثير عبر قنوات الانتخابات في تلك الدول(23)

ومن ثم فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى مصر “كدولة ونظام سياسي” لتأمين مصالحها في الشرق الأوسط وبذلك تضع الولايات المتحدة ثقل مصر الكبير في الاعتبار ولو قدر لها (لأي سبب من الأسباب) أن تنقلب على الولايات المتحدة فإن واشنطن ستجد من الصعوبة بمكان أن تظل متمسكة بمكانتها في المنطقة. لذا فإن الصراع هو بين مصالح الولايات المتحدة وهدفها في نشر القيم الأمريكية كالديمقراطية وحقوق الإنسان وإذا حدث التعارض فتقدم المصالح – طبعا- ذلك أن مسؤولي الإدارة الأمريكية وأن كانوا ينادون بضرورة ضمان نزاهة الانتخابات إلا أنه في بعض الحالات التي يتعارض فيها الدعم التقليدي الأمريكي مع مصالحها المادية فإنها تسقط – فورا – قناعها المساند للديمقراطية وتسعى لحماية مصالحها فإذا ما أفرزت انتخابات نتائج معادية للمصالح الأمريكية وصم ذلك النظام بعدم الديمقراطية.العنصران الثالث والرابع ربما كانا الحديث عنهما باعتبارها أدوات تتضاءل قدرتها على اتخاذ قرارات ذاتية حيث تمارس الولايات المتحدة قدرا هائلا من التأثير على مخرجات قرارتها، أي أنها في التحليل الأخير أعراض لأمراض أساسية لذا يتصور الباحث أنه إذا حلت المشكلة مع الولايات المتحدة يكون موقف هذين العنصريين من باب تحصيل الحاصل(24)

ثالثا: الإجابة عن أسئلة السيناريو الابتكاري(1) الدولة الإسلامية

1- العوامل المحددة للتقدم في السيناريو

أ – مشاهد ما قبل رفع الستار لقد طرح الباحث – من قبل – رؤيته حول مدى احتمالية تحقق السيناريو الابتكاري (1): الدولة الإسلامية، ومن الجدير بالذكر هنا بعد التسليم بإمكانية/احتمال تحقق سيناريو الدولة وإسلامية – بصرف النظر عن درجة تحقق هذا الاحتمال-تركيز الحديث فيما يمكن تسميته: “مشاهد ما قبل رفع الستار” بمعنى كيفية تحقق الاحتمال وهذا ينطبق على أي سيناريو من السيناريوهات الابتكارية كلها- فلو رفع الستار عن مشهد انقلابي/ عنيف ربما لتداعيات الصراع الداخلي أو لتدخلات خارجية من قوى تهدف – أو من مصلحتها – لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية للأطراف المناوئة أو التي تتلكأ في تكييف أوضاعها مع المتغيرات الجديدة من قبل ما يسمى قادة النظام الدولي. أو لعدم ترتيب عملية انتقال السلطة لشخص آخر مع بقاء النخبة كما هي أو محاولات “الشخص الأول” وضع ترتيب جديد لمجمل أوضاع النخبة بما يضر بفئات ليس من اليسير تجاهل مصالحها خاصة إذا كانت لهذه الفئات امتدادات خارجية أو بتعبير أدق إنها إمتداد داخلي لأوضاع خارجية كل هذا ربما جاز أن يغير المشاهد قبل فترة وجيزة من رفع الستار.

وكما أكدت دراسة أودنيل وشميتر الموسومة :
Transition From Authorities Rule

أنه لا يمكن أن يكون هناك تحول إلى الديمقراطية الحقيقية – بمعنى تداول سلمي للسطة عبر انتخابات حرة نزيهة – لا يكون ناتج بشكل مباشر أو غير مباشر عن انقسامات مهمة داخل النظام التسلطي نفسه وبالتحديد من خلال الانقسام والصراع داخل بنيه النظام بين المتشددين والانفتاحيين، بين صقور النظام المحافظة على الأوضاع الحالية كما هي وحمائمه الداعيين إلى التغيير والمبشرين بمرحلة جديدة (25) ذلك أنه وكما حدث في اغلب الحالات التي حدث فيها تحول ديمقراطي فإنه جاء نتيجة قرارات وأحكام من قطاعات مؤثرة من النخبة السياسية الحاكمة والتي أخذت على عاتقها إحداث هذا التحول.أما لماذا تحدث هذ الانقسامات داخل النخبة يمكن إرجاعها إلى عاملين:

أولهما: تأكل شرعية النظام
ويحدث لعدة أسباب منها: أنه قد يكون نجح بالفعل في التغلب على المشاكل التي أدت به في المقام الأول إلى وصوله إلى السلطة ثم فشل في التغلب على نوعية أخرى من المشاكل فتحولت إلى أزمات مزمنة تتحات بشرعيته فتتآكل معها، أيضا الأزمات الهيكلية التي يعيش بها مثل طريقة الوصول إلى السلطة، طريقة ممارسة السلطة، عدم الأخذ في الاعتبار مصالح مختلف الفرقاء السياسيين، جمود هيكل النخبة وعدم دورانها – تركيز وتركز الثروة بشكل كبير، كما أن زيادة الفجوة بين الاغنياء والفقراء تذهب بجزء كبير من شرعية النظام

أيضا تتآكل شرعية النظام إذا فشل في إداراك مهمته أو حدث تغير في القيم اجتماعية وأصبحت أقل تقبلا الحكم التسلطي – أي لم يعد مقبولا ما كان مقبولا من قبل – ومن أهم أسباب تآكل شرعية النظام بإطلاق “تمحور السلطة حول فرد” ثانيا : تقلص الموارد
وتعني تقلص قدرة النظام على الوصول إلى المقومات المادية مع ضعف قدراته القمعية وغالبا ما يكون سبب ذلك التقلص في الموارد هو تغييرات في البيئة الدولية أو الأقليمية (عودة العاملين في الخارج – ضعف تحويلات المصريين – طريقة الاستثمار في الداخل – أية قطاعات يتم التركيز عليها: خدمية أم انتاجية – تصور النظام لدور الدولة مثلا دولة سياحية: يكون التركيز فيها على الشواطئ والمنتجعات وبذلك نفهم سعي بعض البلدان أن تكون سنغافورة الشرق أو هونج كونج الشرق.ومن مجموع هذين السببين/العاملين يكون سبب انهيار شرعية النظام ونخبته السياسية الحاكمة.

وبالجملة يمكن إيجاز أهم التغيرات التي تحدث داخل بنية المجتمع “العوامل الداخلية” والخاصة بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية – تدفع به نحو عملية يتم فيها تداول سلمى للسلطة في:

تغير مطالب ومصالح المجتمع أو فئات مؤثرة فيه.
تغير القيم السائدة مما يؤدي إلى عدم احتمال ممارسات النظام القمعية “التسلطية أو تركيز السلطة في نخبة حاكمة تضيق قاعدتها لتستأثر بكل أو أغلب موارد النظام.
نمو المنظمات الرسمية وغير الرسمية داخل المجتمع وهذا النمو يشمل ازدياد مصادر تلك المنظمات مما يتيح لها استقلال أكبر الدول بل وتستقوي بالخارج لتعيد ترتيب توازنات الأوضاع الداخلية.

وكما توصل أودنيل وشميتر في دراستهما سالفة الذكر أن هناك نقطة تغير مهمة في التحول في بنية/ هيكل النظام بشكل سلمي وهي: حين تقرر بعض العناصر المتحالفة في النخبة مثل “ملاك الأرض والصناعيين والتجار ورجال الأعمال” : أن النظام التسلطي الحالي لم يعد وجوده ضروريا أو يمكن الاستغناء عنه أو إذا شكل وجود النظام عاملا مهددا بالنسبة لمصالحهم(26).ب – عوامل التعجيل برفع الستار

تتعدد العوامل التي تسهم في التعجيل برفع الستار عن “مشهد سلمي” ومنها ما هو خاص بذاتية النظام ونخبته الحاكمة سواء إن على صعيد تكاملها أو انقسامها وصراعاتها ومنها ما هو خاص بالقطاعات الجماهيرية مثل نضج الشعب وعدم تقبله لقيم تكرس الوضع الحالي القائم أو بلوغ الجماعات الوسيطة حدا يشجعها على المطالبة بالمزيد سواء بسبب ضعف النظام أو انكشافه أو بتداعيات الاستقواء الدولي عقب انتهاء الحرب الباردة وسقوط أو حل كل القضايا والمسائل العالقة بفعل الاستقطاب والصراع على مناطق النفوذ ووضع الأقدام.
إلا أن أهم عوامل التعجيل برفع الستار على الإطلاق هي توافر البديل ونضجة إن على صعيد الرؤى والاختيارات الفكرية والسياسية والتنموية أو على صعيد شبكة العلاقات الداخلية بين مختلف الفرقاء السياسيين وتواضعهم على صيغة في الإصلاح تتجاوز ما هو قائم أو على صعيد تقديم التطمينات الخارجية “ألا تمس المصالح الحيوية للقوى الخارجية” تلك القوى صاحبة تثبيت الوضع الحالي.

إن توافر ونضج هذا البديل ربما كان أهم عامل في التعجيل برفع الستار عن السيناريو الابتكاري الدولة الإسلامية كما يقدمة التيار السلمي على رأسه الإخوان المسلمين والملتفين حولهم دون أن يندرجوا في تنظيماتهم – رغم تعدد القوى والاجتهاد شبه الجماعية (المفكرون الإسلاميون المستقلون مثلا) أما أهم مظاهر قوة الإخوان المسلمين في حيازتهم لقدر غير قليل من مصادر رأس المال غير التقليدي فهي:
الأول: رأس المال الفكري: معبرا عنه في توفرهم على رؤية للإصلاح على عموميتها في جزء كثير منها وضبابيتها في أجزاء أخرى تغطي مختلف جوانب حياة المجتمع المصري، ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين كسائر هذا النمط من الجماعات البشرية الوطنية – جماعه تغيريه إصلاحية تعمل على سيادة منظومة أفكارها في المجتمع عبر وسائل الاتصال المباشرة والتبليغ والإعلام واستخدام المساجد كقواعد اعلامية لبث الدعوة ونشر مفاهيمها.ثانيا: رأس المال البشري: حيث تضم جماعة الإخوان نخبة من أفضل عناصر المجتمع وكفاءاته في مختلف المجالات ليس أدل على هذا من تجربة النقابات وفوز الإخوان الدائم في النقابات العلمية (أطباء – مهندسين – علميين – نوادي أعضاء هيئات تدريس الجامعات) بالإضافة إلى تمايز رأس المال البشري هذا إلى:

1 – قيادة ( مرشد عام – مكتب إرشاد – مسئولين محافظات – أعضاء مكاتب إدارية )
2 – هيكل إداري تنظيمي يربط الجماعة على مستويين:

أ- يربط القيادة العليا بالقيادات الوسيطة بالأفراد
ب – الربط المحكم للبنات الجماعة أو أفرادها

3 – أفراد (جماهير مؤطرة ومنظمة بشكل جيد)

وكما ترى نظريات الإدارة الحديثة أن الاستثمار في البشر هو أعلى عائد للاستثمار في أي نوع من أنواع الأصول.ثالثا: رأس المال التنظيمي بالإضافة إلى ما تملكة الجماعة من قدرات هائلة في الضم والتجنيد واستقطاب الاعضاء تملك الجماعة تراثا هائلا في التنظيم عبر الربط المحكم لمختلف أجزاء الجسد الحركي والهيكلة الشديدة لمختلف الأفراد وتأطيرهم.وفي هذا الأطار ينقسم الهيكل التنظيمي إلى:

قياده عليا ممثلة في المرشد ونائبيه وأعضاء مكتب الإرشاد ومسئولي المحافظات
هيكل إداري تنظيمي يربط جماعة الإخوان المسلمين على مستويات:

- ربط القيادة العليا بالقيادات الوسيطة مرورا إلى الأفراد العاديين (أسفل الهرم الإداري)
- الربط الحكم الأفراد الجماعة باعتبارهم “لبنات الحركة” ببعضهم البعض.
- القدرة الهائلة على الإحلال والتجديد في المواقع الإدارية والذاتية التي تناط بها المسئوليات إذا خلا الموقع من شاغله بفعل الموت أو الاعتقال أو حتى السفر.

تأطير أفراد الجماعة تأطيرا جيدا من خلال الوحدات الدنيا التي تتسع شيئا فشيئا باختلاف المستوى (محافظة – قطاع- منطقة – حي) مع التركيز على الوحدات الدنيا “الأسر الإخوانية” (أصغر وحدة تضم الأفراد) باعتبارها المماسك الذي يضم كافة أجزاء “الجسد الجماعي” وذلك عبر التعارف العميق والتأخي الشديد والتكافل الكامل مع التغذية المستمرة للولاء للقيادة العليا.
أما المظهر الثاني من مظاهر “قوة البديل” – بعد حيازه بعض عناصر رأس المال غير التقليدي- فهو القدرة الشديدة على التغلغل في البنى والمؤسسات الوسيطة سواء رسمية كانت أم أهلية (مثال للأول النقابات ومثال الثاني الجمعيات الأهلية الخدمية والخيرية)

2 – القوى الاجتماعية والنخبة الحاكمة

تتوقف طبيعية القوى الاجتماعية والنخبة في سيناريو الدولة الإسلامية على الطريقة التي ستقوم بها هذه الدولة ويمكن تصور ثلاث مسارات لها:الأول: تطور داخلي في هيكل السلطة وبنية نظام الحكم الحالي يصبغ به على نفسه “الصفة الإسلامية” وهذا التطور سيكون محكوما بأخرين:

توازنات القوى الخارجية ومصالح الأطراف
توازنات القوى الداخلية ومصالح النخبة السياسية

62 Views

عن

تعليقات

  1. naseem قال:

    بحث مهم جزاك الله خيرا

  2. naseem قال:

    الثاني: مشهد سلمى يقود التغيير ويأذن بإعلان الدولة الإسلامية المصرية
    الثالث: مشهد انقلابي يعلن اسلاميته وتكون نخبة الحكم هم القادة الجدد

    يقترب المسار الأول من الثاني في الطبيعة السلمية للتغيير مع اختلاف ترتيب هيكل النخبة وينفرد الثاني بأن تكون نخبة الحكم هي الجماعة السلمية التي ستتولى دفة جهاز الدولة وتسيير دولابها الإداري، وإذا كانت “نواة النخبة” هم كوادر وأفراد تلك الجماعة ورموز العمل العام فيها، فإن “محيط النخبة” أصحاب التوجه الإسلامي بصفة عامة ثم يأتي في المرتبة الثالثة من يطلق عليهم “الوطنيون” وهم قد يكونوا في اغلبهم تكنوقراط لا أيديولجية لهم ولا يمكن تصنفيهم مذهبيا أما الفئة الرابعة وهم “طبقة التكنوقراط” الذين تضطر الدولة الإسلامية إليهم لاتساع جهاز الدولة حيث يرفع شعار “إعادة صياغة الكادر القديم بالإسلام مع بقائه في منصبه”.أما عن المواقع: فإن موقع “نواة النخبة” هو الأجهزة الحساسة “عصب الدولة” كالأجهزة الأمنية والاستخبارات والخزينة ومراكز القرارات السياسيين في مختلف الوزارات.

    أما الفئة الثانية فمواقعها في الأجهزة الرسمية وما يشكل واجهات النظام العلنية والرموز العامة.

    ومواقع الفئة الوطنية تكون في المؤسسات الوسيطة والمراكز الرابطة بين قيادة الأجهزة الرسمية وأدنى السلم الوظيفيوالفئة الرابعة تشغل مواقعها في مختلف أجزاء الجسد الحكومي المنتشر عبر إقليم الدولة ومحافظاتها ووزارتها وهيئاتها الحكومية.لقد كان أهم دروس العمل النقابي الإسلامي التي يجب أن يعيها الإخوان المسلمون جيدا هي:

    أن عقلية الغلبة والاستئثار تؤذن بالزوال، وأن الانفراد لا يضمن الاستمرار وأن علم “تكوين الجبهات المتآلفة” والمتفقة على المباديء الأساسية والخطوط العامة هو علم أحوج ما تكون إلية الحركة الإسلامية أو دولتها المستقبلية حيث تجمع تلك الجبهات نخبات مختلف ألوان الطيف السياسي كما أن أهم درس مستقبلي للدولة الإسلامية هو أن تفرق نخبتها الحاكمة بين عقلية الحزب السياسي وعقلية إدارة الدولة وأن كل تجارب الفشل في منطقتنا نبعت عندما أديرت الدول بعقلية الحزب السياسي (بل وأحيانا بمنطق القبلية) وإذا كانت الدولة – أي دولة – نزاعة نحو التسلط فإن الحل الإسلامي لمعادلة تسلط جهاز الدولة هو تقوية المجتمع من خلال:

    تقوية أفراد ومؤسساته وجماعاته
    تقوية الأفراد من خلال العقيدة والإيمان.
    تقوية الأفراد بقيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    تقوية الأفراد بحق الشورى وإعطاء البيعة وسحبها (27)

    3 – تنظيم الجهد التنموي في الدولة الإسلامية

    يرتبط تنظيم الجهد التنموي في الدولة الإسلامية بمصفوفة النظم الإسلامية حيث يصعب الحديث عن
    نظرية تنموية معلقة في الهواء أو منبتة الصلة عن أساسها العقيدي، ومتشابكات مجال التنمية مع بقية

    مجالات الحياة ولعل ذلك هو ما يصبغ النظرية الإسلامية في التنمية بالتميز الثقافي .ومن أهم الأسس العقيدية للنظام الاقتصادي الإسلامي:

    1 – مفهوم الاستخلاف بمعنى أن الملك لله وحده ومن ثم فالمال مال الله والبشر مستخلفين فيه “وآتوهم من مال الله الذي آتاكم” (النور 33)
    2 – تسخير الله تعالى مخلوقاته لنفع الإنسان
    3 – الدنيا وسيلة لا غاية
    4 – فطرية النظام الاقتصادي في الإسلام (28) ومن مظاهر هذه الفطرية:

    - إقراره بحق الإنسان في الملكية الخاصة
    - إقراره بنظام الأرث
    - إقرار بحق الإنسان في التمتع بثمرات الجهود

    أما أهم أهداف التنمية في الإسلام- تحقيق المعنى الشامل للعباده “وما خلقت الجن والأنسن إلا ليعبدون” (29)

    - سيادة شرع الله في تنظيم حياة المسلمين
    - العدالة الاجتماعية ممثلة في:

    - تهيئة سبل العمل للقادرين
    - التأمين/ الضمان الاجتماعي ضد العجز والشيخوخة
    - إعالة المحتاجين من مواطني دولة الإسلام (مسلمين وغيرهم)
    - التكافل الاجتماعي الطوعي، ذلك أن هناك حق في المال سوى الزكاة ( ولقد افتى الأمام أبن حزم أنه إذا مات رجل جوعان في بلد اعتبر أهله قتلة وأخذت منهم دية القتيل)


    وهكذا فإن نجاح الدولة الإسلامية في نظريتها التنموية مرتبط بـ :
    الأساس العقيدي الذي يعطي لعملية التنمية ديمومتهاالأساس الأخلاقي الذي يعلي قيمة المجتمع الأهلي وقوانينه الحاكمة الاساس المادي وهو ما نفرد له الحديث التالي:



    معالم البرنامج الاقتصادي:دائما ما ينتقد التيار الإسلامي في مجمله والإخوان المسلمون على وجه الخصوص لافتقادهم إلى برنامج مفصل للإصلاح يتعامل بالأساس مع المشكلات الاقتصادية الهامة في المجتمع ممثلة في:

    - تدهور الاقتصاد
    - تدني مستوى المعيشة

    إلا أن الحقيقة كما تقول سناء عابد قطب إن الإخوان لهم فعلا برنامج (30) نزلوا على أساسه انتخابات 1987 عبر التحالف الإسلامي ونزلوا على أساس معالمه انتخابات 1995 (الفردية) (وإن شابت هذا البرنامج كثير من الملاحظات الجوهرية كما شابت البرنامج الذي تم نشره في 2005). حيث تعلوا أهمية الاعتبارات الاقتصادية كل كتابات الإخوان الحالية كأساس ضروري للنظام الإسلامي، ومرجعيتهم في ذلك إن المجتمع القائم على أساس إسلامي عليه:

    1- أن يوفر الأمن الاجتماعي لكل مواطنيه
    2- يعمل على تضييق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات
    3- زيادة الإنفاق لدعم الفقراء وذوي الحاجة في المجتمع
    4- دعم الرفاه الاقتصادي بين المواطنين
    5- احترام الملكية الخاصة
    6- فرض المتطلبات اللازمة لجعل كل الكيانات الموجودة في السوق منتجة
    7- الزكاة كوسيلة لإعانة غير القادرين على الكسب

    8- دور الدولة في تملك وإدارة بعض المؤسسات والشركات الحيوية كما حددت آن ليش Ann Lesch مطالب الإسلاميين في التنمية الاقتصادية في النقاط التالية:

    - عدم التخلي الكامل عن القطاع العام
    - العمل على رفع إنتاجية مؤسساته
    - أن يعمل القطاع الخاص كداعم للاقتصاد المصري
    - نظام بنكي بدون فوائد
    - الزكاة
    - الاستقلال والبعد عن التدخل الأجنبي في الاقتصاد
    - وحدة سائر اقتصادية بلدان العالم الإسلامي(31)

    رابعا[COLOR=#800000]: [FONT=Arial (Arabic)]تفاعلات الدولة الإسلامية في محيط الدائرة الشرق أوسطية


    1 – عقب فتح الستار عن الدولة الإسلامية المصرية


    ليس فقط لاعتبارات التاريخ والجغرافيا – وهي اعتبارات حاكمة – ولكن أيضا لاعتبارات المصلحة العقائدية والسياسية والاقتصادية لا يملك مشروع الدولة الإسلامية المصرية فكاكا من واقعه الإقليمي الذي يفرض عليه التعامل مع الدائرة الشرق أوسطية،هذا التعامل ينبني على:

    - إدراك الدولة الإسلامية المصرية لذاتها بمعنى:

    - فهم أبعاد الدور الإقليمي ومقتضياته
    - فهم حدود القدرات والإمكانات الذاتية الحالية والمتوقعة
    - إدراك حيوية الموقع والمكان
    - تصور تشابكات العلاقات الدولية والإقليمية
    - كيفية التعامل مع العداوات والصدقات المورثة
    - دوائر التحرك المتوقعة (سلبا أو إيجابا) داخل الدائرة الشرق أوسطية

    - إدراك الدولة الإسلامية المصرية للآخرين بمعنى:

    - فهم مصالح الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة
    - كيفية إدارة المشكلات الإقليمية

    ومن ثم سيرفع ستار الدولة الإسلامية المصرية عن “تركه مزدوجة مثقلة بالمنافع والمضار:

    من ناحية المنافع فهي تركة غنية بالبشر والموارد والقدرات وشبكة العلاقات الإيجابية ومن ناحية المضار فهي تركة مثقلة بالتهديدات الداخلية والخارجية، والمطامع ومنازعة الدور من القرناء والمماثلين ومحاولة توجيه ذلك الدور من الأطراف الكبرى أو إن شئنا الدقة من الطرف الأكبر وهو الولايات المتحدة.

    ومن ثم تجد الدولة الإسلامية المصرية نفسها في مأزق توازن علاقات مع طرف مهيمن في مواجهة متطلبات عقائدية أو فكرية وهو ما نطلق عليه “الأبعاد العقائدية للعلاقات غير المتكافئة”، فهي لكي تستمر في أيامها الأولى لابد من إبداء قدر كبير من المرونة أو – البراجماتية – وإعلان التزامها بالمعاهدات الدولية والاتفاقات السابقة وإعلانها الحفاظ على المصالح والأوضاع القائمة وخاصة الحفاظ على مصالح الآخرين – الذين يستطيعون حماية مصالحهم بأنفسهم.. ليكون التساؤل المحوري الذي يشغل به قادة ونخبة الدولة الإسلامية وسيشغل قواعدها:
    إذا كان مشروع الدولة الإسلامية هو في جوهره انعتاق من أسر علاقات ظالمة غير متكافئة وهي أقرب إلى اتفاقات الاملاءات والإذعان حيث يفرض الطرف الأقوى شروطه فكيف يكرس ذلك المشروع –الدولة الإسلامية – نفس تلك القواعد في علاقاته؟

    وفي نفس الوقت كيف تقوى دولة إسلامية ناشئة على مواجهة طرف يستطيع إجهاض تجربتها سريعا لو أراد ذلك في حالة تشكيلها تهديدا جديا لمصالحة الحيوية بشكل مباشر؟وفي الحالتين ملومة:

    - إن تكيفت مع الأوضاع القائمة اتهمت بالبراجماتية وعدم المبدأية أو خيانة مشروعها .
    - وأن قاومت اتهمت بالجمود وعدم استيعاب المتغيرات الدولية وطبيعة العلاقات بين الدول خاصة إذا تفاوتت قدراتها تفاوتا كبيرا.

    - وإذا كان كل إدراك للذات وللآخرين يترتب عليه “مواقف للذات” و”مواقف من الآخر” ذلك أن العمل السياسي كله وبالنسبة إلى جميع الأطراف – بغض النظر عن طبيعة كل طرف وأهدافه وموقعه في الصراع – يتلخص في التقدير الدقيق للموقف، وهذا يشمل التقدير لموزين القوى الراهنة ولاتجاهات تطورها اللاحقة ولعمل مختلف الأطراف من خلاله ومن ثم كيفية إدارة الصراع تبعا لهذا التقدير (32) ثم إن هذه المواقف قد يتم التعبير عنها بصورة حدية جذرية (راديكالية) أو بصورة تدريجية واقعية تتواءم مع مقتضيات توازن القوى الراهن والمحتمل وعلاقات المصالح الآنية والمستقبلية.
    - هذه المواقف تتجلى في شكل علاقات مع أطراف، ربما تكون في شكل تعاوني (اتفاقات– معاهدات– أحلاف) أو في شكل صراعي (تهديدات – احتواء – حروب) أو في شكل هو مزيج بين التعاون والصراع تحدد وجهته بوصلة المصلحة ودرجتها أو منافعها الحدية (ما إذا كانت مصالح يمكن التفاوض بشأنها أم لا يمكن التفاوض بشأنها) وفي هذا تنقسم العلاقات إلى:

    - علاقات مع أطراف دولية- كالولايات المتحدة – الاتحاد الأوربي – المنظمات الدولية سواء كانت أمم متحدة أم مؤسسات تمويل دولية.
    - علاقات مع أطراف إقليمية بحكم الجغرافيا والتاريخ كدول الجوار الجغرافي إيران – تركيا – أثيوبيا – أو بحكم الأمر الواقع “الكيان الصهيوني”

    - هذه العلاقات تترتب عليها سياسات مثل سياسات الدولة الإسلامية المصرية تجاه عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي وما يتتبعها من محاولات قيام أسوق على أساس إقليمي مثل “الشرق أوسطية” أو سياساتها تجاه الأمن في الخليج أو الأزمة العراقية
    - وإذا كانت دراسة تفاعلات الأطرف في أي عملية بحثية ممثلة في: الإدراك والمواقف والعلاقات والسياسات تتم في شكل مسارات ثنائية أو متعددة يحرك الباحث طرف (إدراك – مواقف – علاقات – سياسات) ويثبت بقية المسارات سواء الثنائية أو المتعددة إلا أن هذا لا يحدث –بالضبط – في عالم الواقع المركب الحي المتفاعل إذ نجد أن كلا الطرفين من أطراف الدراسة أو العلاقة (الطرف موضوع البحث والأطراف الأخرى ومساراتها) في حالة حركة دائمة وتبدل في الرؤى والاختبارات والمواقف والعلاقات والسياسات بشكل مستمر حيث تعبر تلك الحركة الدائمة عن نفسها في نوعين من الشبكات:

    - شبكة العلاقات التعاونية الدائمة والمؤقتة (تحالفات)
    - شبكة العلاقات العدائية الدائمة والمؤقتة (صراعات)

    - وكلا الشبكتين تتمايزان في عالم الواقع لكن لا تنفصلان حيث تتبدى في مواقف وتنزوي في أخرى لذلك يفضل الباحث صياغة نموذج الدولة الإسلامية المصرية على طريقة اللقطة المتحركة البانورامية المجمعة وهي لقطة حية ومتحركة في رؤاها وأفكارها، في حركاتها وسياستها، في علاقاتها وتفاعلات أطرافها.2- تفاعلات علاقات وسياسات الدولة الإسلامية المصرية في الدائرة الشرق أوسطية

    لأن قناعة الباحث مبنية على أن علاقات الدولة الإسلامية المصرية مع الولايات المتحدة هي “علاقات أم ” أو “علاقات منظومة” لكلا الطرفين فهي التي تشكل مجمل علاقات الدولة الإسلامية المصرية في مراحلها الأولى وربما يكون عدم التوفيق في إدارتها هو السبب في إنزال الستار سريعا على نموذج الدولة الإسلامية المصرية.
    وذلك يعود في جوهره إلى عاملين:

    الأول: الهيمنة الأمريكية على العالم وخاصة على منطقة “الشرق الأوسط” (33)
    الثاني: الدور الإقليمي لمصر الإسلامية والذي تقوم به بحكم الغريزة (34)

    فإذا نظرنا إلى أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة نجد أن معظمها ينصب على منطقة النفوذ أو المجال الحيوي للدول المصرية – أيا كان النموذج الذي يشغلها- أما أهم هذه الأهداف والمتركزة في ما يطلق عليه منطقة الشرق الأوسط فهي:

    - تأمين تدفق البترول بأسعار مناسبة بالنسبة للولايات المتحدة وكامل المنظومة الغربية
    - حماية الحلفاء واستقرار المنطقة وتأمين طرق المواصلات
    - أمن إسرائيل ووجودها المطلق
    - فرض نجاح عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي
    - فرض منظومة القيم والأفكار الأمريكية والخاصة بطرائق الحياة وأنماط العيش

    ويترتب على عامل الهيمنة الأمريكية في الدائرة الشرق أوسطية أمور تحدد موقف الولايات المتحدة من الدولة الإسلامية المصرية:

    أولها: تعاطي الدولة الإسلامية المصرية مع مصالح الولايات المتحدة بداية من مصر وثانيا في منطقة الشرق الأوسطثانيها: موقفها من إسرائيل (الأمن – الوجود – التهديد)

    ثالثهما: موقفها من عملية التسوية السلمية وما يستتبعها في التصور الأمريكي والإسرائيلي من قيام نظام سوق شرق أوسطية – ونظام شرق أوسط كبير وموسع مرحلة لاحقة أو جديد بعد ذلك.
    - أن تصور الولايات المتحدة لدور مصر باعتبارها أحد الدول المحورية Pivotal states في منظومة العلاقات الأمريكية (إسرائيل – السعودية – تركيا – باكستان) مبني أساسا على تصور الولايات المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط حيث عبر عن هذا التصور ريتشارد بيرت – من كبار المسئولين في إدارة ريجان والمتخصص في الشؤون الخارجية- بقوله: إننا ننظر إلى حالة الشرق الأوسط بما في ذلك الخليج على أنه جزء من مسرح سياسي واستراتيجي أكبر والخليج عندنا هو المنطقة التي تصل حدودها إلى تركيا وباكستان والقرن الأفريقي ونحن نعتبره “أي الشرق الأوسط” وحده استراتيجية تتطلب معالجة شاملة لضمان توازن قوي تتفق ومصالحنا (35)
    فإذا قامت الدولة الإسلامية المصرية وهددت المصالح الأمريكية تهديدا جديا لا يٌحتمل، يتصور الباحث أن يكون رد الفعل الأمريكي – وذلك من تجارب الولايات المتحدة مع المناوئين أو ما تسميهم “الدول العاصية أو المارقة” هي:

    - سياسة الاحتواء الخارجي (نموذج إيران – العراق) ثم ( تهديد إيران – احتلال العراق )
    - إثارة القلاقل الداخلية من الموالين فكريا وحضاريا للغرب (نموذج الجزائر)
    - إثارة المشاكل الإقليمية من دول الجوار الجغرافي (نموذج السودان) دارفور

    في المقابل نجد أن نجاح الدولة الإسلامية المصرية في تجاوز هذه “الدولة العقبة” واقتحامها أو إبطال مفعول دورها السلبي يتمثل في:- القراء الصحيحة من جانب أجهزة صنع السياسة الخارجية للبيئة التي تعمل أو تنشط في إطارها وهذه البيئة ثلاثية التكوين وهي:

    - بيئة دولية وعالمية
    - بيئة إقليمية
    - بيئة محلية داخلية

    - واقعية ترتيب الأولويات والاختيارات النابعة من التعامل مع هذه البيئة ومن تفاعل العناصر الثلاثة المكونة للبيئة مع بعضها البعض
    - التوازن الدقيق نتيجة للإدراك الصحيح والقرارات الواقعية فلا يحدث مثلا ما حدث لروسيا السوفيتية عندما أعطت العنصر الدولي في بيئتها أهمية فاقت بكثير الأهمية المعطاة لبيئتها الإقليمية (أواسط أسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي الأخرى تحت وهم أنها بيئة مضمونة ومستقرة) والداخلية (الرأي العام والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تحت وهم أنه محصن ومقتنع إن لم يكن مؤمنا) (36)
    - منع تسرب الاتجاهات السلبية داخل القطاعات المؤثرة في الرأي العام المحلي
    لذلك يبدو استمرار الستار مرفوعا على الدولة الإسلامية المصرية مرهونا بحسن تعامل لنخبة الحاكمة في هذا
    السيناريو مع دوائر علاقات ثلاث ترتيبهم حسب الأهمية كما يلي:

    الدائرة المحلية: فعلى الدولة الإسلامية المصرية أن تدرك:

    - الظروف المحيطة بالمجتمع من حيث قدراته ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية واتجاهات الأفكار والمصالح فيه
    - تركيبة المجتمع وتعدديته الحضارية والثقافية
    - حرص الاتجاهات المعارضة على مصالحها المادية – هذا إن تنازلت عن بعض مصالحها المعنوية كالأفكار وأنماط الحياة-

    الدائرة الدولية: خاصة العلاقات مع الولايات المتحدة ومحاولة تغير موقفها لصالح الدولة الإسلامية المصرية باعتبارها لن تكون تجربة إيرانية ثانية، وإدراك أن ما شكل تصور الأمريكيون لما أطلق عليه الإسلام السياسي هو:


    - تجربة الثورة الإسلامية في إيران ومشكلة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979
    - الخوف من الإرهاب وتفجير مركز التجارة العالمي وسلسلة عمليات التفجيرات في 11 سبتمبر وما بعدها
    - وسائل الإعلام الضخمة Multi Midea التي تشكل الرأي العام العالمي
    - دور إسرائيل وأصدقائها في الولايات المتحدة (جماعات ضغط وجماعات مصالح)
    - موقف الكونجرس (37)

    الدائرية الإقليمية:


    خاصة دول الجوار الجغرافي بحكم الموقع كإثيوبيا وإمكاناتها على تشكيل تهديد لمصر في منابع النيل، وبحكم التاريخ وتنازع الدور الإقليمي (كإيران وتركيا) وبحكم الأمر الواقع (كإسرائيل ومحاولاتها بل ونجاحها أحيانا كثيرة في تقليص الدور الإقليمي المصري)

    وكما سبق فإن اختيار الباحث لصياغة السيناريو الابتكاري: الدولة الإسلامية، حيث يشكل الإخوان
    المسلمون القوى الغالبة على نخبة الحكم فيه يجعلنا نجتهد في بناء نموذج يحاكي الواقع المتعين ليس في دراسة
    السياسات والعلاقات باعتبارها علاقات ثنائية أو حتى متعددة ولكن في محاولة التقاط “صورة بانورامية
    مجمعة” بحيث تكون “صورة حية” تتحرك فيها مختلف الأطراف وتتبدل الرؤى والاختيارات بحيث يؤثر
    كل منها في الآخر؛ فإذا قمنا بدراسة سياسات معينة فتستدعي إلى الذهن ومن ثم إلى التحليل بقية السياسات وعلاقات أطرافها وهذا أصدق ما يكون تعبيرا عن الواقع، فلا يمكن فصل سياسات الولايات المتحدة الشرق أوسطية وأهدافها عن عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي أو أمن إسرائيل وحماية البترول أو تأمين إمداداته أو عن الأزمة العراقية وما يرتب لعراق ما بعد صدام أو للمملكة السعودية بعد فهد أو لسوريا بعد الأسد. وكما في العمليات الرياضية الخاصة بالتباديل والتوافيق تتعدد الاحتمالات بحسب التغيير في كل عنصر من عناصر المعادلة
    لذلك فإن اختيار الباحث سينصب على دراسة علاقات الدولة الإسلامية المصرية مع الولايات المتحدة
    وإدخال كل عناصر المعادلة من سياسات (تسوية سلمية ونظام شرق أوسطي وأمن الخليج والأزمة في
    العراق) وعلاقات مع بقية أركان النظام الدولي وما يحكم العلاقات الدولية من هيمنة واتفاقات إذعان
    وإملاء وتصور أن تغير الأوضاع في تركيا وإيران أو في “الكيان الإسرائيلي” سيغير مجمل علاقات الصورة
    كلها، وفي هذا الإطار تشكل الدولة الإسلامية المصرية وهي أحد أركان “الدول المحورية” الاستقرار في
    منطقة الشرق الأوسط تهديدا رباعي العناصر:

    - تهديدا لاستقرار الدول النفطية ومنابع النفط فيها
    - تهديدا لأمن إسرائيل ووجودها
    - تهديدا لاستمرار عملية السلام في الشرق الأوسط
    - تهديدا لفرض نمط الحياة الأمريكي

    وبالجملة تهديدا لأهم المسارح الاستراتيجية للسياسة الأمريكية في منطقة نفوذ تاريخي ومجال حيوي هام وهي “منطقة الشرق الأوسط” فقيام الدولة الإسلامية المصرية يشكل تهديدا للدولة السعودية لأنه سينازعها نفس الشرعية الدينية بل لو أمكن لهذه الدولة الإسلامية الناشئة أن تتخذ مواقف وسياسات أكثر استقلالية وأبعد عن الهيمنة فسيشكل ذلك إحراجا للمواقف السعودية المبالغ في قبول الأوضاع الحالية والتكيف معها.
    وستتوقف اكتمال عناصر الصور على الموقف السوري فكما يعلمنا التاريخ أن محور الحجاز الشام القاهرة ما إلتئم إلا وتغير وجه المنطقة وارتفعت مقاومتها واستعصت على الاحتواء
    يقول المستشار طارق البشري – أو الحكيم البشري كما يطلق عليه أستاذنا سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل: “ونحن نعلم من التاريخ أن ما من دولة مستقلة في هذه المنطقة التي توجد بها مصر إلا وقامت قاعدة استقرارها على مثلث مصر والشام والحجاز وأن ما من دولة مستقلة في هذه الأركان إلا وسعت للتواجد في الركنين الآخرين وأن هذا السعي كان لاستكمال العناصر الأساسية للوجود المستقل الفعال وكان هذا استجابة لمقتضيات الجغرافيا السياسية التي جعلتها منطقة ذات أمن ومصير واحد إزاء الأخطار الخارجية(38)
    ومن ثم تكون منطقة الخليج (الحجاز) أحد مناطق تجليات الصراع الإسلامي الأمريكي، هذا إذا أخذت العلاقة أبعادا صراعية وتكون أحد مناطق التنافس أو “وضع الأقدام” إذا أخذت العلاقة بعدا سياسيا سلميا وفي كل الأحوال تتوقف العلاقة على موقف:

    - كل من دول الخليج ذاتها أو تحديدا السعودية
    - الموقف الإيراني تعاونا أو صراعا
    - الموقف التركي تعاونا أو صراعا

    - الموقف الإسرائيلي تكيفا أو تمردا
    ذلك أن من أهم سياسات الدولة الإسلامية في مصر:

    مقاومة الهيمنة الأمريكية
    [COLOR=#003366] استمرار الصراع مع إسرائيل ولو بأشكال مختلفة

    مقاومة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي بكل الصور والأشكال






    - بالنسبة للعنصر الأول يمكن التفرقة في شكل المقاومة الذي يتحدد بالتبعية على شكل المعركة الأساسية وذلك في حالتين:

    - تسليم الولايات المتحدة للأمر الواقع في مصر الإسلامية ومحاولة احتواء النفوذ وعدم تركها تتوسع خارجيا.
    - عدم استسلام الولايات المتحدة لقيام الدولة الإسلامية في مصر وتهديدها بالضغط عليها وإثارة القلاقل من حولها وداخلها أو بلوغ محاولات التحجيم حدا يتهدد به كيان الدولة الناشئة واستقرارها واستمرارها ومن ثم إنزال الستار سريعا على سيناريو الدولة الإسلامية في مصر وإنهاء التجربة مبكرا

    سواء في أي من الحالتين سيكون أمن إسرائيل وبقائها بعد تأمين مصادر البترول على رأس أولويات السياسة الأمريكية للتعامل مع الوضع، ثم يأتي في الدرجة الثانية إبطال مفعول “نظرية الدومينو” وحماية استقرار واستمرار بقية الدول المحورية ولو بالقوة المستترة إن أمكن، فإن تعذر فبالقوة السافرة وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عن نظام شرق أوسطي كما رسمت خطوطه إسرائيل هذا إذا أمكن الحديث عن “نظام” أصلا كما رسمت خطوطه الولايات المتحدة.
    إذ بدخول فاعلين جدد وعلاقات جديدة تكون صورة الشرق الأوسط قد تغيرت تماما.

    لقد عبر شيمون بيريز عن تصور قسم كبير من ساسة إسرائيل وعسكرها للنظام الشرق أوسطي.. بقوله: “من المستحيل التفكير فقط في الدفاع عن الحدود وإغفال ما يجري في الأماكن البعيدة ومن غير المعقول أن يصلنا صاروخ من بعد ألف كيلومتر بينما نشغل أنفسنا برسم حدود على بعد ثلاثين كيلومترا من مركز وجودنا “فالمطلوب اليوم ليس حدود قابلة للدفاع بل أبعادا قابلة للدفاع. وبكلمات أخرى علينا أن نبني شبكة من العلاقات السياسية يكون بمقدورها تغطية كل مواقع الخطر في شبكة العلاقات العسكرية المجردة” (39) .
    إن تلك النظرة الأمنية تقوم على توظيف شبكة ومنظومة الترتيبات السياسية والاقتصادية الشرق أوسطية لبناء تلك الأبعاد والأعماق دون الاقتصار على المفهوم التقليدي والضيق للأمن القائم على الدفاع عن الحدود الجغرافيا فقط(40) وفي هذا الإطار يقوم النظام الشرق أوسطي المقترح والذي ستعمل على إفشاله الدولة الإسلامية المصرية على ربط القوة الاقتصادية العربية (النفط والمياه –السياحة – العمالة) بالاقتصاد الإسرائيلي ويرتكز المنطق الاستراتيجي لإسرائيل في الخصوص على مقولة مفادها أن تنمية شبكة واسعة ومتنامية من “التشابكات الاقتصادية” بين اقتصاد إسرائيل واقتصاد الدول العربية من شأنها أن تجعل “كلفة الانفصال” عالية جدا بالنسبة إلى أي طرف عربي يفكر في الانسحاب أو الانفكاك من الترتيبات الإقليمية الجديدة ولعل متابعة المؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية تثبت صدق تلك الرؤية (41)

    تقوم الرؤية الأمريكية للنظام الشرق أوسطي على:- بناء تعاون إقليمي في الشرق الأوسط استنادا على مرتكزين أساسين: الجغرافي والاقتصادي كبديل عن التعاون الإقليمي المبني على أساس قومي يشمل هذا النظام الإقليمي الجديد “الشرق الأوسط”:

إلى الأعلى