الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الفلسفة والمنطق » التجديد في تعليم الفلسفة من وجهة نظر عربية إسلامية – زهير الخويلدي

التجديد في تعليم الفلسفة من وجهة نظر عربية إسلامية – زهير الخويلدي


التجديد في تعليم الفلسفة من وجهة نظر عربية إسلامية

8715.imgcache التجديد في تعليم الفلسفة من وجهة نظر عربية إسلامية   زهير الخويلدي

زهير الخويلدي

إن أزمة الوجود التي اجتاحت اليوم العالم العربي إلى حد أنها شغلت بال المفكرين لم تكن قدرا محتوما وان فهمها والغوص في كنهها لا يتسنيان لنا إلا بإحالتها على هذه الخلفية النظرية والعملية المتآلفة من غائية التاريخ العربي الإسلامي. وان هذه الغائية لا يمكن الكشف عنها إلا بواسطة الفلسفة وحسن تعليمها وذلك لأن العالم العربي نشأ عن جملة من المعاني الصادرة عن دور تفكري وقولي بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة.
إن أزمة الوجود في العالمين العربي والإسلامي ليس لها إلا مخرجان:
1 ـ فإما أن يضمحل هذان العالمان باغترابهما أكثر فأكثر عن جوهر معناهما العقلاني الديني الذي هو كنه وجودهما فيقعا بذلك في الحقد على الفكر
و تضييق معنى الوحي ويسيران إلى الظلمة والوحشة.
2 ـ وإما أن يبعثا من جديد بفضل عمل بطولي يقوم به العقل ويرتكز على تأويل الشرع بتدبر التراث و تحويل الضاد إلى مقام للوجود في العالم للتغلب بصورة حاسمة على التلفيقية الغائمة و التحجر الفارغ.
بيد أن أزمة الوجود عند العرب بينت بالواضح ما تمثله الفلسفة من خطورة على حياة الأمم سواء إذا حظر تدريسها أو درست بشكل سيئ. إن حياتنا اليومية قد تتأثر بالأحداث الفلسفية حتى تلك التي تبدو لأول وهلة طفيفة وليس لها معنى.كما أن الفلسفة هي وحدها القادرة على فتح حوار حر وعميق حول
قضايا المستقبل وهي وحدها التي بإمكانها إبداع إمكانيات أرحب للوجود.
هكذا يكون الحديث عن الفلسفة و التربية تنبيها على خطورة الموقف و بؤس الأوضاع في المجتمعات التي يكتسحها الطغيان والتزمت عندما تتعرض إلى فترات اضطهاد للفكر وخنق للحرية وقتل للمدارك الطبيعية للبشر إبرازا إلى ما ينتظر الشعوب من شقاء عندما يهون الفكر فيها ويمتهن أو عندما ينتشرفيها البغاء العقلي ويطارد الفلاسفة وتحاصر كتبهم.
إن الفلسفة عبر تاريخها الطويل لم تعرف فترة من الهدوء والاطمئنان بل كلما سجلت انطلاقة جديدة وبعث إلا وتعرضت لأشكال جديدة من المنع والمحاصرة ونظر إليها على أنها خطر يهدد الأمم, تزعزع أركان النظام القائم وتبحث عن مثل أعلى يفتح للإنسان آفاق جديدة للرقي والتقدم.
إن طبيعة الفلسفة هي أن لا ترتاح إليها السلطات(السياسية, الدينية, الاجتماعية) التي لا يعنيها غير الحفاظ على امتيازاتها ولذلك فهي تشجع الركود وتبرر ماهو سائد, في حين تحافظ الفلسفة على ما في الإنسان من نزوع دائم نحو ممارسة حرية التفكير والتعبير وتنتهج طريقا مخالفا للتفكير السائد إذ تقض مضاجع المستسلمين وتثور على الواقع فهي في جوهرها تحير وسؤال ونزوع إلى القيم المثلى.
اللافت للنظر أنه ثمة أزمة في فلسفة اليوم تمظهرت في ثوب تأزم التعليم الفلسفي, والحق أزمة الفلسفة قد بدأت منذ البواكير الأولى لانبجاس القول الفلسفي وتجلت في مستوى علاقة الفكر بالأرض والعقل بالناس وما تزال متواصلة إلى حد اللحظة الراهنة .
وقد عبر أحد الطلاب عن هذه الأزمة عند ما اكتفى بكتابة هذه الأسطر في احد الاختبارات الجامعية في شعبة الفلسفة :
“إن المتعة في برامجكم التعليمية, ندخل مع كل درس داخل كهوف رمادية يكسوها الغبار, جدرانها مكتسية بأنسجة عناكب رهيبة ومقرفة, نسمع صدى أصوات قادمة من وراء خط الزمن, صادرة عن هياكل عظمية تآكلت رؤوسها ونقشت أطرافها, نقرأ نقوشا حجرية بلغة لانفهمها بل ولا نراها. هناك لا نجد مرايا نرى فيها أنفسنا, نحاول إصدار صوت ,فلا نتذكر لغتنا بل ولا نستطيع حتى فتح أفواهنا وان أردنا أن نكتب فان أيدينا مشلولة عما نريد كتابته وكأننا أطفال يجهلون الأبجدية فيأتي شخص آخر من غير زماننا ليمسك و يخط بأقلامنا أشياء و أشكال لسنا نعرف معانيها و ليس تعرف معانينا. هناك نخضع لغير إرادتنا, نسمع غير أصواتنا, نتكلم غير لغتنا…لذلك فمن يدخل الكهف ,عفوا الدرس, يكون لاشيء بل و لا يكون, فلم تطلبون منا أن نتكلم و نحن أصنام…”[1]
فهل هذا التأزم الدائم ناتج عن طبيعة الفلسفة أم أنه صادر عن طبيعة الناس الذين تتوجه إليهم؟
هل ستفضي هاته الأزمة إلى تضييق الخناق عليها أم تنذر بانطلاقة جديدة تقوم على نبذ التفاهات والاهتمام بالجوهر؟ هل أن تعثر كل التعلميات يؤدى إلى تقلص ظل الفلسفة أم هو إثبات لها وتنشيط لآلياتها وتجديد لكينونتها ؟
هل تعود أزمة الفلسفة إلى إخفاق في نقل الإبداعات الفلسفية الغربية إلى اللغة العربية و تعذر الترجمة أم إلى استحالة ملا ئمة هذه الإبداعات للبيئة الثقافية المحلية و الأهلية؟
ماهي شروط إمكان تأسيس تعلمية فلسفية ناجحة؟
هل التجديد ممكن في ميدان تعليم الفلسفة في الفضاء العمومي للعرب؟
كيف يمكن إنجاح عملية تعلم الفلسفة في مجتمعنا بالاعتماد على فلسفتنا العربية الإسلامية؟
أي صعوبات يواجهها تدريس الفلسفة في مجتمع عربي إسلامي؟
إلى أي مدى تحوز الفلسفة العربية الإسلامية على خطة خصوصية في تدريس الفلسفة؟
لماذا لا تتحول هذه الخطة إلى تعلمية فلسفية ناجحة ؟
ماهي أركان وخصائص هذه التعلمية الفلسفية الجديدة المأخوذة من التراث الفلسفي العربي ؟
ماذا لو كان الفيلسوف مقتصرا على ذاته أو منحصرا في التأليف الأكاديمي دون أية علاقة له بالعالم ؟
أليست الفلسفة في جوهرها حوار و جدل و نقاش و تدريب و تعليم وطريقة لتوليد المعاني من العقول المتحاورة عبر السخرية و التهكم وعبر الدور القولي الذي يدور بين المعلم و المتعلم ؟
ما الفرق بين البحث الفلسفي و التعلمية الفلسفية ؟
هل يأخذ المعلم بعين الاعتبار المعرفة الموجودة بشكل مسبق في ذهن المتعلم ويوظفها في عمله ؟
أليس القصد من التدرب الفلسفي هو الفوز بهذه المعرفة وإعادة بنائها على أسس متينة ؟
ماهي العلوم والمعارف الإعدادية التي ينبغي أن تتعلم قبل الاهتمام بالفلسفة ؟
ما الغاية من تعلم الفلسفة ؟ هل هو التعود على حسن قيادة العقل نحو الحقيقة أم تأمل الخير والجمال ؟
هل الفلسفة محتوى متناسق من أصناف المعارف والعلوم أم أنها في جوهرها منهج للبحث والتأمل ؟
إلى أي مدى تعتبر الفلسفة رياضة فكرية تدفع بالإنسان إلى اكتشاف المعاني والاقتراب من إبصار العلل الأولى والقيم القصوى ؟
هل هدف الفيلسوف هو تلقين الناس ما اكتشفه بنفسه أم تدريبهم على الجهد والسعي للتغلب على الصعاب قصد الفوز بالحقيقة بأنفسهم ؟
هل الفلسفة أقرب إلى التعليم التقليدي أم إلى التعليم العصري ؟
أليس أرسطو هو المسئول عن تحنيط الفلسفة وحصرها في قوالب جامدة عندما فصل بين البحث النظري وبين تعليم الفلسفة حسب برنامج محدد وفق أبواب ومفردات مضبوطة ؟
ما القصد من تعلم الفلسفة ؟ هل الفلسفة مادة تعليمية ؟ وهل يتعلم الإنسان الفلسفة أم الإنسان فيلسوف بالطبع ؟ أو بعبارة أوضح هل الإنسان في حاجة إلى الفلسفة ؟ وماهو القصد من تعلم الفلسفة؟
ولماذا تصلح الفلسفة اليوم ؟
هل يمكن أن نقيسها بالمعايير المتداولة للعلم والتقنية ؟
أي أهمية لتدريس الفلسفة في المؤسسة التربوية ؟
إن مانراهن عليه هو بناء تعلمية فلسفية ناجعة تقرب الأفكارمن الأفهام وتخاطب الناس على قدر عقولهم تساعدهم للتمرس على التفكير وتكسبهم القدرة على فهم المايحدث وإجادة فن تقييمه.
خطة البحث في المشكل :
إذا كان مقصودنا هو بناء تعلمية ناجحة من وجهة نظر الفلسفة العربية فان استيفاء هذا الغرض يتطلب منا العودة للنصوص الأصلية التي حملها إلينا التاريخ العربي و الشروع في إعادة استنطاقها قصد استخراج ما يمكن استخراجه منها ولذلك ارتأينا أن نقسم مراحل بحثنا إلى الأبواب التالية :
1 ـ دلالة التعليم
2 ـ دلالة تعليم الفلسفة
3 ـ آداب معلم الفلسفة
4 ـ آداب متعلم الفلسفة
5 ـ شروط نجاح الفلسفة المتعلمة
فإلى أي مدى تستوفى هذه الخطة والنصوص الفلسفية العربية التي سنستنطقها حقيقة هذه التعلمية ؟
1 ـ في فن التعليم بصفة عامة :
” قيمة كل امرئ في ما يحسنه ”
اعلم أن التعليم هو إيجاد الفضائل النظرية في الأمم والمدن و زرع القيم الحميدة في النفوس من أجل تربية الناشئة تربية سليمة متكاملة و حفز الهمم وشحذ العقول و اعلم كذلك أن التعليم فن عزيز المذهب جم الفوائد إن تلقفته الأرواح بالقبول و أمسكته بيد الصناعة ظفرت بكنز عظيم و غنمت بذخيرة دائمة
و أتحفت بمنزلة عالية لا يستوي فيها من يعلم بمن لا يعلم ويرفع الناس فوق بعض درجات.
وللتعليم أهداف و محتويات ومناهج ويتطلب التدرج والمرور بعدة مراحل إذ يتعاقب المعلمون على الولدان أحدهم لضبط القرآن والثاني لعلم العربية والثالث للتدريب في الحساب و يراعى في ذلك التنوع والاستعداد والمشاكلة والملائمة من طرف المتعلم إذ لو كانت الآداب و الصناعات تجيب و تنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة و المواءمة ما كان احد غفلا من الأدب و عاريا من الصناعة فلذلك ينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك.
وينقسم التعليم إلى قسمين تعليم ابتداء وتعليم انتهاء فأما تعليم الابتداء فهو ما يعلمه الصبيان في أول أمرهم من قراءة و كتابة و لغة وشعر وحساب وأما تعليم الانتهاء فهو إتقان كل ما سبق و الزيادة عليها بالاشتغال بأحكام النجوم والمنطق والطبيعيات والتاريخ والتدرج إلى ما بعد الطبيعة بعد التدرج بالمنطق العلي في فهم الطبيعة وأسرارها.
يقول ابن خلدون ” اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا قليلا يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله و استعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم .”- المقدمة-
أيسر طرق هذه الملكة هو فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة والعناية بالحفظ دون إهمال الحاجة إلى الفهم والإفهام أما التعليم الصحيح فيكون بدعم ملكة التصرف في العلم لد ى المتعلم لأنه إن حصلت له ملكة في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي لذلك لا ينبغي أن يخلط عليه علمان معا فانه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما. ومن يفعل غير ذلك فانه يجمع ما لا يفهم و يقنع بالجهل في حمل ما لا يعلم ويشغل نفسه بالاستكثار عن التدبر والاعتباراذ قد يروي لسانه العلم لكن قلبه قد خلى من الفهم.
إن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا أول الأمر يكون المتعلم عاجزا عن الفهم بالجملة إلا على سبيل التقريب والإجمال و الأمثال ثم يتقوى الاستعداد بالتكرار والمداومة حتى يصل إلى درجة الاستيعاب والتحصيل والإحاطة بمسائل ذلك الفن.
قال بعض العلماء “من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم و استفاد ما لم يعلم ” وإن كان للدربة دورا في تنمية القدرة على التذكرفان الفهم له دور في ترسيخ هذه القدرة فهو شرطا للحفظ ويكون بادراك الموجودات و تصورها كما يكون بتصديق القضايا و التسليم بأحكامها.
في هذا السياق يصرح الماوردي” العلوم مطالبها من ثلاث أوجه قلب مفكر و لسان معبر وبيان مصور فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه وإذا فهم المعاني سقط عنه كلفة استخراجها وبقي عليه معاناة حفظها واستقرارها لان المعاني شوارد تضل بالإغفال والعلوم وحشية تنفر بالإرسال فإذا حفظها بعد
الفهم أنست وإذا ذكرها بعد الأنس رست… وإن لم يفهم معاني ما سمع كشف عن السبب المانع منها ليعلم العلة في تذر فهمها فانه بمعرفة أسباب الأشياء وعللها يصل إلى ما شذ و صلاح ما فسد ”
- أدب الدنيا و الدين-
لما كان العلم من الأدب والأدب لا يستقر إلا بالتعليم فان التعليم هو غير بعيد عن التأديب إلا أن التعليم يقتصر على القول واللسان أما التأديب فيكون بالقول والفعل معا لإنهاض العزائم وتحريك الهمم نحو فعل ذلك الشيء حتى يصير مستوليا على النفوس ومتغلغلا على العقول ومترسخا في القلوب.
واعلم كذلك أن التعليم قد يكون بسماع أو قد يكون باحتذاء والذي يكون بسماع هو الذي يستعمل فيه المعلم القول وهذا يسمى التعليم المسموع والذي يكون باحتذاء هو الذي يلتئم بان يرى المتعلم المعلم بحال ما في فعل أو غيره فيتشبه به في ذلك الشيء أو يفعل مثل فعله فيحصل للمتعلم القوة على ذلك الشيء أو الفعل.
ويلتئم التعليم بشيئين بتفهيم ذلك الشيء الذي يتعلم إقامة معناه في النفس ثم بإيقاع التصديق بما فهم و أقيم معناه في النفس. ويكون تفهيم ذلك الشيء على ضربين احدهما أن تعقل ذاته و الثاني بان يتخيل بمثاله الذي يحاكيه أما إيقاع التصديق فيكون بأحد طرفين إما بطريق البرهان اليقيني وإما بطريق الإقناع. كما أن الأمور التي يلتئم تعليمها بقول فان منها ما قد يمكن أن يكون باحتذاء و منها ما شانه أن يكون بالقول فقط لا غير.
إن كل شيء شأنه أن يتعلم بقول فانه يلزم أن يكون للمتعلم في ذلك الشيء أحوال ثلاث :
- الأول هو أن يتصور ذلك الشيء و يفهم معنى ما سمعه من المتعلم وهو المعنى الذي قصده المعلم بالقول.
- الثاني هو أن يقع له التصديق بوجود ما تصوره أو فهمه عن لفظ المعلم.
- الثالث هو أن يحفظ ما قد تصوره و وقع له التصديق به.
إن مواد التعليم أدوات لضمان تكوين متكامل للمرء إذ تعود العقل النظام والتنظيم في درس الأمور وحسن التصرف في الشؤون. ولا ينبغي الاقتصار في التعليم على حفظ القران والحديث بل ينبغي أن يزاد عليهما برواية الشعر الإلمام بقوانين العربية وتجويد الخط وإتقان الكتاب والتبصر بملكة اللسان
جملة.
وإذا كان التربية تراوح بين الطبع والتطبع و كان الأدب ينقل الطبع المذموم إلى الطبع المحمود فانه ينبغي أن يعمل المعلم على إصلاح أخلاقهم و حسن سياستهم فقد قال بعض الحكماء “العادة طبيعة ثانية” و تشمل العادة الوظائف العقلية الرمزية والمواقف الأخلاقية الاجتماعية والأفعال الحسية الحركية.
هكذا يقوم التعليم على الوازع الذاتي أكثر من قيامه على الرادع الخارجي وماذا كانت التربية التزام دائب لا يعرف بالفشل فان تربية الطفل ابتداء أيسر من إعادة تربيته.
يقول ابن الجزار “إن الصواب أن يؤدب الصبي فان كانت طبيعته طبيعة من ليس بأديب و لا لبيب فهذا بين للمعترض طريق الصواب. فأما إذا كان الصبي طبيعته جيدة…فان تأديبه يكون سهلا وذلك لان المدح و الذم يبلغان منه عند الإحسان أو الإساءة ما لا تبلغه العقوبة من غيره”.
ويراعى في التعليم بين التحصيل الشكلي و الاستبصار الواعي و بين الاستيعاب و ضرورة الاختصاص في مجال معين وإذا ادعى معرفة كل شيء وبقي في العموميات كان كالحمار الذي يحمل أسفارا. ولذلك يتطور التعليم من مجرد التبليغ إلى الاختصاص المهني وقد قال ابن خلدون في هذا الشأن ” صار العلم ملكة تحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع والحرف ” ويضيف “إن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية”- المقدمة-
إذا كان المراد من التعليم التفهيم و التكوين بالنسبة للمرء فان التكوين هو إيجاد شيء مسبوق بالمادة إما التفهيم فهو إيصال المعنى إلى فهم السامع بواسطة اللفظ وهو كذلك التفسير أي الكشف والاظهاردون تعريض في الكلام أو تعقيد لان الكلام إذا كان مغلقا فان معناه لا يظهر بسهولة ولذلك يستلزم التعليم التطبيق والتطويل لان الفائدة لا تحصل في التعليم إلا بالزيادة في أصل المراد ومقابلة الاسم بالاسم و الفعل بالفعل و بالتكرار الذي هو عبارة عن الإتيان بشيء مرة بعد أخرى.
وقد أقر التوحيدي: بأن الفضائل لاتقتني إلا بالشوق إليها والحرص عليها والطلب لها والشوق والطلب و الحرص لا تكون إلا بمشوق وباعث وداع والمشوق والباعث والداعي هو التعليم فهو سبب الأريحية والهزة والشوق والعزة , فالأريحية للروح والهزة للنفس والشوق للعقل والعزة للإنسان وكلها تحصل بالتعليم. فإذا بلغ المرء درجة من النضج لابد أن تتعلق همته بالجوهر ويهمل العرض ويستفيد من العلوم العقلية في فهمه للعلوم النقلية ويعمل على اكتساب جودة التمييز والقدرة على الاستنباط والتفكير دون الاتكال على الغير ودون الاقتصار على جودة الحفظ.
قال الشيخ الرئيس ابن سينا: “لابد أن يكون التعليم والتعلم بعلم سبق و منه صناعي كالخياطة و إنما يحصل باستعمال أفعال تلك الصناعة والمواظبة عليها ومنه تلقيني كتعليم اللغة و إنما يحصل بالمداومة على التلفظ بها لتحصل ملكة
و منه تأديبي و يحصل بالمشاورة و منه تقليدي و إنما يحصل بالثقة بالمعلمين و منه تنبيهي لمن خاطب بالأوليات العقلية و نحوه”.فإذا كان التعلم لما سبق إليه الغير ممن تقدم أو تأخر و كان العلم بما هو عرفاني صرف و بما هو مهني وحسي و حركي و عملي فان التعليم يكون لما تمت الخبرة به .
و يميز ابن سينا بين التعليم الفكري و التعليم الذهني الأول هو الذي يكتسب بقول مسموع أو معقول من شأنه أن يوقع اعتقادا أو رأيا لم يكن أو يوقع تصورا ما لم يكن أما الثاني فيكون بين اثنين وقد يكون بين إنسان واحد مع نفسه من جهتين فمن جهة لحدس بالحد الأوسط في القياس يكون معلما ومن جهة استفادة النتيجة منه متعلما مدلا.هكذا يكون التعليم الجيد اتساق ما إلى اكتساب مجهول بمعلوم وحصول ملكة في أمر عملي فكري أي صناعة كاملة
و راسخة.
و يشترط التعليم الإجازة العامة و الشاملة للمقروء والمسموع من المنظوم و المنثور و من المعقول و المنقول على العموم و الإطلاق والشمول والاستغراق و قد قيل تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر, لأن الصبي أهل لأن يحلى بحلي الإعلام و ينظم في السلك العلمي الرفيع الانتظام فدعه يعش بالعلم.
فالعلم أمانة ينبغي أن تبلغ بالتعليم يروي فيها الخلف عن السلف بالمسانيد الجياد عندئذ ينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا . على أننا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا. إن انقطاع التعليم عن الأمصار يسبب اختلال العمران و تناقص
الاجتماع وتكاثر التكالب على التعليم عامل من عوامل التحضر و مظهر من مظاهر التمدن. و لا ينبغي أن يكتفي المتعلم بالمختصرات لحاجته إلى التبسيط و الاقتصاد لان التعليم الذي يقوم على المختصرات لا يهيئ الفرصة لنضج الملكات لا يتيح الإيجاز و الاقتضاب تسهيل الفوائد و تكميل المقاصد .
فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده وما يمنع الناصر للحق من القيام بما يلزمه وقد هبت ريح العلماء و كسد العي و الجهل و قامت سوق البيان و العلم ؟
إن التعليم دعوة إلى وجوب مساهمة الفرد في تنمية الثقافة التي ينتمي إليها و إشارة إلى ما تخضع له هذه الثقافة من حركية تضمن لها النمو و التطور.
على هذا النحو لا يكون العلم إلا بالتعليم والعلم أمانة يجب تبليغها للأجيال المقبلة و الكتاب أداة أساسية من أدوات النقل و التبليغ. يقول الجاحظ في هذا السياق وما أكثر من فرط في التعليم أيام خمول ذكره و أيام حداثة سنه و لولا جياد الكتب و حسنها و مبينها و مختصرها لما تحركت همة هؤلاء لطلب العلم و نزعت إلى حب الأدب.
و اعلم كذلك أن انقطاع سند تعليم العلم يؤدي إلى اختلال العمران وتناقص الصنائع و فقدان الأمصار و أن انتشار التعليم و ترسخ العلم يؤديان إلى استبحار العمران و ازدهار الصنائع وامتداد العصور,فبين إذن أن التعليم عامل من عوامل التحضر و مظهر من مظاهرها. إنما اشتق اسم المعلم من العلم و اسم المؤدب من الأدب و قد علمنا أن العلم هو الأصل والأدب هو الفرع والأدب إما خلق و إما رواية و قد أطلقوا له اسم المؤدب على العموم و العلم أصل لكل خير. و قد قيل العلم خزانة مفتاحها السؤال و السؤال يثمر العلم لان العلم يدرك بسؤال سؤول وقلب عقول . إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون , يحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون. فأن يموت الإنسان طالبا للعلم خير من أن يموت قانعا بالجهل. و العلم من التربية و معنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك و يخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته و يكمل ريعه.
هذا عن دلالة العلم والتعليم بالجملة وعلى العموم الآن ماذا عن دلالة تعليم الفلسفة على الخصوص؟
هل يجوز لنا الحديث عن فلسفة للتربية في المخزون التراثي التعليمي للفلسفة العربية الإسلامية؟ ماهي ملامح الفلسفة التربوية عند العرب ؟
و أي دور تضطلع به في مستوى النهوض الحضاري الشامل و تجديد طرق التعليم و أثرها في بناء الشخصية الرسالية التاريخية للأمة ؟
كيف نفسر الرأي القائل بأن الفلسفة يمكن تدريسها و يمكن تعليمها بالنسبة للناشئة مهما كانت أعمارهم و لا توجد أي موانع تحول دون ذلك ؟
ماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر لإنجاح مشروع تدريس الفلسفة؟
ألا ينبغي أن نفكر في بناء تعلمية فلسفية عربية حتى تتماشى مع روح الثقافة الإسلامية ؟
2- في فن تعليم الفلسفة بصفة خاصة :
جاء في رسائل إخوان الصفاء :” الفلسفة أشرف الصنائع البشرية بعد النبوة”.
و قد ذكر الفارابي :” أن الفلسفة أفضل علم بأفضل معلوم”.
إن كانت الفلسفة في عنفوانها تفتيشا و كدا عن الحقيقة دون إدراكها وسعيا متواصلا وراء إلي اليقين دون الفوز به و طرحا لكل أصناف المعرفة المتداولة و الدارجة في الملة على بساط النقد و المماحكة فهمنا لماذا كان وضعها في نظام التربية و التعليم وضعا قلقا مهزوزا يتأرجح بين الإقصاء والقبول و بين
التوظيف والصد عنها و بين الإغراء و الحيطة.
فقد ظل تعليم الفلسفة لعبة بين يدي السلطات السياسية و الدينية و العامية يتعاملون معه بانتهازية ونفعية و بانتقائية كبيرة يتصرفون فيه حسب مصالحهم و أهوائهم و يضربون حوله رقابة صارمة, الأمر الذي أدى إلى الإضرار بالفلسفة و عرقل إمكانية ازدهار تعليمها و إذا كان تعليم الفلسفة قبل الاستقلال
منحصرا في معهد كارنو وكان يجري وفق البرامج الرسمية الفرنسية و لم يفتح قسم الفلسفة في المدرسة الصادقية إلا بعد الحرب العالمية الثانية و لم يرخص في إلقاء دروس في الفلسفة الإسلامية إلا فيما بعد وفي عدد قليل من الساعات فان تعميم تعليمها اليوم في كل المعاهد وعلى مختلف الشعب و تكاثر أقسام
الفلسفة في الكليات و تنظيم دروس في الاختصاصات العلمية ,كل ذلك لم ينهي حالة الحصار و الإدغام التي تعرضت له و مازالت تواجهه بل ربما الغبن الذي تتعرض له اليوم أشد وطأة لأن منافسيها ليسوا الدين و السياسة فحسب بل و كذلك العلم و التقنية و فن التسويق.
و اللافت للنظر انه ثمة صراع دائم حاصل بين الإيديولوجيا السائدة والفلسفة إذ يطلب منها دائما أن تبرر ماهو واقع و تضفي المشروعية على الممارسات الاجتماعية الشائعة بحيث تتحول الى أداة لتكييف النظريات والأفكار الجريئة لإقحامها في نسيج ثقافي متساهل و مهادن فتذوب في صلب برنامج عام يخدم الطبقة الحاكمة و يجعلها توفي بالتزاماتها مع العولمة الضاغطة عليها.
إن كانت الديمقراطية قيمة أبدعها العقل الفلسفي أول مرة و وقع تصديرها إلى الفضاء العمومي أليس من الأولى أن تتمتع الفلسفة بمحاسن و ثمار هذه النبتة التي زرعتها؟
هل يتسنى لنا القول اليوم بان ديمقراطية التعليم عامة طالت تدريس الفلسفة بالخصوص ؟
ما يجدر ملاحظته أن تعليم الفلسفة واقع في كماشة لا مفر له منها فهو من جهة واقع تحت ضغط المؤسسة التربوية القائمة و من جهة ثانية مطالب بتحقيق المصالحة مع النسيج الثقافي الدارج و من جهة ثالثة لابد أن يخضع لمستلزمات القول الفلسفي ذاته وإلا فقد الماهية التي تخصه, فكيف تقدر الفلسفة على خدمة ثلاثة أسياد في الآن نفسه؟
أما محور المؤسسة التربوية فان الفلسفة تظل داخل سقف النظام التربوي السائد وخاصة حرص الطبقة الحاكمة على الهيمنة و ذلك عن طريق المراقبة و التقويم و التفقد و الامتحانات و المناظرات بالإضافة إلى ضبط البرامج و انتقاء عناصرها و كذلك تأليف الكتب المدرسية و مراقبة النشريات الصادرة عن المكتبات.
إن النظام التربوي برمته لا يقوم إلا على أساس فلسفي و إن فلسفة التربية تقوم بالنسبة إليه مقام الروح من الجسد , إذ لا يتسنى تعليم فلسفي صحيح إلا إذا كان قائما على مبدأ التفاؤل بالإنسان و على احترام حريته و الوثوق في قدراته
وطاقاته الكامنة , و هذا الأمل لا يتحقق إلا في صلب نظام تربوي مقام على أساس من الديمقراطية و الحرية و المسؤولية.
إن الفلسفة في معناه المدرسي المتداول هي متوجهة نحو التعليم الثانوي و تأتي في هذه المرحلة من حياة الإنسان التي تبدأ بانتهاء الطفولة و تنتهي بانتهاء المراهقة.
-أما محور التقاليد والسنن الثقافية فان تعليم الفلسفة في تونس جاء قائما على مبدأ الازدواجية إذ هي تنهل من التراث الفلسفي العربي الإسلامي و كذلك من التراث الفلسفي الغربي الذي وصلنا عن طريق الفكر الفرنسي و الثقافة الانجليزية و الأمريكية. و هنا تكمن معضلة تعليم الفلسفة عندنا إذ كيف أمكن
التوفيق بين هذه الثقافات المتنافرة أم أن الصراع بينها قد زال؟ و ماهو دور الفلسفة في التقريب بين هذه الثقافات ؟ أو بعبارة أخرى هل تجاوزنا الازدواجية في مرحلة التأليف و أدركنا مرحلة الخلق و الإبداع في كنف ما يسمى بالثقافة العالمية؟أم هل مازلنا في مستوى الاقتباس والتلفيق و النقل ؟
مازال نظامنا التربوي تغلب عليه صبغة التبعية و التقليد أكثر مما تبرز فيه صفات الأصالة و الانطلاق, إننا مازلنا ممزقين بين تراث ننظر إليه نظرة الحنين و كأنه أصبح قطعة متحفية محنطة و حاضر نعيش على هامشه إذ ما برحنا ننتظر ما يتكرم به علينا الغرب من آراء و نظريات لا تسد الرمق.
- أما المحور البيداغوجي المتمثل بنوعية الصلة الحاصلة بين الأستاذ و التلميذ فان وجود كتاب مدرسي واحد و اعتماد أسلوب التلقين و إفراغ البرامج من مضامينها بحجة ضرورة ملائمتها مع الوضع العالمي قد أدى إلى نتائج عكسية تجلت في عزوف المتعلمين عن الاهتمام بالفلسفة و السخرية منها و مهاجمتها.
فقد بقيت فتوى ابن الصلاح الشهرزوري توفي سنة 643 هجري المحرمة للاشتغال بالفلسفة حاضرة في العقول متغلغلة في النفوس سارية المفعول اذ يقول “الفلسفة أس السفه و الانحلال و مادة الحيرة و الضلال ومثار الزيغ
و الزندقة و من تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة
بالحجج الظاهرة و البراهين الباهرة, و من تلبس بها تعليما و تعلما قارنه الخذلان و الحرمان و استحوذ عليه الشيطان…و أما المنطق فهو مدخل الفلسفة و مدخل الشر شر…”
من وظيفة الفلسفة منذ القدم أن ينشأ عنها مشروع تربوي يعين على تكوين إنسان قد رسمت ملامحه من خلال ما فاز به التأمل الفلسفي من تعرف على ذات هذا الكائن و من ضبط لموقعه من الكون و من تحديد لصلته بالمطلق.
إن تعليم الفلسفة في جوهره عمل تربوي هادف يرفض الترويض الإيديولوجي و الاستغلال السياسي و يقطع مع الشعارات الزائفة و الأفكار الدارجة في المجتمع و يقتضي الحرية الفكرية بالنسبة للمتعلم و المعلم على السواء, لذا يجب أن تضبط أهدافه لتكون متناسقة مع الأهداف العامة للنظام التربوي بأسره
و أن ترعى مصالح الإنسان من حيث هو فرد ومن حيث هو مجموعة ومن علاقته بالمطلق.
إن تعليم الفلسفة يقتضي بناء فلسفة للتربية تكون بمثابة الإطار الموجه له و النموذج المرشد في كل مساره. ماذا نعني بفلسفة التربية و ماهي فائدتها في تعليم الفلسفة؟
و حتى تستطيع التربية أن تستهل التطلع العربي للتطور و التنمية يجب أن تحدد معالم الفلسفة التربوية التي تترجم أهداف هذا الاتجاه , كما أنه يلزمها أن تعكس الواقع العربي المعاش و أن تعمل على توفيرالتواجد و الدوام بالنسبة للانسان العربي و تطلعه للمستقبل و تغلبه على التحديات.
لكن ما ينبغي أن نضعه نصب أعيننا أكثر من أي وقت مضى هو أن هذه الأمة العربية الاسلامية قد أبدعت علمها الخاص بنفسها و طريقتها الخاصة في تعليم نفسها. نحن نفترض أن نمط التفلسف الوحيد الذي بحوزتنا ليس سوى ضرب من العلمنة الجذرية لأنفسنا و نعني بها نوع من العودة الى العالم في عيانته اليومية المتوحشة , و لكن حذار ان هذه العلمنة الجذرية لن يكون لها من معنى الا بقدر ما نفلح في في اختراع علمنا الخاص بأنفسنا و طريقتنا الخاصة في تعليم أنفسنا, فهل نحن على ذلك قادرون ؟
المدرسة هو الموضع الروحي النموذجي لاحتمال العلم بواسطة علم خاص بأنفسنا و طريقة خاصة في تعليم أنفسنا و لكن من شرع بعد في احتمال العالم على هذا النحو و بهذا المعنى؟ ماذا يمكن أن تكون التربية بالنسبة الينا ؟
لقد أتينا الى الفلسفة بلا سبب واضح و سقطنا في بؤرة ثقافية فقدت شهوة الاقامة في العالم و صرنا ملة عاجزة عن التشريع الروحي لنفسها و انقلب الجيل الى معاناة شيخوخة أنطولوجية مبكرة وطفولة معرفية دائمة.
ان نمط المقاومة الوحيد للانسان العربي المسلم هوالخروج من القصور الذي أذنبه في حق نفسه.
ان الانسان العربي بات اليوم أمام مسؤولية ثقيلة لا يقدرعلى تحملها, فهو لم يولد في الحضارة العربية الاسلامية الا مرة واحدة و لكنه ما لبث أن هرم بسرعة و الحال أنه قد صار يؤرخ لنفسه لدى الأمم الأخرى بعدد المرات التى ولد فيها.
ان قصدنا في هذا البحث هو معرفة الجهة التي ينبغي أن تكون عليها فلسفة التربية عندنا و ذلك بالاجابة على هذين السؤالين : ما معنى أن نتفلسف في أفق ملة فقدت حرارة ابداع علمها الخاص بنفسها؟
كيف يمكن للفلسفة أن تعلم الجيل الذي هو نحن طريقته الخاصة في تعليم نفسه أي أسلوبها الخاص في تثقيف و تربية النوع البشري؟
تكمن حاجتنا الملحة لتخطيط فلسفة تربوية ناجعة لما يتصف به حالنا من تبعثر وفوضى و عودة للمكبوت و بروز الطائفية و تفشي الأزمات و تكاثر رؤى العالم و طرق الحياة و تردي فلسفاتها و تعارض هذه الطرق فيما بينها و تعصب بعض المجتمعات لها بل و محاولة الدفاع عنها حتى باستخدام أفتك وسائل التدمير و محاولة كل أمة اجتذاب غيرها نحو فلسفتها بوسائل نقل الأفكار كالدعاية و عن طريق الإكراه والإرهاب.
فالولايات المتحدة الأمريكية تسير المجتمع وفق الفلسفة الذرائعية البراغماتية التي تجعل من شعار الغاية تبرر الوسيلة أهم ركن في زاوية النظر الفرد عندها إلى العالم , في حين يتبنى ما بقي من البلدان الاشتراكية منهج الفلسفات المادية و التأويلات الماركسية للتاريخ وللاقتصاد وللوجود و جعلت من شعار ليس كل حسب جهده بل كل حسب حاجته مبدءا أساسيا من طريقتهم في تفسير العالم.
أما الأنظمة الأوروبية فيسيطر عليها اقتصاد السوق و تتوخى نهج الفلسفة الليبرالية و الرؤى التحررية في التربية و السياسة و الأخلاق و تتبنى شعار دعه يعمل دعه يمر مع الالتزام بمبادئ التعاقد الاجتماعي و حقوق الإنسان.
كما بقيت دول العالم النامي و من بينها الدول العربية و المسلمة تعاني من النزاعات الإصلاحية التوفيقية ومتاهات التجريب بالمحاولة و الخطأ و التي أدت إلى تراكم كمي من التعديلات الفاشلة.
و قد أدى غياب فلسفة عربية للتربية إلى تخلف مقومات البحث و النظر و إلى اعتناق فكر تربوي وافد فرض علينا مفاهيمه و مناهجه و خلق فينا بلبلة و شكك في قيمنا الإنسانية و في قابليتنا للتقدم و الصمود في وجه الكوارث و المحن و التحديات و القدرة على تمثل الحضارة العلمية و التقنية.
فلسفة التربية هي ذلك الميدان الذي يبحث في المشكلات الاجتماعية من الزاوية التربوية الفلسفية, و فيلسوف التربية لابد أن يكون ملما بمفاهيم العلوم الأخرى و نظرياتها حتى يستفيد منها في النظر إلى العملية التربوية و مشكلاتها و في بناء النظريات الأساسية التي توجه هذه العملية.
الفلسفة العربية للتربية ليست سوى المسار السليم لتحقيق أهداف العرب في التطور و النهوض و تعبر في جملتها عن موقف سياسي منحاز بطبيعته لأغلبية الناس له برنامج للعمل الاجتماعي يسعى لتحقيق العدل و الحرية و يسمح بالتعاون بين الداخل و التواصل مع الخارج. و بذلك تعكس هذه الفلسفة التربوية العربية المنشودة معتقدات العصر و أنواع الصراع القائم فيه كما تعكس التأكيد
على الهوية العربية و طموحات الطبقات الناشئة و آمالها و تستهدف تطوير الواقع بل تثويره نحو تحرير الإنسان العربي من كافة أشكال التبعية و التسلط الداخلية و الخارجية الواقعة عليه.
إن الفلسفة العربية للتربية هي تلك الرؤية الفكرية و النظرة الشاملة إلى مجموعة من الأهداف و المبادئ التي تتعمق في دراسة طبيعة الفرد و طبيعة المجتمع و العلاقة الجدلية بينهما كما تدرس طبيعة المعرفة وطبيعة القيم
و تسعى للإجابة عن التساؤلات التالية : لماذا نربي؟ و بماذا ؟
ماهي الأسس الفلسفية التي يجب أن تستند إليها؟
أ- الإيمان العميق بالإنسان و بقدرته على تغيير العالم .
ب- النظر إلي المعرفة على أنها عملية بحث مستمر وليست عملية تلقين للحقيقة المطلقة لأنه لا يوجد جهل مطلق أو علم مطلق و إنما المرء في منطقة وسطى بين الجهل و المعرفة.
ج- النظر إلى العالم على أنه عملية متجددة متغيرة و ليس وضعا ثابتا فيزيقيا و اجتماعيا.
د- الوعي و النظرة الناقدة مفتاح الطريق إلى التعليم و كذلك فهم العالم و تغييره, إن مهمة الوعي هو الذي يشكل جوهر الوجود الإنسان الاجتماعي.
ه- التعليم ليس إجادة حرفة أو حذق مهارة وهو بعيد عن كونه عملا اجتماعيا بل هو عملية تغيير اجتماعي و تحرير ثقافي.
ل- لاشك أن الحوار و ليس الإكراه هو المفتاح الذي تقوم عليه العملية التربوية بأسرها.
و هنا نطرح الأسئلة التالية : كيف يمكن تحقيق كل هذه الأفكار عن الإنسان و المعرفة والعالم ؟
و كيف يمكن أن تكون التربية وسيلة للتحرر الاجتماعي و الثقافي و السياسي ؟ أو يكون التعليم وسيلة لتغيير العالم؟
ماهي الشروط الواجب توفرها لوجود فلسفة عربية للتربية؟
-أولا يجب أن تكون نابعة من واقع المجتمعات العربية و من مخزون التراث الفلسفي العربي الإسلامي و لا ينبغي أن تكون قائمة على تجميع عناصر متباينة من فلسفات متضاربة.
- ثانيا أن تهدف إلي بناء مشروع حضاري كوني يراعى الخصوصيات و يعمل على صقل المواهب ونحت الشخصيات و ذلك بخلق حداثة دينية مع إعادة تأصيل الأصول.
- الانفتاح على الفكر التربوي العالمي و الاستفادة من طرق الحضارات الأخرى في تعليم نفسها دون الوقوع في التبعية الثقافية أو التقليد الأعمى.
- رابعا أن تعمل الفلسفة العربية للتربية على تأكيد الذاتية الحضارية العربية المسلمة دون الوقوع في التعصب العنصري و التمركز حول الذات و أن تكون أداة فعالة لمقاومة التحديات المعقدة التي تواجهها هذه الحضارة.
ماهي القضايا التي يجب أن تتصدى لها الفلسفة العربية للتربية؟
تعالج هذه الفلسفة أولا القضايا التربوية التقليدية مثل الخبرة – الطبيعة الإنسانية- الفطرة – المعرفة – طرق و أساليب التدريس – البرامج – التعلميات – ثم تهتم بالقضايا و المشكلات الأشد خطورة مثل التبعية – القهر – الجهل – الفقر.
أما الحلول التي تقترحها فهي استقلالية العقل العربي في التفكير – زرع نبتة الحرية في التربة العربية و العمل على إنباتها و الاعتناء بها – القيام بثورة ثقافية ترسخ قيم التنوير و الحداثة – تقسيم الثروة بشكل متساو و التشجيع على الغنى الروحي والكبرياء و عزة النفس.
كل هذه الوصفات السحرية لن تكون فاعلة إلا إذا تفلسف العرب في فن التربية و تجاوزوا الغربة التي تعاني منها الفلسفة في الفضاء العمومي, هذه الغربة ليست ناتجة عن موقف الفقهاء من الفلاسفة فحسب بل هي بنت المنزلة
و الموقف اللذين اختارهما الفلاسفة, تلك هي منزلة أساتذة الفلسفة التي حصروها في مضمون معين ظنوه الحقيقة النهائية و موقف العدمية من الواقع الموجود باسم الواجب المنشود.
إلى متى نكتفي بالتنديد بالدكتاتورية و القبلية و الفاشية و تخلف الوعي بالمواطنة دون البحث المتأني في علل وجودهما و صمودهما العنيد أمام كل همهمات السحرة من الإيديولوجيين الذي هم أول المستفيدين من تواصل هذه الحال؟
إن ظل مفهوم الفلسفة إلى حد الآن مجرد مفهوم مدرسي لا يتجاوز الوحدة النسقية لهذه المعرفة العلمية و ظلت غايته هي التمام المنطقي للفكر فانه يوجد كذلك مفهوم كوني نشخصه و نتصوره متعينا في الفيلسوف بوصفه نموذجه, بل إن الأمر أفدح عند العرب اليوم فهو لم يقتصر على غياب المعنى الكوني للتفلسف الذي هو علة كل إبداع بل ذهب إلى حد غياب المعنى الموسوعي الذي هو علة التعلم بسوي الإتباع.
ماهي الأهداف التي يجب أن تتضمنها الفلسفة العربية للتربية؟
ـ الاهتمام بمعالم الكيان العربي المسلم و ضمان نموه و تطوره.
ـ بلورة معالم الثقافة العربية و العمل الدائم على تجديدها.
ـ الاعتناء بتنمية العلاقات الإنسانية بين أعضاء المجتمع العربي .
ـ الانطلاق من نظرة شمولية تستوعب أبعاد الصحوة العربية و تترك الأبواب مفتوحة أمام الذهن و الإرادة لتحقيق الوحدة.
ـ إنشاء منطق فلسفي عربي و تحقيق بنية نظرية على أساس التحليل و النقد لامتحان الواقع المعيش و انتزاع المعنى من اليومي التافه.
ـ الاهتمام بالكليات العملية الكبرى مثل الحق و الحرية و الديمقراطية و العمل على تجسيدها على أرض الواقع الحضاري.
ـ إقامة البرامج على أساس الفكر الناقد الخلاق و المبدع.
ـ تأكيد قدرة الإنسان على الاعتبار و التعلم و متابعة تربية نفسه.
ـ التشريع لتعليم تكاملي يقع من خلاله إعداد المرء في نفس المبحث من عدة زوايا و حقول مختلفة وذلك بطريقة تعاقبية دورية.
التعليم و التثقيف و التنشئة آليات مكونة لكل اجتماع و التعليم لا يمكن حصره في إعادة إنتاج النظام السائد و في استهلاك و ترسيخ القيم و الأنماط المتداولة بل اختيار حضاري يستدعي تصورا معينا للناس ونمطا محددا للعلاقات بين البشر و ممارسة متميزة للتربية تعيد تشكيل سلوكيات الأفراد.
يقول أحد حكماء الفلسفة الشرقية :” إذا وضعتم مشاريع سنوية فازرعوا القمح, و إذا كانت مشاريعكم لعقد من الزمان فاغرسوا الأشجار, أما إذا كانت مشاريعكم للحياة بكاملها فما عليكم إلا أن تثقفوا و تعلموا و تنشئوا الإنسان.”
التعليم استثمار علمي وبشري هائل و الثورة التقنية الراهنة غيرت كثيرا من الأسس و المناهج التي يرتكز عليها فهو لم يعد يقوم على عقلية الاستنساخ بل صار يحقق مطلب الفاعلية الحضارية.
ينبغي التفكير في إستراتيجية عربية للتربية و التعليم تستند إلى ثلاث عناصر وهي التخطيط و الدقة و الضبط والشمولية.
الكتاب المدرسي ليس مجرد ماعون من مواعين المعرفة أو أداة إيديولوجيا و قياس بل جملة من النصوص اللغوية التي تتضمن جملة من القضايا و الأفكار التي توفر أرضية ملائمة لزرع الذكاء و صناعة الثقافة.
ضبط الطريقة التعلمية بشكل لا يكون الأستاذ هو المصدر الوحيد للمعرفة و التلميذ في وضعية المتلقي المستهلك و البرنامج معدا بشكل مسبق وقد أكل عليه الدهر و شرب.
المحافظة على حرية التفكير لدى الأستاذ أثناء بناء الدرس و لدى التلميذ و ضرورة احترام القاعدة البيداغوجية الذائعة الصيت التي ترى انه لا توجد فلسفة نتعلمها فكل ما نتعلم هو التفلسف.
تعلم التفلسف لا يعني فحسب أننا نتعلم كيف نستعمل المفاهيم استعمالا تقنيا بل أننا نتعلم بواسطة هذه المفاهيم كيف نفكر فعليا في المشكل الذي طرحناه على أنفسنا و الذي يمت بصلة إلى التجربة الإنسانية.
التعليم التفكري التكاملي هو وسط بين رذيلتين التمجيد الغوغائي و التقليد الببغائي للثقافة الوافدة و للفلسفة الغربية المتمركزة على ذاتها.
غير أن المطلب الأسمى و الهدف الأقصى لنا في هذا المبحث هو بناء تعلمية ناجحة للفلسفة تتفحص العلاقة البيداغوجية الشرعية بين الوحدات الثلاث :
1ـ المعلم – المدرس – الباث – المرسل.
2ـ المتعلم – الباحث- المتلقي – المرسل إليه.
3ـ البرنامج – المواد المدروسة.
لابد من تخليص الفلسفة الذائعة و المشهورة من العيوب و تطهيرها من التحفظات و الاعتراضات و العمل على حل الإشكاليات التالية :
إن كان تعليم الفلسفة يعاني من أزمة حادة فهل يعني ذلك أن وجود الفلسفة ذاتها في خطر؟ أي سر وراء شيوع العزوف عن الفلسفة ؟
هل نفسر ذلك بأن الفلسفة لم تعد أم العلوم أم لأنها أصبحت معرفة لا تجلب المصلحة؟ ماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر حتى يمكن تجاوز هذه الأزمة؟
هل نهتم بخصال و آداب المعلم أم بصفات المتعلم ؟
ماذا عن محاور الاهتمام الفلسفية الموضوعة لغرض التعليم ألا ينبغي أن تنتقي و تصطفى بحيث تلاءم مدارك المتعلمين و جودة فهمهم و تتناسب مع اقتدارات المعلمين و المتعلمين على السواء و تحترم السياق الاجتماعي و الثقافي الذي يندرجون ضمنه؟
لماذا يقع التركيز على المنطق و الفلسفة التحليلية و ترهات الألسنية و البنائية و يقع التشدق بمكاسب فلسفة الظنة و مزايا العلوم الإنسانية و يتم استثناء الفلسفة الإسلامية و المشرقية و كل كنوز التراث العقلية و يترك فكر المقاومة و الصمود ؟
فماهي المذاهب الجميلة و الطرق الواجبة في تعليم الفلسفة ؟
الى أي مدى يمكن أن نقول مع هيقل :
La philosophie doit être enseignée et doit être apprise de la même manière que toute autre science.
3 – آداب معلم الفلسفة :
إن الأمور التي يلتئم تعليمها بالقول يلزم ضرورة أن يكون للمتعلم في ذلك الشيء أحوال ثلاث :
أحدها أن يتصور ذلك الشيء و يفهم معنى ما سمعه من المعلم وهو المعنى الذي قصده المعلم بالقول.
و الثاني أن يقع له التصديق بوجود ما تصوره أو فهمه عن لفظ المعلم.
و الثالث أن يتم حفظ ما قد تصوره و وقع له التصديق به.
و جهات التعليم تسمى أنحاء التعليم و تختلف باختلاف الأمور المستعملة في ذلك, و هذه الأمور ينحى بها نحو تلك الأحوال الثلاث التي ينبغي أن تحصل للمتعلم في الشيء الذي يتعلمه, و هذه الأمور كثيرة : منها استعمال الألفاظ الدالة على الشيء و حد الشيء و أجزاء حده و جزئياته و كلياته و رسوم الشيء و خواصه و أعراضه و شبيهه و مقابله والقسمة و المثال و الاستقراء و القياس و وضع الشيء بحذاء العين.
و هذه كلها ما عدى القياس تنفع في تسهيل الفهم و التصور أما القياس فان شأنه أن يوقع التصديق بالشيء فقط, و الذي قصدنا أن يقع التصديق به ينبغي أن يتصور قبل ذلك على الكفاية ثم يطلب التصديق به فان علم صدقه بنفسه استعمل القياس في تبيين صدقه.
وجميع هذه قد تنفع في سهولة حفظ الشيء و الاستقراء و المثال من بينها ينفعان في الثلاثة بأسرها أعني أن فهم الشيء يسهل بهما و التصديق أيضا قد يقع بهما و ينفعان في سهولة الحفظ, و سائر هذه الأمور ما عدا المثال و الاستقراء و القياس فإنها ليس شأنها أن توقع التصديق لكنها تنفع في سهولة الفهم و في سهولة الحفظ فقط, أما لفظ الشيء و حده و أجزاء حده و رسمه و خاصته و عرضه و شبيهه و جزئياته و كلياته فإنها تنفع في جودة الفهم و في حفظ الشيء .
و تستعمل هذه الأمور على جهات ثلاث :
الأولى أن تؤخذ علامات للشيء فتكون بأنفسها مخيلة فتكون بحيث إذا حضرت للذهن حضر معها الشيء الذي جعلت هذه العلامات له, فلذلك تكون مذكرة للشيء و منبهة عليه فتعين على تخيل الشيء و على حفظه.
النحو الثاني هو أن يبدل بعض هذا مكان بعض وهو أن الشيء متى كان له اسمان فكان أحدهما أعرف عند المتعلم و الآخر أخفى عنه فلم يفهم الشيء باسمه الأخفى أبدل الأعرف مكان الأخفى و كذلك متى كان الشيء يدل عليه لفظ مفرد و لفظ مركب فلم يسهل فهمه عن لفظه المفرد أبدل لفظه المركب مكان المفرد و يسمى هذا التحليل أو القسمة لأن إبدال الأعرف و تبديل اللفظ المفرد باللفظ المركب يسمى تحليل الاسم إلى القول الشارح له أما إبدال الحد مكان اسم الشيء فانه يسمى شرح الاسم إلى الحد.
في حين يكون النحو الثالث إبدال هذه الأشياء مكان الشيء نفسه لأنه عندما تصور الشيء فينبغي أن يؤخذ لفظه بدل خيال ذلك الشيء و كذلك متى كان تخيل حد الشيء أو أجزاء حده أيسر على المتعلم من تخيل الشيء نفسه, أبدل حده و أجزاء حده بدل الشيء نفسه و كذلك رسمه و خاصته و عرضه.
و كذلك متى عسر تصور شيء ما و كان ذلك الشيء كليا أخذ جزء ذلك الشيء بدل ذلك الشيء, فاكتفى بتخيله عن تخيل الكلي. و كذلك متى عسر تصور شيء ما و سهل تصور جنس ذلك الأمر أو نوعه أخذ جنس ذلك الأمر أو نوعه بدل الأمر فاكتفى به و أقيم مقامه إلى أن يقوى ذهن المتعلم على تخيل الشيء بذاته, و قد يمكن أن يؤخذ شبيه الشيء بدل الشيء فيكتفي بتصور شبيهه عن تصور الشيء نفسه.
و هذا النحو الثالث قد يمكن أن يركب فيه الابدالات بمنزلة ما لو اتفق أن عسر تخيل أمر ما فأخذنا كلي ذلك الشيء بدل الشيء يستعمل في مواضع عدة فان إبدال عرض الشيء بدل الشيء يتجنب في التعليم و كذلك إبدال شبيه الشيء بدل الشيء لأنه يبعد السامع و المتعلم عن الشيء المقصود غاية البعد حتى لا
يسقط المعلم في خطأ إفهام نفسه في حين أن عنايته ينبغي أن توجه إلى إفهام المتعلم.
و معلوم أن المعلم قال هذه الأشياء وهي عنده معروفة إلا أن ما وضعه من ذلك بهذا القول فهو خارج عن عقولنا, و كلما كثرت الجزئيات كانت أبلغ في المعونة على حفظ الشيء و الوضع نصب العين مما يستعمل في التعليم وهو إيقاع الشيء تحت البصر و بالجهة الممكنة, و هذا النحو يستعمله أصحاب
التعاليم وهو أن يجعل بحذاء البصر إما المحسوس من الشيء و إما المحسوس من شبيهه.
و من الأمور الأخرى التي لابد منها في كل معلم هي ضرورة الوقوف على أصناف انقيادات الذهن للشيء حتى يسهل التعامل معها وهي على خمسة ضروب :
أ- انقياد الذهن للشيء عن طريق ما ينقاد عن الأشياء الشعرية.
ب- انقياد الذهن للشيء عن طريق ما ينقاد عن الأقاويل المشورية التي تؤخذ فيها ما يمدح به الإنسان أو يهجى .
ج- انقياد الذهن للشيء عن طريق الأقاويل الخصومية و المعاتبات و الشكاية و الاعتذار وهو الانقياد الخطبي.
د- انقياد الذهن للشيء عن طريق الجدل.
ه- انقياد الذهن لما هو حق يقين عن طريق القياس و البرهان.
و متى علمت الأشياء بأن تخيلت بمثالاتها التي تحاكيها و حصل التصديق بما خيل منها عن الطرق الاقناعية كان المشتمل على المعلومات تسمية القدماء ملة -على حد تعبير الفارابي في كتابه تحصيل السعادة- و إذا أخذت تلك المعلومات أنفسها و استعمل فيها الطرق الاقناعية سميت الملة المشتملة عليها
الفلسفة الذائعة المشهورة و البرانية أما متى حصل علم الموجودات أو تعلمت فان عقلت معانيها أنفسها وأوقع التصديق بها عن البراهين اليقينية كان العلم المشتمل على تلك المعلومات فلسفة.
ماهي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها معلم الفلسفة؟
يستمد باث الفلسفة عظمته و مجده من كونه الموجود الوحيد الذي يعلم و يعمل بما علم و يعلم ما علم وما عمل, و يكتسب مدرس الحكمة منزلته و حضوته من كون غايات العلم الذي ينشره تتمثل في أن ينتفع به و ينفع غيره بذلا
و سخاء.
و ليس من نافلة القول أن نذكر بأن من لم يكن قادرا على التفلسف لا يسمى معلم فلسفة و لن يتمكن من تدريس الفلسفة بشكل حاذق إذ لا يليق بكرامة الفيلسوف أن يبني نتاجه على أنقاض آثار غيره و غير خليق به كذلك أن يكون مقلدا لغيره بصفة حرفية مستخدما عقله بشكل سيء كما هو الشأن عند صاحب
الظن أو بصورة جدلية تماما مثل السفسطائي. و لا يليق به كذلك أن يعمد إلى تعليم فلسفة لم توجد بعد و لا يعمل هو على إيجادها, على هذا النحو يبدو من الضروري أن يقوم المعلم بترويض نفسه و شحذ ذهنه و أن يتجرأ على استخدام عقله بنفسه و بصورة حرة و شخصية حتى يتمكن من معرفة الحكمة و تعليمها لأنه حتى إن كان غير قادر على تعلم الفلسفة فانه على الأقل قادر على تعلم التفلسف و تعليمه للآخرين, و قد قال نيتشه إن عمل الفيلسوف هو حياته محمولة نحو الكلية بما هو مدون و مكتوب .
فأن نتفلسف هو أن نكون بصدد التفكير لا هائمين في أفكارنا. أن نتفلسف هو أن يكون كل واحد منا قادر على تقدير صحيح للخير و الشر لغاية تعديل الرغبات و الطموحات و المخاوف و التأسف.
ان الفيلسوف الحقيقي هو دائما من يفكر بنفسه و في نفسه وهو الممسك بزمام أمره و العارف بدقائق الأمور و الملم بكل كبيرة بخصوص المادة التي يبذل الجهد لتدريسها وهو كذلك المتخلق بالآداب التالية :
احترام المتعلم و عدم الاستصغار من شأنه و اعتبار المعرفة الحاصلة لديه ذات شأن و كافية لفهم الفلسفة و اقتنائها و أن يهيئ له الأرضية الملائمة لتوسيع معارفه المكتسبة و امتحانها سواء بتثبيت الصحيح منها و ترسيخ جانبها اليقيني أو استشكال و استنطاق ماهو مظنون و قابل للمراجعة منها, و كل ذلك لا يحدث و لا يكون ممكنا سوى بالمودة و الرأفة بالمتلقي و معاملته بلطف و رفق
خصوصا و أن فضل المعلم عليه يفوق من حيث الدرجة و الأهمية فضل أبويه لأن الأسرة كانت سبب وجوده في الحياة الزائلة بينما معلمه هو سبب انبعاثه في الحياة الحقيقية عندما يدفع إليه مهجة نفسه و ثمرة قلبه و يصيره كيف ما شاء
و دون أن يدرى.
ألا يطلب المعلم من المتعلم من وراء تعليمه أي ثناء أو اعتراف أو منفعة و أن يؤدي رسالته لذاتها مثلما يرجع المؤتمن الأمانة إلى أهلها سالمة كما عهدت له أول مرة قدوة بسقراط و محاربته السفسطائيين الذين زعموا امتلاك الحكمة و باعوها بمقابل مادي.
توخي طريق التعريض لا التصريح و الترغيب لا الترهيب و الرحمة لا التوبيخ لأن التصريح يهتك حجاب الهيبة و الترهيب يولد النقمة و التوبيخ و يورث الجرأة على الهجوم عند كل خلاف و يهيج على الإصرار. لذا صير يدك عليه مبسوطة و طاعته لك واجبة و كن له بحيث وضع نفسه, قومه ما استطعت بالقرب والملاينة فان أباهما فعليك بالشدة و الغلظة و امنعه عن الضحك الا في
أوقاته ولا تمعن في مسامحته فيستجلي الفراغ و يألفه و لا ينبغي أن تفرط في ضربه حرصا على صون النفوس عن مذلة التأديب و من لم تؤدبه الفلسفة
و الكلمة الطيبة لا أدبه أحد و من لم يختشي فانه يفعل ما يشاء.
أما الشدة على المتعلمين فهي مضرة بهم و ذلك لأن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم لأنه من سوء الملكة و من كان مرباه بالعسف سلط القهر عليه و ضيق عن النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها و دعاه إلى الكسل و حمل على الكذب و الخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه و علمه المكر و الخديعة و لذلك صارت له هذه عادة و خلقا و فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع و التمرن وهي الحمية و المدافعة عن نفسه و منزله و صار عيالا على غيره في ذلك بل و كسلت النفس عن اكتساب الفضائل و الخلق الجميل فانقبضت عن غايتها و مدى إنسانيتها فارتكس المتعلم المقهور و عاد في أسفل السافلين و استولى عليه التخابث و الكيد- ابن خلدون المقدمة فصل في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم.
ينبغي ألا يدخر أي جهد في نصح المتعلم و يزجره عن سوء الخلق و أن يتفانى في خدمته و ألا يحتكر الحكمة أو يتسقط عليه بالنزر القليل من المعرفة مما لا يروى تعطشه إليها و ظمأه من حرمانه منها و حتى لا يخلق لديه آفة الحقد
و الكراهية و ينبغي كذلك أن يوفر له ما يحتاجه من قواعد للسلوك و مبادئ توجيهية و أفكار ناظمة تهدئ من روعه و اضطرابه و تبدد اضطرابه
و تذهب حيرته و ذلك بإرشاده نحو ما يحقق به ذاته و إلى ما فيه خيره
و صلاحه.
و من هذا المنطلق ينصح ابن خلدون بما يلي أقرئه القرآن و عرفه الأخبار
و روه الأشعار و علمه السنن و بصره بمواقع الكلام و بدئه و خذه بتعظيم الحكماء و رفع مراتب الفلاسفة و كتبهم و لا تمرن ساعة إلا و أنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه.
5- ما ينبغي تجنبه هو الجهل بطرق التعليم و إفادته مثل إخبار المتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من كل فلسفة و إلقاء غايات النظريات و أسسها في البدايات و قل أن يستعد المتعلم لفهمها فهو عاجز عن الوعي و يعيد عن إدراكها لذلك يكل الذهن عنها و يحسب ذلك صعوبة في الفلسفة نفسها
فيتكاسل عنها و ينحرف عن قبولها و يتمادى في هجرانها و قد أتى له ذلك من سوء التعليم بينما الأصوب هو أن يراعى مرانه على التعليم و صوابه فيه و أن يؤخذ بعين الاعتبار قدرته على الفهم و التحصيل لأن المتعلم يكون في أول الأمر عاجزا عن الاطلاع بالجملة إلا في الأقل و على سبيل التقريب و الإجمال و الأمثال الحسية و لذلك ينبغي أن تترك ملكة قبول العلم و الاستعدادات لفهمه
تنشأ تدريجيا و أن يتدرج بمخالفة المسائل و تكرارها عليه و ألا يطالب منذ الوهلة الأولى بالإحاطة كليا بمسائل الفلسفة و ألا يكلف بإحضار ذهنه في حلها بل أن يهذب في نفسه استعداد التحصيل و مران التعلم.
و المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي و حصل له نشاط في طلب المزيد و النهوض إلى ما فوق حتى يستولى على غايات العلم. و إذا كانت أوائل العلم و أواخره حاضرة عند فكرته مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولا و أحكم ارتباطا و أقرب صبغة لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل و تكراره و إذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه.
-6أن يتعامل المعلم مع المتعلم على قدر فهمه و أن يختار له العلم المناسب دلالة و لفظا حتى يسير في الطريق المؤدي إلى تعلم الفلسفة و ينبغي أن يراعي التدريج في ترقيته من علم إلى آخر و من رتبة في هذا العلم إلى رتبة أعلى و ألا يفرض عليه اتجاهه و ميولا ته أو يطلب منه محاكاته بل يترك له حرية تنمية شخصيته و يمكنه من ممارسة التفكير بنفسه و من مراجعة أخطائه و الحكم على ضعف آرائه من خلال نقد ذاتي و ينبغي كذلك ألا يقبح ماهو محبب إلى نفسه من علوم كالدين و اللغة و الشعر و الآداب و العلوم بل يستثمر تلك الرغبة نحو تقريب الفلسفة منه و ذلك بأن يجعلها لا تتناقض مع هذه المعارف بل تتكامل و تتبادل معها الخدمات, و يجب كذلك على المعلم أن ينزل المتعلمين منازلهم و يكلمهم على قدر عقولهم لأن لكل مقام مقال و لأن القول قبل القائلين مقول و ألا يلقى إليهم ما لا تبلغه مداركهم لأن ذلك قد يؤدي إلى نفورهم و تخبطهم و بالتالي لابد أن يكل لكل واحد بمعيار عقله و أن يزن له بميزان فهمه.
يقول ابن خلدون في المقدمة : ” اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا و قليلا يلقي عليهم أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب و يقرب لهم في شرحها على سبيل الإجمال
و يراعى في ذلك قوة عقولهم و استعدادهم لقبول ما يرد عليهم حتى
ينتهي إلى آخر الفن فيحصل لهم ملكة في ذلك ملكة في ذلك العلم ثم يرجع لهم إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها و يستوفي الشرح و البيان و يخرج عن الإجمال و يذكر لهم ما يوجد من خلاف و لا يترك عويصا و لا مهما و لا مغلقا إلا وضعه و فتح لهم مقفله”.
7- و من وجه الصواب في تعليم الفلسفة و طريق إفادتها أن يتعامل المعلم مع المتعلمين بجلاء و وضوح و أن ينبذ كل تعقيد و غموض و أن يبدأ بالبسيط نحو المركب و بالجلي الواضح نحو الخفي المجهول و يقسم المشكلات و يحلل المستعصيات و يفكك المضيقات و يتفادى المتاهات و ينبغي أن لا يذكر لهم أن وراء ما يدرسون تدقيقا أعمق وهو يدخره عنهم فان ذلك يفتر رغبتهم في الجلي
الواضح و يشوش عليهم فهمهم و يجعلهم يبخلون عن تحصيله. بينما ينظر كل متعلم إلى على أنه سليم و إلى عقله على أنه الأكمل و لا يعي أن ذلك بحسب ما يخلق له و يتيسر عليه لذا ينبغي أن لا يطيل المعلم على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس و تقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان و انقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها.
و إذا كان من الضروري على المعلم زيادة المتعلم على فهم كتابه بحسب طاقته و على نسبة قبوله للتعليم مبتدئا كان أم منتهيا فانه ينبغي ألا يخلط مسائل الفلسفة بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره و يحصل أغراضه و يستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره لأنه إذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم و أدركه الكلال و انطمس فكره و يئس من التحصيل و هجر العلم و التعليم و بالتالي يلزم ألا
يخلط على المتعلم علمان معا فانه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال و انصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان معا و يستصعبان و يعود منهما بالخيبة.
8- من اللازم أن يكون المعلم إنسانا كاملا عاملا بعلمه فاعلا لقوله يوفي الحق حقه و يكيل بالقسط و يعمل مثقال ذرة ما فيه الخير و الصلاح خصوصا و أن العلم بلا عمل جنون و العمل بغير علم لا يكون .
و من البين أيضا أن يكون المشتغل بالفلسفة وفيا للحقيقة ملتزما بحسها الإشكالي مغامرا نحو المجهول و مستعدا للتضحية من أجل نهجه و في سبيل الدفاع عن مسلكه حتى يكون مثالا يحتذي به و قدوة لغيره و مصدر التعليم باحتذاء. و ينبغي ألا يكذب فعله قوله و ألا يأتي فعلا كان قد نهى عنه و امتنع عن إمكانية حياة كان قد بشربها.
إن العلم يدرك بالبصائر و العمل يتقن و يحفظ كالذخائر فإذا خالف العمل العلم منع الرشد و كل من تناول شيئا و قال لغيره لا تتناولوه زاد حصرهم على ما نهو عنه و على هذا النحو فان مثال المعلم من المتعلم كمثال النقش من الحجر و الظل من العود إذ كيف ينتفش الحجر بمن لا نقش فيه و كيف يستوي الظل و العود أعوج خصوصا و أن فاقد الشيء لا يعطيه و لذلك كان وزر المعلم في
أخطائه أكبر من وزر الجاهل في جهله فالجاهل له عذر فيخطئه أما المعلم فلا عذر له لأنه ان زلت قدمه يفقد القوم بأسرهم صوابهم و يهيمون على وجههم.
من هذا المنطلق ينبغي على المعلم أن يطيل على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس و تقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان و انقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها و أن يحقق طبيعته المخصوصة و يحركها على نظام و ترتيب حتى تكون مبدأ الأفعال الإنسانية و مصدر علم لم يكن حاصلا و ينبغي أن يتوجه إلى المطلوب بالنفي أم بالإثبات في لمح
البصر للظفر به بواسطة طبيعته الفكرية .
إن أكمل الأخلاق و أعلاها و أحسن الأفعال و أبهاها هو الأدب و من آداب المرء بين يدي الحق إطراق الطرف و جمع الهم و دوام الصمت و سكون الجوارح و مبادرة امتثال الأوامر و اجتناب المناهي و قلة الاعتراض و حسن الخلق و دوام الذكر و تنزيه الفكر و سكون القلب و قلة الغضب و كتمان الحب و دوام الإخلاص و ترك النظر إلى الأشخاص و إيثار الحق و اليأس من جميع الخلق و إخلاص العمل و صدق القول و تنزيه القلب و إحياء القربات و قلة الإشارة.
و من آداب العالم لزوم العمل و العمل به و دوام الوقار و منع التكبر و ترك الدعاء به و الرفق بالمتعلم و التأني بالمتعجرف و إصلاح المسألة للبليد و ترك الأنفة من قول لا أدري و تكون مهمته عند السؤال خلاصة من السائل لإخلاص السائل و ترك التكلف و استماع الحجة و القبول لها و إن كانت من الخصم.
و من آداب المقرئ أنه يجلس جلسة الخشية و استماع الأمر و إنصات الفهم و انتظار الرحمة و الإصغاء إلى المتشابه و إشارة الوقف و تعريف الابتداء و بيان الهزة و تعليم العدد و تجويف الحرف و فائدة الختم و الرفق بالبادي و السؤال عن المتعلم إذا غاب و الحث له إذا حضر و ترك الحديث و يبدأ بالمتلقن يلقنه ما يصلي به لنفسه أو احتاج إلى أن يؤم غيره.
و لابد للمعلم أن يبدأ بصلاح نفسه فان أعين المتعلمين إليه ناظرة و آذانهم إليه مصغية فما استحسنه فهو عندهم الحسن وما استقبحه فهو عندهم القبيح و يلزم
الصمت في جلسته و الشزر في نظره و يكون معظم تأديبه بالرهبة و لا يكثر الضرب و التوبيخ و لا يحادثهم فيجترئون عليه و لا يدعهم يتحدثون فينبسطون بين يديه و لا يمازح بين أيديهم أحدا و يتنزه عما يعطونه و يتورع عما بين يديه يطرحونه و يمنعهم من التحريش و يوحش عندهم الكذب و النميمة و لا
يسألهم عن أمر ينوبهم فيثقلوه و لا يكثر الطلب من أهلهم فيملوه.
و من آداب المحدث أن يقصد الصدق و يجتنب الكذب و يحدث بالمشهور
و يروي عن الثقات و يترك المناكير و لا يذكر ما جرى بين السلف و يعرف الزمان و يتحفظ من الزلل و التصحيف و اللحن و التحريف و يدع المداعبة
و يقل المشاغبة و يشكر النعمة و يلزم التواضع و أن يكون وقته معلوما وورده مفهوما و كلامه مقسوما مراقبا لوقته لا يحتاج إلى علم غيره مع علمه بحاله. أما الكاتب فينبغي أن يكون حسن الخط جيد البرى قادرا على إعراب اللفظ و معرفة الحساب و سداد الرأي و حسن اللباس طيب الرائحة عارفا بأخبار المتقدمين تاركا الانخرام و مستعملا المروءة و حسن العشرة متحفظا على الذلة.
أما آداب الواعظ فهي ترك التكبر و دوام الحياء و إظهار الفاقة و شهوة المنفعة لمستمعه و الإزراء على نفسه لمعرفة عيبه و النظر إلى المستمعين إليه بعين السلامة و حسن الظن بهم بباطن الديانة و الاياس منهم و الرفق بالتأديب و العطف على المبتدئ و اعتقاد فعل ما يقول لينتفع الناس به.
إن المعلم يطرح ارتباك الفهم جانبا و ينتبذ حجب الألفاظ و عوائق الشبهات و يترك الأمور الصناعية المفتعلة و يخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطر عليه و يسرح نظره في الكون معتبرا و يفرغ ذهنه من الشوائب تائقا نحو تحقيق مراميه و غاياته.
هذا المعلم المتوقف عند مقتضيات الفكر الطبيعي و الموفي شروط البرهان حق قدرها هو الوحيد القادر على تدريس الفلسفة بإبرازها إلى عالم الخطاب صحيحة البنيان وثيقة العرى و اكسائها صور الألفاظ و قوالب المعاني واضحة المعالم قابلة المشافهة و سهلة التداول و المرافعة.
بيد أن هذه الآداب التي ينبغي أن يستند إليها المعلم و رغم أهميتها و ارتباطها بنظام بيداغوجي و تربوي إن كانت ضرورية فإنها غير كافية لبناء تعلمية ناجحة لتدريس الفلسفة اذ يشترط كذلك توفر مجموعة من الخصال عند المتعلم. فماهي آداب المتعلم؟
4 ـ آداب متعلم الفلسفة :
لما كانت نفس المتعلم معدنا للعلم و كان عقله منبعا للحكمة مركوزة فيه بالقوة منذ أول الفطرة كان من الضروري الانتقال بهذه الحكمة من القوة إلى الفعل و ذلك بالسعي إلى إبرازها و لا يكون ذلك كذلك إلا بالتعليم الذي لا يجلب للمتعلم شيئا من خارج نفسه بل يكتفي برفع الحجاب عما هو مركوز في العقل
و يكشف الغطاء عما أودع في النفوس بالفطرة .
و من البين أن التعليم لا يحصل بالتمام والكلية إلا باجتماع آداب في المتعلمين هي على هذا النحو :
تقديم طهارة النفس على رذائل الأخلاق و مذموم الصفات و التقليل من الانشغال بالدنيا بحلية الباطن و تجميله بالفضائل لأنه أساس العمل و مصدر حسن المآل, فان كان العلم هو البحث عن جواهر الأشياء و تعطش نحو معانقة المطلق فانه لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك و بالتالي على المتعلم أن يكابد المشاقة و يجاهد الأهواء و أن يطهر نفسه من جميع ما يشوب قلبه و يصوب
جوارحه نحو جليل الأعمال و أن يكون مستعد لتقبل ما يغمر به و أن يبتعد عن الأهل و الوطن لأن العلائق شاغلة للقلب و النفس و كل انشغال بغير العلم يضيع الجهد و لا يحقق الهدف.
ألا يتكبر على العلم و ألا يتآمر على المعلم وألا يدع فنا من الفنون المحمودة إلا و ينظر فيه و ألا يستهين بشيء من المعارف و الآداب و الحكم لأنها متعاونة و مترابطة بعض مع بعض و مكملة الواحدة منها للأخرى , فالحكمة ضالة الإنسان إن لم يتعقبها و يحرص على التفتيش عنها لن يجدها و طالب العلم هو مثل المريض الذي يلقي زمام أمره كلية على الطبيب لتحسن حاله و يقضي على الداء و عليه إذن أن يذعن لنصيحة المعلم الذي هو في موقع الطبيب المشفق الحاذق.
كما ينبغي أن يكون على درجة من التواضع و الأدب لتحصل الاستفادة من المعلم و ليكون له الثواب و الشرف في خدمته – فالاحترام و التقدير هما طريق لتحقيق عمل قائم على العلم و علم يصلح للتعلم.
على المتعلم المبتدئ ألا يخوض أو يصغي إلى الاختلاف لأن اختلاف الآراء و تناقضها إذا تعرض لها سماع المبتدئ و فكره تؤدي به إلى الظن و التشكيك و عدم الثقة في المعلم .
فالتعدد قد يدهش عقله و يحير ذهنه و يفتر رأيه و يؤيسه من كل إدراك أو اطلاع, لذلك يقول الغزالي :
” إن الخائض في العلوم النظرية لا ينبغي أن يصغي أولا إلى الاختلاف الواقع بين الفرق و الشبه المشككة المحيرة ما لم يكن بعد تمهيد قوانينه “.
- الإحياء الفصل 4 في آداب المتعلم و المعلم-
لذلك ينبغي على المتعلم أن يسير بخطى ثابتة و وطيدة حتى لا يضعف أو يتخاذل و ليكون تعلمه أسرع و أرسخ. و أن لا يخوض في علم ما دفعة واحدة بل يراعي الترتيب و التدرج فيبتدئ بالأسهل و البسيط ثم يمر إلى الأصعب
و المعقد و أن يشرع بالأهم و لا يخوض في فن حتى يستوفي الذي قبله إذ أن العلوم مصنفة و مرتبة ترتيبا ضروريا و بعضها طريق إلى بعض و أن يكن
قصده من كل علم يتحراه الترقي إلى العلم الذي يوجد فوقه من حيث الدرجة
و الشرف والمرتبة.
ينبغي ألا يحكم على فساد علم لوقوع الاختلاف بين أصحابه أو لوقوع واحد من المشتغلين به في الخطأ أو لقول العلماء ما لا يفعلونه و لفعلهم ما لا يقولونه فعليه ألا يعرف الحق بالرجال بل يعرف الرجال بالحق . وأن يعلم نسبة العلوم إلى القصد إذ يكفي أن يعرف المتعلم مقاصد العلوم حتى يختار أخيرها بالنسبة إلى غرضه .
ينبغي على المتعلم أن يأخذ من كل علم أحسنه و أن يقتنص من كل اختصاص ثمرته أذا لم يتسع العمر جميع العلوم , إذ كل علم يدرك شرفه بثمرته أو بوثاقة دلالته و النظر إلى شرف الثمرة أولى من النظر إلى وثاقة الدليل و يكفي أن يحصل على مبادئ كل علم أو حتى لمحة من لمحاتها حتى يحصل على المعرفة كلها وينال السعادة العظمى, لأن المرء إذا حدث الناس بحديث لا يفهمونه كان فتنة على بعضهم .
و من آداب المتعلم مع المعلم أن يبدأه بالسلام و يقل بين يديه الكلام و يقوم له إذا قام و لا يقول له قال فلان خلاف ما قلت و لا يسأل جليسه في مجلسه و لا يبتسم عند مخاطبته ولا يشير عليه بخلاف رأيه و لا يأخذ بثوبه إذا قام و لا يستفهمه عن مسألة في طريقه حتى يبلغ إلى منزله و لا يكثر عليه عند ملله
و إن كان المتعلم قارئا فلابد أن يجلس بين يديه جلسة التواضع و يجمع فهمه
و يخفض رأسه و يستأذن قبل القراءة و يسمي الأشياء بأسمائها و يضع الأمور مواضعها و يدعو له عند الفراغ بالسداد.
أما إذا كان المتعلم مستمعا فمن آدابه إظهار الخشوع و دوام الخضوع و سلامة الصدر و حسن الظن و اعتقاد القول و دوام السكوت و قلة التقلب و جمع الهم و ترك التهمة .
أما إذا كان طالبا فانه لابد أن يكتب المشهور ولا يكتب الغريب , يكتب عن الثقاة ولا عن المناكير و لا يغلب شهرة الحديث على قرينه و لا يشغله طلبه عن مروءته و واجباته , لابد أن يجتنب الغيبة و ينصت للسماع و يلزم الصمت بين يدي محدثه , و من آدابه قلة الإشارة و ترك الشطح في العبارة و التمسك بالعلم و دوام الكد و استعمال الجد و الاستيحاش من الناس بترك الشهرة في اللباس و لابد أن يتهجد و يتطهر و يدعو إذا استيقظ و يصون شرفه و لا يأكل بنسبه و لا يتعدى بحسبه و يأخذ بالفضل على من دونه و لا يساوي من هو مثله. يعرف الفضل لأهل العلم وان كان مثلهم في العلم أو أعلم , يهذب أخلاقه و يتحفظ في أفعاله و ألفاظه عند غضبه و خطابه .
ومن آداب القراءة مداومة الوقار و الحياء و مجانبة العبث و الخناء و لزوم التواضع , أما آداب الاعتكاف فهي دوام الذكر و جمع الهم و ترك الحديث
و لزوم الموضع و ترك المتناقلات و حبس النفس عن مرادها و منعها في محابها.
و إن لم يفهم المتعلم معاني ما سمع كشف له المعلم عن السبب المانع منها ليعلم العلة في تعذر فهمها, و ليس يخلو السبب المانع من ذلك من ثلاث أقسام إما أن يكون لعلة في الكلام المترجم و إما أن يكون لعلة في المعنى المستودع
و إما أن يكون لعلة في السامع المستخرج.
السبب الأول لم يخل من ثلاثة أحوال :
1 – أن يكون لتقصير اللفظ عن المعنى و ذلك إما من حصر المتكلم وعيه
و إما من بلادته و قلة فهمه .
2- أن يكون لزيادة اللفظ على المعنى و هذا قد يكون من أحد وجهين إما من هذر المتكلم و إكثاره و إما لسوء ظنه بفهم سامعه.
3- أن يكون لمواضع يقصدها المتكلم بكلامه فإذا لم يعرفها السامع لم يفهم معانيها.
السبب الثاني هو أن يكون المانع من فهم السامع لعلة في المعنى المستودع فلا يخلو المعنى من ثلاث أقسام :
1- المعنى مستقل بنفسه وهو ضربان جلي يسبق إلى فهم متصوره من أول وهلة و خفي يحتاج إلى إدراكه إلى زيادة و تأمل و فضل معاناة ليتجلى عما أخفى و ينكشف عما أغمض و باستعمال الفكر فيه يكون الارتياض به
و بالارتياض به يسهل منه ما استصعب و يقرب و منه ما بعد فان الرياضة جراءة و للدراية تأثيرا.
2- و أما المعنى الذي يكون مقدمة لغيره فضربان أحدهما أن تقوم المقدمة بنفسها و ان تعدت الى غيرها فتكون كالمستقل بنفسه في تصوره و فهمه وان كان مستدعيا لنتيجته . و الثاني أن يكون مفتقرا إلى نتيجته فيتعذر فهم المقدمة إلا بما يتبعها من النتيجة لأنها تكون بعض و تبعيض المعنى أشكل له و بعضه لا يغني عن كله.
3- و أما المعنى الذي يكون نتيجة لغيره فهو لا يدرك إلا بأوله و لا يتصور على حقيقته إلا بمقدمته و الاشتغال به قبل المقدمة عناء و إتعاب الفكر في استنباطه قبل قاعدته أذى .
السبب الثالث وهو أن يكون المانع لعلة في المستمع فذلك ضربان أحدهما من ذاته و يتنوع نوعين :
أحدهما ما كان مانعا من تصور المعنى و فهمه وهي البلادة و قلة الفطنة
و الثاني ما كان مانعا من حفظه بعد تصوره و فهمه وهو النسيان الحادث عن غفلة التقصير و إهمال التواني.
فينبغي لمن بلي بهذه الموانع أن يستدرك تقصيره بكثرة الدرس و يوقظ غفلة التقصير بإدامة النظر و أن يعتني بال حفظ بعد تصور و فهم و أن يزيل عن نفسه كل الشبهات و الطوارئ التي تغترض المعنى فتمنع من تصوره وتدفع عن إدراك حقيقته و ذلك بالسؤال و النظر ليصل إلى تصور المعنى و إدراك حقيقته بانبساط الآمال واتساع الأماني.
و قد ذكر الماوردي في كتابه أدب الدنيا و الدين :
” إن لهذه القلوب تنافر كتنافر الوحش فتألفوها بالاقتصاد في التعليم و التوسط في التقديم لتحسن طاعتها و يدوم نشاطها “.
و معنى التربية أن يكون المربي كالمزارع الذي يربي الزرع فكلما رأى حجرا أو نباتا مضرا بالزرع قلعه و طرحه خارجا ويسقي الزرع مرارا إلى أن ينمو ويتربى ليكون أحسن من غيره .
و إذا علمنا أن الزرع محتاج للمزارع علمت أنه لابد للمتعلم السالك من معلم مرشد مربي ليكون دليلا له يهديه إلى الطريق المستقيم و هكذا فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة فالمرشد هو الذي يكون قد خرج من باطنه حب المال والجاه و تأسس بنيان تربيته على يد مربي حقيقي و ذاق بعض العلوم
و الرياضيات واقتبس بعض الأنوار فكان نورا على نور و اشتهر بالسيرة الحسنة و الأخلاق المحمودة من صبر و شكر و توكل ويقين وطمأنينة و سخاء و قناعة و أمانة و حلم و تواضع و معرفة وصدق و وقار و حياء و سكون
و تأني و أمثالها و تطهر من الأخلاق الذميمة كالكبر و البخل و الحسد و الحقد و الحرص و الأمل الطويل و الطيش و نحوها و سلم من تعصب المتعصبين
و استغنى عن دعاوي المبطلين .
و شرط المعلم أن يكون عالما له أهلية صناعة التعليم لأن هناك من يدعو إلى اللهو و اللغو بينما المربي الحقيقي هو يعتقد اعتقادا سليما خاليا عن البدع
و يعمل على إرضاء الخصوم حتى لا يبقى عليه حق ضائع وان الاقتداء بمثل هذا المعلم هو عين الصواب والظفر بمثله نادر لاسيما في هذا الزمان .
فان فاز أحد بمثل هذا المعلم وجب عليه احترامه ظاهرا و باطنا.
الاحترام الظاهري ألا يجادله و لا ينكر عليه و لا يقيم الحجة عليه في أي مسألة ذكرها و إن تحقق خطأه و أن لا يتنقل كثيرا في حضرته و أن يفعل كل ما أمره به قدر استطاعته و أن لا يخضع له ولا لغيره و أن يبالغ في الامتثال لأمره و لو كان ظاهره في صورة المعصية.
أما الاحترام الباطني فهو كل ما سلمه له في الظاهر لا ينكره في الباطن و إلا كان منافقا فان لم يقدر على ذلك ترك صحبته حتى يكون ما في باطنه موافقا لما في ظاهره لأنه لا فائدة في الصحبة مع الإنكار بل ربما تكون سببا في هلاكه و منازعته.
و يختصر المعلم للمتعلم النصيحة في ثمانية أشياء أربعة تركية و أربعة فعلية حتى لا يكون علمه خصما له و حجة عليه.
أما النصائح التركية فأحدها ترك المناظرة بقدر الإمكان و إقامة الحجة على كل من يذكر مسألة فان آفات ذلك كثيرة و ضررها أكثر من نفعها إذ هي منبع كل الأخلاق الذميمة كالرياء و الحقد و الكبر و العداوة و غيرها فان وقعت بينك
و بين غيرك مسألة و أنت تريد بالمناظرة أن ينتشف الحق جاز لك البحث في تلك المسألة بالنوايا التالية :
1- ألا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو لسان خصمك بل تحب أن تنكشف الحقيقة على يد خصومك ليكون ذلك أدعى له إلى قبولها لأن قبوله من نفسه أقرب إلى قبوله منك.
2- أن يكون البحث في الخلوة أحب إليك منه في الملأ أما إذا قلت لأحد مسألة و أنت تعلم أن الحق بيدك وهو يستهزئ فاحذر أن تقيم الحجة معه و اترك الملام فانه يؤدي إلى الوحشة فلا تكون معه فائدة.
أما النصيحة المتروكة الثانية فهي أن تحترز من الوعظ و التذكير إلا أن تعلم أنك عملت أولا بما تقول مؤملا أن تتكلم فعظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي و إذا ابتليت بالوعظ لابد أن تحترز من التكلف في الكلام بالعبارات
و الإشارات والشطحات و الأشعار و أن تتذكر العاقبة و محاسبة الضمير
و موقف المصير.
النصيحة الثالثة هي ألا تميل إلى الملوك والأمراء والحكام و لا تخالطهم و لا تجالسهم بل و لا تنظر إليهم لأن في مخالطتهم و مجالستهم آفات كثيرة و إذا ابتليت برؤيتهم و مجالستهم فاترك مدحهم و ثناءهم و إذا جاؤوا لزيارتك فسبيلك أن يكون هكذا.
النصيحة الرابعة ألا تقبل منهم شيئا وان علمت أنه حلال لأن الطمع في مالهم يكون سببا لفساد التربية والتعليم والمداهنة والمحاباة و مراعاة جانبهم و الموافقة في ظلمهم.
هذه هي النصائح التركية بقي أن نحدد النصائح الفعلية التي لابد أن يعمل بها كل معلم و متعلم وهي أربعة أحدها أن تؤدى ما عهدت نفسك عليه مثل ما تحب أن يؤدى غيرك ما طلبته منه و أنت راض عنه وكل شيء لا ترضى بفعله عن غيرك فلا ترضي عن نفسك بفعله.
الثانية أن تشتغل بالعلم النافع في الواقع وهو الذي لو علمت أنه بقي من عمرك أسبوع لم تشغل بسواه وهو مراقبة العقل و معرفة صفاته و تطهيره من الذمائم و علائق الدنيا و تحليته بالمحاسن ومحبة الحق.
الثالثة هي أن تسمع كلمة واحدة و تأمل في حقيقتها و اعمل بها تجد فيها خلاصك ونجاتك, انه لا ينبغي لك إلا أن تشتغل بإصلاح ما تعلم أنه محل نظر الحق.
الرابعة هي أن تمتثل للأوامر و تجتنب النواهي و أن تدخر من القوت لمن لم يكن لهم قوة اليقين في يوم معلوم.
اعلم أن السؤال عن الأشياء المشكلة مثل عرض المريض علته على الطبيب
و الجواب مثل سعي الطبيب في شفاء هذا المريض فالجهلاء مرضى و العلماء أطباؤهم و العالم الناقص لا يليق أن يكون طبيبا لهم بل الذي يداوي المرضى هو العلم الكامل لأنه هو الذي يؤمل فيه أن يعرف حقيقة العلة و قد يكون المرض شديدا لا يمكن علاجه فمهارة الطبيب تكون في عدم الاشتغال بمداواته.
و اعلم أن مرض الجهل أربعة أقسام ثلاث لا علاج لها و واحد يمكن علاجه
فالأول أن يكون السؤال أو الاعتراض ناشئا عن حسد و الحسد مرض لا علاج له و أنك كلما أجبته بأي جواب تزينه و توضحه له لا يزيده جوابك إلا حسدا
و لا يزيده حسده إلا تكبرا فينبغي ألا تشتغل بجوابه و تدبيره أن تتركه بمرضه و تعرض عنه عملا.
الثاني أن تكون العلة من الحماقة و هذا لا يمكن علاجه في وقت قصير لقول عيسى عليه السلام ما عجزت عن إحياء الموتى و لكن عجزت عن إصلاح الحمقى. و هذا هو الذي اشتغل فترة وجيزة بتحصيل العلم و لم يشرع في العلوم العقلية أصلا ومع ذلك يعترض على الذين صرفوا عمرهم في
السعي نحو الحكمة و لا يعترض على علم عظيم إلا من يكون على جهل و عدم معرفة فهذا لم يعرف قدر نفسه و لا قدر هذا العالم من حماقته .
الثالث أن يكون السائل مسترشدا ليس فيه أهلية لفهم كلام الأكابر لقصور فهمه عنه و يسأل عن جهة الاستفادة عن غوامض الأمور التي يكون قاصرا عن إدراك حقائقها و لا يرى قصور فهمه فلا تشغل بجوابه أيضا فنحن معاشر الحكماء أمرنا بأن نكلم الناس على قدر عقولهم.
الرابع أن يكون مسترشدا ذكيا لبيبا عاقلا ليس مغلوب الغضب والشهوة والجسد وحب المال والجاه بل طالبا لطريق الحق سائلا من غير تعنت فهذا المريض يمكن علاجه فالاشتغال بجوابه لائق بل واجب.
فإذا ذهبت في طريق الحق سريعا ترى العجائب وإذا أشكل عليك شيء بعد هذا فلا تسأل عنه حتى يحدث لك منه ذكرا و لابد لك مع العمل من بذل روحك في سبيل الوصول إلى حضرة الحق فان العمل دون بذل الروح لا يفيد.
En ces conditions, Heidegger dit : « l’étudiant doit être traîné, doit être forcé dehors vers l’insécurité de toute chose, insécurité qui fonde la nécessité de l’engagement. Les études doivent devenir à nouveau une aventure, une entreprise hasardeuse, un risque… »
5- شروط نجاح الفلسفة المتعلمة :
اعلم أن فلسفة التعلم أو تعلمية الفلسفة هي أعظم الصناعات و أشرف الفنون لأن جميع الأمور موقوفة عليها بينما هي موقوفة على ذاتها ولا تحتاج لأي أمر خارجي و ما هو مطلوبنا من تعليم الفلسفة ليس مجرد النظر و لا التأمل والتفكير بل حيازة جميع الهيئات و اكتساب كل الملكات مع تهذيب النفوس
و تطهير الأعراق و تنقية العقول .
و غني عن البيان أن شرف الفلسفة مدرك بضرورة العقل و العقل سراج منير لظلمات الحواس و متشابهات و غوامض النصوص و كلما كانت معرفتنا بالعقل أتم كانت معرفتنا بالفلسفة و بتعليمها أتم و لعله من نافلة القول أن نكون الفلسفة حب الحكمة و أن يسمى المشتغل بها حكيما فالحكمة لا تؤتى إلا لمن شمر في طلبها و بذل الجهد للسعي نحوها و من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا لأن
الحكماء ورثة الأنبياء و الأنبياء قدوة الحكماء و مثالهم الذي يحتذي, زد على ذلك أن الحكمة تزيد تعلمها الشريف شرفا و ترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك و أن الفلسفة لا تقل فضيلتها عن فضيلة و إيثارها و اقتنائها خصوصا وأن كمالها في نفس المؤثر المحب هو غاية لا تدرك إلا بالزيادة في الفضل
و بالتشارك في البذل و العطاء بين الراغب و الزاهد.
و إن كانت الفلسفة من الدرر اللماعة و الحقائق الفاخرة و الفكر المضخمة
و الجواهر النفيسة و كان الجوهر النفيس منقسما بطبعه إلى ثلاث ضروب ما يطلب لغيره و ما يطلب لذاته وما يطلب للاثنين معا و كان ما يطلب للاثنين أرفع شأنا من ما يطلب لغيره و من ما يطلب لذاته فانه من البديهي أن تكون الفلسفة من الصناعات التي تطلب لذاتها و لغيرها من الغايات النبيلة الأخرى في الآن نفسه بحيث لا يتناقض فيها النظر مع العمل و المعرفة مع المنفعة و المتعة مع السعادة و التواضع مع الرئاسة و الشهرة مع المجد.
و رغم كون الفلسفة معرفة لغاية المعرفة و تأمل غايته في ذاته إلا أنها مع ذلك معرفة من أجل المنفعة و السيطرة فجوهرها عملي حتى و إن كانت ذات طابع تأملي.
و أن تكون الفلسفة من جلائل الأعمال و خلائص الأفعال فان هذه الخصائص لم تصنها من هجمات الغرباء و من مكائد الأعداء فالقوم قد اختلفوا حولها
و الآراء و التصورات قد تطارحت و تناطحت فهناك من استهجنها و استراب منها فمنعها وقيدها ووصل الأمر إلى حد تحريمها و طمس معالمها بحرق كتبها و هناك من استحسنها و أباحها و أجازها و وصل الأمر إلى حد فرضها
و تأكيدها و اعتبارها واجب شرعي كلف به العاقل المستخلف يخرج به من حال الجحود إلى حال الشهود.
على هذا النحو عدها جهابذة المعرفة و الراسخون في العلم فرض كفاية و دعوا إلي الجهاد للفوز بها و طلبها من المهد إلى اللحد و من الغرب إلى الشرق
و أكدوا على أنها من الأمور التي لا يستغنى عنها في تهيئة العقول و فلاح البصائر و صلاح الضمائر لما تفيد من زيادة القوة في القدر المحتاج إليه.
بيد أن الطائفة الثالثة من الدهماء الرعاع الذين ينساقون مع كل داع و يستجيبون لكل مناد, يحسبونها من عوارض الأمراض و نزلات الأسقام التي تحل بالأمم و يحتجون بأنها من الأمور المذمومة المعطلة للعقول المحيرة المذهبة للاعتدال و المعرضة للاعتلال و المهلكة للأنفس و ذلك لعسر العبارة فيها و غموض الدلالات و تشبعها بالالتباس و لكثرة ما تبطنه و قلة ما تظهره.
لهذه الاعتبارات اتفق الجميع على إدانتها و تشكل رأي عام مشترك ضد تواجدها في الفضاء العمومي نازعا منه إمكانية الشيوع و معترضا على إقامتها ضمن الوضع البشري و قد تم الإبقاء لها على حق التعشيش في التخوم
و التراكين و التحليق في الأعالي و التوطين في القمم أو السراديب و الكهوف المظلمة أين تختبئ مثلما تدفن الذخائر النفيسة .
و آيتهم في ذلك أن الفلسفة من المتممات و الكماليات و ليست من الأصول و الضروريات التي تدبر حياة الإنسان و تجعل حال الناس مستقيمة.
من هذا المنطلق وصفت الفلسفة بأنها مغرس الفواحش و منبت الأعمال المحظورة تزين الخطأ و تهادن العيوب و تنصر الظالم على المظلوم وتكثر اللخط و المجادلة في ما هو مظنون فتكون مصدر بدع و تشويش لعقيدة الجمهور و تقوم على التهويل حينا و التنقيص و الاستصغار آخر.
و إذا شخصنا حال الفلسفة اليوم و أمعنا النظر في منزلتها في المجتمع بالمقارنة مع بقية العلوم و المعارف فإننا نلاحظ استقالة الفلاسفة و تحولهم إلى كلاب حراسة لكونه يعيشون في حالة غياب فظيعة عن الواقع فهم أخف من الملائكة و لا يشعرون بأي انجذاب نحو الأرض يمسكون عن إبداء الرأي و يهربون من مواجهة المسائل المستعصية و يتخاذلون عن اتخاذ أي موقف بل يخونون
الوعود التي قطعوها على أنفسهم.
فماهي أسباب الاعتراض على تعليم الفلسفة ؟
و ماهي علل ذمها من طرف العامة ؟
1-إن منشأ الالتباس و سوء الفهم للفلسفة متأتي من تحريف صاحب الظن لمقاصدها و تحويل أغراضها المحمودة إلى أغراض منفرة و جعل الأصول فروعا و الفروع أصولا.
2-الظن بأن الفلسفة علم لا ينفع و جهل لا يضر وجودها مثل غيابها و حضورها مشابه لعدمها و إن وجدت لا تحقق الإضافة و إن انعدمت لا يؤثر تلاشيها في تماسك نظام الأشياء و تراتب الأفكار , فإذا كان ثمة من العلم جهلا ما و من القول عيا ما فان الإنسان العامي يؤثر قليل من التوفيق خير من كثير من العلم .
3-زعم ضعاف النظر و رهيفي القلوب أن الفلسفة بعيدة المنال و عويصة المطلب لأنها عميقة و مجردة لا ترتقي إليها الفطر و الأذهان إلا بعد مكابدة و مجاهدة, فالفيلسوف عملة نادرة تجود بها علينا الطبيعة لماما, كما أن التفلسف تدرب على الموت و استعداد له و تجربة قاسية ليس في استطاعة البشر العاديين ممارسته خصوصا و أن التفكير يشقي البشر أكثر مما يشقيهم أي شيء
آخر.
4-الفلسفة ناتجة عن الصلف البشري و عناده و تعطشه نحو المطلق و فضوله و رغبته في إدراك الكلي و بلوغ الفكرة الشاملة و النظرة الموسوعية و كل هذه المقاصد هي مستغلقات إن تشبث بها الذهن البشري تاه في بيداء الوهم و كانت مصدرا مؤكدا للريبة و النزاع.
5-الاعتقاد بأن الفلسفة تسبب الضرر لصاحبها و لمتعلمها, تؤدي إلى التفرقة و تكثر اللجج بالرأي و الاشتغال بالجدل, تجبر الإنسان على مغادرة المألوف و تجاوز السائد و تسقطه في ألم الغربة و الوحشة.
-6 الفلسفة علم قليله محمود و كثيره مذموم, ضرره يغلب نفعه, تجعل المهتم بها مشغولا تائها ولهانا بالحكمة منشغلا عن نفسه, متفرغا للوجود مع غيره فارغا من الوجود مع ذاته, يشتغل بإصلاح طريقة تفلسفه و ترتيب نظام حياة الآخرين قبل اشتغاله بإصلاح نفسه و تدبير أمور حياته.
على هذا النحو يذهب التفلسف الصحة و الاعتدال و يورث السقم و الاعتلال و يذبل العافية و الجمال و يأتي بالذهول و الداء العضال لأن الفيلسوف يعلم دقيق المعارف قبل عامها و خفيها قبل جليها و يصرف العمر عما هو أفضل و يهتم بتافهات الحياة ظانا أنها اللب و الصميم و يهدر الجهد فيما هو أرذل معتقدا أنه اللدني و الأشرف.
تلك هي بعض الشوائب و الأحكام المسبقة التي ترسخت عند العامة عن الفلسفة فحجبت روحها المتقدة و ديناميكيتها المتجددة و جعلتها موجهة إلى غير مقاصدها و مقامة في غير محلها و مستخدمة في غير أصلها وهو يقتضي نوعا من التدبر و المعالجة لغرض تحطيم هذه الآراء و تنقية هذه الأدران بغية فك القول الفلسفي من عقاله و التشريع لإمكانية تدريسه بإعطائها تعلمية ناجحة
خصوصا و أن كل إنسان فيلسوف و السؤال من هو الإنسان؟ هو السؤال الأول و الأساسي في الفلسفة و بالتالي ينبغي تبديد الرأي الشائع بأن الفلسفة مسألة غريبة و شاقة لكونها نشاط متميز يتعاطاه فئة من الاختصاصيين و المنهجيين والمحترفين و إقرار أن كل البشر فلاسفة و لو على نحو غير واع و كل بطريقة خاصة و ذلك لوجود فلسفة عفوية يمارسها الجميع كامنة في مجمل نظام المعتقدات و أنماط السلوك توجد في الأمثال العامية و الحكمة الشعبية.
فكيف تكون الفلسفة المتعلمة قنية ناجعة للتربية ؟
إذا كان مطلب المتعلم العلم بحقائق الأمور و فهم حقيقة الفلسفة ماهي فانه قد ظهر له أن العلم اليقيني هو الذي تنكشف فيه الحقيقة من احتجابها و لا يبقى معها إمكان الغلط و الوهم و اعلم أن العلم تصور النفس الناطقة المطمئنة بحقائق الأشياء و صورها و العالم هو المحيط المدرك المتصور و المعلوم هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس و شرف العلم على قدر شرف معلومه و رتبة العالم تكون بحسب رتبة العلم. فاعلم أن العلم شريف بذاته من غير نظر إلى جهة المعلوم و ذلك أن العلم ضد الجهل و الجهل من لوازم الظلمة من حيز السكون و السكون قريب من العدم و إذا كان الجهل حكمه حكم العدم و العلم حكمه حكم الوجود و الوجود خير من العدم و الهداية و الحق و النور كلها في سلك الوجود فإذا كان الوجود أعلى من العدم فالعلم أشرف من الجهل فإن الجهل مثل العمي و الظلمة و العلم مثل البصر والنور. إذا كان العلم خيرا من الجهل و الجهل من لوازم الجسم و العلم منصفات النفس و النفس أشرف من الجسم و للعلم أقسام كبيرة و للعالم في طلب العلم طرق عديدة .
و الآن بعد معرفة فضل العلوم لا يتعين عليك إلا معرفة الطرق الموصلة إليه لأنها لوح العلوم و مقرها و محلها. اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين أحدهما التعليم الإنساني و الثاني التعليم الرباني, أما الطريق الأول فطريق معهود و مسلك محسوس يقر به جميع العقلاء و يحصل على وجهين :
أحدهما من خارج وهو التحصيل بالتعلم و الآخر من داخل وهو الاشتغال بالتفكر و التفكر من الباطن بمنزلة التعلم في الظاهر فان التعلم استفادة الشخص من الشخص الجزئي و التفكر استفادة النفس من النفس الكلي و العلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض و الجوهر في قعر البحر أو في قلب المعادن و التعلم هو طلب خروج ذلك الشيء من القوة إلى الفعل و التعليم هو
إخراجه من القوة إلى الفعل و نفس المتعلم تتشبه بنفس المعلم و تتقرب إليه بالنسبة فالعالم بالإفادة كالزارع و المتعلم بالاستفادة كالأرض و العلم الذي هو بالقوة كالبذر و الذي بالفعل كالنبات فإذا كملت نفس المتعلم تكون كالشجرة المثمرة أو كالجوهر الخارج من قعر البحر و إذا غلبت القوى البدنية على النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلم و طول المدة و تحمل المشقة و التعب
وطلب الفائدة و إذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل التفكر عن كثرة التعلم, فإن القابل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ما لا تجد نفس الجامد بتعلم سنة فإذن بعض الناس يحصلون العلوم بالتعليم و بعضهم بالتفكر والتعلم يحتاج إلى التفكر فإن الإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء الجزئية و الكلية و جميع المعلومات بل يتعلم شيئا و يستخرج بالتفكر من العلوم شيئا.
ان أكثر العلوم النظرية و الصنائع العلمية استخرجتها نفوس الحكماء بصفاء ذهنهم وقوة قريحتهم وحدة حدسهم من غير زيادة تعلم أو تحصيل, ولولا أن الإنسان يستخرج بالتفكر شيئا من معلومه الأول لكان يطول الأمر على الناس و لما كانت تزول ظلمة الجهل عن القلوب لن النفس لا تقدر أن تتعلم جميع مهماتها الجزئية و الكلية بالتعليم بل بعضها بالتحصيل وبعضها بالنظر كما يرى عادات الناس وبعضها يستخرج من ضميره بصفاء فكره وعلى هذا جرت عادة العلماء وتمهدت قواعد العلوم, حتى أن المهندس لا يتعلم جميع ما يحتاج إ ليه في طول عمره بل يتعلم كليات علمه وموضوعاته ثم بعد ذلك يستخرج و يقيس, وكذلك الطبيب لا يقدر أن يتعلم جزئيات أدواء الأشخاص
وأدويتهم بل يتفكر في معلوماته الكلية ويعالج كل شخص حسب مزاجه و كذلك المنجم و الفقيه والأديب, وهكذا إلى بدائع الصنائع فواحد وضع آلة الضرب وهو العود بتفكره وآخر استخرج من تلك الصنائع البدنية والنفسانية أوائلها محصلة من التعلم والبواقي مستخرجة من التفكر. وإذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب فينشرح قلبه وتنفتح بصيرته فيخرج ما في نفسه من القوة إلى الفعل من غير زيادة طلب وطول تعب.
الطريق الثاني وهو العلم الرباني على وجهين الأول إلقاء الوحي وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والأمل الفانية وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها وتتمسك بجود مبدعها وتعتمد على إفادته وإشراقة أنواره.
الوجه الثاني هو الإلهام وهو تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها و قبولها وقوة استعدادها. والإلهام هو أثر الوحي فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي والإلهام هو تعريضه والعلم الحاصل عن الوحي يسمى علما نبويا والذي يحصل عن الإلهام يسمى علما لدنيا والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس والباري وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف, ومن النفس الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه ويصير العقل الكلي المعلم والنفس القدسية كالمتعلم فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر.
هذا ما قاله الغزالي في الرسالة اللدنية فماذا ستقول الناشئة العربية الأبية حول جدارة الفلسفة في التعلم وأهليتها مع الشريعة في قيادتها لصنع الحضارة وتعليم شعوب العالم.
::. زهير الخويلدي
الهامش:
—-
[1] حميد بن عزيزة ممكنات التفلسف اليوم المجلة التونسية للدراسات الفلسفية عدد32/33 ص7

92 Views

عن

إلى الأعلى