الرئيسية » موسوهة دهشة » الفنون » التمثيل و السينما » المسرح » تاريخ مسرح الطفل في المغرب – الدكتور جميل حمداوي

تاريخ مسرح الطفل في المغرب – الدكتور جميل حمداوي


تاريخ مسرح الطفل في المغرب – الدكتور جميل حمداوي

تمهيد:

من المعروف أن مسرح الطفل في المغرب لم يظهر بشكل رسمي إلا في سنوات السبعين، وبعد ذلك سيتطور شكلا ومضمونا ووظيفة، وسيعرف عدة مراحل تطورية في تماثله مع الظروف المرجعية الخارجية سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية أم ثقافية. ولكن هذا المسرح له تاريخ يعود به إلى فترة الحماية، ولا نغالي إذا قلنا بأن هذا المسرح له ذاكرة موغلة في القدم إذا تمثلنا الظواهر والأشكال ماقبل المسرحية واسقرأنا الألعاب الفرجوية التي كان الطفل يقوم بها بشكل شعوري ولا شعوري.

إذا، ماهي مراحل مسرح الطفل بالمغرب؟ وماهي أهم تصنيفاته التيولوجية؟وماهي أهم الملاحظات التي يمكن أن نخرج بها ونحن نستعرض تاريخ مسرح الطفل بالمغرب؟

أ‌- مسرح الطفل وإشكالية التصنيف:

يمكن تقسيم مسرح الطفل في المغرب إلى المراحل التالية:

1) مرحلة الظواهر المسرحية أو الأشكال الاحتفالية.

2) مرحلة النشأة أو البدايات التمهيدية.

3) مرحلة التأسيس والبرمجة.

أو يمكن تقسيمه إلى مراحل أخرى:

1- مرحلة الهوية (الظواهر الشعبية التقليدية).

2- مرحلة الانبهار (بالمسرح الاستعماري).

3- مرحلة اختلاط مسرح الطفل بمسرح الكبار أو مرحلة التعرف والتأثر والتلاقح بمؤثرات شرقية وغربية.

4- مرحلة التخصص

و سنعتمد في هذه المحاولة المتواضعة التقسيم الأول لوضوحه وفعاليته الإجرائية والمنهجية.

1- مرحلة الظواهر المسرحية:

كان مسرح الطفل في هذه المرحلة تقليديا شعبيا وفطريا قائما على الارتجال والاحتفال واللاشعور الإبداعي فرديا كان أم طقسيا أم جماعيا. وتتمثل هذه الظواهر ما قبل المسرحية في حرق البخور وتلاوة الأهازيج الشعبية عند ولادة الطفل علاوة على أغاني الاستسقاء والأدوار الإيهامية مع الدمية والأناشيد والألعاب الجماعية وخيال الظل وحفلات البساط وأدوار العريس والعروسة ومغرفة تاغونجا وعرائس عاشوراء وصندوق العجب (خيال الظل) ، وسنورد بعض هذه الأشكال التقيلدية بنوع من التوضيح والتدقيق:

* سلطان الطلبة:

ظهر هذا الشكل المسرحي الاحتفالي التربوي في عهد الدولة العلوية خاصة في عهد مولاي رشيد بمدينة فاس ما بين (1666-1672م) ، حيث يتقمص أحد الطلبة النجباء من جامع القرويين دور السلطان بعد أن يشتري تاج العرش في المزاد العلني ويرسو عليه البيع. وبعد التنصيب تكون حكومته وحاشيته من زملائه الطلبة ويحاط بالأبهة والتوقير والتعظيم. ويحق لسلطان الطلبة أن يعبر للملك الحقيقي للبلاد عن بعض المطالب التي تهم الطلبة أو الوطن. ويتوّج السلطان في يوم الجمعة ويخرج موكبه في شوارع فاس وأزقتها لتأدية الصلاة وزيارة الأضرحة خاصة أضرحة أولياء الصالحين (نذكر على سبيل المثال: حمة سيدي حرازم بفاس حيث ضريح السلطان مولاي الرشيد) ، ويتقابل الملكان: الحقيقي والمشخصاتي في خيمة تنصب للملك الشرعي بالقرب من خيمة الباشا على ضفاف وادي فاس حيث " تقام الحفلات في الهواء الطلق..و إذا تعذر ذلك زيارة أحد أفراد العائلة الملكية وكل يحرسه، ويطلب وزير سلطان الطلبة من الملك الشرعي بالدخول إلى مملكته، ثم يأتي دور المحتسب الممتطي ظهر جمل، حيث يلقي في حضرة الملك خطبة ساخرة تستوحي حسب الترتيب الغنائي سائر عبارات خطبة صلاة الجمعة التقليدية، مما يثير الضحك لدى الجميع، بعدها ينقطع المسرح والعبث ثم ينزل سلطان الطلبة من أعلى ظهر حصانه ليقبل ركاب الملك الشرعي ويتقدم له بمطلب يرجوه فيه تحرير أحد السجناء مثلا.

وسنورد خطبة من تلك الخطب التي يلقيها سلطان الطلبة لإضحاك المستمعين وهي تدور حول أنواع الأطعمة والفواكه محتذيا بناء خطبة الجمعة مستعملا الفصحى والدارجة المغربية:

"الحمد لله الذي هدانا لخطبة الزردة ولا يحرمنا وإياكم منها، حتى نتصرفوا عليها بصحة الأبدان. بجاه السيد العدنان، عباد الله، الحمد لله الذي خلق الإنسان، وخلق اليدين والفوم، وجعلهما مخصوصين لأكل الدجاج والرمان".

إلى أن يقول: " إخواني احضيوا الزردة كما تحضيوا الصلاة، فإنها قريبة ولو كانت بينكم وبينها خمسين سنة. وإذا مات منكم رجل فغسلوه بالرايب الممجوج، وكفنوه في الثريد المخبوج، واحفروا في الكساكس المزعفرة، والحدوا عليها بالشهدة المعمدة، اللهم سمعنا ارفد هذا واطرح هذا، ولا تسمعنا بحس الطاس والمنديل".

ثم يدعو لسلطان الطلبة قائلا: " وانصر اللهم من قلدته أمر نعامك، وأشهرته في أقطارك وبلادك، سيدنا السلطان أمير الطلابة، مولانا أبا الكسكس المجيد، المصنوع من الخالس والسميد، وارض اللهم عن وارث ملكه السلطان المؤيد، الذي أشهرته للكبير والصغير، سيدنا ومولانا البغرير".2

وينظم الطلبة في هذا المهرجان العلمي السلطاني حلقات وندوات ثقافية تلقى فيها الخطب والقصائد الشعرية وغير ذلك من الفنون الأدبية. وفي نهاية الليلة السابعة، ينبغي على سلطان الطلبة أن يغادر عرشه وإلا تعرض للضرب بالعصي من قبل حاشيته الطلابية وإلقائه في الوادي لإشعاره بزيف ملكه وتعطيل سلطته بعد أن تربع على عرش الحفل أو المهرجان أسبوعا كاملا.

وما يهمنا من كل هذا أن بساط سلطان الطلبة مسرح احتفالي طفلي يشترك فيه الكبار والصغار خاصة تلاميذ وطلبة جامع القرويين.

ويصور لنا الشاعر والمفكر المغربي علال الفاسي "سلطان الطلبة" في رائيته وهو يشير إلى التلميذ وهو يتمسرح احتفاليا:

إذا جاء إبان الربيع وأينعت *** عضو ثر وهبت رائحة الأزاهر

فللقرويين العظيمة محفل *** له موكب بين الرياض الزاهر

تقوم له بين المحافل دولة *** لها ملك من بينهم غير قاهر

يتم به في شاطئ النهر نزهة *** مغاربها تزهو بوادي الجواهر

ويخرج سلطان التلاميذ راكبا *** على فرس في جيشه المتكاثر

عليه مظل الملك ينشر بينما *** بيارقه في العين مثل البواتر

وتصدح أنغام العساكر حوله *** ويتبعها أصوات طبل وزامر

يحف به أتباعه وجمعهم *** له لبدة حمرا تروق لناظر

وفي وسط الأيام يأتي لربعه *** جلالة مولانا بركب مظاهر

ويأتي بأنواع الهدايا موضحا *** لقيمة أهل العلم عند الأكابر

ويخرج أبناء المدارس كلها *** لرؤية عيد الأنس بين المناظر

فلا زال عيد الأنس يزهو بأهله*** دليلا على مجد لقومي غابر

وهكذا يتجلى لنا أن سلطان الطلبة مسرح مدرسي تعليمي يتوفر على كثير من مظاهر الدرامية والتمسرح من خلال تداخل اللعب والفرجة المشهدية والضحك الكوميدي والقصة المعروضة والتمثيل الطفولي (التلاميذ).

و يرى الدكتور حسن المنيعي أن سلطان الطلبة " وقعة مسرحية (un happening) بمعنى الكلمة، لأن مراحلها وفصولها تقوم على الأداء العفوي والارتجال وفنون الأدب والشعر. وهذا يعني أنها تؤسس تمسرحها (théâtralité) بمحض الفضاء الذي تجري فيه، وكذا بمحض عنصر الاندماج في اللعب الذي يحمل المشاركين والمؤدين على الانصهار في أدوارهم، لدرجة أن "الإيهام" المتولد عنها يعد شاملا يوازي شمولية التظاهر نفسها، نظرا لما تحتويه من فنون التشخيص والحكي، والإلقاء الشعري، والغناء الشعبي (قصائد الملحون) ".2

* الحلقة:

تعتبر الحلقة من أهم الأشكال الدرامية الشعبية التي استهوت عامة الناس والأطفال الهاربين من الكتّاب والمدرسة قصد سماع ما يقصه الراوي من قصص وحكايات. وتكون المشاركة في هذه الحلقة التي ينشطها (الحلايقي) إما فردية وإما ثنائية وإما جماعية، وقد يشارك فيها الأطفال الصغار. ومن القصص الشعبية التي تروى في هذه الحلقات الدائرية التي تعج بها الأسواق والساحات العمومية قصة عنترة بن شداد وقصة سيف بن ذي يزن وقصة سيدنا علي مع رأس الغول وسيفه المرشوق. " وينشد الرواة في هذه الحلقات الملحون والزجل ويقومون بأداء أدوار اجتماعية ونقدية كتشخيص دور البخيل والابن العاق وسلوك الغني والفقير… ويطلبون من الجمهور التصلية على النبي (ص) أو التأمين للمدعو له بقول آمين أو بالتصفيق أو بحمل أو مسك إكسسوار يصلح للعرض الخ…"

ويلاحظ أن فضاء الحلقة الذي يحضره الأطفال الصغار للفرجة عبارة عن عوالم يمتزج فيها الواقع والخيال والتاريخ، لأنه مكان لا زمني يظل مفتوحا عبر شكله الدائري وفرجاته القائمة على الارتجال والفانتازيا، وبلاغة الجسد والإيقاع والموسيقا. الشيء الذي يجعله يستحضر كل الأزمنة في لحظة واحدة إما على لسان الراوي، وإما في حركات عبيدات الرما وأولاد سيدي أحماد وموسى، ووإما في لوحات "القراد" ومقالب شخصيات فذة أمثال جحا، وجحجوح، وحديدان، والساط، وبقشيش، ولمسيح وغيرهم"

* العنصرة والعجوزة:

تكون "العنصرة" في شهر يونيو أي في شهر الحصاد، فيقوم الأطفال بجمع التبن وإشعال النار والرقص حولها، والقفز عليها، ويرافق الصغار الكبار في هذه المناسبة الاحتفالية، فترش النساء البيوت بالماء وترقى الثياب بورق الكرنب ويغتسلن. أما العجوز أو الحكوزة فتعني بها ما يصنعه الأطفال من أقنعة كارطونية أو يصبغون وجوههم بالفحم أو مادة أخرى لإثارة الخوف لدى الآخرين من زملائهم وهم يجوبون الأزقة والشوارع ويرددون:

حكوزة حكزيم تاكل روث البهائم

فيقصد بالحكوزة في الدارجة " العجوزة"…تحقيرا لها لنزعة الشر فيها وطابعها العدواني كما تشخص ذلك مجموعة من قصص الرسوم المتحركة الأجنبية والعربية ولاسيما حكايات سندباد البحري.

• الأشكال اللعبية الأمازيغية:

ظهرت في المناطق الأمازيغية وخاصة في منطقة الريف قبل الاستقلال وبعده مجموعة من القوالب الدرامية التي شكلت ما يسمى بالظواهر المسرحية الفطرية أو ما يسمى بفترة الأشكال اللعبية التي اتخذت أبعادا طقوسية واحتفالية، وكان الأطفال والشباب يشاركون في تمثل هذه الأشكال اللعبية تنشيطا وتمسرحا.

و نستحضر من هذه الظواهر ماقبل المسرحية: " فولعلاع"، و" شارح ماجّاح/ القفز فوق النار بعد أيام الحصاد"، و" قاشقاش"، و"أقلوز"، و"إيمدقان/ لعبة الحصى أو لعبة القض والقضيض"،، و"أقنوفار/ لعبة الاختفاء"، و" ثيحوجا نتوافيت/ الحكايات الملغزة"، و" ثيحوجا طامزا/ حكايات الغولة"، و" بي˜و صورو تايني/ ركوب طفل فوق ظهر طفل آخر بالتناوب"، و" زيمزامزو"، و"أوليمان/ لعبة المسدس ورفع اليدين"، و" ثيخامين/ لعبة صنع المساكن الحجرية أو الرملية على شاطئ البحر أو قرب منازل الأطفال في المداشر والقرى"، و" موراي تاسريث/ العروس والعريس"، و" ثاسريث أونزار/ عروس المطر"، و" يصو/ لعبة الحجلة"، و"رقام"، و"ريالاو"، و" تولاّ "، و" ندار ثاشنيفت/ رمي الخبزة في الهواء"، و"أمسجباذ/ لعبة شد الحبل وجذبه"….

ومن هذه الألعاب ماهو أمازيغي أصيل يحمل في طياته أبعادا أنتروولوجية وثقافية وحضارية، ومنها ما هو غربي وافد ومستورد عن طريق التأثر بالمستعمر الأجنبي ك" أوليمان"، و" يسو/ الحجلة"، و" ريالاو"،…

وكان الإخراج المسرحي في هذه المرحلة عملا جماعيا فطريا بطريقة عفوية لعبية عشوائية، وكان الممثلون جميعهم مخرجين يقومون بعملهم بكل بساطة وسذاجة فنية. ولا يمكن الحديث هنا عن الإخراج المسرحي بالمفهوم المعتاد للإخراج إلا من باب التجاوز ليس إلا.

و لكن هذه الظواهر الشعبية الاحتفالية – على الرغم من طابعها اللعبي والدرامي – لم تشكل البداية الحقيقية لمسرح الأطفال؛ لأن هناك محطات تاريخية أخرى لابد من الوقوف عندها.

2- مرحلة النشأة أو البدايات التمهيدية:

تمتد هذه المرحلة من 1860م إلى غاية السبعينيات التي انطلق فيها مسرح الطفل تخصصا وبرمجة. وإن كان المغرب قد عرف مسرح الطفل قبل هذه الفترة الأخيرة بسبب التفاعل مع الاستعمارين: الفرنسي والإسباني.

ففي سنة 1860م، يعرض بمسرح إيزابيل الثانية بتطوان مسرحية طفلية بعنوان " الطفل المغربي " El Niño Moreto لفرقة (بوروتون) الإسبانية، وكان العرض يقدم الطفل المغربي من خلال رؤية عنصرية واستعمارية تتمثل في التركيز على سذاجة هذا الطفل وبداوته وتخلفه.

وكانت هذه المسرحية هي الأولى والأخيرة لفترة طويلة من تاريخ المسرح الطفلي بالمغرب حتى المرحلة الثانية من نهضة المسرح المغربي وهي فترة 1913 م حين نشوء مسرح سرڤانطس بطنجة وتقديم مسرحية بعنوان (أبناؤنا) سنة 1923 م.

هذا، ويمكن أن نعتبر سنوات الثلاثين بداية تنشيط المسرح المغربي ونهضته فيما يتعلق بمسرح الطفل، إذ تأسست الفرق المسرحية المغربية بعد لقاء مع الفرق العربية خصوصا المصرية منها والتي زارت المغرب سنة 1923 م كفرقة فاطمة رشدي وفرقة محمد عز الدين، وانطلق بعد ذلك المسرح المدرسي الذي يمثله قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس بفاس والذين شكلوا فرقة مسرحية سنة 1923 م، وسميت بعد ذلك بالجوق الفاسي، وقدمت عروضا للأطفال مثل: " أين الإحسان؟"، و"اليتيم المهمل"، و"المثري العظيم"، و"أدب العلم ونتائجه…". وانطلقت كذلك فرق مسرحية وجمعيات أخرى لترتاد عالم التمثيل والدراما اقتباسا ومغربة وتأليفا مع الاهتمام بالخصوص بالمواضيع التاريخية والوطنية والاجتماعية والأخلاقية والرمزية. وبذلك اختلط مسرح الطفل بمسرح الكبار كما اختلط مسرح الاحتراف بمسرح الهواية.

وبالإضافة إلى ذلك، ، فقد ظهرت عدة جمعيات وفرق مسرحية سواء ارتبطت بالخشبة العمومية أم بالخشبة المدرسية في عدة مدن مغربية منها: سلا والدار البيضاء والرباط وفاس وطنجة وأصيلا ومراكش. ونذكر من بين هذه الفرق والجمعيات:

1. فرقة ثانوية مولاي إدريس الإسلامية بفاس (1923م) ؛

2. جمعية النادي الأدبي بسلا (1927م) ؛

3. فرقة المدرسة الحرة بالرباط (1928 م) ؛

4. جمعية الطالب المغربية (1932م) ؛

5. جمعية المعهد الحر (1937 م) ؛

6.فرقة الهلال البيضاوي بالبيضاء (1941م) ؛

7.فرقة الشمس التمثيلية البيضاوية (1942م) ؛

6. تلاميذ المدرسة العربية الفرنسية بمراكش (1943م) ؛

7. جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الحرة (1945م) ؛

8. جمعية الكشاف الطنجي (1946م) ؛

9. جمعية شباب سلا العامل والكشافة (1947م) ؛

10. فرقة الطالب المغربي أو جمعية الطالب المغربي (1948م) ؛

11. فرقة المدرسة القرآنية الأصيلة (1949 م) ؛

12. فرقة النجم الأصيلي (1956 م) ؛

13. جمعية تلاميذ ابن الخطيب بطنجة (1961 م) الخ…

وما يلاحظ على هذه الجمعيات أن نصوصها المسرحية تتسم بالرمزية والاتكاء على التاريخ والموروث والإحالة على البعد الوطني وغرس القيم الدينية والأخلاقية وتناول الأمور السياسية والاجتماعية بطريقة غير مباشرة والتشديد على اللغة العربية، بينما لم تستعمل الدارجة إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ومن ثم، اتخذت المسرحيات المعروضة طابعين: طابعا تراجيديا وطابعا كوميديا، وانساقت مع اتجاهات فنية ونوعية مثل: الاتجاه التاريخي والاتجاه الديني والاتجاه الاجتماعي والاتجاه السياسي.

وبعد الاستقلال، سيظهر مسرح العرائس في سنة 1959 م والذي ستهتم به وزارة الشبيبة والرياضة كثيرا. وفي سنة 1962م، ستنظم هذه الوزارة أول مهرجان لمسرح العرائس بالحديقة العمومية بمدينة الرباط. وبعد سنتين من ذلك التاريخ ستنظم ندوة من قبل نفس الوزارة عن مسرح العرائس والكراكيز، وعلى إثرها كونت الوزارة ثلاث فرق في كل من الرباط وفاس والدار البيضاء ومراكش، وكونت مجموعة من الشباب منهم: الفنان القدير محمد الصفدي.

3- مرحلة البرمجة والتخصص:

تعد سنة 1978م البداية الفعلية للاهتمام بمسرح الطفل إذ نظمت وزارة الشبيبة والرياضة ووزارة الشؤون الثقافية بعد ذلك عدة مهرجانات وندوات ولقاءات تتمحور حول " مسرح الطفل".

فقد سهرت وزارة الشبيبة والرياضة بنفسها أو بتنسيق مع الجمعيات الطفولية على عقد خمس مهرجانات وطنية كبرى يمكن توضيحها في الخطاطة التالية:

4- مرحلة البرمجة والتخصص:

تعتبر سنة 1978م البداية الفعلية للاهتمام بمسرح الطفل إذ نظمت وزارة الشبيبة والرياضة ووزارة الشؤون الثقافية بعد ذلك عدة مهرجانات وندوات ولقاءات تتمحور حول " مسرح الطفل".

فقد سهرت وزارة الشبيبة والرياضة بنفسها أو بتنسيق مع الجمعيات الطفولية على عقد خمس مهرجانات وطنية كبرى يمكن توضيحها في الخطاطة التالية:

المهرجانات المسؤول التاريخ المدينة العروض المستفيدون

المهرجان الوطني الأول وزارة الشبيبة والرياضة 17 أبريل 1978م الرباط 16 عرضا 9.500 طفل

المهرجان الوطني الثاني وزارة الشبيبة والرياضة 21 دجنبر إلى 23 منه 1979م الدار البيضاء 27 عرضا 15.740 طفل

المهرجان الوطني الثالث وزارة الشبيبة والرياضة مع الجامعة الوطنية لمسرح الهواة ما بين 29 و31 دجنبر 1980م الرباط 19 عرضا 13.500 طفل

المرجان الوطني الرابع وزارة الشبيبة والرياضة ما بين 20 و23مارس1982 آسفي 14 عرضا

المهرجان الوطني الخامس وزارة الشبيبة والرياضة مع الجامعة الوطنية لمسرح الأطفال ما بين 23 – 24 – 25 مارس 1986م الجديدة 11 عرضا

وإليكم الآن مجمل العروض المسرحية المقدمة في بعض المهرجانات الوطنية وبعض اللقاءات حول مسرح الطفل:

في1980 م، نظمت وزارة الشبيبة والرياضة بالرباط المهرجان الثالث لمسرح الطفل، وقدمت فيه ست عشرة مسرحية، وفي سنة 1982م، نظمت نفس الوزارة المهرجان الرابع في مدينة آسفي والذي عرضت فيه أربع عشرة مسرحية.

ومن جهة أخرى، نظمت وزارة الشؤون الثقافية بالجديدة اللقاء الأول لمسرح الطفل في 10-11-12 دجنبر من سنة 1982م، ونظم اللقاء الثاني في 13و14و15 دجنبر من سنة 1984م في مدينة طنجة.

وستنظم وزارة الشبيبة والرياضة بتعاون مع الجامعة الوطنية لمسرح الأطفال في 23 و24 و25 مارس من سنة 1986م المهرجان الخامس لمسرح الأطفال.

وإذا كان مسرح الطفل قد استفاد من خمسة مهرجانات وطنية منظمة من قبل وزارة الشبيبة والرياضة، فإنه أيضا استفاد من لقاءات وندوات ثقافية محلية وعربية قصد التعريف به تنظيرا وتأريخا وتطبيقا.

هذا، وقد عرف مسرح محمد الخامس سنة 1981م نشاطا هاما لمسرح الطفل، ونظمت وزارة الشؤون الثقافية سنة 1982م اللقاء الوطني الأول لمسرح الطفل بتعاون مع جمعية قدماء تلاميذ مدينة الجديدة تحت شعار "الطفل هو نوع وهدف" قدمت فيه عشرة عروض مسرحية إلى جانب مجموعة من الندوات الثقافية والعروض السينمائية.

وقد انعقد أيضا بمكناس في نوفمبر سنة1982 م اجتماع اللجنة الدائمة للمسرح العربي، ومن التوصيات التي خرجت بها ضرورة الاهتمام بمسرح الطفل.

وفي سنة 1984 م، نظمت الوزارة في مدينة طنجة اللقاء الثاني لمسرح الطفل تحت شعار"المسرح ترسيخ للقيم الدينية والوطنية" عرضت فيه أربع مسرحيات ومنوعات من مسرح العرائس إلى جانب ندوة ثقافية محورها: "أسس وآفاق مسرح الطفل" التي شارك فيها كل من محمد مسكين وعبد الرحمن بن زيدان ورضوان أحدادو وعبد الكريم برشيد ومحمد تيمد ومحمد الكفاط وعزيز الفاضلي والعربي بنجلون وعبد الحلق الزروالي.

وأصدرت الندوة بيانا ضمنته واحدا وعشرين مطلبا منه: العمل على تسخير وسائل الاعلام كقناة فنية للاتصال بالطفل وتوجيهه نحو ما ينسجم مع بيئته ومحيطه وظروفه الاقتصادية والاجتماعية.

وأعطيت أهمية كبرى لمسرح الطفل على المستوى العربي بعد انعقاد مهرجان قرطاج بتونس سنة 1983م، وقد شارك المغرب فيه باعتباره عضوا بارزا، وكانت ندوة المهرجان تتمحور حول" الإنتاج المسرحي في الدول النامية". وكانت ندوة أخرى في دمشق سنة 1981 م لم يشارك فيها المغرب نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة بتونس بعنوان "المسرح المدرسي والجامعي".

وقد ساهمت كثير من الحركات والجمعيات في تنمية مسرح الطفل وترقيته وتنشيطه وذلك عبر عقد ندوات حول مسرح الطفل والمسرح المدرسي وتنظيم عروض مسرحية كما تفعل جمعيات التعاون المدرسي التابعة لوزارة التربية الوطنية، وما تقوم به المؤسسات التربوية من عروض إبان المناسبات الوطنية والدينية والاحتفال بنهاية السنة الدراسية، ولا ننسى كذلك أنشطة حركة الطفولة الشعبية في هذا الصدد تلك الحركة التي تأسست بالرباط سنة 1956 م ومازالت تهتم بالطفل تربويا واجتماعيا وثقافيا وتسهر على تكوينه فكريا ووجدانيا وجسمانيا.

وهنا أذكر ما أنجزته حركة الطفولة الشعبية – فرع الناظور – من أنشطة مسرحية من الحجم الوطني الثقيل إذ نظمت ثلاثة عشر (13) مهرجانا مسرحيا. وانطلقت مدينة شفشاون في إعداد مهرجانها المتوسطي الخاص بمسرح الطفل كما يدل على ذلك برنامجها الاحتفالي لسنة 2007م، كما تكلفت مدينة تازة بتنظيم مهرجانها الدولي المتعلق بمسرح الطفل. وبدأت مؤخرا بعض المدن في تنظيم مهرجانات مسرح الطفل في كل من تطوان وطنجة…

وعلى الرغم من كل هذه المحاولات والأنشطة، فنلاحظ أن مسرح الطفل مازال متأخرا عن مسرح الكبار بمسافة زمنية شاسعة. وأصبح حضوره موسميا أو مناسباتيا يرتبط على الأخص بالخشبة المدرسية، وقليلا ما يخرج إلى الخشبة العمومية ولا يتم له ذلك إلا عن طريق الدعم الذي تقدمه بعض الوزارات المركزية المسؤولة أو جمعيات ذات وزن ثقيل كجمعية البحر الأبيض المتوسط التي ساهمت في دعم المهرجان السادس الربيعي لحركة الطفولة الشعبية بالناظور.

ونسجل كذلك تأخر ظهور مسرح الطفل في المغرب على غرار تونس إذ نعتبر سنوات السبعين هي بداية مرحلة التخصص في مسرح الطفل وإعلان انطلاقه بشكل رسمي للاهتمام به دراسة وتطبيقا، وربما لهذه الانطلاقة المتأخرة أسباب يمكن حصرها في النقط التالية:

1-انعدام المؤسسات المسرحية والفضاء المسرحي؛

2- تعثر النقد المسرحي بالمغرب؛

3- ضعف الخزانة المسرحية بالمغرب ببليوغرافيا.

أما عن العوامل التي دفعت إلى الاهتمام بمسرح الطفل في هذه المرحلة فيمكن اختزالها في:

1- ما تنص عليه مواثيق حقوق الطفل من بنود توصي بالتركيز على الطفل والاهتمام به والعناية بحاجاته الفكرية والنفسية والحركية والبيولوجية والسعي نحو إشباعها له لتحقيق التوازن في التكيف مع الذات والموضوع.

2- ما قامت به وزارة الشبيبة والرياضة ووزارة الشؤون الثقافية من جهود جبارة في تكوين فرق الكراكيز وتنظيم مهرجانات ولقاءات خاصة بمسرح الطفل من أجل تكوين أطر مسرح الهواة ومحاولة خلق مسرح الطفل بواسطتهم، وكذا المطالب التي قدمها المشاركون في هذه المهرجانات واللقاءات إلى جانب إحداث معهد لتكوين الأطر المسرحية وتنظيم جوائز للتأليف في مسرح الطفل.

3- ما قامت به وزارة التربية الوطنية على المستوى المركزي والجهوي والمحلي من تنظيم عروض وندوات مسرحية تحت إشراف جمعيات التعاون المدرسي أو المؤسسات التربوية في المناسبات الدينية والوطنية والمدرسية.

4- ما قامت به تلك الجمعيات والحركات الطفولية لإغناء مسرح الطفل وإثرائه؛

5- اللقاءات العربية حول المسرح العربي بصفة عامة والمسرح المدرسي بصفة خاصة؛

6- اهتمام الإعلام بكل أنواعه بمسرح الطفل؛

7-تدريس المسرح في الجامعات المغربية وما يتطلب ذلك من أبحاث حول مسرح الطفل؛

8- ميثاق حقوق الطفل الذي وقعه المغرب وما يوصي به من توصيات وقرارات قد تخدم مسرح الطفل إعلاميا وثقافيا.

—————————–

خاتمة:

تلكم- إذا- أهم المحطات التاريخية المتعلقة بمسرح الطفل في المغرب منذ أشكاله الدرامية الأولى إلى مرحلة التأسيس والبرمجة في السبعينيات، وقد وصلنا من كل هذا إلى تأخر مسرح الطفل في المغرب وغيابه – على الرغم من حضوره المقل والهام والجاد في رسالته الهادفة ومقوماته الفنية والجمالية – إلى حد كبير إذاعيا وتلفزيا ومرئيا وبصريا، وعلى مستوى النشر الورقي أو الرقمي، أو على مستوى الإعلام المكتوب صحافة وطباعة وكتابا وتنظيرا.

—————————–

ملاحظة:

—————————–

جميل حمداوي، صندوق البريد 5021 أولاد ميمون، الناظور، المغرب

[email protected]

www.jamilhamdaoui.net

الهوامش:

- د.حسن المنيعي: أبحاث في المسرح المغربي، منشورات الزمن، الطبعة الثانية، 2000م، ص: 34؛

- علال الفاسي: ديوان علال الفاسي، جمع وتحقيق عبد العلي الودغيري، الجزء 1 (الأشعار الأولى إلى 1937م) ، ص: 217؛

- مصطفى عبد السلام المهماه: تاريخ مسرح الطفل في المغرب، ص: 28؛

- د. حسن المنيعي: المسرح…مرة أخرى، ص: 10-11؛

- مصطفى المهماه: تاريخ مسرح الطفل في المغرب، ص: 97؛

- مصطفى المهماه: نفس المرجع، ص: 97؛

كلمات البحث الموفِدة:

  • الأشكال ما قبل المسرحية بالمغرب (1)
63 Views

عن

إلى الأعلى