الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » روايات جورجي زيدان بين التاريخ والتشويق الفني – الدكتور جميل حمداوي

روايات جورجي زيدان بين التاريخ والتشويق الفني – الدكتور جميل حمداوي


روايات جورجي زيدان بين التاريخ والتشويق الفني

الدكتور جميل حمداوي


ألف جورجي زيدان (1861- 1914 م) اثنين و عشرين رواية تاريخية ذات أبعاد اجتماعية و إنسانية و عاطفية ضمن سلسلة تاريخ الإسلام من فترة ما قبل الإسلام مرورا بمرحلة صدر الإسلام و الدولتين : الأموية و العباسية وانتهاء بالعصر الحديث . و هذه الروايات بالترتيب هي : فتاة غسان، و أرمانوسة المصرية، وعذراء قريش، و 17 رمضان، و غادة كربلاء، و الحجاج بن يوسف، وفتح الأندلس، و شارل و عبد الرحمان، و أبو مسلم الخراساني، وأخت الرشيد، و الأمين و المأمون، و عروس فرغانة، و أحمد بن طولون، وعبد الرحمـــن الناصر، و فتاة القيروان، و صلاح الدين الأيوبي، و شجرة الدر، و الانقلاب العثماني، و أسير المتمهدي، والمملوك الشارد، و استبداد المماليك، و جهاد المحبين .
هذا ، و تطفح روايات جورجي زيدان التاريخية بعقدتين أساسيتين: عقدة تاريخية و عقدة غرامية أو عقدة اجتماعية إنسانية في إطار صراع تاريخي سياسي و ديني مذهبي إلى جانب صراع رومانسي أو اجتماعي . و يعني هذا أن روايات جورجي زيدان يتقاطع فيها جانبان : الجانب التاريخي و الجانب القصصي ، فالأول هو الأساس و الهدف، و الثاني هو عبارة عن وسيلة فنية ليس إلا.
ويراد بهذه الروايات تشويق القراء و حثهم على قراءة تاريخ الإسلام عبر فتراته المختلفة لمعرفة الماضي في علاقته بالحاضر. و الغرض من هذا الجمع بين التاريخي و السردي أو المزج بين الحقيقة و الخيال أو بين التاريخ و الفن هو الإفادة و المتعة أو الجمع بين الوظيفة القصصية ( وظيفة الترفيه و التسلية و الإمتاع)؛ لذلك أدرج الدكتور عبد المحسن طه بدر روايات جورجي زيدان ضمن الرواية التعليمية ورواية التسلية و الترفيه.

و غالبا ما كان يتشدد زيدان في نقل المعلومات التاريخية ، وكان لاينتقي سوى المعلومات القائمة على الصحة و اليقين، ذاكرا المراجع و المصادر حتى لو كانت شعبية أو غربية استشراقية مثلما هو الحال في رواية ( شجرة الدر) حيث اعتمد على حسن المحاضرة للأسيوطي و سيرة الملوك و تاريخ ابن إياس و الهلال و تاريخ الفخري و معجم ياقوت وتاريخ ابن جبير و تاريخ مصر الحديث لكاتب الرواية نفسه . وفي رواية (صلاح الدين الأيوبي) نجد تاريخ ابن الأثير و تاريخ التمدن الإسلامي و تاريخ المقريزي و كتاب الروضتين و ابن خلكان وتاريخ الدولة السلجوقية و طبقات الأطباء و بور كهاردت( Burckhardt ) و تاريخ ابن خلدون وتاريخ المقدسي و معجم ابن ياقوت في رواية ( فتاة القيروان ) . وهكذا تتنوع الإحالات التاريخية بين ما هو رسمي و شعبي واستشراقي و غربي .
إن الهدف من ذكر المصادر التاريخية هو خدمة التاريخ في حد ذاته وتطويعه جماليا عن طريق التوسل بالفن. إذ القصة هنا في خدمة التسلسل التاريخي و حلقات تاريخ الإسلام، على خلاف كتاب أوربا الذين يجعلون التاريخ في خدمة الفن و السرد القصصي. و من ثم، فالتعليم هو الهدف الأول و الفن وسيلة ليس إلا. و يقول جورجي زيدان في هذا الصدد ” قد رأينا بالاختبار أن نشر التاريخ على أسلوب الرواية أفضل وسيلة لترغيب الناس في مطالعته والاستفادة منه ، و خصوصا و أننا نتوخى جهدنا في أن يكون التاريخ حاكما على الرواية ، لا هي عليه ، كما فعل بعض كتبة الإفرنج و منهم من جعل غرضه الأول تأليف الرواية و إنما جاء بالحقائق التاريخية لإلباس الرواية ثوب الحقيقة فيجره ذلك إلى التساهل في سرد الحوادث بما يضل القراء.
و أما نحن فالعمدة في روايتنا على التاريخ، و إنما نأتي بحوادث الرواية تشويقا للمطالعين. فتبقى الحوادث التاريخية على حالها وندمج في مجالها قصة غرامية تشوق المطالع إلى استتمام قراءتها، فيصبح الاعتماد على ما يجيء في الروايات من حوادث التاريخ : مثل الاعتماد على أي كتاب من كتب التاريخ من حيث الزمان و المكان و الأشخاص إلى ما تقتضيه من التوسع في الوصف ، مما لا تأثير له على وصف العادات و الأخلاق …..إن الروائي المؤرخ لا يكفيه تقرير الحقيقة التاريخية الموجودة ، و إنما يوضحها و يزيدها رونقا من آداب العصر و أخلاق أهله و عاداتهم حتى يخيل للقراء أنه عاصر أبطال الرواية و عاشرهم و شهد مجالسهم و مواكبها واحتفالاتهم ، شأن المصور المتفنن في تصوير حادثة يشغل ذكرها في التاريخ سطرا أو سطرين فيشغل هو في تصويرها عاما أو عامين . فمقتل جعفر البرمكي عبر عنه المؤرخ ببعض كلمات ، أما المصور فلا يستطيع تصويره إلا إذا كان مطلعا على عادات ذلك العصر و طبائع أهله و أشكال ملابسهم وألوانها ، و ضروب الفرس وأشكال الأسلحة ليمثل كلا من القاتل و المقتول بقيافته و شكله و ينبغي له أن يكون عالما بانفعالات النفس و ما يبدو من آثارها على الوجه أو في حركات الجسم ، ليمثل غضب القاتل أو شراسته ، و خوف المقتول و كآبته ، غيرما تقتضيه الصناعة من تصوير مكان الواقع إن كان غرفة أو شارعا أو بادية أو حديقة و الزمان الذي وقعت فيه . و إن كان صباحا أو أصيلا أو عشاء و لكل من هذه الأحوال أشكال و ألوان لا يتم جمال الصورة إلا بإتقانها. و ذلك شأن الروائي بالنظر إلى التاريخ فهو يمثل تلك الأحوال أو يصور أشكالها و ألوانها بالألفاظ من عند نفسه ، فيوشح الحادثة التاريخية بخلاصة درسه الطويل في آداب القوم و عاداتهم و أخلاقهم و التفطن لأثار العواطف في مظاهرهم ، مع بيان ما يحف بتلك الحادثة المعاصرة و يطابق وضعه نظام الاجتماع و أحوال العائلة و إذا رجع المطالع إلى تحقيق الحوادث التاريخية على جمالها و جدها حقيقة ثابتة ، و ذلك ما توخيناه في سائر رواياتنا”
.
و من خلال هذه المقدمة ، لا ينظر جورجي زيدان إلى التاريخ على أنه أحداث سياسية فقط ، بل ينظر إليه على أنه حضارة وعادات و تقاليد و أخلاق و آداب، أي يسير على خطى الغربيين في تواريخهم حينما يركزون على كل مظاهر المجتمع و نواحيه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الدينية و الثقافية و دراسة ما هو رسمي في علاقته بما هو شعبي .
و ينقسم الموضوع في روايات جورجي زيدان إلى قسمين كما قلنا سلفا: “أحدهما تاريخي مقيد بالشخصيات و الحوادث و الأماكن التاريخية الرئيسية، و الثاني غرامي خيالي توضع بين العاشقين الحوائل حتى يشرف الموضوع التاريخي على نهايته فتزول الحوائل ، و يلتحم شمل العاشقين “. و يعني هذا أن الرواية عند جورجي زيدان تستند إلى القسم التاريخي و حوادثه الكبرى بكل شخصياتها و فضاءاتها مطبوعة بهاجس الصحة و اليقين ، و القسم الفني القصصي و حوادثه الموضوعة و الخيالية مبنية على الإيهام والخلق . إذاً، هناك صدق و خيال. و بالتالي، فالحدث التاريخي رئيسي و القصة ثانوية و تابعة.
وإذا أخذنا على سبيل المثال رواية (استبداد المماليك ) ، سنجد جورجي زيدان يسرد قصة عبد الرحمـــن وزوجته سالمة وابنه حسن و خادمه علي و ما لقيته هذه الأسرة من معاناة و ظلم وحيف و تشرد و غربة في ظل استبداد المماليك بمصر إبان علي بك الكبير و خلفه كذلك محمد بك أبو الذهب .
و يتقاطع في هذه الرواية الجانب التاريخي و الجانب السردي الفني، فالجانب الأول يكمن في رغبة علي بك – شيخ المماليك – في الخروج عن طاعة الدولة العثمانية و الاستقلال بمصر بمساعدة الجيش الروسي الذي دخل في حرب مع هذه الدولة الكبرى . وكان هم علي بك هو التحرر من الخلافة و الانطلاق من القاهرة لتحرير الجزيرة كلها بمساعدة حاكم عكا الشيخ ظاهر الزيداني ، بيد أن (محمد بك أبو الذهب ) خليفة علي بك و صهره لما وصل بقواته الضخمة إلى سوريا ، وقّّع على صلح و عهد بألا يكون مواليا إلا للدولة العثمانية و أن يحكم مصر بدلا من علي بك مما أوقعهما في حرب أدت بهما إلى حتفهما .
انطلاقا من هذا الجو التاريخي و السياسي، يدين جورجي زيدان ظاهرة الاستبداد التي تفشت في مصر إبان المجتمع المملوكي من خلال ما لقيته أسرة عبد الرحمـــن باعتبارها نموذجا اجتماعيا فقط من بأس شديد لا قبل لها به. فاغتصبت أملاك عبد الرحمــن الذي يعد من أكبر التجار الصالحين بسبب الخنق على تجارته و إرهاقه بالضرائب غير المشروعة، كما أخذ الجنود الظالمون منه ابنه الوحيد و أرادوا إرساله إلى ساحة الحرب لمواجهة العثمانيين. ودفع أبوه الكثير لعلي بك ليفتديه. و على الرغم من ذلك فشلت كل محاولات الهروب من استبداده ، مما أوقع الأسرة في مهب التشتت و الغربة و الضياع ، فافترق الأب عن زوجته و ابنه و خادمه ، ولم يجمع الله شملهم إلا في عكا بعد عدة حوائل و بعد صبر ومعاناة و سفر و ارتحال وحسن نية و عطاء و بذل الخير العميم والإحسان إلى الآخرين .
و في رواية ( شجرة الدر) يصور جورجي زيدان صراع التتر بقيادة هولاكو مع العباسيين في عهد المستعصم بالله ، و قضائهم على حكومة بغداد . و تصور كذلك ما كان يجري في مصر من صراعات سياسية حول السلطة بعد نهاية حكم الكبار الأيوبيين، لذلك تولت شجرة الدر حكم مصر ، و بذلك كانت أول ملكة في الإسلام ، إلا أنها خلعت من قبل سلطان بغداد بمكيدة سلافة ليكون الحكم في الأخير لركن الدين بيبرس و الأمير أبي بكر أحمد بعد تراجع الزحف المغولي . و في خضم هذا الصراع التاريخي نجد صراعا دينيا بين المذهبين : السني الذي تمثله الخلافة العباسية، والمذهب الشيعي الذي يدافع عنه سحبان و مؤيد الدين بن العلقمي وزير المستعصم بالله . و إلى جانب الصراعين: السياسي و الديني نجد صراعا غراميا يشارك فيه من الرجال عز الدين أبيك التركماني قائد الجيش بمصر و ركن الدين بيبرس و سحبان، و من النساء شجرة الدار و سلافة و الجارية شوكار . و هكذا يتم تبادل الحب بين ركن و شوكار ، لكن الموانع السياسية و كثرة المكائد والحوائل ستعرقل زواجها لتكون النهاية سعيدة في آخر المطاف . إذ سيتم جمع شملهما في بغداد بعد أن تخلص ركن الدين من سلافة و كشف زيف حسبان و أطماعه السياسية وولائه الشيعي وكراهيته لخلفاء بني العباس . و هنا نلاحظ تداخل العقدة التاريخية مع العقدة الغرامية بشكل فني محكم .
و في رواية (العباسة أخت الرشيد ) يصور جورجي زيدان نكبة البرامكة و أسبابها في عهد هارون الرشيد، و زواج جعفر البرمكي من العباسة أخت الرشيد و ماجر عليهما من ويلات ومصائب أودت بحياتهما و أولادهما . كما تبين الصراع الحزبي بين بني هاشم و الموالي و العلويين ، و ميل الرشيد إلى مناصرة الفئة الأولى و دفاع وزيره البرمكي عن الفئتين الباقيتين . وتصف الرواية مجالس الخلفاء العباسيين و ملابسهم و مواكبهم وحضارتهم. كما تؤشر على الصراع السياسي حول السلطة بين الأمين و المأمون و جعفر بن الهادي ، و الوزارة بين الفضل بن الربيع و جعفر البرمكي، و صراع زبيدة زوجة الرشيد مع العباسة أخته حول مكانتهما لدى أمير المؤمنين . و قد انتهت الرواية بنهاية مأساوية تتمثل في التخلص من الوزير البرمكي والعباسة وولديهما: الحسن و الحسين بدون رحمة و لا شفقة .
و في رواية ( 17رمضان) يؤرخ جورجي زيدان لمقتل علي بن أبي طالب من قبل الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي و فشل محاولة البرك بن عبد الله التميمي في قتل معاوية بن سفيان بدمشق وفشل عمرو بن بكر في قتل عمرو بن العاص. والرواية كلها تدور حول حيثيات الفتنة الكبرى و الصراع حول الخلافة بين علي ومعاوية و عمرو بن العاص ، و كيف ستنتقل الخلافة بعد ذلك إلى الأمويين . و إلى جانب ذلك تنقل لنا الرواية قصة كلا من سعيد وأخيه عبد الله . و قد انتهت الرواية بزواج سعيد بخولة بمباركة عمرو بن العاص و أب خولة.
إذا تأملنا بنية الأحداث في روايات جورجي زيدان، سنجدها تركز على الصراع الدرامي سواء أكان تاريخيا أم عاطفيا أم اجتماعيا في ثوب إنساني. ومن ثم، تغلب على رواياته العقدة التاريخية والعقدة الغرامية وهي دائما في خدمة الأولى. وتتشابه هاتان العقدتان في كل رواياته مع نوع من الاستثناء في رواية( استبداد المماليك) حيث نلتقي مع عقدة اجتماعية إنسانية، بينما نجد في رواية (جهاد المحبين) العقدة الغرامية تغلب العقدة التاريخية.
و يتكئ التوتر الدرامي في هذه الروايات التاريخية على الصراع بين مذهبين دينيين (شجرة الدر مثلا ) ، أو بين مذهبين سياسيين (استبداد المماليك مثلا). و تترابط الأحداث ترابطا منطقيا بحيث يتناوب الخط التاريخي مع الخط القصصي، فعندما ينتهي الكاتب من السرد التاريخي ينتقل إلى السرد القصصي، و بعد ذلك يعود إلى السرد التاريخي، و هكذا دواليك مستعملا تقنيتي: التلخيص والتذكير لمفاصل السرد و استرجاع اللحظات التاريخية السابقة كما في هذا المقطع من بداية الرواية :
“انتهت رواية (فتاة القيروان) بدخول مصر في حوزة الفاطميين… سنة 358هـ على يد القائد جوهر و بادت دولة الإخشيد، و خرجت مصر بذلك من حوزة الدولة العباسية لأنها كانت في زمن الطولونيين و الإخشيديين ، مع استقلال هاتين الدولتين بالحكومة تحت رعاية الخليفة العباسية في بغداد . و هو يثبتهم على الإمارة ، و يبعث إليهم بالخلع أو بكتاب التولية ….فلما دخلت مصر في حوزة الفاطميين تغيرت حالتها السياسية، وأصبحت دولة مستقلة بنفسها استقلالا تاما، لا تراجع أحدا و لا تعترف بسيادة أحد غير الخليفة الفاطمي المقيم في القاهرة. و هي أول مرة استقلت فيها مصر بالسيادة بعد الإسلام.
و هكذا تتخذ الروايات التاريخية عند جورجي زيدان بناء كلاسيكيا يتوازى فيه الخط التاريخي مع الخط القصصي و يتعاقب الواحد بعد الأخر ليكمل بعضهما البعض في إطار بناء زمني صاعد من الحاضر نحو المستقبل في حلقات تاريخية و عاطفية متسلسلة الأحداث في نموها و طبيعتها الفجائية في كثير من الأحيان ، لتنتهي هذه الأحداث إما بنهاية سعيدة (17 رمضان – شجرة الدر – استبداد المماليك…)، أو بنهاية حزينة ( العباسة أخت الرشيد …). كما يستهل الكاتب رواياته بتقديم الفضاء المكاني التاريخي أو الفضاء الزمني أو الشخوص التاريخية المحورية في الرواية أو بوصف الإطار الفضائي الذي تجري فيه الأحداث المرجعية والعاطفية أو يستهلها بإبراز الحدث الرئيس الذي سيكون مناط الرواية من البداية إلى النهاية . و بعد تقديم الرواية و استهلالها بمداخل وصفية أو مكانية أو زمنية أو شخوصية أو حدثية يدخل جورجي زيدان إلى صلب الموضوع لعرض العقدتين: التاريخية والعاطفية لينهي روايته إما بحل سعيد يتمثل في جمع الشمل والزواج والانتصار على الشر و القضاء على كل العقبات و إزالة كل الحوائل المانعة ، أو بحل تعيس يقضي على حب العشقين و يبدد أحلامهما و سعادتهما الحقيقية ، و هذا ما يقع نادرا في روايات جورجي زيدان كما في رواية ( العباسة أخت الرشيد)؛ لأن الحل السعيد هو الغالب على رواياته التاريخية كما أن هدفه أيضا هو إسعاد القارئ و طمأنته و عدم تخييب أفق توقعاته بانتصار الشر على الخير أو الحقد على الحب . و يرى محمد حسين هيكل أن جورجي زيدان يعمد إلى ” مجرد نشر التاريخ يصوره تصويرا عاما دون إبراز فلسفة خاصة ، فهو يعرض القديم عرضا حديثا ، بينما الفنان الذي يستلهم ما حوله و يصوره لم يخلق بعد “. و يفسر هذا أن جورجي زيدان إنما ينقل التاريخ بشكل عام و يصوره بطريقة فضفاضة من دون نقله من خلال رؤية فلسفية كما نجد عند بلزاك في رواياته التاريخية أو فيكتور هيجو في (أحدب نوتردام ) . و بالتالي ، يلاحظ غلبة السرد التاريخي على السرد الفني ، و تكثيف المختزل في الوصف . و ليس هناك تحليل للمواقف الإنسانية و استكناه البواطن الشخصية . فهناك فقط عرض للصراع بين شخصيات تمثل الشر و شخصيات تمثل الخير دون تبيان دوافع هذا الصراع و حيثياته و جوانبها النفسية والإنسانية بطريقة تحليلية و فنية قائمة على الاستقراء الشعوري واللاشعوري . و ليس هناك نقد لبعض الشخصيات الدينية مثل: المجاذيب الصوفية و رجال الطرقية و رجال الدين من المسلمين والنصارى. فهؤلاء وصفوا بالمثالية و النموذجية الطاهرة ولاسيما المسيحيين من فئة الرهبان و القسيسين و رجال الدير و الكنائس. وهكذا تتشابه شخصيات جورجي زيدان في خطوطها العريضة ونفسياتها وسلوكياتها و مواصفاتها الخارجية و الداخلية ، و هي شخصيات تاريخية حقيقية في القسم التاريخي ، و شخصيات متخيلة وموضوعة فنيا في الجانب القصصي . فهذه الشخصيات ” حين تعبر عن حبها أو عن قلقها تعبر بصورة تكاد تكون متشابهة، فقلق الرشيد على عرشه هو نفسه قلق السلطان عبد الحميد عليه وحب كل سلطة ، هو نفسه حب البطلة الأخرى حتى إن مواقف الأبطال و تعبيرهم عن شعورهم و انفعالهم إزاء الإحداث أو الطبيعة يتشابه في روايات جورجي زيدان المختلفة ، و جورجي زيدان لا يجد لديه متسعا من الوقت ليحلل نفسيات أبطاله ويتعمقها، و حين يحاول هذا التحليل يلجأ في أحيان كثيرة إلى التحول بالقضية من تحليل لشخصية معينة إلى قضية عامة تنطبق على جماعة كبيرة من الناس “.
و يكتفي الكاتب أيضا برؤية سردية واحدة في كل رواياته هي الرؤية من الخلف و ضمير الغياب مصورا الشخصيات بأبعادها النفسية و الفيزيائية محركا إياها من منظور علوي و من خلفية سياسية أو دينية في إطار ثنائية الخير و الشر أو الشقاء و السعادة. و يتكئ كذلك على السرد أسلوبيا و يتبعه بالحوار الذاتي في مواطن أخرى .
و لغة هذه الروايات عربية فصيحة تمتاز بالسهولة و الليونة والسلاسة و عذوبة الإيقاع و إنشائية الكلام، تخاطب العقل تارة حين يحضر السرد التاريخي و يعقبه التعليم و الإفادة، و تخاطب الوجدان و العاطفة تارة أخرى حين يحضر السرد القصصي ويعقبه الترفيه و التسلية و الإمتاع. إنها لغة مقالية هذبتها الصحافة و لينتها شروطها المنبرية و رغبات المتلقي الجماهيري و متطلبات الإرسال التواصلي الحديث . إنها لغة بعيدة عن الركاكة والمحسنات البديعية التي كبلت الكتابات النثرية في عصور الانحطاط والجمود العثماني ، كما أنها بعيدة عن العجمة و العامية المبتذلة غير المفهومة . و هكذا نجد أن الطابع المقالي للصحافة كما يتشخص في منبر”الهلال” يسم كتابة هذه الروايات و لغتها الفنية التشويقية الرائعة كأننا أمام مقالات تاريخية أو مواضيع إنشائية في الغرام أو التاريخ .
أما عن معمار الروايات فهو معمار كلاسيكي قائم على البناء المتنامي الصاعد الجدلي و الخط المتوتر الذي ينطلق من الحاضر إلى المستقبل من خلال خاصية التوازن واللاتوازن أو خاصية التناوب أو التعاقب بين الخط السردي التاريخي و الخط السردي القصصي . كما نتبين بكل وضوح مدى الانفصال بين المتواليات السردية بين الخطين : التاريخي و القصصي ، كأن الرواية تنقسم إلى قصص صغرى . فالموضوع – كما يقول محمود شوكت – يقوم ” على نطاق واسع، تتخلله صور صغرى من الصراع . وفكرة الصراع فكرة غربية ، تقوم عليها معظم الروايات ، فتصور صورة من صور الصراع الصغرى في ” فتاة غسان” على طريقة تصوير و الترسكوت لها في رواياته “إيفنهو” و “الطلسم” ممثلة في تصوير المبارزات على الطريقة الغربية ، كذلك تبرز صور الصراع في المؤامرات . و هذه الصورة مرتبطة بالتطور الخارجي للموضوع . و تثير اهتمام القارئ دون أن تتصل اتصالا مباشرا بلوازم الحركة الدقيقة في القصص “.
و نستشف من قراءاتنا لروايات جورجي زيدان أن دراسته للتاريخ سطحية على الرغم من تعمقه في الجوانب الحضارية و استقراء للحياة الشعبية و عوائد الناس و ثقافتهم و أعرافهم و مظاهرهم الدينية. كما أن رواياته في حاجة إلى وحدة فنية أو تحليل نفسي منسجم أو ارتباط سببي لحوادث الموضوع و صلة ذلك بالبيئة أو صدق الوصف التاريخي و الجغرافي.
و مناصيا ، فروايات زيدان ذات عناوين زمنية (17 رمضان)، و حدثية ( الانقلاب العثماني – جهاد المحبين – استبداد المماليك)، وعلمية شخوصية ( الأمين و المأمون – الحجاج بن يوسف – أحمد بن طولون …) ، ووصفية ( المملوك الشارد – أسير المتمهدي …) ،و مكانية ( فتاة غسان – عروس فرغانة ….). وهذه العناوين كلها مركبة اسمية وردت بالصيغ التالية:
ا- خبر + مضاف إليه ( فتاة غسان / عروس فرغانة …) ؛
ب – مبتدأ + صفة ( الأرمانوسة المصرية / الانقلاب العثمانية …)؛
ج – المبتدأ + بدل ( الحجاج بن يوسف / أحمد بن طولون ….)؛
د – المبتدأ + عطف ( شارل و عبد الرحمن / الأمين و المأمون …)؛
هـ – المبتدأ + خبر ( العباسة أخت الرشيد….).
إذاً، نلاحظ هيمنة الجملة الاسمية والمركب النحوي ( خبر + مضاف إليه) والتركيب اللفظي الثنائي على البنية العنوانية لروايات جورجي زيدان،أي يتكون العنوان الروائي الخارجي في العموم من كلمتين ليس إلا . بيد أننا نجد بعض العناوين تتعدى هذه الثنائية اللفظية كما في عنواني (صلاح الدين الأيوبي) و( أحمد بن طولون )….
و قد استعانت روايات جورجي زيدان بحيثيات النشر وملخص عنواني يوضح الجوانب التاريخية التي تبناها في الكتابة . أما العناوين الداخلية فهي موجزة و غالبا ما تتخذ طابع المركبات الاسمية فتلخص أحداث الرواية و توجزها و تعكسها ، و هي إما عناوين مكانية أو حدثيه أو زمنية أو شخوصية أو وصفية .
و هناك من الروايات من أرفقت بلوحات تشكيلية خارجية وداخلية بينما أغلبها اكتفت باللوحة الأيقونية الخارجية التي تقدم صورا لشخوص الرواية أو إشارات لأحداثها التاريخية كما في روايات (صلاح الدين الأيوبي ) و ( الأمين و المأمون) . فمن الصنف الأول نجد:
1- صلاح الدين الأيوبي؛
2- عبد الرحمان الناصر؛
3- أبو مسلم الخراساني ؛
4- الانقلاب العثماني ؛
5- فتح الأندلس …..الخ.
وما يلاحظ على روايات جورجي زيدان التاريخية أنها تكرس الفن لخدمة التاريخ، لذلك يصبح الحدث القصصي أداة للتسلية و الترفيه و يبعد عن القصة جانب الإفادة أو الثقافة ليربط ذلك بالتاريخ على حساب الفن . بينما الرواية هي فن المعارف تحوي كل الخطابات والأجناس و اللغات و تخاطب العقل و الوجدان معا.
كما يلاحظ كذلك تشويه كبير في الحقائق التاريخية و الانحياز إلى بعض الأطراف دون الأخرى كالدفاع مثلا عن الموالي و الشيعة ضد بني هاشم أو الدفاع عن القساوسة و الرهبان و الاعتماد على أراء مغلوطة للمؤرخين الغربيين أو المستشرقين.
وعليه، فإننا نستشف أن هناك تشابها في البنية السردية في هذه الروايات على مستوى الأحداث و تقاطعا بين ما هو تاريخي وما هو قصصي، ونلمح أيضا تشابها في الاستهلال الروائي والعقد والمصائر والحلول بعد تذليل الحوائل و العوائق المانعة لشخوص الرواية المتصارعة إلى جانب التشابه في الشخوص التاريخية والفنية الموضوعية و تقنيات الوصف العام الحضري والشعبي للموصوف سواء أكان شخوصيا أم مكانيا أم أشياء أم وسائل علاوة على التشابه في الرؤية السردية ذات الراوي العارف بكل شيء والمزاوجة بين السرد و الحوار و تليين اللغة العربية وتفصيحها وتهذيبها بمستلزمات الصحافة و الكتابة المقالية.
وأخيرا، إن النصوص السردية التي كتبها جورجي زيدان تمثل خير تمثيل رواية التشويق الفني للتاريخ؛ لأنها تستقرئ تاريخ الماضي أو الحاضر بلغة سهلة معاصرة من خلال الارتكاز على العقدتين : التاريخية و الفنية . ولكن يبقى جورجي زيدان مخلصا ووفيا للحدث التاريخي مع التصرف الفني في الجانب القصصي والروائي لتحقيق المتعة الفنية والفائدة التاريخية لدى القارئ .

كلمات البحث الموفِدة:

  • رواية لجورج زيدان (1)
  • صلاح الدين الايوبي من روايات العرب و المسلمين جرجي زيدان (1)
  • قصة فتاة القيروان تنزيل (1)
211 Views

عن الهاشمي-2

إلى الأعلى