الرئيسية » موسوهة دهشة » الأعلام و التراجم » أعلام الدين » يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي

يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي


يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي


صرخة نارية في وجه مؤسس الدولة اليهودية هرتزل مع إسهامات بعض أقربائه في التصدي للصهيونية

إعداد: محمد خالد كلاب

يعتبر الأستاذ يوسف ضياء الدين الخالدي (1842 – 1906 م) سليل عائلية مقدسية تاريخية ذات مجد أثيل وشيدت بآثارها الباقية إلى اليوم حضارة ما زالت تفتخر بها القدس وما حولها ..فهو واحد من عشرات الخالديين الذين أثروا الحضارة مع إخوانه وأقرانه من هذه الأسرة والتي أنجبت طائفة من العلماء والصلحاء كالشيخ راغب الخالدي مؤسس المكتبة الخالدية والشيخ العلامة خليل الخالدي عالم عصره بالتراث والمخطوطات والعلامة الأديب محمد روحي الخالدي رائد البحث التاريخي الحديث وابنه العلامة أحمد سامح الخالدي وغيرهم.

8772.imgcache يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي

ترجمته :
ولد الأستاذ يوسف الخالدي في القدس سنة 1842 م وبدأ حياته الدراسية في حلقات المسجد الأقصى وكان أبوه قاضي ولاية ” أرضروم ” في الدولة العثمانية ، وتولى يوسف عدة مناصب منها رياسة المجلس البلدي في القدس نحو 9 سنوات ، والترجمة في الباب العالي بالأستانة وهو يذكر في أحد رسائله أنه كان أحد أعضاء مجلس ” المبعوثان ” العثماني وعُيّن ” شهبنداراً ” للدولة العثمانية في ثغر ” بوتي ” من بلاد الكرج في روسيا، وعزل بعد ستة أشهر فقام بسياحة في البلاد الروسية واستقرّ في ” فينّة ” فكان كلما تولى عملاً في بلاد أعجمية حذق لغتها ودرس العربية بمدرسة اللغات الشرقية في ” فينّة ” مدة وولي إدارة مقاطعة ” موطكي ” في ولاية بتليس من بلاد الأكراد (بالأناضول الشرقي)فأتقن لغتهم ولم يجد عندهم كتاباً في قواعدها فألف لهم كتاباً في القواعد الكردية وكان يوسف قد لازم الشيخ جمال الدين الأفغاني وتوثقت علاقته به وكان من أجرأ دعاة الإصلاح والمطالبين بالدستور .
الخالديون وانتباههم لخطر الصهيونية وتحذيرهم منها :
شهد مطلع القرن التاسع عشر بروز قرن جديد وظهور أخطبوط خطير يسمى الصهيونية وذلك بعد عقد اليهود لمؤتمرهم الأول عام 1898 م في مدينة ” بازل ” في “سويسرا ” بقيادة الثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية ورئيس المنظمة الصهيونية ، وكان خلاصة الاجتماع هو السعي والتخطيط لقيام دولة صهيونية على أرض فلسطين وبدأوا يبثون سمومهم في الإقليم العربي مستغلين نفوذهم الصهيوني في الدول الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها بريطانيا حتى استطاعوا امتلاك قرار جائر وهو ما يُسمى ” بوعد بلفور ” والذي يمنح اليهود حق في فلسطين إلى آخر ما هنالك من مؤامرات صهيونية استمرت حتى قامت حرب عام 1948 وبعدها حرب عام 1956 ثم حرب 1967 ولا تزال الحرب قائمة بين الفلسطينيين واليهود ..
ومنذ بداية بزوغ الصهيونية والفلسطينيون يحاولون التصدي لها والتحذير منها وكان لآل الخالدي في القدس نصيباً وافراً من التصدي والتحذير من خطر الصهيونية في فلسطين ..
لقد تنبه علماء آل الخالدي مبكراً إلى الخطر الصهيوني بعد بدء الهجرة الصهيونية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي وذلك بعد مؤتمر اليهود الآنف الذكر فهذا الأستاذ نظيف بن عبد الرحمن بن محمد علي الخالدي يحاول قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى الاتصال ببعض كبار زعماء الحركة الصهيونية في فلسطين ، لسبر غور أهدافهم ، ويسهم في لقاءات بينهم وبين شخصيات عربية بارزة من بينها محمد كرد علي وعبد الرحمن الشاهبندار وشكري العسلي ووتوقف هذه اللقاءات بعيد نشوب الحرب ..
وهذا الأستاذ روحي بن ياسين الخالدي يحذر في مقابلة صحافية مع جريدة ” هتسفي ” العبرية الصادرة بالقدس عام 1909 م من أن استمرار الهجرة الصهيونية والنشاط الاستيطاني في فلسطين قد يؤديان مستقبلاً إلى طرد العرب أهالي البلاد الأصليين من فلسطين ، ويخاطب الصهيونيين قائلاً : ” لسنا مدينين لكم بشئ فقد فتحنا هذه البلاد من البيزنطيين وليس منكم ” ويثابر روحي مع غيره من النواب العرب في طرح موضوع الصهيونية في مجلس ” المبعوثان ” الذي كان عضواً فيه ونائباً للرئيس ، وفي إحدى خطبه عام 1911 م ينبه إلى تكاثر عدد المهاجرين اليهود في فلسطين وبخاصة إلى سعة ما اشتروه من أراض في متصرفة القدس وإلى عدم جدوى تدابير الدولة العثمانية لتحديد الهجرة وضبطها وإلى خطورة كون نسبة العثمانيين من يهود فلسطين لا تتجاوز عشرة في المئة بينما الباقون من رعايا دول أوروبية.
ويستمر الأستاذ روحي في آخر سني حياته في كتابة دراسة بعنوان :” السيونزم أو المسألة الصهيونية ” وتتضمن الدراسة فصولاً عدة منسقة الأسباب والدوافع التي أدت إلى قيام الحركة الصهيوينة في القرن العشرين ، وفي علاقة اليهود الدينية بفلسطين وعلاقتهم بالعرب والدول الإسلامية على مرّ العصور ، وفي مداولات المؤتمرات الصهيونية وقراراتها بدءاً بالمؤتمر الأول ، وفي المؤسسات الصهيونية واليهودية في فلسطين ، ويختم المؤلف الدراسة التي وللأسف لم ينهها قبل وفاته عام 1913 م بفص قائم على البحث الميداني عن جميع المستعمرات التي تمّ إنشاؤها ، مع إحصائيات مفصلة عن كل مستعمرة على حدة ومساحات الأرض التي اشتراها الصهاينة وبائعيها .
يقول الأستاذ وليد الخالدي: “وهكذا تكون هذه الدراسة – بلا منازع – أول دراسة أكاديمية مفصلة موثقة بالعربية في الحركة الصهيوينة في هذا القرن “ا.هـ
ويعتبر أقوى من تصدى من أفراد العائلة للصهيونية وكان جريئاً شجاعاً هو الأستاذ يوسف ضياء الدين الخالدي رحمه الله الذي وجه رسالة خطية إلى هرتزل مباشرة يحذره من مجئ اليهود إلى فلسطين حيث وجه يوسف الخالدي إلى ثيودور هرتزل رئيس المنظمة الصهيونية رسالة عبر صديق هرتزل كبير حاخامي فرنسا صدوق كاهن ، ومما جاء في الرسالة : ” إن فلسطين تكوّن جزءاً لا يتجزأ من الأمبراطورية العثمانية ، وهي مأهولة اليوم بغير اليهود ، ويقدس هذه البلاد 390 مليون مسيحي و300 مليون مسلم ، فبأي حق يطالب بها اليهود لأنفسهم ؟ إن الأموال اليهودية لن تستطيع شراء فلسطين ، ولذا فإن امتلاكها لن يكون إلا بقوة المدافع والسفن الحربية …لذا حتى حصل هرتسل على موافقة السلطان عبد الحميد على المخطط الصهيوني ، فعليه ألا يفكر بأنه سيأتي اليوم الذي يصبح فيه الصهيونيون أسياد هذه البلاد” ويأتي ردّ هرتزل في رسالة مباشرة – مليئة بالكذب والخداع – إلى يوسف ضياء الدين بتاريخ 19آذار/مارس 1899 م بالإفرنسية ويقع الرد في أربع صفحات وفحواه : أن الصهيونية لا تُبيّتُ إلا كل الخير للدولة العثمانية ولسكان فلسطين عموماً ، وأنها ستعين الدولة العثمانية على التخفيف من ديونها ، وأنه في حال عدم موافقة استانبول على المخطط الصهيوني فإن الحركة الصهيونية ستتوجه إلى بلد غير فلسطين وأنها قادرة على إيجاد هذا البلد البديل “
يقول وليد الخالدي :” وهذه الرسالة هي الوحيدة الموجهة من هرتزل إلى زعيم عربي على ما نعلم ” ا.هـ
وهذه صورة هذه الرسالة نقلاً عن موقع عائلة الخالدي على شبكة الإنترنت:

www.khalidi.info
8773.imgcache يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي

أقول : ولعل بجهود هؤلاء وأمثالهم من الغيورين على الأرض المقدسة وبمثل هذه المواقف والمواجهات والتصديات للغزو اليهودي إلى فلسطين كانت من جملة المواقف التي ثبتت السلطان عبد الحميد رحمه الله وجعلته يصر إصراراً عظيماً على أن لا يقبل بالمساومة على فلسطين مقابل مال زائل وفان .
ففي عام 1901 م قام هرتزل بزيارة كانت الأولى من نوعها للسلطان عبد الحميد يرافقه :” إيمانول قره صو ” زعيم الأقلية اليهودية التركية ، والحاخام ” ليفي موشيه ” وقد حاولوا أن يحصلوا على إذن يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين بصفتهم رعايا للدولة العثمانية ، كما حاولوا إغرائه بتسديد ديون الدولة العثمانية وقدرها ( 50 مليون جنيه ذهبي ) وتعادل : 150 مليون ليرة عثمانية ذهباً ، وهبة مقدارها ( 5 ملايين من الجنيهات ) تقدم لخزينة السلطان الخاصة .
ولكن السلطان رفض كل ذلك بإباء وشموخ وأعلن استحالة تحقق هذا الهدف ما دام على قيد الحياة وقال ” إنكم لو دفعتم ملء الأرض ذهباً ، فضلاً عن ( 150 مليون ) ليرة ذهباً فلن أقبل بهذا بوجه قطعي ، ولقد خدمت الملة الإسلامية والملة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة ، فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين ، لهذا لن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي أيضاً “
وقال في رسالة كتبها لشيخه في دمشق الشيخ ” محمود أبو الشامات ” يشرح فيها عروض هرتزل وإغراءات اليهود وقال بعد الجواب السابق :
” وبعد جوابي القطعي ، اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى ( سلانيك ) فقبلت بهذا التكليف الأخير ، وحمدت المولى وأحمده أنني لم قبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة ” فلسطين” ” ا.هـ
رحم الله السلطان عبد الحميد ، فقد ضحى بعرشه وملكه ومنصبه وخلافته في سبيل إنقاذ فلسطين ، وتعالى فوق كل الضغوط والإغراءات ،وبدأ بعده مسلسل التنازلات ابتداءاً بالثورة العربية الكبرى أو ” الخديعة العربية الكبرى ” وانتهاءاً ” بأوسلو” و” كامب ديفيد ” و” واي بلانتيشن ” وهلمّ جرّا..
المراجع :
المكتبة الخالدية للدكتور / وليد أحمد سامح الخالدي 20-21
الأعلام للزركلي 8/235
الأعلام الشرقية لزكي مجاهد 2/831
المؤامرة الكبرى على بلاد الشام لمحمد فاروق الخالدي 78-81

thaqafa.org

108 Views

عن tamir_malas

إلى الأعلى