حسن الكرمي


ورحل حسن الكرمي
صاحب أشهر برنامج إذاعي أدبي، وصاحب أوسع معجم إنكليزي عربي

غيّب الموت في عمّان يوم الأحد 6/5/2007م الإعلاميّ والأديب واللغوي والمفكر حسن الكرمي عن 102سنة ، وهو صاحب أشهر برنامج إذاعي أدبي (قول على قول) الذي كانت تبثُّه هيئة الإذاعة البريطانية الـ(BBC)، وهو مبني على الإجابة عن أسئلة المستمعين، يسألون عن قائل بعض الأبيات الشعرية، وعن مناسبة الأبيات، فيجيب عن ذلك، ويضيف إليه ما شابهه أو ناقضه.

وأراد به الكرمي أن يعرّف العرب بلغتهم وشعرهم وأدبهم وأن يوقفهم على الدرر الثمينة في تراثهم الأدبي الراقي.
ولم تكن الصعوبة في تعرُّف قائل البيت أو أبيات الشعر التي يُسأل عنها فقط، ولكن الصعوبة في معرفة المناسبة التي قيلت فيها، وسرد أبيات شعر أخرى مناسبة للمقام.
وقد ذلل تلك الصعوبات ذاكرتُه القوية وقراءته الواسعة في الأدب والشعر، وحسُّه الموروث الذي مكّنه من التمييز بين شعر جاهلي أو إسلامي أو أموي أو عباسي … ومن ثمّ تضييق الشقة في عملية البحث.

وقد اتسم إلقاؤه الشعر بوضوح مخارج الحروف وسلامتها وجودة الإلقاء القائم على تلوين مقاطع الكلمة بطريقة تسهّل على المستمع فهم الشعر القديم.
وكان البرنامج يُذاع مرة في الأسبوع، بدأ به عام 1953واستمرّ حتى عام 1987م، وكان برنامجاً خالداً أحبّه السامعون العرب وغير العرب، وكان من المستمعين إليه الملك فيصل بن عبدالعزيز، وإدريس السنوسي ملك ليبيا، وجمال عبدالناصر الذي طلب من المسؤولين في الإذاعة المصرية إعداد برنامج مماثل ولكنهم أخفقوا.

تعرفت الأستاذ الكرمي بعد أن استقرّ بعمان عام 1989م، وكنت أزوره باستمرار سواءً أكان ذلك في فندق القصر حيث كان يقيم في أول سنة من استقراره بعمان أم في شقته التي كانت في مقابل أشهر سوق تجاري بعمان (safewey)، وكنت أستمع إليه وأستفيد من جلساته، وكان يسترسل في حديثه وفي الإجابة عما يُسأل عنه، وكان دائم القراءة والكتابة على تقدُّمه بالسن، وقد زرته قبل موته بشهرين فكان على عهدي به، ويمنّي نفسه في طبع كتبه التي لم تطبع، وإعادة طبع الكتب التي نفدت، وكان الناس يحسدونه على صحته وقوة ذاكرته.

لعل الكثيرين لا يعرفون أن الكرمي كان في الأصل ذا ميل إلى العلوم والرياضيات، وكان مبرّزاً فيهما ولا سيما الرياضيات، وهذا على عكس ما نشأ عليه والدُه وإخوته وكلهم شعراء أو أدباء ، فوالده الشيخ سعيد (1852-1935) كان أديباً وشاعراً وقاضياً شرعياً، وإخوته: أحمد شاكر (1894-1927) الأديب الكاتب الذي أنشأ مجلة الميزان التي كانت من خيار المجلات أدباً وبحثاً، ومحمود (1889-1939) كان صحفياً ومعلماً، وعبدالكريم (أبو سلمى) (1909-1980) الشاعر الأديب، وهو أشهرهم لنبوغه الشعري. وانصراف الأستاذ حسن الكرمي إلى الأدب بدأ بعمله في هيئة الإذاعة البريطانية.

ولد حسن الكرمي في طولكرم عام 1905، وهو التاريخ الذي كان يذكره في أول حياته، ثم أصبح يميل إلى سنة 1907 أو 1908، ودرس في طولكرم حتى الصفّ الرابع الابتدائي، ثم انتقل إلى دمشق ودرس في مكتب عنبر إلى الصفّ العاشر، ثم ترك دمشق وأتى إلى القدس وأتم دراسته الثانوية والجامعية في الكلية الإنكليزية، ثم ذهب إلى لندن ودرس التربية والتعليم 1937-1938، والإحصائيات التعليمية 1945-1946، واشتغل بالتدريس في مدرسة البكرية في القدس1930، وفي المدرسة الرشيدية في القدس 1931، وفي مدرسة الرملة الثانوية 1933، وفي الكلية العربية بالقدس 1936، فمدرساً بالرشيدية مرة أُخرى 1937، ثم أصبح مساعد مفتش في إدارة المعارف بالقدس 1938، فمفتشاً إداريّاً في إدارة المعارف 1948، وبعد نكبة فلسطين 1948عمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية مراقباً للغة حتى أحيل على التقاعد 1968، ولكنه بقي يعمل بعد ذلك بعقد، وألقى عصى التّرحال في عمان حتى وفاته فيها.

ألّف: (قول على قول) في 14مجلداً، بقي منه اثنان لم يُطبعا، و(هامش قول على قول) 4 مجلدات طُبع منه اثنان، و(الهادي إلى لغة العرب) معجم لغوي 4 مجلدات كبار، و(المنار) معجم إنكليزي – عربي، و(المغني) معجم إنكليزي – عربي، و(المغني الوجيز) إنكليزي – عربي، و(المغني الوسيط) إنكليزي – عربي، و(المغني الكبير) إنكليزي – عربي، و(المغني الأكبر) إنكليزي – عربي، وهو أضخم وأدقُّ معجم في هذا المجال، و(المغني الفريد) إنكليزي – عربي ، و(المغني الفريد) عربي – إنكليزي. و(اللغة نشأتها وتطوُّرها في الفكر والاستعمال)، و(العلم والتعليم والكلية العربية في القدس)، و(الثنوية في التفكير)، و(التفكير المستقيم والتفكير الأعوج)، و(خروج العرب من إسبانيا) مترجم، وقال لي: ترجمتُه ليتّعظ العرب، ولكنّ العرب لا يتعظون. و(سيرة حياتي) مخطوط، عندي نسخة منه، و(سيرة قط) مخطوط.
وألّف بالإنكليزية: (قداسة فلسطين عند المسلمين)، و(الصلاة في الإسلام)، و(الإسلام والغرب)، و(التعريف بالإسلام).

له من الأولاد: سهام (من مواليد 1931) تخرجت كيميائية في جامعة لندن، وزياد (من مواليد 1936) تخرج مهندساً في جامعة غلاسكو في اسكتلندا، وغادة (من مواليد 1939) تخرجت طبيبة في جامعة برستول.

للكرمي شعرٌ قليل، منه الأبيات التي نظمها في بريطانيا وفيها تذكُّر لفلسطين موطنه المغصوب:

أنا على العهد مهما شتّ نائينا وأوسع الدهرُ حبل الوصل توهينا
وأمعنت صُورُ الأحداث ضاربةً أطنابها لتزيد الخطب توهينا
فلا البعادُ مُزيلٌ ما بأنفُسنا ولا التّداني بماح بعض ما فينا
نحن شوقاً إلى تلك الرُّبوع كما يحنُّ إلفٌ لإلف فاتهُ حينا
ونبعثُ الرّسم تخييلاً عسى أثرٌ في الذّهن عن رُؤية الأعيان يكفينا
حتّى الحقيقةُ ما أشفت لنا غُللاً فكيف أخيلةٌ تروي وتشفينا
فلا الجبالُ جبالُ النار نعهدُها ولا الأراضي بها شبهٌ لوادينا
ولا الملامحُ في الأشخاص نعرفُها كأنّما الناسُ ليسُوا من أناسينا

بقي أن أشير إلى أن أصل الكرمي من اليمن فهو من بقايا القادمين مع عمرو بن العاص رضي الله عنه لفتح مصر، ولما فُتحت مصر وقُسّمت أراضيها على الغانمين بأمر من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، خرج سهمُهم في إقليم الشرقية، ثم جاء أحدُ جدود الكرمي إلى طولكرم واستقرّ فيها. رحم الله الكرمي وأسكنه فسيح جنانه.

http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?CategoryID=39&ArticleID=860

20 Views

عن

إلى الأعلى