الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » العقيدة » أديان ونحل » تاريخ الأديان – خاليد فؤاد طحطح

تاريخ الأديان – خاليد فؤاد طحطح


تاريخ الأديان – خاليد فؤاد طحطح

مفهوم الدين:

الدين هو الطاعة والانقياد، وهو اسم جامع لكل ما يعبد به الله، ومثله الديانة، وجمع الديانة ديانات.

وللدين رسالة في الحياة وهي السمو بالعواطف والمشاعر، وتهذيب الأخلاق والضمائر، وتطهير النفوس والعقائد ورعاية كرامة الإنسان خليفة الله في الأرض، والدفاع عن حقوق الأفراد والجماعات والشعوب, والنهوض بالإنسانية والسير بها قدما نحو النور والهدى والطهر والخير والعز والحرية والأمان والسلام.

فالدين هو شريعة الإصلاح، وهو قانون سماوي مقدس له في نفوس الناس الحب والتقدير، وهو الناموس الخالد لدعوة التجديد والبناء والنهضة والحضارة، والنبع الأزلي للحقيقة والإيمان والعدالة.

والإنسان كيفما كان يبقى في حاجة إلى الدين يهتدي به, ويسمو بنفسه لتحقيق تعاليمه المقدسة، ففي الإنسان جانب روحاني داخلي، وميل نظري للاعتقاد في وجود إله يسير العالم تزيدها العلوم قوة وظهورا، ولا يعقل أن دورا من أدوار الاجتماع أو حالا من أحوال التقدم الصناعي يلاشي هذه الفكرة الإنسانية، وإلى هذا أشار القران الكريم في قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله … }. وقد أدرك هذا السر فلاسفة أوربا، فقد قال ارنست رينان في كتابه "تاريخ الأديان" (من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه وكل شيء نعده من ملاذ الحياة ونعيمها، ومن الممكن أن تبطل حرية استعمال العقل والعلم، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين أو يتلاشى بل سيبقى أبدا الآباد حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يود إن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الطينية).

وهذا الكلام يؤكده الواقع والتاريخ، فكل الحضارات القديمة عرفت شعوبها الأديان، وتركت تراثا كتابيا ومعماريا مليئا بالمعتقدات والأساطير الدينية، مما يعني أن الدين كان عبر التاريخ أحد المكونات الأساسية في حياة المجتمعات، لم يستطع السكان الاستغناء عنه أبدا، وهذا ما يجعلنا نطرح العديد من الأسئلة حول نشأة الأديان؟ وعن مصدرها؟ وعن كيفية تطورها؟وأسباب تشابهها؟

فكل التعاليم الدينية نجدها تحكي لنا قصة الخلق، وترسم علاقة الإنسان بربه وبأخيه وبمجتمعه.

باختصار إن موضوعات الدين هي الإلهيات والطبيعيات والأخلاق، وهذه نفسها موضوعات المجال الفلسفي، ففي حين يتمثل في التعاليم الدينية الأمر الإلهي القائم على الإيمان والتصديق والتسليم، فإن الفلسفة تعتمد العقل سبيلا لبلوغ الحقيقة.

ونظرا لما للدين من تأثير واضح وعميق على الإنسان، ونظرا لانعكاساته على المجتمع وحضوره الدائم في تاريخ الشعوب، ونظرا للدور الذي لعبه الدين في قضايا تاريخية عديدة، ارتأينا أن نخصص له فصلا كاملا، نتحدث فيه عن نشأة الأديان وتطورها، ونتناول علاقة الدين بفلسفة التاريخ، مع التركيز على الأديان السماوية الثلاثة لأنها الأكثر انتشارا في العالم، والأكثر حضورا في الأحداث التاريخية، فقد ارتبطت باسمها أشهر الحضارات وأقواها.

نشأة الأديان:

يرى كثير من العلماء أن الأساطير هي أصل الدين، ويؤكد ذلك عندهم الأفكار السياسية للشعوب القديمة أمثال السومريين والبابليين والأشوريين والفينيقيين والفراعنة والصينيين والهنود والإغريق….

وكثرت الاختلافات بين الباحثين حول الأصول الأولى للديانة، فمنهم من يعللها بضعف الإنسان أمام المظاهر الكونية والقوى الطبيعية فابتدع لنفسه آلهة يتوجه إليها بالصلوات في شدته وبلواه طالبا منها المساعدة والرحمة والطمأنينة وإزالة البلاء، فالخوف من الظواهر الطبيعية ومن الموت خصوصا ولد الآلهة، نجد هذا عند كريستيش الذي قال (الخوف أول أمهات الآلهة وخصوصا الخوف من الموت)، فلم يصدق الإنسان أن الموت ظاهرة طبيعية فعزاها إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة، فمثلا عند سكان بريطانيا الجديدة الأصليين جاء الموت في اعتقادهم نتيجة خطا للآلهة، فقد قال الإله الخير ‘كامبينانا لأخيه الأحمق كورفوفا (اهبط إلى الناس وقل لهم أن يسلخوا جلودهم حتى يتخلصوا من الموت، ثم أنبئ الثعابين أن موتها منذ اليوم محتم، فخلط كورفوفا بين شطري الرسالة حيث بلغ سر الخلود للثعابين، وقضاء الموت للإنسان!!، وهكذا ظنت كثير من القبائل أن الموت مرده إلى تقلص الجلد!!، وأن الإنسان يخلد لو استطاع أن يبدل جلده بجلد آخر، وكلنا اليوم نعلم أن هذا غير صحيح.

ويعزو باحثون آخرون أقدم ديانة إلى الطوطمية، ويظنون أن الطواطم هي طلائع الأديان، ودليلهم أن شعائر الطوطمية منتشرة بين القبائل البدائية في استراليا وإفريقيا وأمريكا وبعض جزر القارة الأسيوية، فلا تزال في بعض هذه المناطق قبائل تتخذ لها حيوانا تجعله طوطما وتزعمه أبا لها، أو تزعم أن أباها الأعلى قد حل فيه، وقد يكون الطوطم في بعض الأحيان نباتا أو حجرا أو تمثالا يقدسونه، وفي معظم الأحيان كان الطوطم مقدسا لايجوز لمسه أو سبه أو التهكم عليه، ويجوز أكله في بعض الظروف على أن يكون ذلك من قبيل الشعائر الدينية، فهو بذلك يرمز إلى أكل الإنسان لإلهه أكلا تعبديا!! فقبيلة غالا في الحبشة كانت تأكل السمكة المعبودة في حفل ديني كبير، ويقول أبناؤها (إننا نشعر بالروح تتحرك فينا إذ نحن نأكلها!!).

ويرى سبيز أن الأقدمين أطلقوا على أنفسهم أسماء بعض الحيوانات القوية تشبها تشبها بها، وورثت الأجيال هذا اللقب من آبائهم، وبمرور الأجيال صار هذا الحيوان طوطما للقبيلة، وصارت الطوطمية عبادة، بل نجد بعض أسماء القبائل مأخوذة من أسماء الحيوانات كقبيلة بني كلب وبني أسد…

ومع ذلك فان أغلب الباحثين يرون أن الطوطمية لم توجد الوجدان الديني والخلقي، ولا الاعتقاد بالأرواح ولا تقديم الذبائح، بل أن هذه الأمور كلها كانت موجودة من قبل وشائعة بين جميع الأمم البدائية.

فالديانة من الأمور الطبيعية والفطرية في الإنسان، تدفعه إليها الغريزة الإنسانية كما تدفع العصفور إلى بناء العش دون سابق معرفة، يقول هنري برجسون لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكنه لم توجد ولن توجد قط جماعة بدون ديانة.

فالغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، وأما الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة فهو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية، فالدين عنصر من العناصر التي لا تتم الحياة بدونه، لذلك فقد رافق الإنسان من بداية وجوده، فعقيدة وجود الروح وخلودها وظهورها للأحياء في أحوال خاصة أمر عام في جميع الأمم.

فقد كانت الأمم القديمة تعتقد في وجود الروح وخلودها(…)فالمصريون كانوا يعتقدون وذلك قبل ميلاد المسيح بحوالي خمسة آلاف سنة أن الموت عبارة عن انتقال من حال إلى حال أرقى منه، وكانوا يقولون أن الروح بعد خروجها من الجسد تكتسي جسدا آخر أرق من الجسد الدنيوي وأرقى منه(…)كانوا يسمونه كا، وفي بعض البلدان كان الإنسان البدائي يخرج الجثة من ثقب في الحائط لا من الباب، ثم يدور بها حول المنزل ثلاث مرات دورات سريعة حتى تنسى الروح أين المدخل إلى المنزل فلا تعاوده!!.

وكان ابيمينيد المعاصر للمشرع اليوناني صولون ترشده الأرواح، ويتلقى وحيا إلهيا كما زعم!!، فقد جاء في تاريخه (انه كان شديد الاعتقاد بالتناسخ حتى انه لأجل أن يقنع الناس بهذه العقيدة كان يقول لهم انه تناسخ مرارا وانه كان فيما سبق يعيش في جسد المدعو اوكوس!!)، أما سقراط فقد وجد أن المسافة بين الله والإنسان بعيدة المدى فملأ الوجود بالأرواح المتوسطة زاعما أنها خلقت لتحفظ الشعوب والأفراد، وتوحي إلى الناس أنباء الغيب وقال: (أن الروح كانت موجودة قبل أن يخلق جسدها وهي متمتعة بالمعارف الأزلية لكنها لما تتصل به تنسى جميع ما تعلمه ولا تحصل عليه إلا رويدا رويدا بالتعلم والاحتكاك بالأمور الحيوية وإعمال الفكر والعقل).

فالتعلم في نظره هو التذكر، والموت هو الرجوع إلى الحالة التي كانت عليها الروح قبل دخولها الجسد، فهي إما ترجع إلى نعيم أو عذاب على حساب ما قدمت من أعمال!!.

ورغم أن هذه العقائد تلبست بكثير من الأساطير، إلا أنها توضح لنا اهتمام الإنسان بقضايا ما بعد الموت والمصير والروح، وكلها قضايا مرتبطة بمباحث الأديان.

وحدة وتعدد الآلهة:

يرى بعض علماء المقارنة بين الأديان ثلاثة أطوار مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها بالآلهة والأرباب، وهي طور التعدد، وطور التمييز والترجيح، وطور التوحيد والوحدانية.

ففي طور الآلهة المتعددة، كانت القبائل تتخذ لها أربابا تعد بالعشرات، وفي الطور الثاني وهو طور الترجيح والتمييز تبقى الأرباب على كثرتها، ويأخذ أحد الأرباب دور البروز والاستحواذ على سائرها، إما لأنه إله القبيلة الأكبر الذي تدين له القبائل الأخرى بالزعامة، وإما أنه يحقق لعباده مطالب أعظم وألزم من جميع المطالب الأخرى!! وفي الطور الثالث تتوحد الأمة فتجتمع إلى عبادة واحدة تؤلف بينها ويحدث في هذا الطور أن تفرض الأمة عبادتها على غيرها، ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلا بعد أطوار من الحضارة، تشيع فيها المعرفة ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائدة في عقول البدائيين والقبائل الجاهلة.

وهذا الرأي يزكي مقولة التطور في الديانات من الإيمان بالأرواح إلى عبادة الظواهر الطبيعية من كواكب ونجوم وعواصف وأنهار، ويأتي التوحيد في النهاية منبثق عن الأطوار السابقة كلها.

إذا كان هؤلاء الباحثون قد أكدوا أن عقيدة الإله الواحد عقيدة حديثة، ووليدة عقلية خاصة بالجنس السامي، فإن هناك فريقا كبيرا من علماء تاريخ الأديان يقررون أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، والوثنيات ما هي إلا أعراض طارئة أو أمراض متطفلة، ومن أشهر القائلين بهذا الرأي لانج الذي أكد وجود عقيدة الإله الأعلى عند القبائل الهمجية في استراليا وإفريقيا وأمريكا، ومنهم سريدر الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة، وبروكلمان الذي وجدها عند الساميين قبل الإسلام وشميدات أكدها عند الأقزام وقبائل استراليا، وهذا مصداقا لقوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين…الآية}.

وتبقى الآراء مختلفة ومتناقضة بسبب عدم وجود أدلة محسوسة وقاطعة عن المسالة، خصوصا وأننا لانملك معلومات كثيرة عن شعوب مرحلة ماقبل التاريخ، نظرا لعدم وجود آثار مكتوبة، غير أن الكتب السماوية تؤكد بصفة قطعية أسبقية التوحيد على التعدد، فالله عز وجل أخذ بيد الإنسان منذ بدء الخليقة، أرسل إليه الرسل وأنزل الكتب لهدايته وإرشاده، وما عبادة السحر والحيوانات والنجوم إلا نبت طفيلي على هامش ديانة التوحيد، وبذلك تكون فكرة أسبقية التوحيد حسب الكتب السماوية الثلاث هي الأصل، وقد عرفتها الشعوب الأولى باعتبار آدم عليه السلام أبو البشرية جمعاء.

المعتقدات الدينية عند الشعوب القديمة لأمريكا:

اعتقد الشعب الأزتيكي وجود آلهة متعددة تتحكم في تسيير الكون وفق إرادتها وبناءا على رغبتها، لذلك وجب تقديسها وتقديم القرابين لها قصد الحصول على رضاها وثوابها، وقد لاحظ بعض الباحثين أن شعب الأزتيك كانت له ميول واضحة نحو التوحيد، وأرجعوا ذلك إلى دور رجال الدين المثقفين، إلا أن مثل هذا التفكير ظل محصورا في نطاق ضيق ولم يصل إلى عامة الناس، وقد اهتم الناس بالمعابد التي كانت تبنى وساهموا في إنجازها، وكانت توقد النار في أماكن خاصة فيها، وتبقى مشتعلة ليلا ونهارا تعبيرا عن التقرب إلى الآلهة وإرضائها.

أما شعب الإنكا فسادت عنده عبادة الشمس التي كانت الديانة الرسمية للبلاد، هذا فضلا عن عبادة كائنات أخرى خاصة الحيوانات وبعض الظواهر الطبيعية، ونظرا للأهمية التي اكتستها الديانة عند الشعب الإنكي، فقد بنيت المعابد لإقامة الطقوس والاحتفالات بها، وأبرز هذه المعابد ذلك المعبد الذي أقيم في العاصمة كوسوكو، وخصص لعبادة الشمس، أما شعب المايا فقد مارس بدوره الشعائر الدينية، واعتقد في وجود آلهة متعددة تتحكم في الكون، كما آمنوا بوجود صراع بين الخير والشر، وأن البشر مسير في أفعاله وسلوكه، ومن أوجب الواجبات التي عليه الخضوع للآلهة وطاعتها والتقرب إليها وإرضائها بشتى الوسائل الممكنة، وقد ساعدت الاهتمامات الدينية لشعب المايا على تطوير فني العمارة والتصوير، ويلاحظ أنه قد غلب عليهم الطابع الرمزي الديني.

المعتقدات الدينية للمصريين القدامى:

شاعت في مصر القديمة عبادة الطواطم من تقديس للنسر والصقر وابن آوى والنحل والقطط والتماسيح والأفاعي وغيرها من فصائل الحيوانات، وهي من بقايا عبادة الطوطم التي تحولت مع مرور الزمن الى رموز دينية.

وشاعت في مصر أيضا عبادة الروح، وقد آمن المصريون القدامى بالبعث والجزاء بعد الموت، وقد اتخذوا للموت رموزا عديدة منها الزهرة أو طائر ذو وجه آدمي أو وجه ثعبان أو تمساح، وأقوى العبادات عند المصريين هي عبادة الأسلاف والموتى، ولذلك فقد اعتنى المصريون القدامى بتشييد القبور وتحنيط الجثث وإحياء الذكريات والاهتمام بالأساطير، وقصة اوزيريس تاتي في هذا المضمار، فقد ذكر أن اوزيريس كان ملكا محبوبا لدى شعبه، فنازعه أخوه ست العرش وتمكن من قتله، وجاءت زوجته إيزيس بابن اسمه حورس أخفته في مكان بعيد حتى بلغ الرشد، فرشحته للملك، وساعده أنصار أبيه على بلوغ حقه في العرش، وعاد ست ينازعه في هذا الحق أمام الآلهة، ويدعي عليه أنه ابن غير شرعي من أب غير اوزيريس، فلم تقبل الآلهة دعواه وحكمت لحوريس بميراث العرش.

وتقول الأسطورة أن ست عندما قتل أخاه اوزيريس فرق أعضاءه في البقاع لكيلا يعثر أحد المطالبين بثأره على الجثة، ولكن إيزيس جمعت الأعضاء وتعهدتها بالأسحار والصلوات حتى دبت فيها الحياة من جديد، وحملت منه بحورس، وقد حاول اوزيريس العودة الى حكمه فلم يستطع وقنع بالسيادة من عالم الغيب!!.

لذلك فقد اعتقد المصريون أنهم سيحاسبون بعد الموت أمام محكمة اوزيريس حيث ينتصب في الوسط ميزان العدالة الذي وضع في إحدى كفتيه قلب الميت، وفي الكفة الأخرى ريشة الصدق، ويتم ذلك بحضور الإلهين حورس ومعات ثم يقوم الإله أنوبيس بوزن قلب الميت ليتحرى مدى صدق أقوال المتوفى وأفعاله، فإذا وزن القلب أثقل من الريشة يبتلع الميت من طرف وحش برأس تمساح اسمه الملتهمة، أما إذا كان وزن الريشة أثقل فإن المتوفى ينعم بحياة الخلود في النعيم، وأثناء هذه المحاكمة يقف الميت رافعا يديه إلى أعلى وبجانبه اثنان وأربعون قاضيا يمثلون عدد مقاطعات مصر، ويجلس الإله اوزيريس أمام أبناءه الأربعة لحضور المحاكمة، ويتقلد السوط والعصا رمز القوة والسلطة.

وللخصب والخصوبة شأن كبير في ديانة مصر القديمة، فهم يرمزون إلى الكون كله ببقرة تطلع من بطنها النجوم، أو امرأة تنحني على الأرض بذراعيها ويسندها اله الهواء شو بكلتيا يديه.

كما آمن المصريون بإله الشمس رع الذي كان يعتقد أنه ملك مصر في زمن من الأزمان، وتحولت إلى عبادة آمون ثم آتون فيما بعد.

ولما وصل امحنتب الرابع أو اخناتون كما تسمى بعد ذلك، كان التمهيد للعبادة الجديدة قد بدأ، وقد حفظت لنا أوراق البردي والنقوش والتماثيل والألواح كثيرا من أخبار اخناتون وصلواته، ومن أقواله المشهورة ( أنت تبزغ جميلا في أفق السناء، أنت آتون الحي…أيها الإله الوحيد، الذي لا نظير له، لقد خلقت الكون حسب رغبتك…)

وبذلك اتجه الفكر الديني المصري القديم إلى الوحدانية والعالمية في العقيدة بدلا عن تعدد الآلهة الذي ساد من قبل.

المعتقدات الدينية عند السومريين:

يشير الباحثون إلى أنه من الصعوبة بمكان التعرف على مظاهر التدين عند السومريين وأصول ديانتهم، فمنذ البداية اتجه فكر الإنسان السومري إلى السماء باعتبارها مصدر القوى التي تحرك العناصر المدمرة للبشرية من أمطار طوفانية ورياح قوية وعواصف رعدية وفيضانات مهولة، فاعتقد هذا الإنسان في وجود قوة تتحكم في السماء وحملها الصفة الإلهية.

وكان نتيجة ذلك أن آمن بوجود اله السماء، لكنه آمن بوجود قوى أخرى عديدة من أهمها الهواء والأرض والكوكب والنجوم والبحر والأنهار، ولقد تفاوتت قيمة الآلهة التي عبدت في بلاد ما بين النهرين، فهناك آلهة شعبية لكل الناس، وآلهة رسمية، والهة محلية، وهي التي اختصت بعبادتها وتقديسها الشعوب المختلفة بصفتها الآلهة الحامية لهذه المدن، أما أهم الآلهة في بلاد النهرين فقد تكونت من الآلهة العظام التي عمت عبادتها جميع أنحاء بلاد الرافدين ويأتي في مقدمة هذه الآلهة الثالوث المكون من آلهة عظام، وهي إله السماء آن، وانكي اله الماء، وانليل اله الهواء.

وقد آمن السومريون أن الآلهة تكافئ الناس على أعمالهم وحسن سيرتهم وطاعتهم، وتمنحهم المساعدة والأمان وتضمن لهم حياة اجتماعية رغيدة، كما أن الآلهة هي التي تحدد مسبقا تاريخ موت الإنسان، أما الخلود فهو من صفات الآلهة وحدها، كما كان الإنسان السومري يظن أن بعض السلوكات والتصرفات الخاصة بالإلهة تشبه إلى حد كبير سلوك الإنسان، إذ يسود بينها الحقد والصدق، كما أن الآلهة تأكل وتشرب وتنجب وتحارب وغير ذلك.

ونظرا لقيمة الآلهة وأهميتها في فكر الإنسان السومري، فقد خصصت لها أماكن للعبادة والحفلات الدينية، وهذه الأماكن هي المعابد التي كان يشرف على تسييرها مجموعة من الأشخاص وهم الكهنة.

البوذية والزرداشتية:

في القرن السادس قبل الميلاد كان البراهمان يشكلون فئة اجتماعية عليا داخل المجتمع الهندي القديم، وقاموا بنشر وتدعيم الديانة البراهامية المعتمدة على تعدد كبير للآلهة، وعلى تقسيم المجتمع الهندي إلى أقسام وهيآت وأصناف ومراتب وفق سلم ثابت، تحتل فيه كل طبقة اجتماعية درجة قارة، وبذلك فرضت البرهمية على المجتمع والدين نوعا من الجمود.

فجاءت دعوة بوذا أي المستنير (622 ق.م- 540 ق.م) لتعارض الهيمنة البرهماتية وحلة الجمود الديني، وكان بوذا أحد أمراء منطقة صغيرة تقع في السفوح الجنوبية لجبال الهمالايا، وببلوغه سن الثلاثين، انسلخ عن البلاط الأميري، وشرع في القيام بجولة طويلة عبر العالم الهندي القديم للبحث عن الحقيقة مكتفيا بالبساطة في العيش كمتسول، وتوصل بوذا إلى أن العبادة أمر شخصي لا صلة له بالمجتمع ولا بالنفوذ، وعارض الهيمنة البراهماتية انطلاقا من مبادئ دينية محضة، فدعا إلى المساواة بين الناس في الدين، وبالتالي إلى نبذ التراتب والتدرج المفروض، وشبه العالم المادي بعجلة تدور حول نفسها بدون نهاية، وكان يعتقد أن الإنسان يوجد داخل هذه العجلة تارة في أعلاها وتارة في أسفلها، وبالتالي فان حياة الإنسان المادية لا تعدو أن تكون حلقة لا متناهية من الشرور والآثام، وكان يعتقد أن كل من أراد النجاة من تلك الدوامة أن يترك العالم المادي ويتجرد عن الشهوات ويلتزم بالزهد ويبتعد عن العنف ويحب جميع الحيوانات والمخلوقات ليتقرب من عالم النرفانا، وسرعان ماانتشرت البوذية في كل بلاد الشرق الأقصى الآسيوي، على الرغم من الاضطهاد الذي تعرض له معتنقوها من طرف الحكم البرهماني.

أما الفكر الديني الزرداشتي فينسب إلى الفيلسوف زرداشت (583 ق.م-660 ق.م ) الذي يسجل أهم تعاليمه في كتابه (الافستيا ) وتنطلق الزرداشتية من الاعتقاد بان الحياة تعتمد على عنصرين أساسيين، وهما إله الخير وإله الشر، وما الحياة إلا صراع بينهما، وأعطت الزرداشتية قيمة كبرى للظواهر الطبيعية والقوى المتحكمة فيها، وعلى رأسها الماء والأرض والشمس والقمر والنار، واعتبرت النار رمزا لإله الخير لكونها معبرة عن النور، وتطور هذا الاعتقاد الى عبادة النار نفسها لدى الفارسيين (الديانة المجوسية ) المأخوذة من الزرداشتية، ومن أهم خصائص الفكر الزرداشتي الديني الاهتمام بالجوانب السلوكية الخيرة لدى الإنسان وخاصة في مجال المعاملات، ولقد اعتقد بالديانة الزرداشتية مناطق كثيرة من العالم الهندي واسيا الوسطى.

الديانات السماوية الثلاث.

اليهودية:

عبد بنو إسرائيل اوالعبرانيون في الزمن الغابرالاوثان والكواكب والحيوانات والأشجار والاحجار مثلهم في ذلك مثل باقي الشعوب، وبقيت فيهم عبادة الأوثان حتى بعد دعوة إبراهيم عليه السلام، فقد عبدوا عجل الذهب في سيناء بعد خروجهم من مصر، وجاء في الإصحاح الثامن عشر أن حزقيا ملك اليهود أزال المرتفعات وحطم الأصنام وقطع السواري وسحق حية النحاس.

مما يعني أن عبادة الأصنام والأوثان كانت أمرا مشاعا عندهم، كما عبد بنو إسرائيل الإله ايل، أي القوي في اللغة الآرامية القديمة، وكانوا يصفون هذا الإله بصفات البشر، وظلوا إلى ما بعد أيام موسى عليه السلام ينسبون الى الإله صفات البشر فذكروا أنه يتمشى ويأكل ويشرب!!، وأنه هو الذي دفن موسى حين مات!!.

ولم يفهم اليهود الوحدانية بشكلها الصحيح الذي يعني التعالي على التشبيه والمثيل إلا في عهد اشعيا الثاني القائل بلسان الرب (بمن تشبهونني وتمثلونني)، وهو الذي شدد النكير على بني إسرائيل قائلا: (أن الله هو الأول منذ القدم) ونهاهم أن يعبدوا أصناما، وكان سقوط الدول الكبرى في عهد اشعيا الثاني مؤذنا باقتراب يوم إسرائيل الموعود، فقد تداعت بابل ومصر وبدأت فارس في الانقسام، فتجدد أمل بنو إسرائيل في حكم العالم، وفسروا سقوط الدول وبداية انهيارها بأنه غلبة يهوا عليها وعقوبته لها على ما أسلفت من الإساءة الى شعبها المختار!!، ووصفت إلهها بالغيور المنتقم الشديد البطش المتعطش للدماء، السريع الغضب، وذلك عكس ماوصف به موسى عليه السلام الرب من الرحمة واللطف.

ويجب الإشارة أن العقائد اليهودية شغلت حيزا كبيرا من مقارنات الأديان لأنها كانت نقطة التحول بين العبادات القديمة والعبادات في الديانات الكتابية، ولأن اليهودية أول ديانة توحيدية شاملة ظهرت على يد النبي موسى عليه السلام، وذلك حوالي 1200 ق.م، وقد تميزت اليهودية عن الديانات السائدة آنذاك بكونها ديانة توحيدية سماوية المصدر، وبأن الإله يهوه لايجسم ولا يشبه ولا يمثل، ويقول أحبار اليهود بان الخالق قد اختار اليهودية الأمة، وبالتالي فان شعبهم هو المختار، وشكل كتابهم التوراة المرجع الديني الرئيسي للديانة اليهودية، وهو يتضمن أقوال الأنبياء اليهود وما تلقوه من وحي السماء، ويحدد الطقوس الدينية والتنظيمات الاجتماعية والقضائية التي على اليهود العمل بها، إلى جانب كونه يعتبر سجلا لما مرت به القبائل العبرانية من أحداث.

الديانة المسيحية:

كانت العقيدة الإسرائيلية قد نصت على فكرة المسيح المنتظر، فقد كان الإسرائيليون يذكرونها في معرض حديثهم بعد أن زال ملكهم وانتقلوا إلى الأسر البابلي، وكانوا في بادئ الأمر ينتظرون ملكا فاتحا مظفرا من نسل داود ويسمونه ابنا لله، ولكنهم بعد ذلك أطلقوا اسم المسيح على كل من يعاقب أعداءهم، ويفتح لهم باب الخلاص من الأسر البابلي، وتهذبت هذه العقيدة مع مرور الزمن، فأصبحوا ينتظرون الخلاص على يد الهداة المعتدلين، وقد كان اليهود يترقبون المسيح عليه السلام على رأس الألفية الخامسة، وفي هذا الجو من الترقب والانتظار ولد المسيح عليه السلام الذي دعا إلى عبادة الله ودعا إلى التسامح والمحبة، وكانت دعوته التوحيدية امتدادا لما جاءت به الديانة اليهودية.

واهتم المسيح عليه السلام في دعوته بالجوانب المعنوية والسلوكية لدى الإنسان، ودعا إلى العدل مع النفس ومع باقي الناس، وقد جاءت المسيحية بمبادئ أخلاقية تقول بان الآلام والفقر لهم معاني، بحيث يساعدهم ذلك على بلوغ الحياة الأبدية وأوصت المسيحية بالبساطة في العيش وبالتسامح مع من يؤذي الآخرين، وبالصبر أمام المحن والتعذيب، وقد انتشرت الديانة المسيحية عبر أراضي الإمبراطورية الرومانية شرقا وغربا، على الرغم من الاضطهاد الذي تعرضت له من طرف السلطة الرومانية الحاكمة، إلى أن تمكنت المسيحية أن تفرض نفسها كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية.

ولم تكتب الأناجيل المعروفة اليوم في عهد النبي عيسى عليه السلام، وإنما كتبت بعد عصره بجيلين، وبعد ذلك ستتشعب المذاهب المسيحية وستنقسم ما بين قائل بطبيعة واحدة للمسيح وقائل بطبيعتين إنسانية وإلهية، وبين مؤله للسيدة مريم عليها السلام ومنكر لهذا التأليه، وبين من يعتقد بنبوة المسيح وأنه ابن الله على الحقيقة (زعموا)ومن يعتقد على أنها نبوة على المجاز.

الإسلام:

مضى على مولد المسيح ستة قرون قبل ظهور الإسلام، تشعبت من خلالها الآراء المسيحية بين النساطرة واليعاقبة وانقسمت الأفكار بين القائلين بالطبيعة الإنسانية للمسيح والطبيعة الإلهية، وظهرت كنائس متعددة بعد مجمع الخلقدونية وغيرها من المجامع التي فرقت المسيحيين إلى طوائف مختلفة ومتضادة.

تسربت هذه المذاهب جميعا إلى شبه الجزيرة العربية مقرونة بالبراهين الجدلية التي يستدل بها كل فريق على صحة تفسيره وبطلان معارضيه، وكان كثير من تلك البراهين مستمدا من المنطق ومذاهب علماء اليونان، وقد عرف العرب أطرافا من هذه المذاهب بعد هجرة الرهبان من الأراضي الرومانية إلى البلاد العربية.

كما كانت مذاهب اليهود قد تسربت إلى أنحاء الجزيرة العربية كما تسربت المجوسية من الفرس، ولم يتلقى العرب النصرانية من مصدر واحد، فقد كانت نصرانية الحبشة ممزوجة بالوثنية وبعض عقائد المجوس، ودان قليل من العرب بهذه الديانات على أوضاعها المختلفة، وظلت الأغلبية تعبد الأسلاف في صورة أصنام أو أحجار، وكانوا يعرفون الله ويقولون أنهم يتقربون إليه بهذه العبادات، ولما ظهر الإسلام كان عليه أن يصحح أفكارا كثيرة لا فكرة واحدة عن الذات الإلهية.

وقد جاءت الفكرة الإلهية في الإسلام فكرة تامة لا يتغلب فيها جانب على آخر، فالله وحده لا شريك له، لا ولد له، يمتلك صفات وأوصاف نزهته عن كل الكائنات الأخرى، وقد جاء القران الكريم بشريعة ضمت قوانين وأحكام ونواهي، ورفض الإسلام عبادة الأصنام جملة وتفصيلا وعدها كفرا وشركا.

كانت فكرة الله في الإسلام هي الفكرة المتممة لأفكار كثيرة موزعة بين عقائد ومذاهب وفلسفات وديانات تعرضت للتحريف والتزوير، ولذلك بلغت المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية، وجاء الإسلام وهو آخر ديانة سماوية بالقول الفصل في مسألة البقاء والفناء والحساب والعقاب والجزاء بعد الموت.

بقلم الأستاذ خاليد فؤاد طحطح

[email protected]

67 Views

عن الموسوعة العربية دهشة

إلى الأعلى