دراسة حول معلقة لبيد بن ربيعة


دراسة حول معلقة لبيد بن ربيعة

لبيد بن ربيعة:

لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب, من بني جعفر. من بني عامر. بطن من بطون مضر الحمراء. وأبوه هو ربيعة بن مالك. كان يُلقب بربيع المقترين, لسخائه وجوده. قتلته بنو أسد في يوم ذي علق. وكان لبيد صغيرًا عمره لا يتجاوز العشر سنين.

و أمُّه. اسمها تامرة بنت زنباع العبسي. وقد كان بين بني عامر وبني عبس أخوال الشاعر عداوة. كما تعرضت قبيلة الشاعر لهزات عنيفة. وفي (يوم جبلة(تغلبت القبائل المتحالفة عليهم فحُكمً عليهم بالنفي والجلاء عن ديارهم. فيمموا وجوههم شطر جنوب الجزيرة العربية, باتجاه نجران واليمين وشهد لبيد بن ربيعة هذه الحرب وهذا الجلاء. وهو ابن تسع سنين ويقال كان ابن بضع عشرة سنة.

و إثر خلاف دبّ بين أبي البراء عم الشاعر وزعيم القوم, وبني الحارث بن كعب الذين أرادوا مصاهرة بني عامر. ارتأى أبو براء العودة إلى بلادهم. ومغادرة اليمن. وقد عاد بقومه إلى الديار وصالح بني عمومته (بنو أبي بكر(. ونزل تحت حكم (جوّاب بن عوف بن عامر(.

و قد عاش لبيد طويلًا وأدرك الإسلام, وأجمعت الرواة على إقبال لبيد على الإسلام من كلّ قلبه، وعلى تمسّكه بدينه تمسّكاً شديداً، ولا سيما حينما يشعر بتأثير وطأة الشيخوخة عليه، وبقرب دنوّ أجله; ويظهر أنّ شيخوخته قد أبعدته عن المساهمة في الأحداث السياسية التي وقعت في أيّامه، فابتعد عن الخوض في الأحداث، ولهذا لا نجد في شعره شيئاً، ولا فيما روي عنه من أخبار أنّه تحزّب لأحد أو خاصم أحداً. بالرغم من أن بعض الرواة يشيرون إلى أنه عاش إلى حكم معاوية بن أبي سفيان. ومن المعروف أن الأحداث السياسية والاضطرابات اشتعلت وتأججت بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقيل بأنه توفي في عام 40ه وهذا معناه أنه لم يدرك حكم معاوية, وقيل بل في عام 41ه. وقد عاش حوالي 90 عامًا في الجاهلية, وهذا يعني أنه توفي وقد بلغ أكثر من 130 سنة, وقيل 145, وقيل أيضًا 157

و قد اشتكى في شعره من امتداد عمره:

و لقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد

غلب الزمان وكان غير مغلب دهر طويل دائم ممدود

يومٌ إذا يأتي عليّ وليلة وكلاهما بعد انقضاه يعودُ

و أراه يأتي مثل يوم لقيته لم ينصرم, وضعفت وهو شديد

عفت الدّيارُ محلُّها فمُقامُها بمنىً تأبّد غولُها فرجامُها

فمدافعُ الرّيّان عُرّي رسمُها خلقاً كما ضمن الوُحيّ سلامُها

دمنٌ تجرّم بعد عهد أنيسها حججٌ خلون حلالُها وحرامُها

رُزقت مرابيع النُّجُوم وصابها ودقُ الرّواعد جودُها فرهامُها

من كُلّ سارية وغاد مُدجن وعشيّة مُتجاوب إرزامُها

فعلا فُرُوعُ الأيهُقان وأطفلت بالجلهتين ظباؤُها ونعامُها

والعينُ ساكنةٌ على أطلائها عُوذاً تأجّلُ بالفضاء بهامُها

وجلا السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنّها زُبُرٌ تُجدُّ مُتُونها أقلامُها

أو رجعُ واشمة أُسفّ نؤُورُها كففاً تعرّض فوقهُنّ وشامُها

فوقفتُ أسألُها وكيف سُؤالُنا صُمّاً خوالد ما يبينُ كلامُها

عريت وكان بها الجميعُ فأبكرُوا منها وغُودر نُؤيُها وثُمامُها

شاقتك ظُعنُ الحيّ حين تحمّلُوا فتكنّسُوا قُطُناً تصرُّ خيامُها

من كُلّ محفُوف يُظلُّ عصيّهُ زوجٌ عليه كلّةٌ وقرامُها

زُجلاً كأنّ نعاج تُوضح فوقها وظباء وجرة عُطّفاً أرآمُها

حُفزت وزايلها السّرابُ كأنّها أجزاعُ بيشة أثلُها ورضامُها

بل ما تذكّرُ من نوار وقد نأت وتقطّعت أسبابُها ورمامُها

مُرّيةٌ حلّت بفيد وجاورت أهل الحجاز فأين منك مرامُها

بمشارق الجبلين أو بمُحجّر فتضمّنتها فردةٌ فرُخامُها

فصُوائقٌ إن أيمنت فمظنّةٌ فيها وحافُ القهر أو طلخامُها

فاقطع لُبانة من تعرّض وصلُهُ ولشرُّ واصل خُلّة صرّامُها

واحبُ المُجامل بالجزيل وصرمُهُ باق إذا ظلعت وزاغ قوامُها

بطليح أسفار تركن بقيّةً منها فأحنق صُلبُها وسنامُها

فإذا تغالى لحمُها وتحسّرت وتقطّعت بعد الكلال خدامُها

فلها هبابٌ في الزّمام كأنّها صهباءُ خفّ مع الجنُوب جهامُها

أو مُلمعٌ وسقت لأحقب لاحهُ طردُ الفُحُول وضربُها وكدامُها

يعلُو بها حدب الإكام مُسحّجٌ قد رابهُ عصيانُها ووحامُها

بأحزّة الثّلبُوت يربأُ فوقها قفر المراقب خوفُها آرامُها

حتّى إذا سلخا جُمادى ستّةً جزءاً فطال صيامُهُ وصيامُها

رجعا بأمرهما إلى ذي مرّة حصد ونُجحُ صريمة إبرامها

ورمى دوابرها السّفا وتهيّجت ريحُ المصايف سومُها وسهامُها

فتنازعا سبطاً يطيرُ ظلالُهُ كدُخان مُشعلة يُشبُّ ضرامُها

مشمُولة غُلثت بنابت عرفج كدُخان نار ساطع أسنامُها

فمضى وقدّمها وكانت عادةً منهُ إذا هي عرّدت إقدامُها

فتوسّطا عُرض السّريّ وصدّعا مسجُورةً مُتجاوراً قُلاّمُها

محفُوفةً وسط اليراع يُظلُّها منهُ مُصرّعُ غابة وقيامُها

أفتلك أم وحشيّةٌ مسبُوعةٌ خذلت وهاديةُ الصّوار قوامُها

خنساءُ ضيّعت الفرير فلم يرم عُرض الشّقائق طوفُها وبُغامُها

لمعفّر قهد تنازع شلوهُ غُبسٌ كواسبُ لا يُمنّ طعامُها

صادفن منها غرّةً فأصبنها إنّ المنايا لا تطيشُ سهامُها

باتت وأسبل واكفٌ من ديمة يُروي الخمائل دائماً تسجامُها

يعلُو طريقة متنها مُتواترٌ في ليلة كفر النُّجُوم غمامُها

تجتافُ أصلاً قالصاً مُتنبّذاً بعُجُوب أنقاء يميلُ هُيامُها

وتُضيءُ في وجه الظّلام مُنيرةً كجُمانة البحريّ سُلّ نظامُها

حتّى إذا انحسر الظّلامُ وأسفرت بكرت تزلُّ عن الثّرى أزلامُها

علهت تردّدُ في نهاء صُعائد سبعاً تُؤاماً كاملاً أيّامُها

حتّى إذا يئست وأسحق خالقٌ لم يُبله إرضاعُها وفطامُها

فتوجّست رزّ الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيسُ سُقامُها

فغدت كلا الفرجين تحسبُ أنّهُ مولى المخافة خلفُها وأمامُها

حتّى إذا يئس الرُّماةُ وأرسلُوا غُضفاً دواجن قافلاً أعصامُها

فلحقن واعتكرت لها مدريّةٌ كالسّمهريّة حدُّها وتمامُها

لتذُودهُنّ وأيقنت إن لم تذُد أن قد أحمّ من الحُتُوف حمامُها

فتقصّدت منها كساب فضُرّجت بدم وغُودر في المكرّ سُخامُها

فبتلك إذ رقص اللّوامعُ بالضُّحى واجتاب أردية السّراب إكامُها

أقضي اللُّبانة لا أُفرّطُ ريبةً أو أن يلُوم بحاجة لوّامُها

أو لم تكُن تدري نوارُ بأنّني وصّالُ عقد حبائل جذّامُها

ترّاكُ أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النُّفُوس حمامُها

بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوُها وندامُها

قد بتُّ سامرها وغاية تاجر وافيتُ إذ رُفعت وعزّ مُدامُها

أُغلي السّباء بكُلّ أدكن عاتق أو جونة قُدحت وفُضّ ختامُها

بصبُوح صافية وجذب كرينة بمُوتّر تأتالُهُ إبهامُها

بادرتُ حاجتها الدّجاج بسُحرة لأعُلّ منها حين هبّ نيامُها

وغداة ريح قد وزعتُ وقرّة قد أصبحت بيد الشّمال زمامُها

ولقد حميتُ الحيّ تحملُ شكّتي فُرطٌ وشاحي إذ غدوتُ لجامُها

فعلوتُ مُرتقباً على ذي هبوة حرج إلى أعلامهنّ قتامُها

حتّى إذا ألقت يداً في كافر وأجنّ عورات الثُّغُور ظلامُها

أسهلتُ وانتصبت كجذع مُنيفة جرداء يحصرُ دُونها جُرّامُها

رفّعتُها طرد النّعام وشلّهُ حتّى إذا سخنت وخفّ عظامُها

قلقت رحالتُها وأسبل نحرُها وابتلّ من زبد الحميم حزامُها

ترقى وتطعنُ في العنان وتنتحي ورد الحمامة إذ أجدّ حمامُها

وكثيرة غُرباؤُها مجهُولة تُرجى نوافلُها ويُخشى ذامُها

غُلب تشذّرُ بالذُّخُول كأنّها جنُّ البديّ رواسياً أقدامُها

أنكرتُ باطلها وبُؤتُ بحقّها عندي ولم يفخر عليّ كرامُها

وجزُور أيسار دعوتُ لحتفها بمغالق مُتشابه أجسامُها

أدعُو بهنّ لعاقر أو مُطفل بُذلت لجيران الجميع لحامُها

فالضّيفُ والجارُ الجنيبُ كأنّما هبطا تبالة مُخصباً أهضامُها

تأوي إلى الأطناب كُلُّ رذيّة مثل البليّة قالص أهدامُها

ويُكلّلُون إذا الرّياحُ تناوحت خُلُجاً تُمدُّ شوارعاً أيتامُها

إنّا إذا التقت المجامعُ لم يزل منّا لزازُ عظيمة جشّامُها

ومُقسّمٌ يُعطي العشيرة حقّها ومُغذمرٌ لحُقُوقها هضّامُها

فضلاً وذُو كرم يُعينُ على النّدى سمحٌ كسُوبُ رغائب غنّامُها

من معشر سنّت لهُم آباؤُهُم ولكُلّ قوم سُنّةٌ وإمامُها

لا يطبعُون ولا يبُورُ فعالُهُم إذ لا يميلُ مع الهوى أحلامُها

فاقنع بما قسم المليكُ فإنّما قسم الخلائق بيننا علاّمُها

وإذا الأمانةُ قُسّمت في معشر أوفى بأوفر حظّنا قسّامُها

فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكُهُ فسما إليه كهلُها وغُلامُها

وهُمُ السُّعاةُ إذا العشيرةُ أُفظعت وهُمُ فوارسُها وهُم حُكّامُها

وهُمُ ربيعٌ للمُجاور فيهمُ والمُرملات إذا تطاول عامُها

وهُمُ العشيرةُ أن يُبطّىء حاسدٌ أو أن يميل مع العدُوّ لئامُها

" إن نسيجها البدوي في الصياغة والعبارة والمفردة طراز وحده بين المعلقات, مما استدعى موقفًا مختلفًا منها في مسألة النحل عند النقاد, واُعترف لها بالأصالة "

(د: نذير العظمة. (

عفت الدّيارُ محلُّها فمُقامُها بمنىً تأبّد غولُها فرجامُها

فمدافعُ الرّيّان عُرّي رسمُها خلقاً كما ضمن الوُحيّ سلامُها

و عفت: بمعنى طمست وانمحى أثرها , ويأتي الفعل (عفا(لازمًا ومتعديًا. وقد جاء في البيت لازمًا.

(محلها فمقامها(المحل من الديار هو ما حل فيه لأيام معدودة والمقام ما طالت فيه الإقامة. (منى(موضع آخر في بلاد بني عامر ليس منى مكة. (الغول(غولبفتح أوله وإسكان ثانيه موضع في شق العراق. و(الرجام(هضاب معروفة قريب من طخفة. (مدافع الريان(الريان واد , ومدافعه مجاري الماء فيه.

و جميع هذه المواضع التي عددها في شمال شبة الجزيرة العربية. (تأبدّ(تأبد المنزل أي أقفر، وألفته الوحوش. والفعل تأبدّ يهب للمعنى بعدًا شعوريًا بطول المدة التي مرت على هذه الديار فالأبد عند العرب: الدهر. واُسند الفعل (تأبدّ(إلى الغول والرجام. وأصل الجملة (تأبدّت ديار غولها وديار رجامها(فحُذف المضاف.

و إسناد الفعل (تأبدّ(للموضع ذاته (الغول والرجام(و ليس إلى الديار أعطى معنى الشمول. فليست ديار الأحبة وحدها قد أوحشت وأقفرت. بل حتى الموضع الذي توجد فيه الديار قد أقفر وخلا بعد ارتحالهم.

و (مدافع الريان عُريّ رسمها(التعرية مصدر عريته فعري وتعرى, والرسم: الأثر. والوحي: الكتاب. سلامها: السّلم , واحدة السّلم وهي الحجارة. والهاء عائدة على الوحي (الكتاب(.

أي أن رسوم هذه الديار ظهرت بفعل السيول فكأنها كتابة مضمنة في حجر.

دمنٌ تجرّم بعد عهد أنيسها حججٌ خلون حلالُها وحرامُها

دمن: دمنةُ الدار: أثرُها. والدّمنة: آثارُ الناس وما سوّدوا،والجمع دمن. تجرّم: جرّمنا هذه السنة أي خرجنا منها، وتجرّمت السنةُ أي انقضت، وتجرّم الليلُ ذهب. (دمنٌ تجرّم بعد عهد أنيسها (… أي تكمّل، قال الأزهري: وهذا كله من القطع كأنّ السنة لما مضت صارت مقطوعة من السنة المستقبلة.حججٌ: الحجّةُ: السّنةُ، والجمع حججٌ. خلون: الخلو: المضي. حلالها وحرامها: الأشهر الحل, والأشهر الحرم منها.

رُزقت مرابيع النُّجُوم وصابها ودقُ الرّواعد جودُها فرهامُها

من كُلّ سارية وغاد مُدجن وعشيّة مُتجاوب إرزامُها

مرابيع النجوم: التي يكون بها المطر في أوّل الأنواء. (ودق الرواعد(الودقُ: المطر كله شديدهُ وهيّنُه, وإضافته إلى الرواعد, دلالة على شدته. (جودها فرهامها(المطر الجود: الغزير, جاء في لسان العرب: " الجود من المطر الذي لا مطر فوقه البتة.الرّهمةُ، بالكسر: المطر الضعيف الدائم الصغير القطر، والجمع رهمٌ ورهامٌ. (سارية وغاد مُدجن(السارية من السحاب التي تجىءُ ليلاً, الدّجن: المطر الكثير. وأدجنت السماء: دام مطرها.

المعنى: أن السنين تجرمت, أي اكتملت بأشهرها الحلال وأشهرها الحرام على رسوم ديار الأحبة الخالية, " ولعبت بها الرياح من كل نوع, وسقتها الأمطار من كل نوء" الأمطار الربيعية الخفيفة (مرابيع النجوم, رهامها(و أمطار الشتاء الغزيرة (ودق الرواعد جودها , من كل سارية وغاد مدجن(. " لأن أمطار الشتاء يقع أكثرها في ليلاً, وأمطار الربيع يقع أكثرها غداة , وأمطار الصيف يقع أكثرها عشيًا"

فعلا فُرُوعُ الأيهُقان وأطفلت بالجلهتين ظباؤُها ونعامُها

الأيهقان: بفتح الهاء وضمّها، ضرب من النبت وهو الجرجير البريّ.أطفلت: أي صارتذوات أطفال.

الجلهتان: جانبا الوادي.

ثمّ أخبر عن إخضاب الديار وإعشابها،فقال فعلتُ بها فروع هذا الضرب من النبت وأصبحت الظباء والنعام ذوات أطفال بجانبيوادي هذه الديار. قوله ظباؤها ونعامها: يريد أطفلت ظباؤها وباضت نعامها لأنالنعام تبيض ولا تلد، ولكنه عطف النعام على الظباء في الظاهر لزوال اللبس.

والعينُ ساكنةٌ على أطلائها عُوذاً تأجّلُ بالفضاء بهامُها

العين: واسعات العيون. والأطلاء: ولد الوحش حين يولد إلى أن يأتي عليه شهر. والعُوذ: الحديثات النتاج. تأجّلُ: الأجل القطيع من بقر الوحش ويُجمع على آجال, والتأجل صيرورتها أجلا أجلاً. الفضاء: الصحراء. والبهام: أولاد الضأن إذا انفردت، وإذا اختلطت بأولاد الضأن أولاد الماعز قيل للجمع بهام، وبقر الوحش بمنزلة الضأن

المعنى: البيت أن والبقر الواسعات العيون قد سكنت وأقامت على أولادها ترضعها حال كونها حديثات النتاج وأولادها تصير قطيعا في تلك الصحراء والمراد من هذا الكلام: أن هذه الديار صارت سكنًا للوحش بعد أن كانت مأوى الإنسان..

وجلا السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنّها زُبُرٌ تُجدُّ مُتُونها أقلامُها

جلا: كشف. الطلول: جمع الطلل، الزبر: جمع زبور وهو الكتاب، والزبر الكتابة.

المعنى: كشفت السيول عن أطلال الديار فأظهرتها بعد ستر التراب إياها، فكأن الديار كتب تجدد الأقلام كتابتها.

أو رجعُ واشمة أُسفّ نؤُورُها كففاً تعرّض فوقهُنّ وشامُها

رجع واشمة: الرجع الترديد والتجديد. تسف: الاسفاف: الذر. النؤور: ما يتخذ من دخان السراج والنار. الكفف: جمع كفة وهي الدارات، وكل شيئ مستدير كفة، بكسر الكاف، وجمعها كفف. تعرض وأعرض: ظهر ولاح، الوشام: جمع وشم

المعنى: أن جلاء الأطلال بفعل السيول. كتجديد الوشم. فكأن السيول التي أعادت ظهور الطلل من بعد أن دُرست واشمة قد ذرت نؤورها على دارات الوشام , لتظهره من جديد. فوقفتُ أسألُها وكيف سُؤالُنا صُمّاً خوالد ما يبينُ كلامُها

عريت وكان بها الجميعُ فأبكرُوا منها وغُودر نُؤيُها وثُمامُها

الصم: الصلاب،و الخوالد: البواقي.فأبكروا: بكرت من المكان وابتكرت بمعنى أي سرت منه بكرة، وغودر: المغادرة: الترك.نؤيها: النؤي: نهير يحفر حول البيت لينصب إليه الماء من البيت.ثمامها: الثُّمام: نبت ضعيف قصير لا يطول. يُسد به خلل البيوت.

المعنى: عريت الطلول عن قاطنيها بعد أن كانت معمورةً بهم, فساروا منها مبكرين وتركوها خالية.

شاقتك ظُعنُ الحيّ حين تحمّلُوا فتكنّسُوا قُطُناً تصرُّ خيامُها

الظعن: بتسكين العين تخفيف الظعن بضمها، وهي جمع الظعون: وهو البعير الذي عليه هودج وفيه امرأة، وقد يكون الظعن جمع ظعينة وهي المرأة الظاعنة مع زوجها. تكنسوا: التكنس: دخول الكناس والاستكنان به. قُطنًا: جمع قطان, والقطانُ: شجار الهودج. تصرُ: تُحدث صريرًا والصرير كصوت الباب والرحل ونحوه. أي حملتك على الاشتياق ذكرى نساء الحي حين تحملن وتركن المكان.

من كُلّ محفُوف يُظلُّ عصيّهُ زوجٌ عليه كلّةٌ وقرامُها

محفوف: اسم مفعول من حف, وحف الهودج يعني غطاه بالثياب. ظل عصيه: أظل الجدار الشيء: إذا كان في ظل الجدار، العصي هنا: عيدان الهودج، زوجٌ: الزوج النمط من الثياب، والجمع الازواج، الكلة: الستر الرقيق، والجمع الكلل، القرام: الستر، والجمع القرم، ثم فصل الزوج فقال: هو كلة، وعبر بها عن الستر الذي يلقي فوق الهودج لئلا تؤذي الشمس صاحبته، وعبر بالقرم عن الستر المرسل على جوانب الهودج

المعنى: الهوادج محفوفة بالثياب فعيدانها تحت ظلال ثيابها.

زُجلاً كأنّ نعاج تُوضح فوقها وظباء وجرة عُطّفاً أرآمُها

زُجلاً: الزجل: الجماعات. نعاج توضح: النعاج, إناث بقر الوحش الواحدة نعجة، توضح: موضع بعينه. ظباء: الظّبيُ الغزال. وجرة: وجرة فصل بين نجد وتهامة من طريق البصرة. عُطفًا: العطف جمع العاطف الذي هو الترحم أو من العطف الذي هو الثني، الارآم: جمع الرئم وهي الظبي الخالص البياض

المعنى: تحملوا جماعات كأنهن إناث بقر الوحش فوق الإبل، شبه النساء في حسن الأعين والمشي بها أو بظباء وجرة في حال ترحمها على أولادها أو في حال عطفها أعناقها للنظر إلى أولادها، شبه النساء بالظباء في هذه الحال لأن عيونها أحسن ما تكون في هذه الحال لكثرة مائها.

حُفزت وزايلها السّرابُ كأنّها أجزاعُ بيشة أثلُها ورضامُها

حُفزت: الحفز: الدفع. السراب: السّرابُ الذي تراه نصف النهار كأنه ماء. أجزاع: جمع جزع وهو منعطف الوادي، بيشة: واد بعينه. أثلها: الأثل شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منها، الرضام: الحجارة العظام. يصف منظر مسيرة الظاعنين وابتعادهم شيئًا فشيئًا. فكأن الظعن منعطفات وادي بيشة أثلها وحجارتها العظام.

بل ما تذكّرُ من نوار وقد نأت وتقطّعت أسبابُها ورمامُها

نوار: اسم امرأة يشبب بها،النأي: البعد،أسبابها: السّببُ الحبل وكل شيء يتوصل به إلى غيرهالرمام: جمع الرمة وهي قطعة من الحبل خلقة ضعيفة، الشاعر أخذ في كلام آخر من غير إبطال لما سبق،و أعرض ب (بل(عن صفة الديار وقال مخاطبا نفسه: أي شيء تتذكرين من نوار في حال بعدها وتقطع أسباب وصولها ما قوي منها وما ضعف.

مُرّيةٌ حلّت بفيد وجاورت أهل الحجاز فأين منك مرامُها

مرية: منسوبة إلى مرة،فيد: موضع بين أسد وطيء, شمال شبه الجزيرة.

المعنى: نوار امرأة من مرة حلت بهذه البلدة وجاورت أهل الحجاز، يريد أنها تحل بفيد أحيانا وتجاور أهل الحجاز، وذلك في فصل الربيع وأيام الإنتاج لأن الحال بفيد لا يكون مجاورا أهل الحجاز لأن بينها وبين الحجاز مسافة بعيدة وتيها قذفا. وتلخيص المعنى أنه يقول: هي مرية تتردد بين الموضعين وبينهما وبين بلادك بعد، وكيف يتيسر لك طلبها والوصول اليها.

بمشارق الجبلين أو بمُحجّر فتضمّنتها فردةٌ فرُخامُها

الجبلين: جبلي طي، أجأ وسلمى، المحجر: جبل آخر،تضمنتها: تضمن الموضع فلانا إذا حصل فيه، وضمنته فلانا إذا حصلته فيه، مثل قولك: ضمنته القبر فتضمنه القبر

فردة: جبل منفرد عن سائر الجبال سمي بذلك لانفراده عن الجبال, رخام: أرض متصلة بفردة لذلك أضافها إليها.

المعنى: حلت نوار بمشارق أجا وسلمى، أي جوانبها التي تلي المشرق، أو حلت بمحجر فتضمنتا فردة فالأرض المتصلة بها وهي رخام، وإنما يحصي منازلها عند حلولها بفيد، وهذه الجبال قريبة منها بعيدة عن الحجاز.

فصُوائقٌ إن أيمنت فمظنّةٌ فيها وحافُ القهر أو طلخامُها

صوائق: بلد باليمن. أيمنت: يقال أيمن الرجل إذا أتى اليمن. مظنة: مظنه الشيء, حيث يظن كونه فيه. وحاف القهر: القهر جبل محدد في موضعه ووحافه ما وحف إليه واتصل به. طلخامها: وطلخام واد قبل القهر.

المعنى: وإن انتجعت نحو اليمن فالظن أنها تحل بصوائق وتحل من بينها بوحاف القهر أو بطلخام، وهما خاصان مع الإضافة إلى صوائق. وتلخيص المعنى: أنها إن أتت اليمن حلت بوحاف القهر أو طلخام من صوائق.

فاقطع لُبانة من تعرّض وصلُهُ ولشرُّ واصل خُلّة صرّامُها

اللبانة: الحاجة، الخلة: المودة المتناهية، والخليل والخل والخلة واحد. الصرّام: القطاع، فعال من الصرم والقطع، والفعل صرم يصرم.

و الشاعر يضرب عن ذكر نوار ويقبل على نفسه مخاطبا إياها قائلًا: فاقطع أربك وحاجتك ممن كان وصله معرضا للزوال والانتقاض، ثم قال: وشر من وصل محبة أم حبيبا من قطعها، أي شر واصلي الأحباب أو المحبات قطاعها، يذم من كان وصله في معرض الانتكاث والانتقاض.

و احبُ المُجامل بالجزيل وصرمُهُ باق إذا ظلعت وزاغ قوامُها

احبُ: فعل أمر من حبا وحبوته بكذا. بمعنى أعطيته إياه. المجامل: المصانع ويروى أيضًا (المحامل(أي الذي يتحمل أذاك كما تتحمل أذاه.

بالجزيل: أي بالود الجزيل, من الجزال والكمال. والفعل جزل يجزل والنعت جزل وجزيل.

الصرم: القطيعة. ظلعت: من ظلع يظلعُ ظلعاً. بمعنى مال.

زاغ: الزيغ , الميل، والإزاغة هي الإمالة. قوامها: قوام الشيء, ما يقوم به.

المعنى: أعط المودة الكاملة الوافرة لمن جاملك, وواصلك وداراك. وإن داخل مجاملته لك زيغ , فقطيعته منك باقية.

بطليح أسفار تركن بقيّةً منها فأحنق صُلبُها وسنامُها

طليح: الطلح والطليح, المعيي. وقد طلحت البعير أطلحه طلحا أعييته. فطليح على وزن فعيل بمعنى مفعول. أسفار: جمع سفر. أحنق: أحنق سنام البعير أي ضمُر ودقّ.

صلبها: الصُّلّبُ, عظمٌ في الظهر.

المعنى: إذا زال قوام خلته فأنت تقدر على قطيعته بركوب ناقة أعيتها الأسفار وتركت بقية من لحمها وقوتها فضمر صلبها وسنامها. لأنها ناقة قد اعتادت الأسفار ومرنت عليها.

فإذا تغالى لحمُها وتحسّرت وتقطّعت بعد الكلال خدامُها

تغالى لحمها: ارتفع إلى رؤوس العظام، من الغلاء وهو الارتفاع ومنه قولهم غلا السعر يغلو غلاء، إذا ارتفع. تحسرت: أي صارت حسيرا فهي كالة معيية عارية من اللحم، الخدام: والخدم جمع خدمة وهي سيور تشد بها النعال إلى أرساغ الإبل.

المعنى: إذا ارتفع لحمها إلى رؤوس عظامها وأعيت عن اللحم وتقطعت السيور التي تشد بها نعالها بعد إعيائها وجواب هذا البيت الذي بعده.

فلها هبابٌ في الزّمام كأنّها صهباءُ خفّ مع الجنُوب جهامُها

الهباب: النشاط. الزمام: الزّمامُ ما زُمّ به, وزمام البعير, خطامه. الصهباء: الحمراء، يريد كأنها سحابة صهباء فحذف الموصوف. خف: من خف يخف خفوفا بمعنى أسرع. الجهام: السحاب الذي أراق ماؤه.

المعنى: لها في مثل هذا الحال (السير المتعب الذي يتحسر بفعله لحمها وتتقطع سيورها(. نشاط في السير في حال قود زمامها فكأنها في سرعة سيرها سحابة حمراء قد ذهبت الجنوب بقطعها التي اهرقت ماءها فانفردت عنها، وتلك أسرع ذهابا من غيرها.

أو مُلمعٌ وسقت لأحقب لاحهُ طردُ الفُحُول وضربُها وكدامُها

مُلمع: ألمعت الأتان فهي ملمع, بمعنى. أشرق ضرعاها باللبن. وسقت: حملت. الأحقب: العير الذي في وركيه بياض أو في خاصرتيه. لاحه: غيره, الكدام: العض.

المعنى: كأنها أتان أشرق ضرعاها باللبن وقد حملت من الفحل الذي تغير وهزل لطرده الفحول وضربه إياها وعضه لها.

يعلُو بها حدب الإكام مُسحّجٌ قد رابهُ عصيانُها ووحامُها

حدب: الحدبُ ما ارتفع من الأرض.الإكام: هو الموضع الذي هو أشدُّ ارتفاعاً ممّا حوله وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجر. مسجح: السحج؛ القشر والخدش العنيف والمسحج: العير المعضض، والتسحيج مبالغة السحج. الوحام: اشتهاء الحبلى للشيء.

المعنى: يعلي هذا الفحل الأتان الأكام إتعابًا لها وإبعادا بها عن الفحول، وقد شككه في أمرها عصيانها إياه في حال حملها واشتهاؤها إياه قبله.

بأحزّة الثّلبُوت يربأُ فوقها قفر المراقب خوفُها آرامُها

الأحزة: جمع حزيز, والحزيزُ من الأرض: موضع كثرت حجارته وغلظت كأنها السّكاكين. ثلبوت: الثّلبُوتُ: اسم واد بين طيّء وذُبيان. تربأ: ربأ, بمعنى ارتفع. القفر: الخالي، الجمع القفار، المراقب: جمع مرقبة وهو الموضع الذي يقوم عليه الرقيب، ويريد بالمراقب الأماكن المرتفعة، الآرام: أعلام الطريق.

المعنى: يعلو العير بالأتان الإكام في قفار هذا الموضع ويكون رقيبا لها فوقها في موضع خال من الأماكن المرتفعة، لأنه يخاف أعلامها، أي يخاف استتار الصيادين بأعلامها.

حتّى إذا سلخا جُمادى ستّةً جزءاً فطال صيامُهُ وصيامُها

سلخا: سلخت الشهر بمعنى: مر علي، وانسلخ الشهر نفسه. جمادى: اسم للشتاء، سمي كذلك لجمود الماء فيه. جزءًا: جزأ الوحش يجزأ جزءا: اكتفى بالرطب عن الماء، من أجزأهُ الشيء بمعنى كفاه. الصيام: الإمساك في كلام العرب، ومنه الصوم المعروف لأنه إمساك عن المفطرات.

المعنى: أقاما بالثلبوت حتى مر عليهما الشتاء ستة أشهر , فاكتفيا بالرطب عن الماء وطال صيامهما عن الماء.

رجعا بأمرهما إلى ذي مرّة حصد ونُجحُ صريمة إبرامها

رجعا: من الرجوع بالأمر وليس الرجوع عنه, أي أسنداه إلى…. المرة: القوة: والجمع المرر، وأصلها قوة الفتل، الإمرار: إحكام الفتل، حصد: الحصد, المحكم، والفعل حصد يحصد، وقد أحصدت الشيء أحكمته، نُجح: النجح والنجاح: حصول المراد، صريمة: العزيمة التي صرمها صاحبها عن سائر عزائمه بالجد في إمضائها والجمع صرائم، إبرامها: من الإبرام وهو الإحكام.

المعنى: أسند العير والأتان أمرهما إلى عزم أو رأي محكم ذي قوة وهو عزم العير على الورود أو رأيه فيه، ثم قال: وإنما يحصل المرام بإحكام العزم.

ورمى دوابرها السّفا وتهيّجت ريحُ المصايف سومُها وسهامُها

الدوابر: مآخير الحوافر. السفا: شوك البهمي وهو ضرب من الشوك. تهيجت: هاج الشيء يهيج هيجانا واهتاج اهتياجا وتهيج تهيجا. تحرك ونشط. المصايف: جمع المصيف وهو الصيف. السوم: المرور، والفعل سام يسوم. السهام: شدة الحر.

المعنى: وأصاب شوك البهمي مآخير حوافرها. وتحرك ريح الصيف: مرورها وشدة حرها، يشير بهذا إلى انقضاء الربيع ومجيء الصيف واحتياجها الى ورود الماء.

فتنازعا سبطاً يطيرُ ظلالُهُ كدُخان مُشعلة يُشبُّ ضرامُها

تنازعا: التنازع مثل التجاذب. سبطًا: السبط , الممتد الطويل. ويعني به (غبارًا سبطًا(و حذف الموصوف. كدخان مشعلة: أي نار مشعلة، فحذف الموصوف. شب النار وإشعالها واحد والفعل منه شب يشب، الضرام: دقائق الحطب، واحدها ضرم قد ضرمت النار واضطرمت وتضرمت التهبت.

المعنى: فتجاذب العير والأتان في عدوهما نحو الماء غبارًا ممتدًا طويلا كدخان نار موقدة تشعل النار في دقائق حطبها.

مشمُولة غُلثت بنابت عرفج كدُخان نار ساطع أسنامُها

مشمولة: هبت عليها ريح الشمال، وقد شمل الشيء أصابته ريح الشمال، غلثت: الغلث والعلث: الخلط، والفعل غلث يغلث، بالغين والعين جميعا. النابت: الغض. العرفج: ضرب من شجر الصيف ليّن أغبرُ له ثمرة خشناء كالحسك. أسنامها: الأسنام: جمع سنام. وسنام الشيء أعلاه.

المعنى: هذه النار قد أصابتها الشمال وقد خلطت بالحطب اليابس والرطب الغض كدخان نار قد أرتفع أعاليها، وسنام الشيء أعلاه. شبه الغبار الساطع من قوائم العير والأتان بنار أوقدت بحطب يابس تسرع فيه النار وحطب غض، وجعلها كذلك ليكون دخانها أكثف فيشبه الغبار الكثيف، ثم جعل هذا الدخان الذي شبهه الغبار كدخان نار قد سطع أعاليها في الاضطرام والالتهاب ليكون دخانه أكثر.

فمضى وقدّمها وكانت عادةً منهُ إذا هي عرّدت إقدامُها

عرّدت: التعريد, التأخر والجبن, والإقدام: بمعنى التقدمة. أي تقديم العير للأتان.

المعنى: فمضى العير نحو الماء وقدم الأتان لئلا تتأخر، وكانت تقدمة الأتان عادة من العير إذا تأخرت هي، أي خاف العير تأخرها.

فتوسّطا عُرض السّريّ وصدّعا مسجُورةً مُتجاوراً قُلاّمُها

عُرض: العرض, الناحية. السري: النهر الصغير، والجمع الأسرية. صدعا: التصديع , التشقيق، مسجورةً: السجر, الملء، أي عينا مسجورة، فحذف الموصوف لما دلت عليه الصفة، قلامها: القلام ,ضرب من النبت.

المعنى: فتوسط العير والأتان جانب النهر الصغير وشقا عينا مملوءة ماء قد تجاور قلامها، أي كثر هذا الضرب من النبت عليها.

محفُوفةً وسط اليراع يُظلُّها منهُ مُصرّعُ غابة وقيامُها

اليراع: القصب، الغابة: الأجمة، والجمع الغاب، المصرع: مبالغة المصروع، القيام: جمع قائم.

المعنى: قد شقا عينا قد حفت بضروب النبت والقصب فهي وسط القصب يظلها من القصب ما صرع من غابتها وما قام منها، يريد أنها في ظل قصب بعضه مصروع وبعضه قائم.

أفتلك أم وحشيّةٌ مسبُوعةٌ خذلت وهاديةُ الصّوار قوامُها

يعني أتلك الأتان, أم البقرة الوحشية المسبوعة. ومسبوعة: أي قد أصابها السبع بافتراس ولدها، الهادية: المتقدمة. الصوار: القطيع من بقر الوحش, والجمع الصيران, قوامها: قوام الشيء: ما يقوم به

المعنى: أفتلك الأتان المذكورة تشبه ناقتي في الإسراع في السير أم بقرة وحشية قد افترس السبع ولدها حين خذلته وذهبت ترعى مع صواحبها وقوام وجعلت هادية الصوار قوام أمرها فافترست السباع ولدها فأسرعت في السير طالبة لولدها.

خنساءُ ضيّعت الفرير فلم يرم عُرض الشّقائق طوفُها وبُغامُها

خنساء: الخنس, تأخر في الأرنبة. الفرير: ولد البقرة الوحشية، والجمع فرار على غير قياس، يرم: الريم, البراح، والفعل رام يريم. عرض: العرض, الناحية. الشقائق: جمع شقيقة وهي أرض صلبة بين رملتين.

بغامها: البغام, صوت رقيق

المعنى: هذه البقرة الوحشية قد الخنساء قد ضيعت ولدها، فخذلته حتى افترسته السباع فذلك تضييعها إياه.

ولم يبرح طوفها وخوارها نواحي الأرضين الصلبة في طلبه.

لمعفّر قهد تنازع شلوهُ غُبسٌ كواسبُ لا يُمنّ طعامُها

العفر والتعفير: الإلقاء على العفر وهو أديم الأرض، القهد: الأبيض، التنازع: التجاذب، الشلو: بقية الجسد، والجمع الأشلاء. غُبسٌ: لون كلون الرماد. يمن: المن: القطع، والفعل من يمن، ومنه قوله تعالى: "لهم أجر غير ممنون"

المعنى: هي تطوف وتبغم لأجل جؤذر ملقى على الأرض أبيض قد تجاذبت أعضاءه ذئاب أو كلاب غبس لا يقطع طعامها، أي لا تفتر في الاصطياد فينقطع طعامها.

صادفن منها غرّةً فأصبنها إنّ المنايا لا تطيشُ سهامُها

الغرة: الغفلة. تطيش: الطيش, الانحراف والعدول

المعنى: صادفت الكلاب أو الذئاب غفلة من البقرة فأصبن تلك الغفلة أو تلك البقرة بافتراس ولدها، أي وجدتها غافلة عن ولدها فاصطادته، ثم قال: وإن الموت لا تطيش سهامه، أي لا مخلص من هجومه، واستعار له سهاما واستعار للإخطاء لفظ الطيش، لأن السهم إذا أخطأ الهدف فقد طاش عنه.

باتت وأسبل واكفٌ من ديمة يُروي الخمائل دائماً تسجامُها

واكف: اسم فاعل من وكف يكف أي قطر. الديمة: مطرة تدوم وأقلها نصف يوم وليلة، والجمع الديم.

الخمائل: جمع خميلة وهي كل رملة ذات نبت , وقيل هي أرض ذات شجر. تسجامها: التسجم , في معنى السجم أو السجوم أي صبته فانصب

المعنى: باتت البقرة بعد فقدها ولدها وقد أسيل مطر واكف من مطر دائم يروي الرمال المنبتة والارضين التي بها أشجار في حال دوام سكبها الماء، أي باتت في مطر دائم الهطلان. وواكف يجوز أن يكون صفة مطر، ويجوز أن يكون صفة سحاب

يعلُو طريقة متنها مُتواترٌ في ليلة كفر النُّجُوم غمامُها

طريقة المتن: خط من ذنبها إلى عنقها. الكفر: التغطية والستر. والمعنى: يعلو صلبها قطر متواتر في ليلة ستر غمامها النجوم.

تجتافُ أصلاً قالصاً مُتنبّذاً بعُجُوب أنقاء يميلُ هُيامُها

تجتاف: الاجتياف,الدخول في جوف الشيء. متنبذًا: التنبيذ , التنحي من النبذة وهي الناحية. بعجوب: العجب أصل الذنب, والجمع العجوب. فاستعاره لأصل النقا. أنقاء: جمع النقا وهو الكثيب من الرمل. هيامها: الهيام, ما لا تماسك به من الرمال وأصله من هام يهيم.

المعنى: دخلت البقرة الوحشية في جوف أصل شجرة متنح عن سائر الشجر وقد قلصت أغصانها، وذلك الشجر في أصول كثبان من الرمل يميل ما لا يتماسك منها عليها لهطلان المطر وهبوب الريح.

وتُضيءُ في وجه الظّلام مُنيرةً كجُمانة البحريّ سُلّ نظامُها

تضيء: الإضاءة والإنارة , يتعدى فعلهما ويلزم، وهما لازمان في البيت. وجه الظلام: أوله. كجمانة: الجمان, اللؤلؤُ الصّغارُ. سلّ نظامها: بمعنى خرجت عن نظمها مع باقي الجمان.

المعنى: وتضيء هذه البقرة في أول ظلام الليل كدرة الصدف البحري, شبه البقرة في تلألؤ لونها بالدرة وإنما خص ما يسل نظامها إشارة إلى أنها تعدو ولا تستقر كما تتحرك وتنتقل الدرة التي سل نظامها.

حتّى إذا انحسر الظّلامُ وأسفرت بكرت تزلُّ عن الثّرى أزلامُها

انحسر: من الانحسار وهو الانكشاف والانجلاء. أسفرت: الإسفار, الإضاءة إذا لزم فعلها الفاعل. أزلامها: الأزلام وهي القوائم.

المعنى: حتى إذا انكشف وانجلى ظلام الليل وأضاء، بكرت البقرة من مأواها فأخذت قوائمها تزل عن التراب الندي لكثرة المطر الذي أصابه ليلا.

علهت تردّدُ في نهاء صُعائد سبعاً تُؤاماً كاملاً أيّامُها

علهت: من العله وهو الانهماك في الجزع والضجر. نهاء: النهاء جمع نهي. ونهي. بفتح النون الغدير

صعائد: موضع بعينه. تؤامًا: التؤام , جمع توأم

المعنى: أمعنت في الجزع وترددت متحيرة في وهاد هذا الموضع ومواضع غدرانه سبع ليال تؤام للأيام، وقد كملت أيام تلك الليالي، أي ترددت في طلب ولدها سبع ليال بأيامها، وجعل أيامها كاملة إشارة إلى أنها كانت من أيام الصيف وشهور الحر.

حتّى إذا يئست وأسحق خالقٌ لم يُبله إرضاعُها وفطامُها

أسحق: من الاسحاق وهو الإخلاق. الخالق: الضرع الممتلئ لبنا. وأسحق الضرعُ يبس وبلي وارتفع لبنه وذهب ما فيه.

المعنى: حتى إذا يئست البقرة من ولدها وصار ضرعها الممتلئ لبنا خلقا لانقطاع لبنها. ولم يبل ضرعها إرضاعها ولدها ولا فطامها إياه وإنما فقدها إياه.

فتوجّست رزّ الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيسُ سُقامُها

توجست: توجّس بالشيء: أحسّ به فتسمّع له.الرز: الصوت الخفي، راعها: أفزعها، سقامها: السقام, المرض.

المعنى: فتسمعت البقرة صوت الناس فأفزعها ذلك وكانت قد سمعت الصوت عن ظهر غيب، أي لم تر الأنيس، ثم قال: والناس سقم الوحش وداؤها لأنهم يصيدونها وينقصون منها نقص السقم من الجسد.

فغدت كلا الفرجين تحسبُ أنّهُ مولى المخافة خلفُها وأمامُها

الفرج: ما بين قوائم الدواب. مولى: المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء

المعنى: لم تعرف البقرة هل صاحب الصوت الذي أرعبها خلفها أم أمامها فغدت فزعة مذعورة لا تعرف منجاها من مهلكها.

حتّى إذا يئس الرُّماةُ وأرسلُوا غُضفاً دواجن قافلاً أعصامُها

غُضفًا: الغضف من الكلاب, المسترخية الآذان.

الدواجن: المعلمات. قافلًا: القفول. اليبس. أعصامها: بطونها. وقيل بل سواجيرها وهي قلائدها من الحديد والجلود وغير ذلك.

المعنى: حتى إذا يئس الرماة من البقرة وعلموا أن سهامها لا تنالها وأرسلوا كلابا مسترخية الآذان معلمة ضوامر البطون أو يابسة السواجير.

فلحقن واعتكرت لها مدريّةٌ كالسّمهريّة حدُّها وتمامُها

اعتكرت: عكر واعتكر بمعنى عطف. المدرية: طرف قرنها. السمهرية: السمهرية نوع من الرماح منسوب إلى سمهر، رجل كان بقرية تسمى خطا من قرى البحرين وكان مثقفا ماهرا فنسبت إليه الرماح الجيدة.

المعنى: فلحقت الكلاب البقرة وعطفت عليها ولها قرن يشبه الرماح في حدتها وتمام طولها أي، أقبلت البقرة على الكلاب وطعنتها بهذا القرن الذي هو كالرماح.

لتذُودهُنّ وأيقنت إن لم تذُد أن قد أحمّ من الحُتُوف حمامُها

لتذودهن: الذود, الكف والرد. أحم: اقترب الحتف: قضاء الموت والهلاك. الحمام: تقدير الموت. يقال: حمّ كذا: بمعنى قدر.

المعنى: عطفت البقرة وكرت لترد الكلاب وتطردها عن نفسها، وأيقنت أنها أنها إن لم تذد الكلاب عن نفسها قتلتها الكلاب.

فتقصّدت منها كساب فضُرّجت بدم وغُودر في المكرّ سُخامُها

فتقصدت: قتلت أو أماتت. كساب: اسم كلبة, وتُسمى الكلاب بهذا الاسم تفاؤلًا بالكسب وكذلك سخام. ضرجت: من التضريج وهو التحمير بالدم، المكر: موضع كرها.

المعنى: فقتلت البقرة كساب من جملة تلك الكلاب فحمرتها بالدم وتركت سخاما في موضع كرها صريعة، أي قتلت هاتين الكلبتين.

فبتلك إذ رقص اللّوامعُ بالضُّحى واجتاب أردية السّراب إكامُها

المعنى: فبتلك الناقة التي أشبهت البقرة والأتان أقضي حوائجي في الهواجر، وإذا رقصت لوامع السراب ولبس الإكام أرديته كناية عن احتدام الهواجر.

أقضي اللُّبانة لا أُفرّطُ ريبةً أو أن يلُوم بحاجة لوّامُها

اللبانة: الحاجة. أفرط: من التفريط وهو التضييع وتقدمة العجز. الريبة: التهمة. لوامها: اللوام مبالغة اللائم واللوام جمع اللائم

المعنى: بركوب هذه الناقة وإتعابها في حر الهواجر أقضي وطري ولا أفرط في طلب بغيتي ولا أدع ريبة إلا أن يلومني لائم.

أو لم تكُن تدري نوارُ بأنّني وصّالُ عقد حبائل جذّامُها

الحبائل: جمع الحبالة وهي مستعارة للعهد والمودة هنا, الجذم: القطع, والفعل جذم يجذم، الجذام مبالغة المجاذم. وقد رجع في البيت إلى التشبيب بالعشيقة.

المعنى: أو لم تكن تعلم نوار أني وصال عقد العهود والمودات وقطاعها، يريد أنه يصل من استحق الصلة ويقطع من استحق القطيعة.

ترّاكُ أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النُّفُوس حمامُها

المعنى: إني تراك أماكن إذا لم أرضها إلا أن يربط نفسي حمامها فلا يمكنها البراح، وأراد ببعض النفوس هنا نفسه, أي: إني لا أترك الأماكن التي اجتويها وأقليها إلا أن أموت.

بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوُها وندامُها

ليلة طلق: ساكنة لا حر فيها ولا قر. الندام: المنادمة

المعنى: يكمل حديثه لنوار قائلًا: بل أنت يا نوار لا تعلمين كم من ليلة ساكنة غير مؤذية بحر ولا برد لذيذة اللهو والمنادمة.

قد بتُّ سامرها وغاية تاجر وافيتُ إذ رُفعت وعزّ مُدامُها

الغاية: راية ينصبها الخمار ليعرف مكانه. وأراد بالتاجر الخمّار. وافيت المكان: أتيته. المدام والمدامة: الخمر. سميت بها لأنها قد أدميت في دنها.

المعنى: قد بت محدث تلك الليلة، أي كنت سامر ندمائي ومحدثهم فيها، ورب راية خمار أتيتها حين رفعت ونصبت وغلت خمرها وقل وجودها. وهو يمتدح بكونه لسان أصحابه وبكون جوادا لاشترائه الخمر غالية لندمائه.

أُغلي السّباء بكُلّ أدكن عاتق أو جونة قُدحت وفُضّ ختامُها

السباء: من سبأت الخمر أسبؤها سبأ وسباء بمعنى اشتريتها. أغليت الشيء: اشتريته غاليا وصيرته غاليا ووجدته غاليا. الأدكن: اللون الأدكن الذي يضربُ إلى الغُبرة بين الحمرة والسواد. الجونة: السوداء، أراد أو خابية سوداء، قدحت: القدح الغرف, الفض: الكسر.

المعنى: أشتري الخمر للندماء عند غلاء السعر واشتري كل قدح مقير أو خابية مقيرة، وإنما قيرا لئلا يرشحا بما فيهما، وقوله: قدحت وفض ختامها، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: فض ختامها وقدحت لأنه إن لم يكسر ختامها لا يمكن اغتراف ما فيها من الخمر.

بصبُوح صافية وجذب كرينة بمُوتّر تأتالُهُ إبهامُها

الكرينة: الجارية العوادة. الموتر: العود تأتاله: من الائتيال أي المعالجة.

المعنى: وكم من صبوح خمر صافية وجذب عوادة عودا موترا تعالجه إبهام العوادة. وتحرير المعنى: كم من صبوح من خمر صافية استمتعت باصطحابها وضربت عوادة فيها على عودها، فاستمتعت بالإصغاء إلى أغانيها.

بادرتُ حاجتها الدّجاج بسُحرة لأعُلّ منها حين هبّ نيامُها

أعلُّ: العللُ الشرب الثاني يُقال عللٌ بعد نهل وعلّهُ أي سقاه السُقية الثانية.بادرت: بمعنى باكرت الديوك لحاجتي إلى الخمر. السحرة: السّحرةُ بالضم السحر الأعلى تقول أتيته بسحر وبسُحرة وأسحرنا سرنا وقت السحر.أي تعاطيت شرب الخمر قبل أن يصبح الديك، لأعل منها مرة بعد أخرى.

وغداة ريح قد وزعتُ وقرّة قد أصبحت بيد الشّمال زمامُها

القرة والقر: البرد. وزعتُ: كففت. الشمال: الريح التي تهب من ناحية القطب

المعنى: كم من غداة هبت فيها الرياح الباردة التي ملكت الشمال زمامها. كففت فيها عادية البرد عن الناس بنحر الجزر لهم.

ولقد حميتُ الحيّ تحملُ شكّتي فُرطٌ وشاحي إذ غدوتُ لجامُها

شكتي: الشكة هي السلاح. الفرط: الفرس المتقدمة السريعة الخفيفة. وشاحي: الوشاح, ما يُتوشح به.

المعنى: ولقد حميت قبيلتي في حال حملتني فرس متقدمة سريعة، كان سلاحي ووشاحي لجامها إذا غدوت، يريد انه يلقي لجام الفرس على عاتقه ويخرج منه يده حتى يصير بمنزلة الوشاح، أي انه يتوشح بلجامها لفرط الحاجة إليه حتى إذا ارتفع صراخ ألجم الفرس وركبها سريعا. أي أنه في حال تأهب دائم.

فعلوتُ مُرتقباً على ذي هبوة حرج إلى أعلامهنّ قتامُها

مرتقبًا: المرتقب هو المكان المرتفع الذي يقوم عليه الرقيب. الهبوة: الغبرة، حرج: الضيق جدًا. الأعلام: الجبال والرايات. القتام: الغبار

المعنى: فعلوت عند حماية الحي مكانا عاليا، أي كنت ربيئة على ذي هبوة، أي على جبل ذي هبوة، وقد قرب قتام الهبوة إلى أعلام فرق الأعداء وقبائلهم، أي ربأت لهم على جبل قريب من جبال الأعداء ومن راياتهم.

حتّى إذا ألقت يداً في كافر وأجنّ عورات الثُّغُور ظلامُها

الكافر: الليل، سمي به لكفره الاشياء أي لستره، والكفر الستر. أجنّ: الإجنان الستر أيضا. الثغر: موضع المخافة، والجمع الثغور.

المعنى: حتى إذا ألقت الشمس يدها في الليل، أي ابتدأت في الغروب، وعبر عن هذا المعنى بالقاء اليد لأن من ابتدأ بالشيء قيل ألقى يده فيه وستر الظلام مواضع المخافة، والضمير بعد ظلامها للعورات. وتحرير المعنى: حتى إذا غربت الشمس وأظلم الليل.

أسهلتُ وانتصبت كجذع مُنيفة جرداء يحصرُ دُونها جُرّامُها

أسهلت: أتيت السهل من الأرض. المنيفة: النخلة العالية. الجرداء: القليلة السعف والليف. الحصر: ضيق الصدر، والفعل حصر يحصر. الجرام: جمع جارم وهو الذي يجرم النخل أي يقطع حمله.

المعنى: لما غربت الشمس وأظلم الليل نزلت من المرقب وأتيت مكانا سهلا وانتصبت الفرس، أي رفعت عنقها، كجذع نخلة طويلة عالية تضيق صدور الذي يريدون قطع حملها لعجزهم عن ارتقائها، شبه الشاعر عنق الفرس في الطول بمثل هذه النخلة، وقوله: كجذع منيفة، أي كجذع نخلة منيفة.

رفّعتُها طرد النّعام وشلّهُ حتّى إذا سخنت وخفّ عظامُها

رفعتها: مبالغة رفعت. الطرد والشلّ: الإبعادُ.

المعنى: حمّلتُ فرسي وكلفتها عدوًا يصلح لاصطياد النعام حتى إذا جدت في الجري وخف عظامها في السير.

قلقت رحالتُها وأسبل نحرُها وابتلّ من زبد الحميم حزامُها

القلق: سرعة الحركة، الرحالة: شبه سرج يتخذ من جلود الغنم بأصوافها ليكون أخف في الطلب والهرب، والجمع الرحائل. أسبل: أمطر. الحميم: العرق

المعنى: اضطربت رحالتها على ظهرها من إسراعها في عدوها ومطر نحرها عرقا وابتل حزامها من زبد عرقها، أي من عرقها.

ترقى وتطعنُ في العنان وتنتحي ورد الحمامة إذ أجدّ حمامُها

ترقى: تصعد وتعتلي. الانتحاء: الاعتماد. الحمامة: الحمام هي ذوات الأطواق من الطير، واحدتها حمامة.

المعنى: ترفع عنقها نشاطًا في عدوها كأنها تطعن بعنقها في عنانها، وهي تعمد في عدوها الذي يشبه في سرعته سرعة طيران الحمائم إذا كانت عطشى.

وكثيرة غُرباؤُها مجهُولة تُرجى نوافلُها ويُخشى ذامُها

ذامها: الذيم والذام بمعنى العيب.

المعنى: رب دار كثرت غاشيتها لأن دور الملوك يغشاها الوفود وغرباؤها يجهل بعضهم بعضا وترجى عطايا الملوك وتخشى معايب تلحق في مجالسها.

غُلب تشذّرُ بالذُّخُول كأنّها جنُّ البديّ رواسياً أقدامُها

الغلب: الغلاظ الأعناق. التشذر: التهدد. الذحول: الأحقاد. الواحد ذحل. البدي: موضع الرواسي

المعنى: هم رجال غلاظ الأعناق كالأسود، أي خلقوا خلقة الأسود، يهدد بعضهم بعضا بسبب الأحقاد التي بينهم،ثم شبههم بجن في الخصام والجدال، يمدح بذلك خصومه، وكلما كان الخصم أقوى وأشد كان قاهره وغالبه أقوى وأشد.

أنكرتُ باطلها وبُؤتُ بحقّها عندي ولم يفخر عليّ كرامُها

بؤت: من باء بكذا, بمعنى أقر، ومنه قولهم في الدعاء: أبوء لك بالنعمة أي أقر.

المعنى: أنكرت باطل دعاوى تلك الرجال الغلب وأقررت بما كان حقا منها عندي، أي في اعتقادي، ولم يغلبني بالفخر كرامها.

وجزُور أيسار دعوتُ لحتفها بمغالق مُتشابه أجسامُها

الأيسار: جمع يسر وهو صاحب الميسر. المغالق: سهام الميسر، سميت بها لأن بها يغلق الخطر، قولهم: غلق الرهن يغلق غلقا، إذا لم يوجد له تخلص وفكاك

المعنى: ورب جزور أصحاب ميسر دعوت ندمائى لنحرها وعقرها بأزلام متشابهة الأجسام، وسهام الميسر يشبه بعضها بعضا. يفتخر بنحره إياها من صلب ماله لا من كسب قماره، والأبيات التي بعده تدل عليه، وإنما أراد السهام ليقرع بها بين إبله أيها ينحر للندماء.

أدعُو بهنّ لعاقر أو مُطفل بُذلت لجيران الجميع لحامُها

العاقر: التي لا تلد. المطفل: التي معها ولدها. اللحام: جمع لحم

المعنى: أدعو بالقداح لنحر ناقة عاقر أو ناقة مطفل تبذل لحومها لجميع الجيران، أي إنما أطلب القدح لأنحر مثل هاتين، وذكر العاقر لأنها أسمن وذكر المطفل لأنها أنفس.

فالضّيفُ والجارُ الجنيبُ كأنّما هبطا تبالة مُخصباً أهضامُها

الجنيب: الغريب. تبالة: واد مخصب من أودية اليمن. أهضامها: الهضيم، المطمئن من الأرض، والجمع الأهضام والهضوم

المعنى: فالأضياف والجيران الغرباء عندي كأنهم نازلون هذا الوادي في حال كثرة نبات أماكنة المطمئنة. شبه الشاعر ضيفه وجاره في الخصب والسعة بنازل هذا الوادي أيام الربيع.

تأوي إلى الأطناب كُلُّ رذيّة مثل البليّة قالص أهدامُها

الأطناب: حبال البيت، واحدها طنب. الرذية: الناقة التي ترذي في السفر، أي تخلف لفرط هزالها وكلالها، والجمع الرذايا، استعارها للفقيرة. البلية: الناقة التي تشد على قبر صاحبها حتى تموت، والجمع البلايا. قالص: من القلص وهو النقص, والقصر. الأهدام: الأخلاق من الثياب، واحدها هدم.

المعنى: وتأوي إلى أطناب بيتي كل مسكينة ضعيفة قصيرة الأخلاق التي عليها لما بها من الفقر والمسكنة، ثم شبهها بالبلية في قلة تصرفها وعجزها عن الكسب وامتناع الرزق منها.

ويُكلّلُون إذا الرّياحُ تناوحت خُلُجاً تُمدُّ شوارعاً أيتامُها

تناوحت: تقابلت, ومنه قولهم: الحبلان متناوحان، أي متقابلان. خُلجًا: الخلج جمع خليج وهو نهر صغير يختلج من نهر كبير أو من بحر، والخلج الجذب. تمد: تزاد. شوارعًا: شرع في الماء بمعنى خاضة

المعنى: ونبذل المساكين والجيران جفانا عظاما مملوءة مرقا مكللة بكسور اللحم في فصل الشتاء وضنك العيشة.

إنّا إذا التقت المجامعُ لم يزل منّا لزازُ عظيمة جشّامُها

لزازُ: يقال رجلٌ لزازُ خصومة وملزٌّ أي لازم لها موكل بها يقدر عليها. جشّامها: صيغة مبالغة من التجشم, وتجشّمهُ أي تكلفه.

المعنى: إذا اجتمعت جماعات القبائل فلم يزل يسودهم رجل منا يقمع الخصوم عند الجدال ويتجشم عظائم الخصام، أي لا تخلو المجامع من رجل منا يتحلى بما ذكر من قمع الخصوم وتكلف الخصام.

ومُقسّمٌ يُعطي العشيرة حقّها ومُغذمرٌ لحُقُوقها هضّامُها

التغذمر والغذمرة: التغضب مع همهمة. الهضم: الكسر والظلم

المعنى: يقسم الغنائم فيوفر على العشائر حقوقها ويتغضب عند إضاعة شيء من حقوقها ويهضم من حقوق نفسه. قوله: ومغذمر لحقوقها، أي لأجل حقوقها، هضامها: التهضم هو اغتصاب الحق ونيله.

فضلاً وذُو كرم يُعينُ على النّدى سمحٌ كسُوبُ رغائب غنّامُها

الندى: الجود، والفعل ندي يندى ندى. الرغائب: جمع الرغيبة وهي ما رغب فيه من علق نفيس أو خصلة شريفة أو غيرهما. الغنام: مبالغة الغانم

المعنى: يفعل ما سبق ذكره تفضلا ولم يزل منا كريم يعين أصحابه على الكرم، أي يعطيهم ما يعطون، جواب يكسب رغائب المعالي ويغتنمها.

من معشر سنّت لهُم آباؤُهُم ولكُلّ قوم سُنّةٌ وإمامُها

و هذا الذي يفعل ما تقدّم ذكره, هو من قوم سنت لهم أسلافهم كسب رغائب المعالي واغتنامها، ثم قال: (ولكل قوم سنة وإمام يؤتم به فيها(.

لا يطبعُون ولا يبُورُ فعالُهُم إذ لا يميلُ مع الهوى أحلامُها

الطبع: تدنس العرض وتلطخه، والفعل طبع يطبع. البوار: الفساد والهلاك. والمعنى: لا تتدنس أعراضهم بعار ولا تفسد أفعالهم إذ لا تميل عقولهم مع أهوائهم.

فاقنع بما قسم المليكُ فإنّما قسم الخلائق بيننا علاّمُها

المعنى: اقنع أيها العدو بما قسم الله تعالى فإن قسّام المعايش والخلائق علامها، يريد إن الله تعالى قسم لكل ما استحقه من كمال ونقص رفعة وضعة.

وإذا الأمانةُ قُسّمت في معشر أوفى بأوفر حظّنا قسّامُها

معشر: قوم. قُسّمت. أوفى: كمل ووفر. بأوفر: الوفور الكثرة. بأوفر حظنا، أي بأكثره. والمعنى: وإذا قسمت الأمانات بين أقوام وفر وكمل قسمنا من الأمانة أي نصيبنا الأكثر منها.

فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكُهُ فسما إليه كهلُها وغُلامُها

المعنى: بنى الله تعالى لنا بيت شرف ومجد عالي السقف فارتفع إلى ذلك الشرف كهل العشيرة.

وهُمُ السُّعاةُ إذا العشيرةُ أُفظعت وهُمُ فوارسُها وهُم حُكّامُها

السعاة: جمع الساعي. أفظعت: أصيبت بأمر فظيع والمعنى: إذا أصاب العشيرة أمر عظيم سعوا بدفعة وكشفه وهم فرسان العشيرة عند قتالها وحكامها عند تخاصمها، يريد رهطه الأدنين.

وهُمُ ربيعٌ للمُجاور فيهمُ والمُرملات إذا تطاول عامُها

المرملات: من أرمل القوم يعني نفذت أزوادهم والمعنى: هم لمن جاورهم بمنزلة الربيع لعموم نفعهم وجودهم كما يحيى الربيع الأرض.

وهُمُ العشيرةُ أن يُبطّىء حاسدٌ أو أن يميل مع العدُوّ لئامُها

المعنى: وهم العشيرة، أي هم متوافقون متعاضدون فكنى عن التعاضد والتآزر بلفظ العشيرة. وتآزرهم كراهية أن يبطئ حاسد بعضهم عن نصرة بعض أو كيلا يبطئ حاسد بعضهم عن نصر بعض وكراهية أن يميل لئام العشيرة وأخساؤها مع العدو، أي أن يظاهر الأعداء على الأقرباء.

مضامين المعلقة

- الوقوف على الأطلال.

- وصف.

- مساءلة.

- تذكر.

- الغزل.

- وصف الناقة.

- قصة حمار الوحش وأتانه

- قصة البقرة وكلاب الصيد.

- الفخر

- فخر الشاعر بنفسه.

- فخره بعشيرته

الوقوف على الأطلال: (وصف, مساءلة, تذكر(

وصف

تبدأ المعلقة بالوقوف على الأطلال, وتعداد المواضع التي غادرها الأحبة, وذكر ما أصابها جرّاء ارتحالهم عنها. ولبيد في وقوفه على الأطلال. يجزل القول ويُطنب خصوصًا فيما يتعلق بعنصري المكان والزمان.

المكان/

يفتتح معلقته بالفعل الماضي (عفت(. مُسندًا إلى الديار. (محلها فمقامها(. والمحل – كما تقدم - ما كان للحلول فيه لفترة مؤقتة, والمقام ما طالت به الإقامة. ثم يعدد الديار التي يقف على آثار من كانوا بها (غولها, رجامها, مدافع الريان(. وكُلّ هذه مواضع في شمال شبه جزيرة العرب. فهو يركز في البيتين الأولى على المكان.. (المحل/ المقام/ الغول/ الرجام/ مدافع الريان(. وفي هذا تفجع وإنكار لما حلّ بالمواضع التي كانت معمورة بأحبته. فالفعل: (عفت(و الذي يدل على المحو, والطمس.. قد طال هذه الديار كلها. وهذا من ذكر الخاص بعد العام. فالديار. لفظٌ عام اشتمل على ما جاء بعده. ولكن ذكر (المحل, المقام, الغول, الرجام, مدافع الريان(بعد ذلك. فيه زيادة عناية بهذه المواضع, وتخصيص يعطي معنى التفجع وعدم التصديق لما حلّ بهذه الأماكن. فهو هُنا يذكر هذه المواضع مرتين. مرة مندرجة تحت العام, ومرةً بلفظها.

الزمان/

بعد أن يُعدد المواضع التي فقدت أهلها وانطمست بغيابهم وما عاد منها إلا الأثر. يبدأ في ذكر ما كان من فعل السنين. ويفصّل على نحو مُلفت حين يذكر الزمن الذي مرّ على هذه الديار الخالية حتى صارت إلى ما هي عليه.

- مرّت عليها سنون بكاملها, بالأشهر الحُرم والأشهر الحل.

دمنٌ تجرم بعد بين أنيسها حججٌ خلون, حلالها وحرامها.

فقد تعاقبت على هذه الديار أعوام كاملة. والمعنى يتم عند (حججٌ خلون(. لكن لبيد يعود مرةً أخرى إلى ذكر الخاص بعد العام (حلالها, وحرامها(. وبهذا يذكر الأشهر مرتين, مرةً مندرجة تحت العام, ومرةً بلفظها. وهذا يدل على مدى إحساسه بوقع الزمن, ومدى ثقل مرور هذه السنين بأشهرها الحلال والحرام. على ديار خالية.

- رُزقت الديار خلال هذا الزمن, أمطار الأنواء الربيعية. فأعشبت.

- أصابتها الأمطار الشتائية (سارية وغاد مُدجن(.

- أنبتت أراضيها وأخصبت إثر ترادف الأمطار عليها, فصارت أراض صالحة للرعي.

- رعت فيها الحيوانات وصارت هذه الديار مرتعًا للظباء والنعام. بعد أن كانت مربعًا للإنسان.

- لم تكن هذه الديار مرتعًا ترعى فيه الحيوانات فحسب, بل مرّ عليها زمن كاف لئن ترعى وتلد وتعكف على مواليدها, (و العين ساكنة على أطلائها(. وتستمر دورة الزمن سائرة إلى أبعد من ذلك (عوذًا تأجل بالفضاء بهامها(. أي إلى أن تصبح صغار الحيوانات قطعانًا في ذلك الفضاء.

و بعد هذا الزمن الذي مرّ على الديار وأحدث في الأطلال كل هذه التحولات:

}ديار مأهولة بالأحبة ßديار خالية موحشة (تأبّدّ(ß أماكن تعبرها السنين بظواهرها الطبيعية (بعد بين أنيسها(ß حياة أخرى وسكان جدد (أراض خصبة ومرتع للحيوان({

هذا الزمن كفيلٌ بأن يمحو كل أثر للأحبة. ولديارهم, ومع هذا فإن الطلل يظهر مرةً أخرى:

وجلا السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنّها زُبُرٌ تُجدُّ مُتُونها أقلامُها

فبعد أن ذكر الشاعر المواضع التي هجرها الأحبة وفصّل في الزمن الذي مرّ على الديار وأحالها من أماكن مأهولة, إلى أراض موحشة خالية , الزمن الذي مرّ عليها بكل ثقله. بسنينه الكاملة, بأمطاره الربيعية والشتائية. الذي أحالها من بعد (بين أنيسها(و خلوها ووحشتها, إلى مرتع خصب رعت فيه الحيوانات وولدت وأقامت على مواليدها. فصارت الديار مرتعًا لسكّان جدد (الحيوانات البرية(. يعود ليذكر ظهور الأطلال بعد كل هذا. حتى بعد أن صارت المواضع مأهولة بحياة أخرى. فإن الحياة الأولى والسكّان الراحلين هم الأرسخ والأبقى في ذاكرة المكان, وفي ذاكرة الشاعر.

و (جلا(. والجلاء هو الظهور والوضوح. والأطلال ينجلي أمام عيني الشاعر – بفعل السيول – مهيجًا الذكرى ومجددًا لعهود الولاء السابقة. فقد شبه السيول بالأقلام, والطلل بالكتابة التي قاربت على الخفاء. ومداهمة السيول للطلل. أظهرتها من بعد أن دُرست وغطاها التراب. كما تُظهر الأقلام الكتابة حين تجددها. والكتابة تُقاوم البلى, وتتغلب على النسيان, و(الزمن(و ظواهره هو الكاتب هُنا. " والشاعر وهو يقف أمام الأطلال يستشعر معنيين: معنى التحول الذي يسكن الموجودات, فيزحزحها عن أحوالها التي كانت لها من قبل, ويتدرج بها من الجدة إلى البلى, ومن العمران إلى الخراب, ومن الحياة إلى الموت. ومعنى الكتابة التي لا تزال في حاجة إلى قراءة ثانية وثالثة. وكأن وقفة الشاعر لا تكفي لاستيفاء المكتوب حقه… فينقل الإحساس (خامًا(تتولاه العقول والذائقة فحصًا وصهرًا تستخرج منه النفيس الذي يقاوم بدوره هاجس النسيان والمحو." (1)

و تذكُر كتبُ الأدب أن الفرزدق سجد حين سمع صبيًا ينشد هذا البيت, قائلًا: أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر.

و يرسم لبيد صورة أخرى لظهور الأطلال وبقاء أثره برغم ما أصابه من عوارض الزمن, هذه الصورة هي الوشم الذي تجدد الواشمه نثر (النؤور(عليه ليظهر من جديد واضحًا جليًا.

" ومن المعروف عن الوشم أنه يبهت لونه إذا طال العهد به فيلوح ما تبقى منه ضعيفًا مطموس المعالم. فيعمد إلى تجديده إذ يُعاد عليه بالإبرة المحماة تغرز في العروق الناتئة, ثم تذر عليها الواشمة الإثمد, فتبرز داراته جليلة ملتمعة" (2)

و لبيد في وصف الطلل يركز على فعل الطبيعة بالديار, فكأن الدهر كاتب أقلامه هي العوارض التي أدت إلى كل تلك التحولات.

انعكاس الأطلال في مخيلة لبيد (التشبيهات(

1/ آثار الديار – > الكتابة في الصخر (كما ضمن الوُحيّ سلامها(.

2/ ظهور الأطلال بفعل السيول – > كتابة تجددها الأقلام (زبرٌ تجد متونها أقلامها(. أو تجديد الواشمة للوشم (رجع واشمة تسف نؤورها(.

" وربما كان في حديث النصبة عند الجاحظ ما يشير إلى هذا المعنى… فإن الخط أثر, والأثر خط, والدهر كاتب, والدمن صحائفه… والكتابة على الصخر, أو في الزبر, أو خط الواشمة. هيئات ثلاث تتلاحق في قرارة نفس الشاعر." )3(

و الجامع بين الصور الثلاث (مقاومة البلى / البقاء(.

(1(فلسفة المكان في الشعر الجاهلي. قراءة موضوعاتية جمالية. د: حبيب مونسي. اتحاد الكتّاب العرب2001. ص28.

(2(أثر الصحراء في الشعر الجاهلي. د: سعدي ضناوي. دار الفكر اللبناني. الطبعة الأولى. 1993م. ص222

(3(فلسفة المكان في الشعر الجاهلي. قراءة موضوعاتية جمالية. ص28 , 29

مساءلة

فوقفتُ أسألُها وكيف سُؤالُنا صُمّاً خوالد ما يبينُ كلامُها

و الشاعر بعد أن ظهرت له الأطلال الباقية برغم كل ما مرت به, يقف وقفة تساؤل وتذكر. (وقفت أسألها(. لكنه عدل عن مساءلتها إلى مساءلة نفسه. كيف يُخاطب حجارةً صماء لا يظهر كلامها.

فقد تراجع منكرًا موقفه. إلا أنه على الرغم من تراجعه. فقد كان يعرف أن لها كلامًا برغم صمتها وجمودها. يدل على ذلك أنه استخدم الفعل (يبين(. والإبانة بمعنى الإظهار. فقال: (لا يبين كلامها(. ولم يقل: (لا تتكلم(. فلم ينف عنها الكلام. إنما نفى عنها ظهور الكلام والإفصاح به. لأن الحال التي كانت عليها هذه الأماكن ناطقة. يُدرك كلامها من يستنطق حالها دون مساءلة. إذ لا جدوى من مساءلة الحجارة الصماء.

تذكر

ظهور الديار بعد اندثارها. كان تلبسًا من الجماد لصورة الحياة الماضية. لكن الجماد وإن تلبس صورة الحياة. لا يمكنه تجسيدها بكل أبعادها. فعاد الشاعر إلى الواقع بعد أن همّ بسؤال الحجارة. عاد إلى الواقع ورأى الطلل مجردًا من ثوب الحياة الذي تلبسه حين ظهر أمامه ككتابة تتجدد. وكوشم يُعاد نقشه. مجردًا من كل شيء إلا الذكرى. فافتتح أبيات التذكر بقوله (عريت(و " لقد وُفق الشاعر أيما توفيق حين جعل الرحيل عن الديار عريًا, والإقامة فيها ثوبًا, لأن ذلك يعكس الجانب الحقيقي من الحياة, ويكشف العلاقة الحميمة بين الأرض والإنسان, تلك العلاقة التي أراد لها لبيد أن تتوطد وتتواصل من خلال ذلك الرسم الذي يتبادل الأدوار والتحولات, فالأرض ستر الإنسان ومقره, وكذلك الإنسان ستر الأرض وزينتها, معادلتان تكمن فيهما حقيقة الحياة, لأنهما تمثلان صورة التلاحم العضوي الفاعل بين الإنسان والمكان, بين الوجود والمصير.." (1)

(و كان بها الجميع (. ومجيء الفعل (كان(معطوفًا على (عريت(. يشي بعمق التحول الذي أصاب هذه الديار. وقد ابتدأ هُنا بذكر واقع الديار الحالي (عريت(. وعطف عليه ماضيها (كان بها الجميع (. والتناقض بين الحالينظاهر. والشاعر ينتقل في (طرفة عين(من الزمن الحاضر الذي أمامه (خلو الديار(إلى الماضي الحاضر في ذهنه وقلبه (الديار المأهولة بالجميع(. وهذا الانتقال السريع من (عريت(. إلى (كان بها الجميع(. ينبئ عن مشاعر ملتهبة تحت وطأة التذكر, تنتقل سريعًا من حاضر كئيب إلى ماض سعيد, وبالسرعة ذاتها يُردف مشهد الديار المأهولة بمشهد الرحيل. (فأبكروا(. وهذه ثلاث مشاهد تتوالى

(عريت - > كان بها الجميع - > أبكروا(

و البكور: يعني الخروج في وقت البكرة, وبكرة النهار أوله. وقد يعني لبيد إلى جانب تحديد زمن رحيلهم بأول النهار. بكورهم في هذا الرحيل أيضًا. أي: قصر عهد إقامتهم وعجلتهم في الرحيل.

و بعد أن يتم هذا البيت ينتقل منه " إلى أشد المعاني اتصالًا به, ولزومًا له, وهو ذكر الأحبة الذين ارتحلوا عن هذه الديار, وما يثيرون في النفس من شوق إليهم وكلف بهم, ووصف ارتحالهم, ذلك الذي أخلى هذه الديار, فعرضها لما تعرضت له, وأحيا في نفس الشاعر ما أحيا من الحزن" (2):

شاقتك ظُعنُ الحيّ حين تحمّلُوا فتكنّسُوا قُطُناً تصرُّ خيامُها

و يستغرق لبيد في التذكر, فينقل صور التحمل والارتحال وكأنها حاضرة أمام العين لقوة حضورها في ذاكرته, ومن الطبيعي بعد أن أثار الأطلال في نفسه ما أثار من شجن وذ كرى, أن ينتقل إلى مشاهد التحمل والارتحال, لأن هذه اللحظات هي آخر ما رأت عينه من أحبته, وهي آخر ما كان منهم في هذا المكان. فيمضي ليتتبع كيف كان سيرهم, ويصف الهوادج ومشهد الرحيل:

شاقتك ظُعنُ الحيّ حين تحمّلُوا فتكنّسُوا قُطُناً تصرُّ خيامُها

من كُلّ محفُوف يُظلُّ عصيّهُ زوجٌ عليه كلّةٌ وقرامُها

زُجلاً كأنّ نعاج تُوضح فوقها وظباء وجرة عُطّفاً أرآمُها

حُفزت وزايلها السّرابُ كأنّها أجزاعُ بيشة أثلُها ورضامُها

و لبيد يفتتح مشهد الرحيل بقوله: (شاقتك(.من شاقني شوقاً وشوّقني: هاجني فتشوّقت. فكأنه يخاطب نفسه مخبرًا إياها عمّا جعله يصف الآثار الباقية أمامه, ويسائلها, ويستذكر مشاهد الرحيل كاملة. حين تحمّل أهل المكان راحلين, و(تكنسوا(و الكانسُ هو الظبي يدخل في كناسه, وقد استعار للنسوة الراحلات من الحي صفة الظبي المستتر في كناسه.

" وتتخذ مشاهد التحمل والارتحال صوراً شتى، تعكس الجوانب النفسية والعاطفية، فضلاً عن الجانب الفني، فيصورها لنا الشعراء مشاهد حية نسمعها من نبضات قلوبهم، ونحسها من خلال فيض أشواقهم الدافقة، وهم يتحدثون عن الحمول الظاعنات، والهوادج الراحلات، والحبيبات اللواتي يمّمن شطر ديار نائية، وقد خلّفن قلوباً أمست نهباً للهواجس والحرمان، متشوقةً للملتقى، وقد أرمضتها شمس الصحراء، وهن في حد وجهن، يختلسن النظرات إلى الأحبة من فتحات الهوادج…" (3)

و لبيد ينقل المشهد كاملًا من بعد قوله (شاقتك ظعن الحي(. فيستحضر المشاهد التي شاقته من خلال استحضار الحركة والفعل (تحملوا , تكنسوا(. وينتهي من الحركة والفعل إلى الإيحاء بالصوت (تصرّ(. فتأتي الصورة كاملة والمشهد حاضرًا حتى كأننا نرقب ارتحال أحبته عنه وصوت هوادجهم.

و يصف هيئة الهوادج المحفوفة المكللة التي تقلّ نسوة الحي. وكيفية ارتحالها في جماعات, والنساء فيها كأنهن (نعاج توضح(. و(ظباء وجرة(. وتشبيه النسوة بالظباء شائع في الجاهلية ولكن لبيد أضاف إليه بريق حين ختم البيت قائلًا: (عُطّفاً أرآمُها(فكأن النساء في التفاتتهن إلى الخلف في مشهد الوداع والرحيل, وفي هذه النظرة الأخيرة إلى الماضي يشبهن الظباء في حال ترحمهن على أولادهن, أو في حال عطفها أعناقها للنظر إلى أولادها. لأن عيون الظباء في حال الالتفات للخلف تكون دامعة, كما هي أعين النسوة في نظرتهن الأخيرة للمكان, والماضي.

و تتدافع الهوادج حتى تتراءى من البعيد وقد زايلها السراب ولم يبق من صورتها إلا الهيئة العامة لمنظر يتراءى من البعيد وتفاصيله الدقيقة غائبة. فكأنها أشجار إثل وادي بيشة أو حجارته الضخمة. وهذه هي الصورة الأخيرة لمشهد الرحيل.

و قد نقل الشاعر مشاهد التحمل والظعن في البداية دقيقة حية بتفاصيلها الحركية والسمعية, ثم لم يبق إلا منظر الهوادج المكللة وأعين النسوة في الالتفاتة الأخيرة للمكان الذي صار جزءًا من الماضي, ثم ابتعدت الهوادج ولم يبق إلا هيئتها العامة التي تشابه الأشجار البعيدة.

و وفقًا لحركة الارتحال يسير الشاعر في تصويره. فحين كانت الهوادج قريبة كانت الصورة دقيقة التفاصيل. ثم ابتعدت الهوادج قليلًا وأعرض الشاعر عن الغوص في التفاصيل ونقل صورة بصرية فقط. وابتعدت أكثر. فصارت الصورة غائمة لشيء يزايله السراب كأنه أشجار أو حجارة ضخمة في واد بعيد.

(1) شرح المعلقات العشر, قدم له وشرحه: د. مفيد قمحية, منشورات دار ومكتبة الهلال, الطبعة الأولى.1987

(2) حديث الأربعاء, الجزء الأول,د: طه حسين, دار المعارف, الطبعة الرابعة عشرة, ص33

(3) الصورة السمعية في الشعر العربي قبل الإسلام. د: صاحب خليل إبراهيم. منشورات اتحاد الكتّاب العرب. ص69

2/ الغزل:

بل ما تذكّرُ من نوار وقد نأت وتقطّعت أسبابُها ورمامُها

مُرّيةٌ حلّت بفيد وجاورت أهل الحجاز فأين منك مرامُها

بمشارق الجبلين أو بمُحجّر فتضمّنتها فردةٌ فرُخامُها

فصُوائقٌ إن أيمنت فمظنّةٌ فيها وحافُ القهر أو طلخامُها

فاقطع لُبانة من تعرّض وصلُهُ ولشرُّ واصل خُلّة صرّامُها

واحبُ المُجامل بالجزيل وصرمُهُ باق إذا ظلعت وزاغ قوامُها

و بعد أن يستحضر لبيد مشاهد التحمل والارتحال. يُعرض عن الحكم السابق: (شاقتك ظعن الحي(. ويوجه شوقه إلى واحدة فقط من بين النسوة المرتحلات, (شاقتك ظعن الحي, بل ما تذكر من نوار(. ونوار التي يشبب بها قد تقطعت الأسباب بينه وبينها بعد أن نأت. وتوطنت ديارًا غير الديار, وخالطت أهلًا غير الأهل, فيئس من عودة الوصال بينهما. " وهو يمضي في تصوير هذا اليأس, وتعظيم أمره, وإقامة الأدلة القاطعة على أنه محتوم لا منصرف عنه, فيذكر الأماكن التي يمكن أن تكون فيها صاحبته في الحجاز… , أو في اليمن… حتى إذا أتم المعنى إتمامًا, انتهى إلى نتيجته المحتومة, وهي اليأس المريح والتعزي عن الحزن بالارتحال" (1)

فيخاطب نفسه بصيغة الأمر: (اقطع(. ليتناسى حبه ويقطع حبل من قطع الوصال. فلا الديار التي وقف ليسائلها. سترد سؤاله, ولا محبوبته التي ارتحلت يعرف لها ديارًا معينه, فأعرض عن مساءلة الأطلال, وأعرض عن التباكي على الماضي. لأن "شيء من العجز والقهر, يحولان دون مواصلة الحفر في أعماق الماضي. إن حجاب الصمت صفيق ثقيل لا يمكن رفعه!… وحركة الإنصراف في الشعر الجاهلي تبدأ من هذا العجز. شاعر يحوّل وجه راحلته وينصرف وتتحول معها القصيدة إلى غرض آخر" (2)

(1) حديث الأربعاء, د: طه حسين, ص34

(2) فلسفة المكان في الشعر الجاهلي, قراءة موضوعاتية جمالية , د: حبيب مونسي, ص 29

3 وصف الناقة:

بطليح أسفار تركن بقيّةً منها فأحنق صُلبُها وسنامُها

فإذا تغالى لحمُها وتحسّرت وتقطّعت بعد الكلال خدامُها

فلها هبابٌ في الزّمام كأنّها صهباءُ خفّ مع الجنُوب جهامُها

و لبيد ينتقل من الطلل والمقطع الغزلي إلى وصف الناقة في هدوء لا يشعر معه قارئ المعلقة بأي فجوة, فبعد أن ذكر نوار بغزل فيه تماسك الرجولة بلا وهن أو ضعف, ينتقل إلى وصف الناقة لا من حيث هي ناقة فقط, مما يشعر بتفكك القصيدة. بل يصفها من حيث " هي وسيلة لوصل الحبائل أو قطعها، فبعد أن صمم على قطع علاقته ب "نوار" وجد كل شيء يدعوه إلى ركوب ناقته ليمضي بها ضارباً صفحاً عن الماضي وعن حبيبته " (1)

و يبدأ وصف الناقة عند لبيد بقوله (بطليح(, والباء بمعنى الاستعانة, فهو يستعين بناقته التي نالها الإعياء ليرحل عن قاطعي الصلة , ويتسلى عنهم. وهو يصور الناقة في حال سيرها, وقد أثّرت الأسفار على جسدها تأثيرًا بينًا (تغالى لحمها, تحسّرت, تقطعت خدامها(. ويصورها وقد سارت لمسافات متعبة حتى ارتفع لحمها إلى رؤوس العظام, وتقطعت سيورها التي تُشّد بها الرحال, فالناقة في حال كلل وتعب , ومع هذا فإنها " لن تضعف أو تستسلم, بل تزداد سرعة ومضيًا, فهي مثل السحابة التي أفرغت حمولتها من المطر وأصبحت الرياح تسوقها بسرعة كبيرة, وهكذا ينتقل الشاعر من الأرض إلى السماء متجردًا من الأوصاف الحسية الواقعية وعلينا حينئذ أن نقرأ ما خلف الأبيات, ونتساءل: كيف يكون حال الإنسان الذي يسافر على هذه الناقة؟ هُنا ينتقل بنا الحديث إلى الإنسان, وتحيلنا الناقة إلى الذات مرةً أخرى" (2)

فالناقة في الشعر الجاهلي, هي صورة لما أسماه د: أحمد وهيب رومية (الذات المقنعة(. فالشاعر يعبر عن ذاته بطريقة تتراءى لنا فيها الذات مقنعة تعبر عن نفسها من وراء قناع, أو معادل موضوعي, أو معادل شعري. " ويتردد فعلا الإمضاء والتسلية ومرادفاتهما ترددًا قويًا في هذا الشعر, فكيف يُمضي الشاعر همومه بهذه الناقة؟ وكيف يسليها بها؟… الأشياء في الشعر يلفت بعضها إلى بعض, فالهموم تلفت إلى الناقة, والناقة تلفت إلى الكون, والكون يلفت إلى الذات وهكذا… والحقيقة أن الناقة تُمضي هموم الشاعر وتسليها بطرق شتى, أهمهما اثنتان: بالرحلةفي الصحراء, وتأمل الكون وما يضطرب فيه, والتماس العزاء مما يرى, والتسرية عن النفس به.. وباتخاذ هذه الناقة قناعًا أو معادلًا شعريًا له يُلقي عليه كثيرًا مما في نفسه, فيتخفف من وطأة مشاعره الباهظة " (3)

و الطريقة الأولى: التسلي عن طريق الرحلة في الصحراء.. تتراءى في قوله (اقطع لبانة من تعرض وصله.. بطليح أسفار . فالشاعر لم يتخفف من وطأة همومه ولم يتحرر من حنينه إلى الراحلين عن الديار, ولم يتحرر من وجع القطيعة التي قرر أن يقابلها بالمثل. ليفرغ إلى أمر الناقة يصفها ولا يصرفه عنها صارف, فالتفاتته إلى الناقة هي للتسلي ولتحميلها بعض أعباء روحه المرهقة. التي نال منها الغياب والزمان ما نال, ومع هذا فإنها كناقته. التي كلما نال منها التعب, كلما ازدادت سرعتها وخفت في مسيرها كسحابة أفرغت ماءها.

و الطريقة الثانية: اتخاذها كمعادل موضوعي يتوحد معها ويُسقط عليها همومه ليتخفف من وطأة هذه الهموم, وتتجلى هذه الطريقة في تعب الناقة من الترحال الدائم.

فالناقة انعكاس لذات لبيد. وتعبها هو تعبه, وسيرها في الفيافي هذا السير المرهق الذي تتقطع به سيورها ويتغالى لحمها, هو سيره في الحياة, وسيور الناقة المتقطعة صورة للصلات التي صُرمت فاختار لبيد أن يصرمها من ناحيته أيضًا. وأخيرًا مقاومة الناقة لهذا التعب الذي لم ينل منها إنما زادها سرعةً وخفة. كسحابة أفرغت ماءها وخف مسيرها. هو صورة لمقاومة لبيد وترحاله المتعب, هذا الترحال الذي تسلى به وأفرغ فيه همومه كالسحابة التي أفرغت ثقلها وخفت.

و ستظهر أيضًا هذه الطريقة (المعادل الموضوعي(في تشبيهاته للناقة وفي القصص التي سيرويها في الأبيات اللاحقة ليصوّر سرعة ناقته.

(1(صورة الناقة في النص الجاهلي د.عبد العالي بشير, مقالة بمجلة التراث العربي, العدد 101

(2(الأبعاد الفكرية والفنية في القصائد السبع المعلقات, د: صالح مفقودة, دار الفجر للنشر والتوزيع, الطبعة الأولى 2003م , ص189

(3(شعرنا القديم والنقد الجديد, د: أحمد وهيب رومية, سلسلة مجلة عالم المعرفة, الكتاب رقم 207, مارس 1996م , ص 181, 182

قصة حمار الوحش وأتانه

و في حديث لبيد عن سرعة ناقته , ينتقل من تشبيهها بالسحابة إلى تشبيهها بحمار الوحش وأتانه في قصة تأخذ من القصيدة أحد عشر بيتًا ليقولأن ناقته سريعة كسرعة عدو الأتان والحمار نحو الماء. وقصة حمار الوحش تتكرر كثيرًا في الشعر الجاهلي و" تردُ في مناسبة واحدة هي تشبيه الناقة في سرعتها ونشاطها بهذا الحمار في نشاطه وعدوه السريع, ثم ينسى الشعراء ذلك التشبيه ويستطردون في قصة هذا الحيوان." (1) و" قد تناول هذه القصة أكثر من شاعر, كامرئ القيس والنابغة وزهير, ولكنهم جميعًا لم يبدعوا في هذا الوصف مثلما أبدع لبيد في قصة الحمار والأتان, فقد سرد القصة في معلقته" (2)

أو مُلمعٌ وسقت لأحقب لاحهُ طردُ الفُحُول وضربُها وكدامُها

و يعطف لبيد الأبيات ب (أو(. قائلًا أن ناقته سريعة كسرعة السحابة التي أفرغت ما بها من ماء فخفت في سيرها, أو كسرعة حمار الوحش وأتانه. والقصة عنده تبدأ في حال خصب, فالأتان (ملمع(. أي: يشرق ضرعاها باللبن, وقد حملت من الحمار الذي غيّره طرد ذكور الحُمر الوحشية فهزل من مغالبته إياها وذودها عن أتانه, ولأن الريبة هي التي دفعته لهذا الفعل, فإنه يمضي إلى أبعد من ذلك:

يعلُو بها حدب الإكام مُسحّجٌ قد رابهُ عصيانُها ووحامُها

(رابه عصيانها(فساقها إلى أرض بعيدة وشبحا الخوف والريبة يسيطران عليه, فأقام عليها رقيبًا:

بأحزّة الثّلبُوت يربأُ فوقها قفر المراقب خوفُها آرامُها

و (الثلبوت(موضع, والحمار يعلو بأتانه على أحزة هذا المكان, والحزيز هو الموضع الذي تتكاثر حجارته حتى تصير كالسكاكين, ومع هذا فإنه لشدة خوفه عليها وغيرته يختار الأماكن الرابية في المواضع الخالية ويعلو عليها ليراقبها ويراقب أعلام المكان خشية استتار الصيادين بها.

و في الأبيات الثلاثة السابقة, توحي الألفاظ التي يصف بها لبيد الحمار, والمكان, بشدة الصراع وألم مدافعة الريبة (ضرب, كدام, مسحج, عصيان, أحزّة, خوف(. مع أن القصة في بدايتها توحي بإقبال الحياة وطيبها (ملمع, سقت(. لكنها من الشطر الثاني تبدو غير بريئة من المتاعب. ويقضي الحمار وأتانه في هذا الموضع القفر الوعر الشتاء كاملًا:

حتّى إذا سلخا جُمادى ستّةً جزءاً فطال صيامُهُ وصيامُها

و تنقضي أشهر الشتاء وهما مجتزئين بالرطب عن الماء, فيطول صيامهما وتعطشهما, ويرغبان في ورود الماء وقد انقضت أشهر الشتاء (جمادى(التي يجمد فيها الماء, وجاء الربيع, وبمجيئه ما عاد يمنع الحمار وأتانه عن ورود الماء إلا الخوف, فيسندا أمرهما إلى القوة والعزيمة الصادقة:

رجعا بأمرهما إلى ذي مرّة حصد ونُجحُ صريمة إبرامها

و لبيد يورد في الشطر الثاني حكمة (نُجح صريمة إبرامها(. فالنجاح في نيل الغاية إنما يكون بإحكام العزم, وهذا ما كان مع الحمار وأتانه, فبعد أن عزما أمرهما, خصوصًا أن الربيع انقضى, وجاء الصيف بحرارته, فهيجها الشوك والسموم وزادت حاجتها إلى الماء:

ورمى دوابرها السّفا وتهيّجت ريحُ المصايف سومُها وسهامُها

فتنازعا سبطاً يطيرُ ظلالُهُ كدُخان مُشعلة يُشبُّ ضرامُها

مشمُولة غُلثت بنابت عرفج كدُخان نار ساطع أسنامُها

و ينطلق الحمار وأتانه نحو الماء بسرعة شديدة, هذه السرعة التي تشابهها سرعة ناقته في حال تعبها وسيرها الطويل, فالحمار والأتان قد تعبا وتعطشا إلى الماء وانطلقا نحوه بعدو سريع , وركض حوافرهما يثير الغبار ممتدًا طويلًا كدخان نار تضطرم وريح الشمال تهب عليها وقد خُلط حطبها بحطب العرفج الغض, فصار دخانها ممتدًا مرتفعًا. وحين يصلان إلى الماء:

فمضى وقدّمها وكانت عادةً منهُ إذا هي عرّدت إقدامُها

يُقدّم الحمار الأتان لترد الماء قبله, وكانت هذه عادته إن رابه خوفها وترددها. فخشي أن تتأخر عنه. وتنتهي القصة بأن يتوسطا النهر ويشقان لهما عينًا ممتلئة بالماء ويحفها النبات من كل جانب.

فتوسّطا عُرض السّريّ وصدّعا مسجُورةً مُتجاوراً قُلاّمُها

محفُوفةً وسط اليراع يُظلُّها منهُ مُصرّعُ غابة وقيامُها

و تتغير مفردات لبيد في خاتمة هذه القصة, ففي بدايتها كان الخصب, ثم أعقبه الخوف والصراع والريبة والمكابدة والعطش, وأخيرًا تنتهي نهاية فيها هذا الإقبال على الحياة, فبعد أن كان الحمار يعلو بأتانه الأماكن الوعرة المقفرة, يقدمها الآن عليه في ورود الماء. ويتوسطا النهر ويشقان عينًا لهما وسط ظلال القصب. ووفقًا لهذا تتحول مفردات لبيد في نهاية القصة من مفردات تصف الأماكن الوعرة, إلى مفردات تفصّل في ذكر النباتات والخصب والماء (عُرض السري, مسجورة, القلام, محفوفة, الظل, اليراع, غابة..(

" ويتميز لبيد عن شعراء الجاهلية جميعًا بظاهرة طريفة في قصة حمار الوحش, فهو – غالبًا يدفع أحداث قصته ويحرّك شخوصها ويمضي بها إلى أن ترد الماء, وحينئذ لا تشرب منه بل تتوسطه وتعوم فيه… وينهي الشاعر قصته هذه النهاية العذبة الطريفة في غيبة من عين الصياد ودفقة من حبور النفس الآمنة المطمئنة, أو قُل يُلقي على المشهد الأخير رداءً رقيقًا شفافًا ينبعث من ورائه حلم السعادة… وتلوح من خلاله الرغاب آن تحققها, وترتسم عليه إمارات الأمل والرضا وحب الحياة…. وثمة ملاحظة أخرى تستوقفنا في قصة حمار الوحش عند لبيد, هي غياب شخصية الصياد, ولا جدال في أن هذا الغياب المستمر ينطوي على دلالة ما, ويتطلب تفسيرًا وتعليلًا " (3)

و قصة الحمار الوحشي في معلقة لبيد, تختلف عن القصة التالية لها والواردة أيضًا ضمن تشبيهه لسرعة ناقته, فهذه القصة تنتهي نهاية سعيدة, بالرغم من المكابدة والعناء في بدايتها. وقد يكون هذا انعكاسًا لحديثه السابق في المقطع الغزلي بضرورة حزم أمره والمضي في قطع صلة قاطعيه. فالحمار الوحشي حين عزم أمره على ورود الماء واحتكم إلى القوة والعزم, وأجرى حكمه على أتانه وسار بها يقودها أمامه إلى الماء, نال مبتغاه بلا ذل أو انكسار. وقد يكون مُراد الشاعر من هذا, واختياره لهذه القصة ترميزًا لحاله في المقطع السابق, فهو حين يعزم أمره ويحتكم إلى الشدة والرأي القاطع بعدم الانكسار يستعين في قضاء مبتغاه بالناقة التي تشبه في سرعتها سرعة الأتان. وهكذا هو يقودها ويسيّرها وهي تتبعه وتنقاد له ولعزمه كما انقادت الأتان لحمار الوحش. فنالا مبتغاهما بلا طرد وذل وخسارة وانكسار وفجيعة, وربما هذا هو ما يفسر غياب الصياد في قصة الحمار الوحشي وانتهاءها بالنهاية السعيدة, على عكس القصة التالية لها التي بدأت بالفجيعة وانتهت بالصراع لأنها قامت على التضييع والخذلان.

(1(الرحلة في القصيدة الجاهلية, الدكتور وهب رومية ,مؤسسة الرسالة , ص128

(2(الشعر الجاهلي, خصائصه وفنونه,د: يحيى الجبوري, مؤسسة الرسالة, الطبعة الثامنة, 1418ه1997م , ص382

(3(الرحلة في القصيدة الجاهلية, الدكتور وهب رومية, ص130

قصة البقرة الوحشية وكلاب الصيد

و تنتهي قصة حمار الوحش وأتانه, لينتقل منها إلى القصة الأخرى. في معرض تشبيه الناقة, ويطوي القصة الأولى مشيرًا إلى الأتان الملمع بالتساؤل: (أفتلك؟(لينتقل مباشرةً إلى القصة الأخرى: (أم وحشيةٌ مسبوعةٌ(.

أفتلك أم وحشيّةٌ مسبُوعةٌ خذلت وهاديةُ الصّوار قوامُها

و المسبوعة هي البقرة التي أكل السباع ولدها, وهذه البقرة كانت ترعى آمنة سعيدة إلى درجة أنها اشتغلت بنفسها عن ولدها, فخذلته بغفتلها. (ضيعت الفرير(. وحين افتقدته جدّت في البحث عنه, وظلت تطوف في المكان وتنادي ابنها, ولبيد يبرع في تصوير حال الناقة أثناء بحثها عن وليدها:

خنساءُ ضيّعت الفرير فلم يرم عُرض الشّقائق طوفُها وبُغامُها

و بعد أن تطوف المكان وقد شعرت بألم الفقد, يتعاظم هذا الشعور تعاظمًا شديدًا حين لا تجد من وليدها إلا أشلاءه, وقد تنازعت هذه الأشلاء كلاب الصيد التي لا ينقطع طعامها لأنها لا تغفل عن الطرائد الضالة.

لمعفّر قهد تنازع شلوهُ غُبسٌ كواسبُ لا يُمنّ طعامُها

صادفن منها غرّةً فأصبنها إنّ المنايا لا تطيشُ سهامُها

و يتعاظم ألم الفقد ممتزجًا بإحساس الندم, وتعيش البقرة ليلةً ليلاء معرضة ذاتها للمطر, وقد أوت وحيدة في ليلة تنهمر سماؤها بمطر كثيف (ديمة(, ويبرع لبيد في تصوير تفاصيل مظهر حزن البقرة ووحدتها في الليلة الشتائية المظلمة الممطرة:

باتت وأسبل واكفٌ من ديمة يُروي الخمائل دائماً تسجامُها

يعلُو طريقة متنها مُتواترٌ في ليلة كفر النُّجُوم غمامُها

تجتافُ أصلاً قالصًا مُتنبّذاً بعُجُوب أنقاء يميلُ هُيامُها

وتُضيءُ في وجه الظّلام مُنيرةً كجُمانة البحريّ سُلّ نظامُها

و كأن البقرة الوحشية ماثلة أمامنا, في الليلة الممطرة وقد ارتوت الأراضي المعشبة بهذا المطر المستديم,المتواتر. وقد أظلم الليل تمامًا واختفت نجومه وراء الغيوم, فلم تجد البقرة مأوى إلا في أصل شجرة مرتفع في كثيب رمل يتساقط بفعل المطر, وهي في هذا الظلام كالجمانة التي انفرطت من عقدها. وظلت على هذه الحال إلى أن أضاء الفجر, فقامت وأقدامها تزلُّ عن الأرض بفعل المطر, وكأن الأرض تلفظها:

حتّى إذا انحسر الظّلامُ وأسفرت بكرت تزلُّ عن الثّرى أزلامُها

علهت تردّدُ في نهاء صُعائد سبعاً تُؤاماً كاملاً أيّامُها

حتّى إذا يئست وأسحق خالقٌ لم يُبله إرضاعُها وفطامُها

و بقيت على حالها هذه, وحيدة وقد أضاعت ابنها الذي تشاغلت عنه بإتباع القطيع, وحين افتقدته ومضت تاركةً القطيع لتبحث عنه وجدت أشلاءه الممزقة. فأضاعت بذلك كل شيء, وصارت وحيدة وكأن كل شيء ينبذها, ويتكالب عليها. الظلام, والمطر, والوحدة, وهي على هذا الحال سبع ليال بأيامها. إلى أن داخل نفسها اليأس ونشف ضرعها. ليس لأنها أرضعت ابنها, ولا لأنها فطمته. لكن ألم الفجيعة هو الذي فعل بها كل هذا. وما كادت البقرة تنسى ما أصابها بعد اليأس الذي داخلها, حتى سمعت صوتًا مريبًا ففزعت وما عادت تدرك في هذا الفزع هل الصوت من خلفها أم من أمامها:

فتوجّست رزّ الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيسُ سُقامُها

فغدت كلا الفرجين تحسبُ أنّهُ مولى المخافة خلفُها وأمامُها

و بالفعل, فقد كان هذا صوت الرُماة الذين طاشت سهامهم فأرسلوا عليها كلاب الصيد المدربة:

حتّى إذا يئس الرُّماةُ وأرسلُوا غُضفاً دواجن قافلاً أعصامُها

و تجد البقرة نفسها أمام معركة لا تملك فيها غير المقاومة والصراع من أجل البقاء, فإما الهرب دون جدوى, والهرب هو الاستسلام , وفي استسلامها موتها, وإما المقاومة والذود. فتختار المقاومة وتنطلق في معركتها مع كلاب الصيد التي تلاحقها. فتنعطف البقرة على الكلاب بقرنها الشبيه بالرماح. وتذودهن عن نفسها:

فلحقن واعتكرت لها مدريّةٌ كالسّمهريّة حدُّها وتمامُها

لتذُودهُنّ وأيقنت إن لم تذُد أن قد أحمّ من الحُتُوف حمامُها

و تنتهي القصة وقد انتصرت البقرة الحشية وأردت الكلاب قتيلة في أرض المعكرة مضرجة بالدماء:

فتقصّدت منها كساب فضُرّجت بدم وغُودر في المكرّ سُخامُها

و هكذا نجد الناقة في شعر لبيد تتمثل في سرعتها ثلاث صور هي:

" الصورة الأولى: شبه فيها سرعة الناقة في سيرها بسرعة السحابة الحمراء التي أسقطت ماءها، فأصبحت بذلك أخف وأسرع.

الصورة الثانية: صوّر فيها ناقته بأتان وحشية قد حملت من فحل شديد الغيرة عليها يلازمها أينما ذهبت ويطارد عنها الفحول التي تهاجمها متعرضاً إلى العض والضرب. وبالرغم من المعركة التي دارت بين هذا الفحل والحمر الوحشية، فإن ذلك لم يصرفه عن العناية بالأتان، والحرص عليها، والابتعاد بها عن الأماكن التي تتعرض فيها لملاحقة الحمر الأخرى. وقد زاد تعلقاً بها تمنعها عليه، وهي تجتاز مرحلة الحمل والوحم، وقد كانت من قبل طيعة مما جعله يعتلي بها ربوة ليكون في مأمن من مزاحمة الفحول الأخرى ولمراقبة الصيادين. وتظل هذه الأتان والحمار فوق هذه الربوة طيلة شهور الشتاء يطعمان من نبات رطب حتى إذا حل فصل الصيف وتحركت رياحه الحارة، انطلقا في سرعة الريح، يتجاذبان معاً في عدوهما نحو الماء غبارًا كثيفاً كأنه دخان نار مشتعلة وقد هبت عليها ريح الشمال فزادتها اشتعالاً. ثم ينتقل الشاعر إلى بيان مدى عناية الفحل بأتانه، فهو حريص على أن تظل أمامه، حتى لا تتأخر عنه فيفقدها، وما يزالان كذلك حتى يبلغا النهر الذي يريدان فيقعان على عين ممتلئة بالماء فيشقانها فرحين.

الصورة الثالثة: شبه فيها ناقته بالبقرة المسبوعة التي أكل السبع ولدها، وقد كشف لنا في هذه الصورة عن قصة من قصص الصراع الدامية في مواجهة تحديات الطبيعة ومحاولة التغلب عليها. فما كادت هذه البقرة تمضي في طريقها مع القطيع حتى اكتشفت أنها تخلت عن ولدها فعادت لتبحث عنه في كل مكان، ترسل صيحاتها هنا وهناك فتذهب صيحاتها سدى، لأن ولدها قد لقي مصرعه واستحال إلى جثة هامدة ملقاة على الأرض تتجاذب أشلاؤه الذئاب المدربة على الصيد.وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى تتبع اللحظات التي عاشتها البقرة بعد موت ولدها، وإذا كل لحظة تمثل حلقة في سلسلة العذاب والشعور بالوحشة، فقد كانت ليلة رهيبة تلك التي قضتها البقرة عقب مصرع ولدها، ليلة تعاونت فيها مظاهر الطبيعة إلى إشاعة هذا الجو الحزين. ثم يمضي بعد ذلك إلى تصوير الآلام التي عانتها البقرة من جراء تساقط الأمطار المتلاحقة والباردة على ظهرها مما اضطرها إلى البحث عن مكان تحتمي فيه من هذا المطر، فلم تجد من سبيل إلاّ أن تدخل في جوف شجرة تقلصت أغصانها وانكمشت من شدة البرد. وبعد أن صور الشاعر الناقة في تلك الليلة الرهيبة عاد ليتتبع خطاها، فإذا ما انكشف الظلام لم يزدها طلوع النهار إلا أسى ولوعة، وإذا بخطواتها مهزومة لا تكاد تمشي حتى تعثر فلا تقوى قوائمها على حملها. ثم يستطرد في وصف جزع البقرة التي لم ينقطع حنينها لولدها وهي منهمكة في الجزع، تروح وتجيء في هذا المكان لا تفارقه سبعة أيام بلياليها، ولا يغمض لها جفن ولا يهدأ لها بال، حتى إذا يئست من اللقاء بولدها جف ضرعها الذي كان ممتلئاً لبناً. وما كادت البقرة تنتهي من اليأس من لقاء ولدها حتى باغتها، وهي في خلوتها صوت خفي لإنسان، فأفزعها هذا الصوت وإن لم تعلم مصدره أو تتبين حقيقته. ثم أدركت بغريزتها أن هذه الوقفة الجامدة لن تنقذها من الخطر الذي يداهمها، فلم تمض لحظات حتى انطلقت في عدو سريع، وعندئذ أطلق الرماة وراءها سهامهم، فلما ذهبت هذه السهام أدراج الرياح ويئس الرماة من أن ينالوها، أطلقوا وراءها كلاب الصيد المسترخية الآذان الضامرة البطن، ولكن البقرة كانت قد أسرعت إلى الكلاب، فطعنتها بقرن كالرمح في حدته وطوله، وأيقنت أنها في موقف لا ينفع فيه التردد أو الخوف، هي إن لم تقتل الكلاب قتلها الصياد وكلابه."(1)

(1(صورة الناقة في النص الجاهلي د.عبد العالي بشير, مقالة في مجلة التراث العربي.

ما بين القصتين:

- قصة الحمار الوحشي وأتانه تُفتتح بذكر الخصب (ملمع, سقت(. أما قصة البقرة الوحشية فإنها مبدوءة بذكر مصيبة البقرة الوحشية (مسبوعة(. وهذا يعني أن بداية قصة حمار الوحش وأتانه توحي بالحياة (حمل الأتان(. في حين أن بداية قصة البقرة توحي بالموت والفقد والفجيعة (مسبوعة(.

- قصة الحمار الوحشي وأتانه تفتتح في الشطر الثاني من البيت الأول بذكر المقاومة والدفاع والحزم في الأمر وعدم التخاذل , يظهر ذلك في مدافعة الحمار الوحشي للحُمر عن أتانه وطرده لها حتى تغير حاله وهزل (لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها(, أما قصة البقرة الوحشية فمن الشطر الثاني في البيت الأول يظهر التخاذل وغياب الحزم (خذلت(.

- قصة الحمار الوحشي وأتانه أطول زمنًا من قصة البقرة ووليدها, فالقصة الأولى أطول في زمن الكفاح (ستة أشهر من الصيام عن الماء(. أما قصة البقرة الوحشية تستمر سبعة أيام بلياليها والماء ينهمر والأرض تبتل, ولكن الماء لا يعني للبقرة الوحشية إلا زيادةً في مصيبتها في حين أنه مبتغى الحمار وأتانه, وهذه صورة من صور التناقض في الحياة.

- عدو الحمار وأتانه نحو الماء, العدو السريع الذي يثير الغبار وراءه كالدخان الذي يعتلي الجو ويمتد فيه, كان عدوًا نحو الماء, فهو في حقيقته صورة من صور الإقبال على الحياة. أما عدو البقرة وهربها من كلاب الصيد هو في حقيقته صورة من صور الحفاظ على الحياة والفرار ومحاولة النجاة لإنعدام الخيارات (و أيقنت إن لم تذد أن قد أحمّ مع الحتوف حمامها(فهذا العدو عدو جبري لأن البقرة لا تملك خيارات غيره.

- تنتهي قصة الحمار الوحشي بالسعادة والرخاء, فقد نالا مبتغاهما وغادرا الجبال الوعرة إلى موطن الماء (صورة الحمار وأتانه وقد توسطا الماء وشقا لهما عينًا ممتلئة وسط القصب والنباتات(, وتنتهي قصة البقرة الوحشية بمنظر الدماء وانتصار البقرة بعد أن انعطفت وقررت المقاومة. فقضت على الكلاب, لكن نجاتها ليست انتصارًا حقيقيًا لأنها خرجت خاسرة من المعركة طالما هي ثكلى بفقدها وليدها. " فإفلاتها لم يكن – في الحقيقة – إلا هزيمة معنوية منكرة لها, إذ لم تغادر المكان على ما كان فيه من خصب وعشب وماء إلا مكرهة مُرغمة, فهي بمغادرتها هذا الحيز الجميل أصيبت برزيتين اثنتين لا بواحدة: الأولى فقدانها ابنها , والأخرى مغادرتها موطنها الذي ألفت العيش فيه, والارتعاء في رياضه" (1)

ففي القصتين يتمثل موقف الشاعر من الدهر وخطوبه ورزاياه, ففي القصة الأولى التي كانت بدايتها تنبه ومقاومة ومكابدة, كانت النهاية السعيدة. " إنها إذن رحة اكتشاف عذبة, فهذا الماء لم يسبق غيرهما إليه, وما أشبه هذه الرحلة برحلة الشاعر نحو اكتشاف وجوده, بل إنّ هذه الرحلة هي رحلة بشرية نحو إثبات الوجود, والوصول إلى الحقيقة, ففي هذه القصة شيئًا هامًا, هو الوصول" (2)

و في القصة الثانية التي بدأت بغفلة وطيب عيش نسيت معه البقرة نفسها وابنها, فخذلته, كانت النهاية فقدٌ ومقاومة وصراع. وهذه هي رمية الدهر على حين غفلة,حين ترعد الفجيعة في هدوء السعادة. " وما الصياد سوى الزمن الذي يصيب المرء , وما الكلاب إلا وسيلة من وسائله وسهم من سهامه: السباع – الإنسان – الكلاب – الظلام – الرمل المتحرك – المطر الغزير… كل أولئك هو الزمن والطبيعة بإنسانها وحيوانها وجمادها تلاحق المرء فتنزل به الفناء بدءًا بمن حوله, ثم تتبع الكائن نفسه لتصيبه في الصميم, وهاهي البقرة تصبح ذات يوم هي نفسها هدفًًا, ورغم خوفها وفزعها إلا أنها لا يمكن أن تبقى مستسلمة فذلك يعرضها للهلاك لا محالة, وإنما يجب عليها أن تذود, لنتجاوز سويًا فكرة تتبع الشعراء للحيوان ووصف أعضائه, ولنقتنع بأن الشاعر يصف نفسه, ويتحدث عن وجوده أمام هذه الطبيعة بمختلف أشكالها, مصورًا وحدته وعاطفته التي اختار لها صورة الأمومة المكلومة… وفي الحقيقة فإن الشاعر مهما حاول أن يعبر عن غربته وابتعاده عن أصله وعشيرته وبنيه, ومهما عبر عن فزعه وألمه فإنه سوف لن يُبرز لنا ذلك بمثل ما أبرزه حين استخدم هذه الصورة, فإنه لم يكن يراقب البقرة كل المراقبة, وإنما كان يعيش – واقعيًا – بعض عيشتها, ويعيش حياتها كاملة حسًا وشعورًا ولقد وجد أن هذه الصورة كفيلة بنقل إحساسه بالغربة والفراق عن الأهل وسط الصحراء, وينتقل موقفه في الصراع من أجل البقاء, ومن هُنا نقول إن اختيار لبيد لبقرته سبيل النصر هو انتصار الإنسان نفسه فالدهر يملك كثيرًا من الوسائل يقدمها واحدة تلو الأخرى في تصاعد مستمر يمد بجيوشه مرةً بعد مرة, والبقرة باقية في كفاحها أيضًا تقدم ضروبًا شتى من المقاومة… إنها معركة المصير بالنسبة لها, من هُنا يحق لنا الإدعاء أن هذا الحيوان معادل للإنسان, وهو بديل عنه, يصب فيه الشاعر دخيلة نفسه. (3)

و عندما نقرأ قصيدة الشاعر لبيد نجده يصف الحيوانات وصفًا إنسانيًا , محملًا هذه الحيوانات كل ما تحمله النفس البشرية... يقول الدكتور يوسف اليوسف: " فالحيوان يداوم على الظهور كواحد من أبطال القصيدة الجاهلية, إلى حد يجعل معلقة لبيد أشبه بحكاية عن الحيوان ولكنه في الغالب الأعم بطل ثانوي يتمحور حول الشخصية المركزية (الشاعر(و مع ذلك فإن عناصر شخصيته تتداخل كثيرًا أو قليلًا في بنية الشخصية الحيوانية…(4)

و يرى الناقد وهب رومية أن " الشاعر والبقرة يقفان في صف واحد هو صف الحياة ضد قوى الدهر الشريرة, بل نجد في قصة البقرة مكافئًا موضوعيًا لموقف الشاعر, فيه التوجع من الدهر ومن ذكرى الحبيب البعيد" (5)

(1(السبع المعلّقات (مقاربة سيمائيّة/ أنتروبولوجيّة لنصوصها(د: عبدالملك مرتاض, منشورات اتحاد الكتّاب العرب, 1998م , ص 498, 499

(2(الأبعاد الفكرية والفنية في المعلقات, د: صالح مفقودة , ص192

(3(الأبعاد الفكرية والفنية في المعلقات, د: صالح مفقودة ص195

(4(السابق, ص 181

(5(الرحلة في القصيدة الجاهلية , د: وهب رومية , ص121

4/ الفخر

فخر الشاعر بنفسه

و من أبيات وصف الناقة التي يرتحل الشاعر عليها ويتخذها وسيلةً للتسلي والنسيان, يعود مرة أخرى إلى حديثه الأول عن صلابته وكبريائه وصفاته الرافضة لذل العشق, هذا الحديث الذي دعاه إلى ذكر الناقة وتشبيهها بالقصتين السابقة:

فبتلك إذ رقص اللّوامعُ بالضُّحى واجتاب أردية السّراب إكامُها

أقضي اللُّبانة لا أُفرّطُ ريبةً أو أن يلُوم بحاجة لوّامُها

(فبتلك(. والفاء للعطف. و(الباء(بمعنى الاستعانة, فهو يستعين بتلك الناقة وبتعبها وإرهاقها في حر الهواجر لقضاء شؤونه, فلا يترك ريبةً أو لومًا في نفس أحد. ويعود ليتساءل عن نوار, أتدري عن هذه العزة وهذا الإباء, وهذه الإرادة القوية في القطع والترك والوصل:

أو لم تكُن تدري نوارُ بأنّني وصّالُ عقد حبائل جذّامُها

ترّاكُ أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النُّفُوس حمامُها

و يستخدم صيغ المبالغة (وصّال, جذّام, ترّاك(هذه الصيغ الدالة على الكثرة والمبالغة في أفعال (الصلة, والجذم, والترك(. وكأن الشاعر ينبه على مدى تمكنه من الإمساك بزمام الأمور,و إرادته القوية في الوصل والترك والقطع. فهو يأنف من البقاء في المكان إن لم يكن فيه من يستحق, أو حين لا يرتضي البقاء فيه.

و في تساؤله: (أولم تكن تدري نوار(. يشيح بالخطاب عنها ولا يوجه السؤال لها. فهو يذكر اسمها في صورة الغائب. ثم يعود ليلتفت لها في الأبيات التالية, وكأنه ينبهها لمدى تسليه عنها ونسيانه لها:

بل أنت لا تدرين كم من ليلة طلق لذيذ لهوُها وندامُها

ثم ينطلق ليعرض صورًا من اللهو والإسراف في الملذات, في ليال يصفو جوّها (ليلة طلق(. فيسهرها مع ندمائه لا تتقيد نفسه بحزن على فراق, ولا وجع على ماضي. فهو يعيش اللحظات ويعطيها حقها, ويقبّل على لذاته:

قد بتُّ سامرها وغاية تاجر وافيتُ إذ رُفعت وعزّ مُدامُها

أُغلي السّباء بكُلّ أدكن عاتق أو جونة قُدحت وفُضّ ختامُها

بصبُوح صافية وجذب كرينة بمُوتّر تأتالُهُ إبهامُها

بادرتُ حاجتها الدّجاج بسُحرة لأعُلّ منها حين هبّ نيامُها

و لبيد فيما يختص بلذاته مبادر ومسرف, فاللذة في هذه الأبيات صورة من صور المقاومة للذكرى الماضية, وهو يظهر في هذا اللهو في صورة " حبيب خائب مسرف مكابر يرفض أن يستسلم" (1) فبعد أن أسقط ما في نفسه من هموم وصراعات على ناقته وقصتي الحمار الوحشي والبقرة الوحشية, أو ما يسميه الدكتور أحمد وهيب رومية (الذات المقنعة(. يغيب صوت هذه الذات المقنعة ويتجلى في هذه الأبيات حديث (الذات السافرة(و هي تحتفل بنفسها. (2) فيصور مبادرته إلى أماكن بيع الخمر, وجوده في شرائها لندمائه حين غلاء سعرها. وكيف يتلهى بين (صبوح صافية(و (جذب كرينة(. أي: في مجالس تجمع بين الشرب والغناء. وكيف يُبادر إلى الشرب باكرًا حتى قبل يقظة الدجاج, ليعل من الخمر وقت هبوب النيام. فهو يصوّر تقلبه في اللهو ليلًا ونهارًا (كم من ليلة طلق, بتُّ سامرها ,صبوح, بادرت, سحرة(.

و بعد حديثه عن ملاهيه ومجالس الخمر والغناء, يمضي ليذكر مآثره وفضائله:

وغداة ريح قد وزعتُ وقرّة قد أصبحت بيد الشّمال زمامُها

و الوزعُ: كفُّ النفس عن هواها. فهو لاه في وقت اللهو, مقدام وجواد في وقت الحاجة إليه, و(غداة ريح(. بمعنى في حال هبت الريح الباردة. وأبرد الرياح هي الآتية من جهة الشمال (بيد الشمال زمامها(. وقد عُرف لبيد بإنقاذه لأهالي عشيرته في أوقات القرّ والضرر. وقد استخدم الفعل (وزعت(لينبئ عن أن لهوه مجرد حالة آنية وليستدائمة. فهو في مقام فخر واستنطاق للمآثر, ولهذا فإن أبيات التغني بالخمر لا تتجاوز في هذا المقام خمسة أبيات ولا ينسى فيها أن يذكر إلى جانب استغراقه في اللذة, جوده وسخاؤه على الندماء. ثم يعرض عن هذا ويذكر كيف كفّ نفسه عن هواها حين احتاج له الحي:

ولقد حميتُ الحيّ تحملُ شكّتي فُرطٌ وشاحي إذ غدوتُ لجامُها

فعلوتُ مُرتقباً على ذي هبوة حرج إلى أعلامهنّ قتامُها

" ثم يصف حاله أثناء الحرب, وقد انتهى النذير إلى قومه بالغارة أو أشفقوا من الغارة,فإذا هو أسرعهم إلى فرسه, ومالهُ لا يُسرع إليها وقد اتخذّ لجامها وشاحًا له, كأنما ينتظر الفزع في كل لحظة من لحظات النهار, ولم يكد يعلو فرسه حتى اندفه به طليعةً لقومه, يتحسس لهم أنباء العدو, فيشرف بفرسه على مرقب عال يقيم فيه ما أقام النهار, ينتظر أن يرى من العدو ما يدل على مقدمه, لينبئ قومه"(3)

حتّى إذا ألقت يداً في كافر وأجنّ عورات الثُّغُور ظلامُها

و الكافر, هو الليل. لأن الكفر في أصله هو التغطية والستر, و(تاء التأنيث الساكنة(في ألقت. للشمس. فالشمس تلقي يدها في هذا الليل الكافر. وهذا تعبير موجز عن ظلمة الليل, وفي هذه الظلمة ما عاد هُناك من حاجة للمراقبة (أجنّ عورات الثغور ظلامها(. بمعنى غطى الظلام الثغور التي قد يغتنمها الأعداء, فينزل لبيد للسهل. وتنتصب فرسه كجذع النخلة العالية, ويمضي مصورًا هذه الفرس:

أسهلتُ وانتصبت كجذع مُنيفة جرداء يحصرُ دُونها جُرّامُها

رفّعتُها طرد النّعام وشلّهُ حتّى إذا سخنت وخفّ عظامُها

قلقت رحالتُها وأسبل نحرُها وابتلّ من زبد الحميم حزامُها

ترقى وتطعنُ في العنان وتنتحي ورد الحمامة إذ أجدّ حمامُها

فهي فرس اعتادت على فارسها, حتى صار لجامها وشاحًا له, لأنه لا يفارقها. ينتصب عنقها كجذع النخلة العالية , معتادة على الطرد, خفيفة العظام, ففارسها يسير بها وكأنه يطرد صيدًا من النعام (رفّعتها طردُ النعام(و لشدة سرعتها يتحرك سرجها باضطراب فوقها, ويمطر لعابها على نحرها. وهي في هذا الحال من التعب والكلل (ترقى وتطعن في العنان(. أي: على رغم ما بها من تعب وإرهاق فإنها ترفع عنقها نشاطًا في عدوها كأنها تطعن بعنقها في عنانها، وتسرع في عدوها الذي يشبه في سرعته سرعة طيران الحمائم إذا كانت عطشى. وبعد أن يصف الفرس وهمته في ركوبها, وهمتها في سيرها. يمضي ليصوّر تصدره للمجالس ورفعته فيها:

وكثيرة غُرباؤُها مجهُولة تُرجى نوافلُها ويُخشى ذامُها

غُلب تشذّرُ بالذُّخُول كأنّها جنُّ البديّ رواسياً أقدامُها

أنكرتُ باطلها وبُؤتُ بحقّها عندي ولم يفخر عليّ كرامُها

(و كثيرةٌ غرباؤها(بمعنى: وربّ دار كثيرة الغرباء. وقد حذف رُبّ. أي: " كم من مجلس, أو دار إقامة, يختلط فيها القريب بالغريب, والكيّس بالفظ الغليظ , والحليم العاقل بالجاهل السخيف, يدور فيها الحديث شجونًا شتى, ما كان فيها لبيد إلا قطب رحاها, ومحط الأنظار, يفخر إن فخر كرامها, ويأنف من السخف إذا ما انحط جلاسها. " (4) وقد يكون يرمي في هذه الأبيات إلى حادثته مع الربيع بن زياد في مجلس النعمان بن المنذر ملك الحيرة. بدليل قوله: (و كثيرةٌ غرباؤها مجهولة(. كأنه يقصد مجالس الملوك. وقد أشار إلى ذلك الزوزني في شرحه: " يفتخر بالمناظرة التي جرت بينه وبين الربيع بن زياد في مجلس النعمان بن المنذر ملك العرب, ولها قصة طويلة" (5) وقصة هذه المناظرة أن الجعافرة من بني عامر قوم لبيد دأبوا على زيارة ملوك الحيرة في كل عام, وكان الملك يحسن وفادتهم , والربيع بن زياد خال لبيد, وزعيم العبسيين, كان في نفسه موجدة على قوم الشاعر, وكان يحاول أن يخمل ذكرهم ويحط مقامهم عند الملك, حتى أنه نزع القبة التي تُضرب في فناء القصر لأبي البراء عم لبيد وزعيم الجعافرة من بني عامر. وكان لبيد صغير السن, وربيب أعمامه فعرض على قومه أن ينتقم من الربيع بأن يهجوه هجاءً مرًا, وقد أنشد لبيد رجزًا هاجيًا للربيع مقذعًا في هجائه, مما أحنق الملك على الربيع بن زياد, فانتصر للعامريين.

و يعدد بعد ذلك صورًا من كرمه المتمثل في نحر النوق وتوزيع لحومها على المستحقين من الجياع والأرامل:

وجزُور أيسار دعوتُ لحتفها بمغالق مُتشابه أجسامُها

أدعُو بهنّ لعاقر أو مُطفل بُذلت لجيران الجميع لحامُها

فالضّيفُ والجارُ الجنيبُ كأنّما هبطا تبالة مُخصباً أهضامُها

تأوي إلى الأطناب كُلُّ رذيّة مثل البليّة قالص أهدامُها

فهو يفخر بذبح النوق التي كان يربحها في لعب الميسر, ليوزعها على الفقراء والمعوزين, (بمغالق(و المغالقُ من نُعُوت قداح الميسر التي يكون لها الفوز. فقد كان يهب ربحه للعطاء, حتى أن ضيوفه وجيرانه ينزلون عنده وكأنهم نازلون وادي تبالة في اليمن, وهذا الوادي شهير بالخصب.

و تأوي إلى حبال بيته (كل رذية(و الرذايا هي النوق التي أضناها السفر وهزلت., (مثل البلية(. أي مثل الناقة التي تُشدّ على قبر صاحبها إلى أن يموت, (قالص أهدامها(. القلوص هو القصر والأهدام هي الثياب البالية الخلقة. وهو هُنا يرسم صورة النسوة الفقيرات المتعبات في ثيابهن الخلقة القصيرة بقلة حيلتهن وعجزهن عن التصرف. ولبيد في هذا الفخر إنما يحكي بلسان الواقع, " يحدثنا الرواة وهم يتفقون في الحديث, أن لبيدًا كان قد نذر في جاهليته ألا تهب الصبا إلا أطعم الناس, وقد وفى بنذوره في الجاهلية, وحرص على الوفاء به في الإسلام… فهو يتحدث في هذه الأبيات عن عادته حين يقامر على نحر الإبل, لا يبتغي بذلك ربحًا ولا كسبًا, إنما يبتغي إطعام الجائعين الذي كانوا يأوون إليه… ويقول بعض الرواة, هبت الصبا يومًا, والوليد بن عقبة على الكوفة, فصعد إلى المنبر فخطب في الناس, ثم قال: إن أخاكم لبيد بن ربيعة قد نذر في الجاهلية ألا تهب الصبا إلا أطعم, وهذا يوم من أيامه وقد هبت الصبا.." (6)

(1(الرحلة في القصيدة الجاهلية, د: وهب رومية, ص396

(2(في كتاب (شعرنا القديم والنقد الجديد(. يدرس الدكتور أحمد وهيب رومية رؤية الذات في القصيدة القديمة (الذات المقنعة / الذات السافرة(في شعر امرئ القيس والمثقب العبدي وعلقمة وغيرهم… ويمكن قياس ذلك على لبيد.

(3(حديث الأربعاء, د: طه حسين , ص38

(4(لبيد بن ربيعة العامري, شاعر جاهلي أدرك الإسلام, د: يحيى شامي, دار الفكر العربي(بيروت(, الطبعة الأولى 2002, ص 98

(5(شرح المعلقات السبع, ابن عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني, دار الكتب العلمية (بيروت(, الطبعة الثالثة 1423ه 2002 م , ص 97 الحاشية 1

(6(حديث الأربعاء, طه حسين, ص41

فخر الشاعر بقومه

و الشاعر الجاهلي, لسان حال القبيلة, فإذا تغنى لبيد بشيء من مآثره الخاصة, فإنه يتبعها بمآثر قومه الذين يفاخر بهم , وبكرمهم وعزتهم:

ويُكلّلُون إذا الرّياحُ تناوحت خُلُجاً تُمدُّ شوارعاً أيتامُها

و في المقام ذاته, مقام الحديث عن النجدة في أيام الريح والقر, يذكر لبيد صنيع قومه ونجدتهم للغير (و يكللون إذا الرياح تناوحت(. فهو يرسم صورة من صور الكرم العربي, ففي مقابل صورة الرياح المتناوحة التي تعصف بالناس, صورة الجفان المليئة باللحم والطعام تمتد كالنهر يشرع فيه الأيتام والمعوزين.

إنّا إذا التقت المجامعُ لم يزل منّا لزازُ عظيمة جشّامُها

(إنّا(. ويمتزج صوته بصوت الجماعة, فيتكلم الشاعر بضمير جماعته, (نا الدالة على الفاعلين(مسبوقةً بالتوكيد (إنّ(. وبلهجة المفاخرة (إذا التقت المجامع(. ليقول أن المجالس لا تخلو من أشداء قبيلته المتجشمين للعظائم والقامعين للخصومات. فأهل عشيرته أهلٌ للسيادة.

ومُقسّمٌ يُعطي العشيرة حقّها ومُغذمرٌ لحُقُوقها هضّامُها

فضلاً وذُو كرم يُعينُ على النّدى سمحٌ كسُوبُ رغائب غنّامُها

و يتابع تعداد شمائل الرجال العظام من قومه, ففيهم من يعطي العشيرة حقها (مُقسم(و فيهم من يهتضم لها حقوقها. ويغتصبها لها , ويتغضب لأجلها (مغذمر(, وفيهم صاحب الفضل والكرم المعين على الجود يكسب رغائب المعالي ويغتنمها. وكل هؤلاء الرجال مدعاة الفخر من معشر تُتوارث فيه المآثر:

من معشر سنّت لهُم آباؤُهُم ولكُلّ قوم سُنّةٌ وإمامُها

و يستمر في تعداد صفات رجال العشيرة, فيذكر أن أعراضهم عصية على التدنيس, وفعالهم لا يعتريها الفساد, لأن عقولهم لا تميل مع الهوى.

لا يطبعُون ولا يبُورُ فعالُهُم إذ لا يميلُ مع الهوى أحلامُها

و الله عز وجلّ قسم المعايش والخلائق في الناس, وجعل لكل ما استحقه من كمال النفس والرفعة, أو من الضعة والهوان, لأن الله هو مالك كل شيء, وهو العالم بمن يستحق:

فاقنع بما قسم المليكُ فإنّما قسم الخلائق بيننا علاّمُها

و قومه من المستحقين للشرف والعزة, وإذا قُسمت الأمانات بين الأقوام, كان لقومه أوفر الحظ, يوفي بحظهم منها مقسّم الأمانات والأرزاق, الذي بنى لهم بيتًا رفيع السقف في الشرف والمجد, فارتفعت بذلك عشيرتهم كبيرها وصغيرها:

وإذا الأمانةُ قُسّمت في معشر أوفى بأوفر حظّنا قسّامُها

فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكُهُ فسما إليه كهلُها وغُلامُها

و يختتم لبيد هذا الفخر بتمجيد قومه في آخر الأبيات مكررًا على التوالي: (و هم, وهم, وهم (. بنبرة اعتزاز وفخر تظهر في هذا التكرار:

وهُمُ السُّعاةُ إذا العشيرةُ أُفظعت وهُمُ فوارسُها وهُم حُكّامُها

وهُمُ ربيعٌ للمُجاور فيهمُ والمُرملات إذا تطاول عامُها

وهُمُ العشيرةُ أن يُبطّىء حاسدٌ أو أن يميل مع العدُوّ لئامُها

فقومه هم السعاة إلى دفع الفظائع وكشف الضر, وهم الفوارس في القتال والحكماء في الخصام, وهم للمجاورين والمستجيرين كالربيع, لعموم نفعهم وجودهم. والمُرملُ هو الذي نفد زاده, (تطاول عامها(يعني بأن أعوام الشدة والجوع تستطال لجدبها وثقل مرورها. ولبيد هُنا إنما يفخر بحقيقة أهله, فأبوه ربيعة بن مالك لُقّب بربيع المقترين, لسخائه وجوده.

و أخيرًا (همُ العشيرة(. كنايةً عن تعاضدهم وتكاتفهم لئلا يبطئ الحسّاد بعضهم عن نصرة بعض, أو أن يميل لئامهم مع الأعداء.

و الأبيات الأخيرة تطرح مسألة (السابق(, أي تمهيد السابق للاحق, كونها تتضمن أفكارًا إسلامية وألفاظ من صميم الدين, فمصطلحات (السنة , الإمام , الهوى(مصطلحات إسلامية. وكذلك (المليك, القسّام, العلام(. ومع ذلك فإن المعلقة في أغلبيتها جاهلية في الموضوعات والصور والإيقاع والألفاظ. " وهي أكثر جاهلية من غيرها لتميز لغتها البدوية, وفنها الشعري" وينجم عن هذا أسئلة مهمة: هل المعلقة بأكملها قيلت في الجاهلية؟ أم أنها منحولة من الرواة؟ أم أن الأبيات الأخيرة أضافها لبيد أو غيره من الرواة بعد الإسلام؟ أم أن المعلقة ظلت نصًا مفتوحًا لم يكتمل إلا باكتمال حياة لبيد؟ (1)

و قد تكون المعلقة قيلت في الجاهلية كاملة بدليل لغتها المنفردة والتي جعلت النقّاد القائلين بالانتحال يتخذون حيالها موقفًا آخر. ويستثنونها من الشك, وما جاء فيها من ألفاظ إسلامية قد تكون نتاج نزعة حنيفية ظهرت أيضًا في ذكر الكتابة والزُبر والوُّحي في بداية المعلقة.

أما الرأي القائل بأن لبيد قد أضاف للمعلقة فيما بعد, وأنها ظلت نصًا مفتوحًا إلى آخر حياته, فهو رأي غير مُستبعد. نظرًا للسهولة والطلاوة التي تظهر جلية في الأبيات الأخيرة على عكس باقي أبيات المعلقة, إلى جانب أن الروايات التي تقول بأن لبيد امتنع عن قول الشعر في الإسلام, وأنه لم يقل إلا بيتين. ليست إلا روايات متناقضة مع ما وصل لنا من شعر لبيد في الإسلام. فإذا كان لبيد قد امتنع عن قول الشعر في الإسلام. فمتى يكون قد قال مرثياته في أخيه لأمه (أربد(الذي توفي بعد بعثة النبي, وقد جاء في كتاب الأغاني: " أن لبيد بن ربيعة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني كلاب بعد وفاة أخيه أربد وعامر بن الطفيل فأسلم وهاجر وحسن إسلامه " (2)ومتى يكون قد قال شعره الذي أوصى به بناته قبل وفاته؟ والشعر الذي أوصى به ابن أخيه؟ وشعره الذي يشتكي فيه الكبر والشيخوخة؟ قد يكون حاول الإقلال من قول الشعر, لكنه لم يمتنع تمامًا, ولا صحة بأن ما قاله لا يتعدى البيتين. لهذا لا يُستبعد أن تكون قد أضيفت الأبيات الأخيرة للمعلقة بعد إسلامه. وإن كان الرأي الأول القائل بنزعة الحنيفية هو الأرجح.

(1(قراءة جديدة في معلقة لبيد, د: نذير العظمة , مجلة التراث العربي, العدد 102.

(2(الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني, ت: علي مهنا وسمير جابر, دار الفكر للطباعة(لبنان(الجزء 15 /ص351

الإيقاع الخارجي للمعلقة.

- وصف البحر.

- القافية

" كانت صياغة الشعر العربي منذ القديم في كلام ذي توقيع موسيقي ووحدة في النظم تشد من أزر المعنى, وتجعله ينفذ إلى قلوب سامعيه ومنشديه "

محمد غنيمي هلال, النقد الأدبي الحديث.

*…*…*…*

وصف البحر:

المعلقة من البحر الكامل, ووزن الكامل:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

سُمي كاملًا لتكامل حركاته, وهي ثلاثون حركة. ويتكون من تفعيلة واحدة (متفاعلن(ست مرات في كل بيت. وهذه التفعيلة تتكون من سبب ثقيل (//(و سبب خفيف (/5(و وتد مجموع (//5(و لهذا البحر ثلاثة أعاريض وتسعة أضرب. وهو أكثر بحور الشعر أضربًا. وقد جاء في المعلقة على ثلاثة صور:

1/ العروض والضرب تامان:

حتّى إذا يئست وأسحق خالقٌ لم يُبله إرضاعُها وفطامُها

2/ العروض مُضمرة (تسكين الحرف الثاني المتحرك(. متفاعلن, تصير متفاعلن. وتتحول إلى مستفعلن. (/5/5//5(. والضرب تام.

والعينُ ساكنةٌ على أطلائها عُوذاً تأجّلُ بالفضاء بهامُها

4/ العروض مضمرة والضرب مثلها.

رجعا بأمرهما إلى ذي مرّة حصد ونُجحُ صريمة إبرامها

و قد حاول النقّاد العرب الربط بين البحر والغرض, ومنهم سليمان البستاني في مقدمة الإلياذة حيث يرى أن البحر الكامل – أتم البحور السبعة لأن فيه ثلاثون حركة ليست بحر غيره- " يصلح لأكثر الموضوعات وهو في الخبر أجود منه في الإنشاء وأقرب إلى الرقة " (1)

" والحق أن القدماء من العرب لم يتخذوا لكل موضوع من الموضوعات وزنًا خاصًا أو بحرًا خاصًا من بحور الشعر القديمة. فكانوا يمدحون ويفاخرون ويتغزلون في كل بحور الشعر. وتكاد تتفق المعلقات في موضوعها وقد نُظمت من الطويل والبسيط والسريع والخفيف… وليس في كلام البستاني تحديد تام فاصل لاستعمالات البحور, كما أن استنتاجه لا يقوم على إحصاء. " (2)

فالرأي الأسلم في مدى ملاءمة البحور للأغراض, أنه لا يمكن الجزم بأن لكل غرض بحرٌ يلاؤمه, ولكن البحور قد ترتبط بمدى إنفعال الشاعر. ففي حالات الحزن والشكوى يقع الشاعر على البحر ذي التفعيلات الكثيرة, لاتساع مقاطعه للأنين والشكوى كالكامل والطويل البسيط, وفي حال الإنفعال والطرب لداع مفاجئ فالبحور المجزوءة والخفيف والمتقارب والرمل هي الأكثر ملاءمة. وهذا ما يقرره الدكتور إبراهيم أنيس. فاستعراض القصائد القديمة وموضوعاتها لا يكاد يشعرنا بالربط بين موضوع الشعر ووزنه, ولكن الشاعر في حال اليأس والسرد ووصف الأحوال, يتخير عادةً وزنًا طويلًا كثير المقاطع. يصب فيه ما ينفس عن أحزانه وجزعه ويأسه. وهذا ينطبق على شعر المعلقات. (امرئ القيس, زهير بن أبي سلمى, طرفة بن العبد/ الطويل(. (لبيد بن ربيعة, عنترة بن شداد / الكامل(أما إذا قيل الشعر في حال الجزع والهلع. فيتأثر قالبه الموسيقي بهذا الإنفعال ويختار بحرًا قصيرًا تتناسب تفعيلاته مع تسارع وتصاعد الإنفعال.

(1(مدخل إلى تحليل النص الأدبي, د: عبد القادر أبو شريفة, حسين لافي قزق, دار الفكر للنشر والتوزيع, ص77

(1(النقد الأدبي الحديث / د: محمد غنيمي هلال, ص 441

القافية:

مفهوم القافية وحدودها /

" قفاه قفواً وقُفُوّاً واقتفاه وتقفّاه: تبعه.

القافية من الشعر: الذي يقفو البيت، وسميت قافية لأنها تقفو البيت، وفي الصحاح: لأن بعضها يتبع أثر بعض. وقال الأخفش: القافية آخر كلمة في البيت، وإنما قيل لها قافية لأنها تقفو الكلام، قال: وفي قولهم قافية دليل على أنها ليست بحرف لأن القافية مؤنثة والحرف مذكر… وقال الخليل: القافية من آخر حرف في البيت إلى أوّل ساكن يليه مع الحركة التي قبل الساكن. ويقال مع المتحرك الذي قبل الساكن, كأن القافية على قوله من قول لبيد: عفت الدّيارُ محلُّها فمُقامُها من فتحة القاف إلى آخر البيت، وعلى الحكاية الثانية من القاف نفسها إلى آخر البيت؛ وقال قطرب: القافية الحرف الذي تبنى القصيدة عليه، وهو المسمى رويّاً؛ وقال ابن كيسان: القافية كل شيء لزمت إعادته في آخر البيت." (1)

وأول من نقل هذا اللفظ من الميدان اللغوي إلى الميدان الاصطلاحي هو الخليل بن احمد الفراهيدي الذي يعدّ – رحمه الله – أول من تعرض لتحديد قالب القافية التي تؤدي دورًا كبيرًا في تحديد الجانب الموسيقي. وقد اختلف العلماء في حد القافية. ومن آرائهم:

- رأي الخليل: أن القافية هي ذلك الجزء الأخير من البيت المحصور بين آخر ساكنين,و متحرك قبلهما. يعني: " الحروف التي تبدأ بمتحرك قبل أول ساكنين في آخر البيت الشعري" (2)

- رأي الأخفش " أن القافية آخر كلمة في البيت "

- رأي الشنتريني: القافية كل ما يلزم الشاعر إعادته في سائر الأبيات من حرف وحركة" وهذا الرأي يتوافق مع رأي قطرب النحوي.

القافية في معلقة لبيد:

وفقًا لمفهوم الخليل

ميم مسبوقة بفتحة طويلة ألف مد + هاء وصل محركة بالفتحة الطويلة: فرج(امها(، سل(امها(، حر (امها(وباقي أبيات المعلقة.

وفقًا لمفهوم قطرب والشنتريني...

كلمة: ذامها، عامها.

جزء من كلمة: فر(جامها(، س (لامها(ح (رامها(وباقي أبيات المعلقة.

أًصوات القافية:

صوت الروي:

وهو الصوت الذي تبنى علي القصيدة وتنسب إليه، فيقال قصيدة رائية أو دالية، ويلزم في آخر كل بيت منها. فلا يكون الشعر مقفى إلا بأن يشتمل على ذلك الصوت المكرر في أواخر الأبيات,و (الميم(، هو الروي في هذه المعلقة, (فرجامها، لئامها(. وليس (الهاء(لأن (الهاء(لا تكون رويًا إلا بتوافر أحد شرطين:

1/ أن تكون أصلًا من أصول الكلمة وجزءًا من بنيتها, وإن كان مجيء هذا النوع من القصائد قليل الشيوع في الشعر العربي, وذلك ورود الهاء في أواخر كلمات اللغة العربية قليل غير شائع.

2/ أن يسبقها حرف مد.

أما تلك (الهاء(التي ليست أصلًا من أصول الكلمة, وليست مسبوقة بحرف مد, فلا يصح اعتبارها وحدها رويًا, وإنما الواجب أن يشركها الحرف الذي قبلها. (3)

فصوت الروي هو (الميم (و صوت الميم " يحبس الهواء حبسًا تامًا في الفم بأن تنطبق الشفتان انطباقًا تامًا.. فهو صوت صامت مجهور شفوي أغن. (4) والصوامت هي الحروف التي تتكون بحبس الهواء حبسًا تامًا في موضع من الفم.

و الميم من الحروف التي تجيء رويًا بكثرة.

صوت الوصل:

و الوصل هو الصوت الذي يجيء بعد الروي, ويكون الوصل بأربعة أصوات هي (الألف والواو والياء والهاء(

ويمكن أن يكون الوصل جزءا من كلمة، ويتجلى هذا الوصل من خلال صوت ضمير الهاء الذي جاء في أبيات معلقة لبيد كلها. ومن صفات صوت (الهاء(الهمس, والرخاوة.. فهو من الحروف التي يجري بها النفس عند النطق, لضعف الاعتماد على المخرج (مهموس(. أما الرخاوة فهي جريان الصوت عند النطق بالحرف. وصوت (الهاء(أعطى للأبيات غنائية عذبة لإنطلاق اللسان به في ختام كل بيت.

صوت الردف:

وهو صوت الألف، والياء، والواو، التي قبل الروي. وقد التأم صوت الردف في معلقة لبيد بن ربيعة

عفت الدّيارُ محلُّها فمُقامُها بمنىً تأبّد غولُها فرجامُها

فمدافعُ الرّيّان عُرّي رسمُها خلقاً كما ضمن الوُحيّ سلامُها

والألف هنا هو صوت الردف، وجاءت قبل صوت الروي، وما قبلها مفتوحاً (رجامها (، وهو لازم الفتح من أول بيت في المعلقة إلى آخرها. فهي تقنية إيقاعية ندر مثليها، إذ تنتظم قوافي الأبيات في نظام موسيقي هو الأدق صوتًاً ونغمًاً.

صوت الخروج:

الخروج لا يكون إلا (ياء أو واوًا أو ألفًا(بعد صوت هاء الصلة المتحركة، فهو متولد أساسا من هاء الصلة, فإن كانت حركتها ضمة، كان الخروج واوا، وإن كانت حركتها فتحة، كان الخروج ألفا وإن كانت كسرة كان الخروج ياء . وترتبط القافية في معلقة لبيد بصوت الخروج.

فمدافعُ الرّيّان عُرّي رسمُها خلقاً كما ضمن الوُحيّ سلامُها

دمنٌ تجرّم بعد عهد أنيسها حججٌ خلون حلالُها وحرامُها

رُزقت مرابيع النُّجُوم وصابها ودقُ الرّواعد جودُها فرهامُها

ففي كل من (سلامها، حرامها، رهامها (كان صوت الخروج ألفًا، جاءت بعد هاء الصلة المتحركة (مها (وعلى هذه الصور تسير قوافي أبيات المعلقة.

(1(لسان العرب, ابن منظور , ج 15 ص 194, 195

(2(شرح كتاب (أهدى سبيل إلى علمي الخليل. العروض والقافية(, الأستاذ محمود مصطفى, شرح/ نعيم زرزور/ دار الكتب العلمية, ص164

(3(موسيقى الشعر, د: إبرهيم أنيس, دار القلم (بيروت(الطبعة الرابعة 1972م , ص283

(4(علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي، د. محمود السعران، دار النهضة العربية (بيروت(, ص 169

الأفعال في معلقة لبيد:

الفعل الماضي

يغلب على معلقة لبيد الفعل الماضي, حيث تكرر بأوزانه المختلفة مائة وثلاثة وعشرين مرة (123(

و قد جاء على الأوزان التالية:

فعل = 63 مرة

أفًعل = 23 مرة

تفعل= 15 مرة

فعّل = 7 مرات

تفاعل = 5 مرات

فاعل= 5 مرات

انفعل= مرتين

افتعل= مرتين

افعلّ = مرة

و قد غابت صيغة (استفعل(التي تدل غالبًا على الطلب, فزيادة (الألف والسين والتاء(في بناء الفعل الماضي, تزيد في دلالته معنى الطلب. ك (غفر(و (استغفر(. وربما يبرر غياب هذا الوزن من معلقة لبيد, هو أنفة الشاعر واعتزازه وكبريائه الذي ربأ به عن الطلب, فغاب هذا الوزن تمامًا من جميع أبيات المعلقة.

- (فعل(

هذا الوزن هو الوزن الأصلي للفعل الماضي, ومجيئه كوزن غالب في المعلقة هو أمر طبيعي كونه هو الوزن الأصلي, وقد اُستخدم هذا الوزن كثيرًا في المقطع الطللي, عند وصف حالة الديار:

(عفت, جلا , صابها , عريت… (و في مقام الفخر بنفسه كثر مجيء هذا الوزن متبوعًا بتاء الفاعل (فعلتُ(. (بتُّ, وزعت, بؤتُ , غدوتُ , حميتُ, علوتُ..(

وغداة ريح قد وزعتُ وقرّة قد أصبحت بيد الشّمال زمامُها

ولقد حميتُ الحيّ تحملُ شكّتي فُرطٌ وشاحي إذ غدوتُ لجامُها

فعلوتُ مُرتقباً على ذي هبوة حرج إلى أعلامهنّ قتامُها

- (أفعل(

و من معاني هذه الصيغة (الصيرورة(و هي صيرورة شيء ذا شيء. كما في (أطفلت(. أي صارت ذوات أطفال. ومن معانيها أيضًا الدخول في شيء. وقد جاءت بهذا المعنى في (أصبحت, أبكروا , أيمنت..(

- (تفعل(

و من معاني هذه الصيغة المطاوعة, وجاءت بهذا المعنى مرة واحدة فقط, في حكاية حمار الوحش وأتانه:

ورمى دوابرها السّفا وتهيّجت ريحُ المصايف سومُها وسهامُها

بمعنى (هاجها فاهتاجت(.

أما في باقي المعلقة فقد جاءت صيغة (تفعّل(بمعنى التدريج, وقد اُستُخدم هذا الوزن كثيرًا في سياق الحديث عن الزمن وما فعله الزمن: (تأبّد, تجرّم, تأجّل..(

عفت الدّيارُ محلُّها فمُقامُها بمنىً تأبّد غولُها فرجامُها

دمنٌ تجرّم بعد عهد أنيسها حججٌ خلون حلالُها وحرامُها

والعينُ ساكنةٌ على أطلائها عُوذاً تأجّلُ بالفضاء بهامُها

بل ما تذكّرُ من نوار وقد نأت وتقطّعت أسبابُها ورمامُها

و إفادة هذه الصيغة لمعنى التدرج في سياقات الحديث عن الزمن أضافت للزمن بُعدًا أعمق, فلنا أن نتخيل تدرج الديار في توحشها (تأبّد(, وتدرج السنين في تكملها ومرورها على الديار (تجرّم(, وتدرج نشوء الحياة الجديدة (تأجلّ في الفضاء بهامها(. وألم الفراق ومرارة تدرج القطيعة وتصرُّم الوصال بينه وبين محبوبته بفعل تدرج مرور الزمن وطوله(تقطعّت أسبابها ورمامها(.

كما وردت هذه الصيغة في وصف التحمل والارتحال:

شاقتك ظُعنُ الحيّ حين تحمّلُوا فتكنّسُوا قُطُناً تصرُّ خيامُها

و كأن مشهد الرحيل الحزين ماثلٌ أمام العين ببطء ساعاته وتدرج تحمّل القوم ودخولهم في الهوادج, فأضافت الصيغة (تفعّل(على المشهد إيحاء نفسي بثقل هذه الذكرى ومرارتها, وكأنها ترتسم مرةً أخرى بطيئة متدرجة ثقيلة الساعات.

و في وصف الناقة أيضًا يقول لبيد:

فإذا تغالى لحمُها وتحسّرت وتقطّعت بعد الكلال خدامُها

و قد وهبت هذه الصيغة حركة لصورة الناقة في سيرها المرهق. وكأن السيور التي تشد بها الرحال إلى الناقة (خدامها(. تتقطع أمامنا, بتدرج مسير الناقة (تحسرّت , تقطعت(.

و في وصف دخول الحمار وأتانه إلى النهر. (فتوسّطا عُرض السري(. تعطي صيغة (تفعّل(حركةً متدرجة للصورة.

- (فعل(

و تأتي هذه الصيغة بمعنى التكثير في الفعل, كما في قول لبيد:

فتوسّطا عُرض السّريّ وصدّعا مسجُورةً مُتجاوراً قُلاّمُها

و الصّدع بمعنى الشق, وصدع بمعنى شق, وصيغة فعّل (صدّع(تعطي للفعل تكثيرًا يتلاءم مع حال العطش الذي عانى منه الحمار وأتانه, ويتلاءم هذا التكثير أيضًا مع (مسجورة(فقد شقّا عينًا مملوءة بالماء. تتناسب في امتلاءها مع التكثر في فعل الصدع.

- (تفاعل(

و من أبرز معاني هذه الصيغة: التشريك بين اثنين فأكثر. فيكون كلًا منهما فاعلًا في اللفظ. مفعولًا في المعنى. وقد جاءت بهذا المعنى في نهاية قصة الحمار وأتانه:

فتنازعا سبطاً يطيرُ ظلالُهُ كدُخان مُشعلة يُشبُّ ضرامُها

و إلى جانب التشريك قد تفيد هذه الصيغة في نفس السياق معنى حصول الفعل تدرجًا, فالغبار كان يتصاعد خلفهما بفعل عدوهما السريع في تدرج حتى صار الغبار كدخان النار الموقدة بحطب نابت.

و في قول لبيد:

وهُمُ ربيعٌ للمُجاور فيهمُ والمُرملات إذا تطاول عامُها

فتطاول السنين يكون تدرجًا, والعام الذي يحكي عنه لبيد في البيت هو عام جدب وبؤس, ولأن أعوام البؤس طويلة وزمن الشدة يطول لثقل مروره. كان اختيار صيغة (تطاول(موفقًا أكثر من لو كان التعبير عن المعنى بصيغة (طال(. لأن الثانية تسلب المعنى صورة التدرج وما أوحى به من ثقل وألم.

- (فاعل(

و جاءت هذه الصيغة ثلاث مرات في المعلقة, مرتين في سياق التغني بالخمر واللهو, وأفادت في هذه السياقات معنى المضاعفة من الفعل, فصيغة (فاعل(تأتي للتكثير. ك(ضاعفت الشيء.(و يتناسب هذا التكثير في سياق اللهو والخمر والإسراف في الركض خلف متع النفس:

قد بتُّ سامرها وغاية تاجر وافيتُ إذ رُفعت وعزّ مُدامُها

بادرتُ حاجتها الدّجاج بسُحرة لأعُلّ منها حين هبّ نيامُها

و جاءت أيضًا في وصف الركب الراحل:

حُفزت وزايلها السّرابُ كأنّها أجزاعُ بيشة أثلُها ورضامُها

و صيغة (فاعل(هُنا بمعنى المغالبة, مثل (ناصر(. وقد أفاد معنى المغالبة تنازعًا في الفعل حتى غلب السراب ولم يبق من صورة الركب الراحل إلا هيئة بعيدة بلا تفاصيل دقيقة, ولا معالم واضحة.

- (انفعل(

و تأتي لمعنى واحد وهو المطاوعة, بمعنى قبول تأثير الغير:

أسهلتُ وانتصبت كجذع مُنيفة جرداء يحصرُ دُونها جُرّامُها

و انتصبت, على وزن (انفعلت(. بمعنى قبلت تأثير غيرها يتلاءم وسياق وصف تحكمه بفرسه.

- (افتعل(

و لم ترد هذه الصيغة في المعلقة إلا مرتين, في سياق يقتضيها, فمن معانيها (المبالغة في معنى الفعل(.

فلحقن واعتكرت لها مدريّةٌ كالسّمهريّة حدُّها وتمامُها

و لو أنه قال: عكرت لها مدريةً. لبهت المعنى وغاب عنه عنصر المفاجأة المنبثقة من المبالغة في فعل البقرة الوحشية حين أيقنت بموتها وضرورة الذود عن نفسها, ففاجأت الكلاب بأن انعطفت عليها بقرنها. و(اعتكرت(يتناسب وسياق الركض والهرب ثم الانعطاف المفاجيء المبالغ فيه من أجل القتال.

- (افعلّ (

و تأتي غالبًا لمعنى واحد, هو قوة اللون أو العيب. وقد أتت بهذا المعنى في المعلقة, يقول لبيد في وصف فرسه, وكيف أرهقها بسرعة السير حتى تبلل نحرها عرقًا:

قلقت رحالتُها وأسبل نحرُها وابتلّ من زبد الحميم حزامُها

الفعل المضارع

ورد الفعل المضارع في المعلقة ستة وخمسين مرة (56(.

و قد توزعت الأفعال المضارعة بحسب مضامين المعلقة كالتالي:

- المقطع الطللي = 5

- المقطع الغزلي = 1

- وصف الناقة في الأبيات الثلالثة السابقة للقصص = 0

- قصة الحمار الوحشي وأتانه = 5

- قصة البقرة الوحشية مع كلاب الصيد = 15

- الفخر بنفسه وبقومه = 30

و للفعل المضارع دلالة التجدد والحدوث والاستمرار, ومن هنا جاء استخدامه في مقطع الطلل خمس مرات فقط:

- عندما جلا السيولُ التراب عن الطلل وكأنها أقلام تعيد كتابته من جديد (تجّدُ متونها أقلامها(, ولم يقل (جددت متونها أقلامها(لما تعطيه المضارعة من دلالة الحدوث والاستمرار على عكس الماضي.

- عند حديث الشاعر مع الطلل ورغبته في سؤالها (أسألها(. وقد دلّ هذا الفعل على الاستقبال. إلا أن الشاعر أعرض عن هذا الفعل. لأن هذه الآثار ليست إلا (صمًّا خوالد ما يبين كلامها(

- في وصف التحمل والارتحال في البيت الثاني عشر, توالت ثلاث أفعال ماضية في مقابل فعل مضارع واحد:

شاقتك ظُعنُ الحيّ حين تحمّلُوا فتكنّسُوا قُطُناً تصرُّ خيامُها

و أفعال تحمل النسوة ودخولهن في الهوادج وصرير الهوادج على الرواحل جميعها أفعال ماضية, إلا أنه عبّر عنها بوزن الماضي الذي يدل على التدرج. وختمها بالمضارع (تصرُّ(و لم يقل (صرّت خيامها(و قد وهب المضارع للبيت صورة سمعية متجددة ومستمرة وكأن المشهد ما زال كاملًا بتفاصيله في مخيلة الشاعر حتى أنه يسمع صرير الخيام إلى لحظته تلك.

- في ذات السياق (التحمل والارتحال ووصف الهوادج(ورد الفعل المضارع الخامس:

من كُلّ محفُوف يُظلُّ عصيّهُ زوجٌ عليه كلّةٌ وقرامُها

و هو يتحدث عن هيئة الهوادج, وقد ناسب اسم المفعول (محفوف(وصف الهيئة لأنها ثابتة. ثم جاء بفعل مضارع (يظل(و لم يقل (أظلت عصية(. وقد أعطى المضارع أيضًا صورة حركية مستمرة للهودج في سيره والكلل والقرام يظلّ عصيه.

في المقطع الغزلي جاءت جميع الأفعال ماضية, عشرة أفعال ماضية تتوالى في ستة أبيات في مقابل فعل مضارع واحد. وكأن ما كان بينه وبين نوار ماض لن يعود, ولم يبق منه أي فعل يتجدد سوى فعلُ التذكر, وهو الفعل الوحيد الذي جاء مضارعًا في هذا المقطع.

في سياق وصف الناقة في أول ثلاث أبيات ذكر فيها ناقته (بطليح أسفار…(قبل أن يشبه ناقته بالقصتين التالية لهذه الأبيات, لم يرد أي فعل مضارع واكتفى بالأفعال الماضية التي تدل على التدرج (تغالى, تحسرت, تقطعت…(لأنه في سياق الحكاية عن ماضيه في التسلي بالسفر والهجران.

و حين يذكر قصة حمار الوحش وأتانه تبقى الأفعال الماضية هي الغالبة ويردُ المضارع خمس مرات فقط:

يعلُو بها حدب الإكام مُسحّجٌ قد رابهُ عصيانُها ووحامُها

بأحزّة الثّلبُوت يربأُ فوقها قفر المراقب خوفُها آرامُها

و يتناسب المضارع هُنا مع سياق الحكاية لأنه ينقلها وكأنها ماثلة أمام العين, وخوف الحمار الوحشي يستمر ويتصاعد (يعلو بها (يربأ فوقها(. في حين لو عبر عن هذين الفعلين بالماضي (علا بها(ربأ فوقها(. لبهت المعنى وفقد بريق التجدد والاستمرار والحدوث وكأنه يتراءى مباشرةً أمامنا.

و كذلك في وصف النار المضطرمة التي يتصاعد دخانها وكأنه صورة الغبار الذي يثيره عدو الحمار وأتانه, هذا العدو السريع الذي يشبه سرعة الناقة, يتوالى مضارعان أحدهما يصف الغبار والآخر يصف النار:

فتنازعا سبطاً يطيرُ ظلالُهُ كدُخان مُشعلة يُشبُّ ضرامُها

و فعلا (يطير , يشبُّ(يتلاءمان ومعنى سرعة العدو, وشدة الاشتعال وكأن الغبار النار ماثلان أمام العين. ولو قال (طار ظلاله , شبّ ضرامها(لصار المعنى خامدًا.

و أخيرًا في وصف العين المسجورة التي شقاها في وسط الغدير:

محفُوفةً وسط اليراع يُظلُّها منهُ مُصرّعُ غابة وقيامُها

و هُنا تنتهي القصة , بهذا المشهد السعيد, فناسب المضارع نهايتها لأنه يعطي دلالة استمرارها.

و تبدأ نبرة الشاعر تتصاعد في حكاية البقرة الوحشية والكلاب, وكأنه ينتقل لمشاهد تتراءى أمام العين وليست من حديث الماضي. فيحتشد في القصة خمسة عشر فعلًا مضارعًا تؤدي دورها في تلوين الصراع بلون الحدوث والتجدد, وتُزيل الجمود وكأن القصة مشهودة للسامع:

و قد جاء المضارع في الثلاث الأبيات الأولى منفيًا بلم ولا:

(لم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها(لا يمن طعامها(إن المنايا لا تطيش سهامها(

و لم يقل: ما رامها. لأن الفعل متجدد مستمر ولن يجدي طوف البقرة ونداءها لولدها الذي لم يبق منه إلا أشلاءه, وهذا ينسجم مع وصف الكلاب وأنه لا يمن طعامها. ولم يقل: ما منّ طعامها. لأن عدوان هذه الكلاب متجدد الحدوث ومستمر ولن تكتفي بقتل وليد البقرة فقط.

و في وصف المنايا (إن المنايا لا تطيش سهامها(لا يناسب هذا المعنى بلاغيًا إلا الفعل المضارع, لأن المنايا لا تطيش سهامها من زمن لبيد ومن الزمن الذي قبله إلى الزمن الذي بعده. فهذا فعل يستمر ويتجدد ولن يتوقف ويصبح من الماضي. لأنه ليس مقصورًا على إصابة المنايا لوليد البقرة فقط. ولو قال: (ما طاشت سهامها(لكان المعنى ضيق الأفق, باهت. لا يحدث أثرًا.

و تتوالى الأفعال المضارعة التي تتناسب والتصوير الحي في وصف المطر المنهمر على البقرة الوحيدة المكلومة (يروي الخمائل , يعلو طريقة متنها , تجتاف أصلًا قالصًا , يميل هيامها , وتضيء في وجه الظلام, تزلُّ عن الثرى أزلامها(و تعاقب هذه الأفعال يبثُّ الحياة في الصورة, وكأن المطر ينهمر ويروي الخمائل أمام العين, والبقرة فيه ضائعة تبحث عن مأوى وتجتاف أصل شجرة, والرمل يميل عليها, ووحدها في الليلة المظلمة تضيء وجه الظلام, وحين تصبح في اليوم التالي وترغب في مواصلة السير تزل أزلامها عن الثرى المبلول.

و هكذا فالفعل المضارع في قصة البقرة الوحشية وصراعها مع فجيعتها ومع المطر ومع كلاب الصيد. يعطي للصراع معنى الاستمرارية والتجدد, على عكس قصة الحمار وأتانه التي غلب فيها الماضي وقل فيها المضارع لأنها قصة تنتهي بالنهاية الكاملة أو النهاية السعيدة فلا يعود لتجددها معنى كمعنى تجدد الصراع, واستمراريته.

و في مقطع الفخر تتصاعد نبرة الشاعر ويعلو صوت الزمن الحاضر ليغلب الماضي, وتتعاقب الأفعال المضارعة الدالة على الحدوث والتجدد والاستمرار منسجمةً مع المفاخر التي تتجدد وتستمر ولا يصح التعبير عنها وكأنها شيء من الماضي. فقد سادت الأفعال المضارعة في هذا المقطع كما لم تسد في بقية المقاطع.

أما الفعل الأمر فلم يرد طوال المعلقة إلا ثلاثة مرات (اقطع لبانة من تصرّم وصله , واحبُ المجامل بالجزيل, اقنع بما قسم المليك(و قد أتى بمعنى الحث على الفعل, ولم يأت بمعنى طلب الفعل على جهة الاستعلاء.

هاجس الصمود والبقاء في معلقة لبيد

تبدو معلقة لبيد بن ربيعة كأفق رحب لتصوير الحياة ككل, الحياة بما فيها من فقد وألم وحب وغيرة وصراع ومغالبة, ولكنها تدور عمومًا حول الصراع والبقاء, أو الصراع من أجل البقاء. الصراع ضد الدهر الذي يشهر في وجه الإنسان مخالب السنين والفقد والموت وعوارض الطبيعة. والإنسان الذي لا يستسلم. ويصرّ على التشبث بالحياة, سواءً استجابت له, أم لم تستجب. ومن بداية القصيدة ينطق حديث الأطلال بهاجس البقاء ضد عوادي الدهر والفناء. وتتمثل صورة الأطلال في مخيلة لبيد في صور ثلاث, يجمع بينها (البقاء والخلود(:

فمدافعُ الرّيّان عُرّي رسمُها خلقاً كما ضمن الوُحيّ سلامُها

هذه هي الصورة الأولى, صورة الكتابة المضمنّة وسط حجر, وتتجلى دلالات البقاء في معنى الفعل (ضمن(. فهذه الكتابة ليست أي كتابة, إنها كتابة عصية على تقلب الزمن. " إنه الماضي الذي لا يفنى بل يتحول إلى رموز خالدة, ورُقية ضد الموت, إن الحياة السالفة لم تتبدد ولكنها استقرت في الذاكرة أو في هذه الحجارة التي لا ينالها الفناء. " (1)

وجلا السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنّها زُبُرٌ تُجدُّ مُتُونها أقلامُها

"لقد آمن الشعراء أن الإنسان لا محالة فان كما يفنى الطلل, والذي يبقى الكلمة, الفن بصورة عامة, لذلك كانوا يطلبون الخلود للطلل عن طريق الفن, وذلك بتشبيه الطلل بالكتابة" (2)

و حين يعتدي الدهر على الماضي, ويوشك على اغتياله. وتنقضي السنين الطويلة, وتهطل الأمطار الخفيفة والأمطار الغزيرة, وتتلاشى الحياة الماضية وتوشك بقاياها على الموت مختنقةً بيد الزمن وعوارضه, يظهر الصراع والبقاء مرة أخرى, حين تُجلي السيول التراب عن رسوم الديار, ويلتقي الحاضر بالماضي ويجدده, وكأن الطلل كتابةً يُعاد تجديدها مرة أخرى, فلا تنمحي, أو كأنه وشمٌ يُنقش من جديد:

وجلا السُّيُولُ عن الطُّلُول كأنّها زُبُرٌ تُجدُّ مُتُونها أقلامُها

أو رجعُ واشمة أُسفّ نؤُورُها كففاً تعرّض فوقهُنّ وشامُها

و في مسائلته للديار, لا يقف لبيد إلا بيتًا واحدًا (فوقفت أسألها(. ليتراجع (و كيف سؤالنا صمًا خوالد ما يبين كلامها!(و تجتمع دلالات الصور الثلاث الماضية في لفظ واحد (خوالد(. والخلود مُرادف البقاء, والبقاء هاجس لبيد في معلقته, يحرّك هذا الهاجس ويثيره صور الموت والفناء في البشر والكائنات وحتى في الجماد, فالوقفة الطللية صراعٌ بين الماضي المتمثل في صورة الديار التي لم يتبق منها إلا أثر. والحاضر المتمثل في وقفة الشاعر وحيدًا أمام ماضيه. هذا الحاضر ليس إلا جثة الماضي, والمستقبل بدوره جثة الحاضر. وهذه الوقفة هي وقفة البكاء على العمر والوجود الفاني" فقحط الطبيعة في شبه الجزيرة العربية وشحها هي التي جعلت منها موطناً تتوافر فيه عوامل الاندثار الحضاري أكثر من إقامته وبنائه، وبذلك فالوقوف على الأطلال تعبير راق من الشاعر الجاهلي عن هذا الحس الحضاري الذي ارتبط في جوهره عند الإنسان الجاهلي بالإحساس بالاندثار والخراب والفناء، وبذلك أصبحت الطللية تعبيراً عن موقف وجودي وحضاري في آن واحد." (3)

و في المقدمة الطللية أيضًا يشي ذكر الماء بصورة البقاء, فالماء الذي كان أحد عوادي الدهر, هو نفسه الذي تسبب في ظهور الأطلال. وذكر "مدافع الريان, ودق الرواعد, الجود, الرهام, الغادية المدجنة, السيول,النؤي(" سيرة لعل الذي حمله عليها ما تتطلبه الحياة من الماء الذي هو أصل الحياة" (4)

كما أن مساءلة لبيد للديار, هذه المساءلة التي لا تتم, وتبقى كرغبة يتم التراجع عنها, ليتذكر (نوار(في أبيات قصيرة ثم يشيح عنها أيضًا. صورة أخرى من صور الصراع والمغالبة. فلبيد لا يقف مستسلمًا باكيًا ولا يستوقف أحدًا عند هذه الديار. ولا يجزل القول في الغزل ولا يذكر عن (نوار(أي أوصاف حسية, فهو لا يتغزل لا بجيد ولا بقد ولا بأي شيء, إنما يذكرها (بل ما تذكر من نوار(ليذكر بعدها أسباب يأسه منها ومن وصلها. ثم يغالب نفسه ويذكر ناقته التي يعالج برحيله عليها لواعج الذكرى والحنين. وهذه دلالة أخرى من دلالات البقاء والصمود. و" تبدو الناقة في هذه الرحلة رمزاً للإرادة الإنسانية التي تقتحم الأهوال من أجل تحقيق الآمال. ويحشد الشاعر للناقة كل صفات القوة والقدرة على التحمل وكأنه يتحدث عن ذاته." (5)

و لبيد يصوّر ناقته في حال سيرها, والتعب ينال منها فيتغالى لحمها وتتقطع السيور التي تُشّدُ بها الرحال فوق ظهرها. ومع هذا فإن الناقة تُغالب التعب وتصمد وتستمر في سرعتها. مشبهًا إياها بالسحابة التي يفرغ ماؤها ولا تتلاشى, إنما تزداد سرعةً ويخف سيرها.

و " إذا كان الجاهلي قد تحدث عن الماضي في صورة الطلل، فإنه في حديثه عن الناقة – أي الحاضر – يؤكد استمرارية الحياة التي يحرص عليها؛ ومن ثم لا يريد أن يستمر في الوقوف، فالوقوف ثبات، والثبات موت، وإنما لجأ إلى الحركة لأنه لا يشعر بالحياة إلا من خلالها؛ ولهذا كانت الناقة هي التعبير الحقيقي عن فكرة الحركة والعمل واستمرارية الحياة التي كانت شغله الشاغل في هذه البيئة الصحراوية القاسية" (6)

و يمضي لبيد ليسرد قصتي الحمار وأتانه, وقصة البقرة الوحشية وكلاب الصيد. ليصور قصص الكفاح والصراع في سبيل البقاء. ففي قصة الحمار وأتانه يظهر الصراع والمغالبة في بداية القصة, الأتان الحامل والحمار الذي " رابه عصيانها فساقها أمامه, وفي ذلك جانب جمالي يتبدى من خلال الصراع والمحافظة على الشخصية الفردية الذاتية في الأشياء, هذان الاثنان بينهما خلافات, ولكن هذه الخلافات تزول حين تظهر ظاهرة تستدعي توحدهما, وهي في قصة الحيوانين متمثلة في الجدب الذي يهددهما بالهلاك, فيقفان معًا صفًا واحدًا لمواجهة هذا الخطر, وهنا تبدو للمتأمل ثنائية… تتمثل في: الدهر بوسائله المختلفة من جهة, والحيوانان مع بعضهما من جهة أخرى, كل طرف في مواجهة الآخر. وإذا عُدنا إلى الصورة مرة أخرى نجد أن بين الحمار وأتانه بعض العصيان من جانبها, وبعض الريبة من جانبه. وفي الطرف الثاني, وهو الدهر نجد كذلك بعض العناصر الطبيعية الحريصة على سلامة هذين الحيوانين, وهناك عوامل أخرى تعمل على قتلهما جوعًا وعطشًا… مهددة إياهما بالموت:

حتّى إذا سلخا جُمادى ستّةً جزءاً فطال صيامُهُ وصيامُها

و لكن الطبيعة حين تفرض عليهما هذا الصيام فإنها توفر لهما الحياة في جانب آخر, فهناك الماء والعشب, وما عليهما إلا إحكام الأمر والتوجه إلى هذا المكان لينعما بالمياه الوفيرة:

فتوسّطا عُرض السّريّ وصدّعا مسجُورةً مُتجاوراً قُلاّمُها

محفُوفةً وسط اليراع يُظلُّها منهُ مُصرّعُ غابة وقيامُها

و بذلك تُتاح لهما الحياة من جديد, ويعيشان معًا" (7)

ففي هذه القصة تتواجه عناصر الصراع, لينتصر الصمود والإرادة في النهاية (ونُجح صريمة إبرامها(. صراع بين الحمار وأتانه, وبينه وبين خوفه, وبينهما وبين الجدب والعطش.

و القصة الثانية, قصة البقرة الوحشية وكلاب الصيد. يضطرم فيها الصراع أعنف من القصة السابقة, و" مواطن الضيق والخوف بها أكثر, ومشاعر الغفلة الظالمة والندم المر والحزن التائه والحيرة القاتلة, والتشبث بالحياة والدفاع عنها… إنها صورة للعدوان الشرس على الحياة وللإيمان العميق بها معًا, صورة الأم التي غالها الحزن والندم وراحت تطلب ولدها الذي غفلت عنه وففرسته السباع, سبعة أيام كاملة لا تأبه بما أصابها من عدوان الطبيعة, وبينما هي تبحث عن أمومتها الضائعة يطاردها عدوان آخر يهدد حياتها وهي في هذه اللحظة… يسكت الحزن في نفسها, ويعلو عليه صوت الحياة فتلوذ بالفرار ولكن العدوان يلاحقها لا تجد مفرًا من القتال فتكر على الكلاب مسددة لها طعنات الموت حتى تُكتب لها الحياة. " (8) هذه النهاية. تجسيد لهاجس البقاء, والصراع من أجل الحفاظ على الحياة:

لتذُودهُنّ وأيقنت إن لم تذُد أن قد أحمّ من الحُتُوف حمامُها

" إنه عدوان الدهر على الحياة الآمنة, يراه لبيد في عيون الناس وعلى وجوههم فيدعوهم إلى منازلته ويبشرهم بالظفر" هذا العدوان المتمثل في الفقد, هو الذي يدفع لبيد إلى العودة للحديث عن نوار, مساءلًا إياها إن كانت تدري عن صموده وتسليه:

أو لم تكُن تدري نوارُ بأنّني وصّالُ عقد حبائل جذّامُها

و هو يستخدم في هذه الأوصاف, صيغة (فعّال(مبالغًا في تصوير صموده وتسليه, وأن من هو مثله ومن ينعم فيما ينعم فيه لا يمكن أن يتضرع لها لتجود بالوصال. ثم يفخر بذاته معددًا لذاته في البداية, وهذه الملذات تعبر في حقيقتها عن رفضه للذل والاستكانة إلى الذكرى الماضية فهي نوع من أنواع الصمود والمقاومة, فالشاعر يظهر في الأبيات التالية لذكرى نوار مقبلًا " على الحياة, بسرعة وبقوة وحرص, والسبب أنه أخذ العبرة من الماضي فقرر أن يعيش الحاضر عيشة تامة مقبلًا على كل لحظة فيه " (9)

فالتمسك بالمتع الحسية , وبالقيم المثالية الروحية وسيلة من وسائل الصراع لمغالبة دواعي الفناء, "و لعل المقصود بالمثالية الكرم والشجاعة والإغاثة, وغيرها من الصفات الخلقية, أما الحسية فتتمثل في شرب الخمر, والتمتع بالنساء فهذه المتع المادية هي ممارسة للحياة ومعايشة لها, يقول عفت الشرقاوي: " فلعل في تحقيق اللذة انتصارًا على الموت, ذلك أنه إذا كان الموت – كما تصوره الجاهلي- هو نهاية الوجود الإنساني والتوقف عن ممارسة الحياة بكل متعها, فإن الموقف الوجودي للشاعر الجاهلي إنما يبرز عنيفًا في تحديه للموت والفناء بالغوص في لذائذها لا حُبًا في اللذة – بوصفها لذة – ولكن حبًّا في الحياة, وتعلقًا بها وكراهية في الفناء الذي تتوقف به ممارسة اللذات" (10)

و لذلك فإن لبيد يُفرد لنفسه أبياتًا خاصة للتغني بالقيم الروحية التي يتحلى بها, من كرم وجود ونجدة وشجاعة, ويُتبع نفسه بقومه في هذا المقام. والكرم الذي يتغنى به لبيد هو الكرم الروحي قبل الكرم المادي. الكرم المتمثل في النفس المعطاءة, الكرم الداخلي النابع من روح متعاطفة مع الآخرين. وللنقاد حول أسباب الكرم العربي آراء عدة, تتفق في مجملها على أن هذا الكرم هو صورة من صور الرغبة في الخلود. الخلود عن طريق الذكر الحسن والصيت الذائع, يقول الدكتور مصطفى ناصف: " هذه الصفة مقرونة دائمًا مع غيرها من الفضائل بالتحدي, تحدي بواعث الموت والهلاك" (11) ففي هذا الكرم تحقيق للذات وإثبات للنفس ولجدوى الوجود. " فصورة الكرم والنجدة في الشعر مقرونة - دائمًا – بتحدي بواعث الموت والهلاك, هذا واضح في الكرم وضوحه في النجدة والشجاعة ولذلك فالوصف الدقيق للبذل ليس هو الكرم والشجاعة, وإنما هو موقف خاص إزاء بواعث حفظ الذات, وتحدي الموت بشكل واضح… إن الكرم كان وسيلة من وسائل البقاء, ولم يكن كرمًا هكذا بدون هدف, فالعربي ينتظر من هذا الكرم أن يبقيه ويخلده" (12)

وهكذا تتظافر الموضوعات التي طرقها لبيد مع فكرة (البقاء(حتى يمكن القول أن هذا الهاجس, هاجس البقاء. هو باعث المعلقة. ومفتاح القصيدة.

(1(الرحلة في القصيدة الجاهلية, د: وهب رومية , ص394

(2(الأبعاد الفكرية والفنية في القصائد السبع معلقات, د: صالح مفقودة, ص84

(3(آليات الخطاب النقدي العربي الحديث في مقاربة الشعر الجاهلي, بحث في تجليات القراءات السياقية , د: محمد بلوحي, منشورات اتحاد الكتّاب العرب بسوريا, عام 2004, ص86

(4(السبع معلقات, مقاربة سيميائية. أنثروبولوجية لنصوصها, د: عبدالملك مرتاض, ص133

(5(آليات الخطاب النقدي العربي الحديث في مقاربة الشعر الجاهلي, بحث في تجليات القراءات السياقية , د: محمد بلوحي ص 168

(6(السابق, ص170

(7(الأبعاد الفكرية والفنية في القصائد السبع معلقات, د: صالح مفقودة, ص 122

(8(الرحلة في القصيدة الجاهلية, د: وهب رومية, ص397

(9(الأبعاد الفكرية والفنية في القصائد السبع معلقات, د: صالح مفقودة, ص87

(10(السابق ص87, 88

(11(الأبعاد الفكرية والفنية في القصائد السبع معلقات, د: صالح مفقودة, ص99

(12(السابق, ص 107

كلمات البحث الموفِدة:

  • شرح معلقت لبد بن ابي ربيعة (1)
  • معلقات لبيدن ربيعه (1)
177 Views

عن منى-2

إلى الأعلى