رواية اوراق المجهول


داود سلمان الشويلي

اوراق المجهول

رواية

))كثيرون هم الذين اتخذوا من الاوهام

والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم .))

دافنشي

(شفرة دافنشي)

ورقة خارجية:

الكتابة الم … مخاض ولادة… بحث عن ابرة في كومة قش تقع في الغرفة الخلفية لبيت ريفي …

هذا ما كنت اقرأه بداية ولوجي عالم الكتابة الادبية ولم اصدقه ، كنت اضحك من هذا القول، الا ان ممارسة الكتابة جعلتني اصدق ذلك .

وكنت اتساءل :هل صحيح ان أي كاتب اصدر مجموعات قصصية او روايات ، عندما يريد ان يكتب عملا جديدا – سمه ما شئت – يجلس اول ما يجلس امام الاوراق البيض – كمن يجلس بين فخذي عذراء اول مرة - والقلم بيده – في زمننا الحاضر يجلس امام لوحة مفاتيح الحاسوب وليس بيديه شيئ، وانما امامه شاشة 17 بوصة بيضاء اللون – ويترك تفكيره يسيح بين اناس يعرفهم او لا يعرفهم ، وفي اماكن مجهولة عنه ، وفي ازمان ليست زمنه ، ثم يبدأ بنبش الذاكرة عمن مر به من اناس واحداث ليتوافق ما في الذاكرة وما سيسطر على الورق ؟

ها انا انبش ذاكرتي ، لا لانني لا اعرف عمن اكتب ، لان جميع الناس الذين سأكتب عنهم ، وكل الاماكن التي سيرتادها هذا القلم وهو يترك اثاره على الورق، وكذلك الازمنه التي ستجمع اولئك الناس بهذا المكان اوذاك ، قد تم تدوينهم في ذاكرتي الورقية ، أي سجلي الخاص ،بعد ان خمرته الذاكرة في الأعماق،ولم يعد بمقدوري ايجاد منفذ للخروج من هذه الذاكرة العصية ، اذ بدأت كالسائل اللزج تنسكب على الورقة البيضاء، او من خلال اصابعي الضارية على لوحة مفاتيح الحاسوب لترتسم كلماتا سود على الورقة الافتراضية على الشاشة .

لقد حفرت اصابعي ، وهي تحرك القلم على الورقة البيضاء ، او هي تضرب مفاتيح الحروف، اثارا لن تمحيها السنين .

قلت : وها انا انبش ذاكرتي ، لا لانني اشعر بما خزنته كالنقوش المنحوتة،وانما لاختار ما اريد ان اختاره من الحوادث والاحداث التي جرت في وقتها وفي مكانها والتي وجدت لها قلما وورقة من هذا السجل لتتسطر عليه، ولانني اعرف – كما ازعم انني واحد من كتاب الرواية الذين يعتمد قوانين ما استخلصه اساطين الرواية ومن ثم نقادها – ان الواقع الطبيعي ليس هو الواقع على الورق ،أي ان الواقع الحقيقي ليس هو الواقع الافتراضي المسطر على الورق، و ان ما نريد ان نسطره مأخوذا من الواقع ، لا ولن يكون كالصورة الفوتغرافية التي تجمد كل شيء ، الناس والاشياء والزمان والمكان، بل هو تسطير لكل ذلك ، بشرط ان يبقى متحركا ناميا متطورا، ونشم منه عند القراءة رائحة اجسادنا عندما ينز منها العرق ، ورائحة الغبار والاشياء الاخرى ، ونتذوق عذوبة الماء العذب وملوحة الماء المالح ، وتتراءى لعيوننا الوان قوس قزح ، وتصدم اسماعنا صرخات من يصرخ،ونحيب من ينحب ، وضحكة من يضحك، وفوق كل ذلك علينا ان نجعل احاسيسنا ومشاعرنا تلتقط كل الاحاسيس والمشاعر التي سطرها القلم على الورق ، اقصد ظهور اثر ضربات اصابعنا على لوحة مفاتيح الحاسوب امامنا على الشاشة .

هكذا فهمت كتابة الرواية ، اما سجلي فهو سجل للتاريخ ليس الا ، وهذا ما تعلمته من دراستي الجامعية ، فهل اوفق في ايجاد المعادلة الكتابية بين سجلي وبين اوراقي الجديدة هذه ، ان كانت اوراقا حقيقية مصنوعة من عجينة القطن او البردي او…او… ، او اوراقا ضوئية افتراضية مرسومة على شاشة الحاسوب امامي ؟

اشعر بأني اعرف كل شيء عما حدث ، وهذه المعرفة تجعلني اعيش والسيف مسلط على رأسي ، كمن يطارده شبح غير مرئي في دروب مظلمة كالمتاهات .

لا اريد من هذه الورقة التي هي غريبة عن اوراق المجهول ان تكون (فرمانا او دستورا) للتنظير الروائي، ولا هي ميدانا لفلسفة بيزنطية لا تغني ولا تسمن، اوترديد لمقولات سبق ان قيلت او مقولات سوف تقال ، الا انني في هذه الورقة حذفت الكثير مما سجلته في السجل ، وجملت الباقي منه ، (لانني لا اكذب و انما اجمل)(*) دون ان اضيف شيئا من (عندياتي) ،فهل وفقت لذلك ؟ اللهم اشهد انني لا اكذب ، وانما كنت فيما كتبت مجملا.

واذا كانت الاعمال الادبية تطبع على الورق لتنشر بين الناس ليقرأوها ، فروايتي هذه – كما اظن – سيتم طبعها على الورق عند عودة ابن الشيخ الكبير من غربته ان شاء الله .

***

كنت صبيا ، لي اختان واخ اصغر مني ، وكانت جدتي لامي تزورنا مرة في السنة ، اذ كانت تسكن في مدينة اخرى ، وكنا في الليل وبعد تناول العشاء نتجمع حولها، كانت تحكي لنا بعض الحكايات ،خاصة وانها كانت تزورنا في فصل الشتاء البارد الممطر ، كنا نتحلق حولها ومنقلة (*)الفحم المتأجج حرارة بيننا، فيما كانت والدتي تجلس قرب والدي الذي راح يتسمع للاخبار من محطات الراديو الذي يعمل على البطارية ذات الحجم الكبير ، وهي ايضا تستمع لحكايات امها ، وتضحك حين نضحك وتشعر بالخوف حين نشعر به ، وكان اخي الذي يصغرني يزحف نحو حضن امي ليغفو بعد حين ، هكذا كنا عندما تزورنا جدتي .

في احدى زياراتها ، وكان الفصل شتاء ، والمطر ما يزل منذ الصباح ينزل علينا مدرارا ، فلم يترك الخيار لوالدي ان يخرج صباحا الى عمله ، ولا لامي لتخرج ضحى ذلك اليوم للتسوق ، كنا محجوزين داخل غرفتنا الوحيدة ، فيما حوش دارنا غير المبلط اصبح قطعة من الوحل ، وراح مرزيب سطح غرفتنا يسقط منه ماء سطح الغرفة كشلال كبير ، وكنا نعتقد ان هناك اشخاصا في السماء يدحرجون براميل مملوءة بالماء يسكب منها الماءعلى صفحة السماء المثقبة كمصفى التمن المسلوق بالماء فينزل علينا مطرا ، ونسمع الرعد عند حركة البراميل ونرى الوميض عند تصادمها ، في ذلك الجو الممطر سألت امي امها ان تقص علينا بعض حكاياتها ، فبدأت الجدة بعد البسملة والسلام على الائمة بسرد حكايتها ، فيما بدأنا نحن بالتلحق حولها، قالت :

(اكو ماكو ،… )(*)

الورقة الاولى:

ها هو المضيف الكبير المبني من القصب والبواري(*) ينتصب شامخا وهو يسد الافق امام ناظريّ كأنه طائر خرافي هبط دون استئذان ، وليس لي حيلة بطرده من المساحة التي يقف فيها ، فرأيتني ابحث عن بصيص ضوء لترى عينيّ الاشياء كما هي ، خاصة تلك التي تحدث داخله .

كانت الارض السبخة التي امام بابه الوطيء قد امتلأت بالناس ، وجوه ملأ تجاعيدها الحزن والالم بعد ان لوحتها الشمس الجنوبية بوهجها اللاهب، وقد حشوا اجسادهم بملابس بالوان واشكال مختلفة ،كان صمتهم كصمت القبورتحت شمس لاهبة كزجاج ذائب ، وكان همس من يريد ان يخبر القريب منه بشيء هو الوسيلة الوحيدة ذاك الوقت ، فترى الشفاه المتحركة بإضطراب دون ان تسمع لحركتها نأمة ، فيما راحت اصوات النساء تأتي من داخل الدار الكبيرة ذات الباب الخشبي الكبير المطلي باللون الصاجي، وقد اعتلى قرص الشمس الحامي عليها ،محملة بكل انين وصراخ نساء العالم .

كانت رؤوس الرجال المتجمهربن امام الباب الواطئ للمضيف الكبير بلا اية حماية من اتون الشمس سوى الحماية الالهية، ترفرف من فوقها الرايات المنصوبة في اماكن متفرقة بألوان عديدة ، وقد امتلأت قماشاتها بأيات قرآنية واقوال نبوية وكلمات تعلن عن عائدية كل راية الى العشيرة التي تمثلها.

كنت اتحين الفرص للدخول الى المضيف الكبير، وكنت احسد الداخلين والخارجين منه حاملين الصواني ذات اللون الفضي التي ورثها الشيخ الكبير من والده الشيخ الكبيرالعاشر والتي ورثها الاخير بدوره من سلالة الشيوخ الكبار لقبيلتنا ،وقد رصفت عليها أستكانات الشاي ذات الاطر الذهبية ، و كان والدي رئيس عشيرتنا وعمي وكيله من المترددين على المضيف الكبير وهم يستقبلون الزائرين مرحبين او مودعين، فيما كان صاحبي الشاب راضي دائم التلفت نحو باب الدار الكبيرة الصاجية اللون عله يرى فوزه وهي خارجة او داخلة منه تنقل شيئا ما .

كل ذلك قد حدث قبل سنوات بعيدة ، السنوات التي فيها كان نهر قبيلتنا يفيض كل عام ، عندما انتشر خبر احتضارالشيخ الكبير الحادي عشر من سلالة الشيوخ العظام لقبيلتنا .

كان الشيخ الكبير هو صاحب المضيف الكبير، و صاحب تلك الدار الكبيرة ، هذان الصرحان الكبيران ورثهما كما مشيخة القبيلة والصواني الفضية من والده الشيخ الكبير ، والذي بدوره ورثهما من والده الذي ورثهما من اسلافه الشيوخ الكبار الثمان الذين نحن ابناؤهم ، وهو كبير قبيلتنا بعشائرها وأفخاذها واسلافها الممتدة على ارض الله الواسعة .

اكتب هذه الكلمات لا لانني واحد من الذين يعرفون الكتابة والقراءة ،فقد انتشراستخدام القلم والورق بين ابناء القبيلة بفضل انتشار المدارس، وليس لانني قد اكملت دراستي الجامعية في قسم التاريخ ، لان جامعات بغداد والكثير من جامعات مدن العراق تخرج سنويا الالاف من ابناء العراق، ولكن الذي حدى بي الى ان اكتب هذه الاوراق هو الفراق الذي حدث بين والدي واخيه والد خيرية خطيبتي و حبيبتي التي ربطني بها منذ ولادتها بعهد الزواج ، وكبر حبي لها كما كبرت انا وكبرت هي، ولعبت معها كما لعبت هي معي فقط من دون بنات عشيرتنا ، ودون اطفال وصبيان وشباب القرية … كانت تعرف انني لها وحدها … وكنت اعرف انها لي وحدي…وكانت تطرد اية فتاة تقترب مني حتى لو كانت اختها التي تصغرها بسنوات… كانت لي كالقدر وكنت لها القدر بعينه .

لا اعرف من الذي ذكّر والدي بي تلك اللحظة ، هل هو الهام رباني كالالهام الذي جاء لام موسى ان ترمي طفلها في اليم، ام كانت رغبة منه في ان يرى ابنه البكر وجه الشيخ الكبير ساعة الاحتضار، والتبرك بتقبيل قدميه قبل الممات ؟

قلت مجيبا على تساؤلي مع نفسي وانا اشق طريقي بين جموع المحتشدين الذين كانوا تلك اللحظة يهزجون ويتصايحون بشتى الهوسات ، راكضين لاستقبال ابناء احدى عشائر قبيلتنا الساكنين في منطقة بعيدة:

- ربما .

اشتد دك الارض بالاقدام امام باب المضيف الكبير، كانوا كمن يتجرع صمت القبور بالهوسات ، انها (عرضة)(*) كبيرة وصاخبة، في تلك اللحظة شق صوت والدي الفضاء وهو ينادي بأسمي ويدعوني للدخول الى المضيف الكبير،

كان المضيف الكبير على سعته مليء بالعمائم والياشماغات والعقل وبالرؤوس الحاسرة، كانت الوان العمائم وكبرها تشي عمن يلبسها ، اما العقال الذهبي المقصب والياشماغ اللندنيان النفيسان اللذان جيء بهما من لندن خصيصا للشيخ الكبير، والمصحف بغلافه الجلدي الداكن اللون ، فقد ارتاحوا جميعا على محمل خشبي مغطى بقطعة قماش خضراء من القطيفة المخملية ، وقد تصدّر بكل هدوء وبذخ الركن المواجه لباب المضيف الكبير بحيث يصدم مرآه من يدخله، فيما كانت هناك صينية ملأت بالشموع الوهاجة واوراق نبتة الاس.

علقت على الجدار الصادم لمن يدخل المضيف الكبيرالمبني من القصب والبواري عشرة صور فوتغرافية ، منها صورة ملونة للشيخ الكبير المحتضر ، وصورتين بالابيض والاسود لابي الشيخ الممدد وجده ،وثلاثة صورة اخذت بكاميرات التصوير الشمسي لاجداد الشيخ الكبير،اما الصور الاخرى فكانت عبارة عن لوحات مرسومة لسلف الشيخ الممدد.

الكل ينتظر ساعة الخلاص ، اما قيام الشيخ الكبير من فراش الموت بعد ان يتجاوزه عزرائيل الى شخص اخر ،كما قام سيدنا المسيح ، او ان يختاره الله الى جواره كما يختار خلقه ، هذا ما فكرت به تلك اللحظة وانا الج باب المضيف الكبير الواطيء بحيث يتطأطأ رأس داخله ، فيما كان الشيخ الكبير يتلو بصوت واهن لا يسمعه الجالس بالقرب منه، بخشوع بان على صفحة وجهه الاصفر- كما خمنت ساعتها – آيات من الذكرالحكيم ، اما تفكيره – كما خمنت ايضا- فقد كان مشغولا بتأخر قاضي المحكمة عن الحضور، في الوقت الذي كان هو يستعجل الرحيل الى المكان البعيد .

كانت الرؤوس المغطاة بالعمائم السود والبيض وبالياشماغات والعقل ، والرؤوس الحاسرة منكسة وكأنها تبحث عن شيء فقدته في المساحة الصغيرة التي تركت بين الجالسين ، كانوا بجلوسهم ذاك كمن على رأسه الطيرمرفرفا بشيء مستطير ولا يريدون المجازفة بأن يرى الطير وجه احدهم ، كان بعضهم منكس الراس باجفان مثقلة من سهر الليالي،فيما البعض انشغلوا بانفسهم عن كل شيء ،و الصمت يرين عليهم ،صمت مقبرة قديمة وقت ظهيرة يوم قائظ ، ورؤية الاشياء صعبة في ضوء المضيف الكبير الذاوي كفانوس والدتي ، فيما رائحة البخور النفاذة العابقة تطرد رائحة الاحتضار.

فكرت بذلك وانا اسير خلف والدي شاقا طريقي بصعوبة من بين حشود الجالسين متجنبا السقوط ،فقد منعت العتمةعيناي رؤية الاشياء اول وهله حتى تعودتا عليها.

وصلت الى جسد الشيخ الكبير المتدثر ببطانية زاهية الالوان … ادار والدي رأسه نحوي وقال بصوت حاول ان يكون مسموعا:

- تقدم ، قبّل اقدام الشيخ الكبير .

لم افاجأ بطلبه ، فقد كانت تلك امنية لي كثيرا ما رغبت بتحقيقها منذ ان نام الشيخ الكبير على هذا الفراش .

بعد ان لثمت قدميّ الشيخ الكبير الباردتين ، سحبني احد المعممين مرددا بصوت زاجر:

- كفى .

نهضت ، فجرني والدي من يدي وقال بحدة:

- هيا اخرج .

عندها شعرت بحركة غير اعتيادية في المضيف الكبير وانا اتجه الى بابه الذي انسد بجسد لحيم ، فتفرق الجالسون كسكين حادة مرت في منتصف قالب كيك ، عرفت فيما بعد انه جسد القاضي السمين كأنه جسد ثور، كان يشخر اثناء تنفسه، فيما وجهه اللحيم قد احمر، والعرق ينز منه وكأننا في شهرتموز، ولا يسعفه مسحه بالمنديل الابيض الذي كان بين يديه اللحيمتين .

كنت قد غيرت وجهة سيري ، كان ذلك بسبب دفعة وجهت لي من احد الواقفين داخل المضيف الكبير، دخل القاضي وهو ينوء تحت ثقل جسمه اللحيم ، وعنقه المحشورة بين كتفيه،وقد ملأ شخيره سكون المضيف الكبير، فيما كان الشيخ الكبير ينوء تحت ثقل الانتظار ،و لم يسمع لصوته نأمة واحدة .

ترادفت الدفعات الى ظهري حتى وجدت نفسي خارج المضيف الكبير بين حشود الناس الواقفين الذين عادوا الى صمتهم ، وانا اتنفس الهواء المشبع بغبار سبخ الارض الذي تطاير من تحت اقدام الناس الذين كانوا يدقون الارض واصواتهم تملأ الفضاء بالهوسات اثناء العرضة.

الورقة الثانية :

تغير مزاج السماء الدنيا منذ طلوع اول خيوط الشمس الصفراء … اذ بدت السماء عندما نهضت من نومي مكفهرة ، كئيبة ، والغيوم تملأ صفحتها .

قالت امي بعد ان صعدت نظرها الى السماء:

- انها غيوم غير مطارة تنذر بحرارة عالية .

فيما قال ابي وهو يزمع االعودة الى المضيف الكبير الذي تركه قبل اقل من ساعة :

- اللهم سترك … اللهم لا نسألك رد القضاء وانما نسألك اللطف بنا.

مر سرب من الغربان ضحى ذلك اليوم في سماء ارض القبيلة ، فوق رؤوس الناس الذين امتلأت بها الساحة الترابية السبخة التي ينفتح عليها باب المضيف الواطئ ، كان صوت نعيق الغربان يملأ السماء في اللحظة التي تعالى فيها صوت النحيب الرجالي الذي تعالى من داخل المضيف الكبير، فيما كانت الشمس تحاول الاقتراب الى كبد السماء ، والجو كان وخما ، والهواء ساكنا ثقيلا كأنه مصنوع من رصاص .

مات الشيخ الكبير بعد يوم من مرور النجم المذنب من شرق السماء الى غربها ليلة البارحة ،مات بعد ضحى ذلك اليوم الخريفي في تلك السنة التي كنت فيها انا وصديقي راضي طالبين في الصف المنتهي في الجامعة ،غير ان الحشد الرجالي داخل وخارج المضيف الكبير تلك اللحظة لم يصدقوا موته ، حتى راح بعضهم ينهر القائلين بذلك ويمنع اصحاب البنادق المصوبة – وما اكثرها – الى كبد السماء من رمي اطلاقاتهم لاعلام العشائر والقبائل الخرى، وراح البعض يدخل المضيف الكبير ويخرج منه ليؤكد للناس المذهولين في الخارج انه حي يرزق ، الا ان الشيء الاكيد هو ان الشيخ الكبير قد مات بعد ان كتب القاضي ما اوصى به، ويا هول ما اوصى به .

خرج والدي حاسر الرأس وصاح بالجموع المصدقة وغير المصدقة بموت الشيخ : لقد انتقل الشيخ الى جوار ربه … يرحمه الله برحمته … وتهاوى على الارض باكيا … وحث على رأسه بعض سبخ الارض وترابها . عندها صدق الحشد بموت الشيخ الكبير .

كان موت الشيخ الكبير هو الحقيقة التي ستجر وراءها حقائقا اخرى .

اخبرني والدي ، وكأنه يخبرني الان ، بعد ان تخرجت من الجامعة ونسبت مدرسا لمادة التاريخ في المدرسة المتوسطة الوحيدة في قريتنا بما حدث ذلك اليوم داخل المضيف الكبير الذي خرجت منه دفعا وقتها ،قال لي اشياء يشيب لها رأس الصبي ، اشياء دفعت بجموع قبيلتنا الى الانقسام الذي خلف العداء والذي من جرائه خسرت حبيبتي وخطيبتي وابنة عمي.

اخبرني والدي وكأنه يفشي سرا خطيرا لايعرف به احد غيره ، وهذا صحيح ، لان والدي كان ثاني اثنين في المضيف يعرفون بما دار بين الشيخ الكبيرالمحتضر والقاضي لحيم الجسم الذي اجلسوه على كرسي جاءت به حاشيته من دار القضاء الحكومي، كان ابي احدهم وهو الكبير بينهم والثاني شيخ سلف العماريين الذي حشر نفسه دون استئذان على الرغم من اننا – كما يقول والدي – لم نكن في ذلك الوقت في حالة من يعطي الاستئذان لاحد، ومن منا المخول بذلك؟ – طرح السؤال ولم يجب عنه – وكل الحاضرين هم سادة(*) ورجال دين ورؤساء عشائر وافخاذ واسلاف قبيلتنا ؟

وها انا انقل عن فيهه ما قاله لي والدي ونحن نجلس وحدنا في غرفة الخطار . (*)

قال وقد تغضنت صفحة وجهه:

- عندما جلس القاضي على كرسيه الذي جاء به رجاله ، جفف وجهه بمنديل ابيض ما تصبب على صدغيه وخديه من العرق الذي كان ينز من صفحة وجهه الحمراء اللحيمة ، ثم شخر اكثر من مرة ، بعدها تكلم … قال موجها كلامه للشيخ الكبير المحتضر :

- ها شيخ… كيف ترى نفسك ؟

اجابه الشيخ الممدد جسده تحت الدثار السميك بصوت واهن :

- انا بين يدي الرحمن الرحيم .

رد القاضي الذي لمعت بشرته الحمراء اللحيمة تحت تصبب العرق بصوت شخيره الذي يصدم الاذان:

- ونعم بالله .

ثم ، وكأنه يريد ان يخرج بسرعة من المضيف، وجوّه الخانق الممتلأ برائحة الاحتظار ، تابع قائلا :

- ها شيخ … بماذا توصي ؟

عندما وصل والدي الى هذه الفقرة من حوار القاضي مع الشيخ الكبير الذي بين يدي الرحمن الرحيم تأوه ، وتأسف كثيرا ضاربا كفيه الواحدة بالاخرى، ثم تابع ناقلا لي ما حدث وقتها في المضيف الكبير بين الشيخ الكبير وبين القاضي الجالس على كرسيه .

قال والدي :

- قال الشيخ الكبير: اوصي بما تركته الى امي .

ولاذ والدي بالصمت ، وقد رأيت اكثر من قطرة دمع تنزل من عينيه وتجري على خديه المتغضنتين ، فيما راح نشيجة يصل الى اذنيّ بصوت خفيض وكأنه يصدر من مكان بعيد .

تركته يبكي صاحبه الشيخ الكبير بعد هذه السنوات التي مضت … فقد زامله اكثر سنوات عمره … وهو – كما كان يقول لي دائما – من نسل الشيوخ العظام لقبيلتنا، وانه يحترمه ويحبة اكثر من اولاده ، كما قال عند وفاته الى من كان يجلس بالقرب منه .

مسح عينيه بكم دشداشته ، وراح يتابع ما بدأه ، قال :

- عندما اوصى الشيخ الكبير رحمه الله بتركته الى والدته ، سأله القاضي :

- شيخ … ومشيخة القبيلة؟

ولاذ والدي مرة اخرى بالصمت ، كمن اشتعل فيه فتيل الذاكرة ، وأيقظت مكامن حزن كان يظن أنها قد ماتت،الا انه لم ينشج ، ولم تسقط من عينيه دمعة واحدة ، فأحترمت صمته ، وانتظرت اللحظة التي يكمل فيها سرد احداث ما حدث في المضيف الكبير وقتذاك .

وبعد صمت غير طويل كانت فيه نظرات والدي تائهة بين نقاط عديدة على جدران الغرفة الجالسين فيها، قال والدي متابعا :

- لم يجب الشيخ الكبير ، فردد القاضي سؤاله اكثر من مرة ، عندها وضع اخوه نهر اذنه على صدره يتنصت الى دقات قلبه ، وبعد لحظات قال:

- الى رحمة الله – واكد – انتقل الى رحمة الله .

صعد الى ملكوت الله وروحة غير المتحررة من آثار المشيخة التي اخذها معه، وترك مالها وارضها لوالدته فقط .

عندها جاءنا نحن الواقفون خارج المضيف الكبير عويل ونحيب الرجال ممن كان داخله ، فسرت عدوى النياح والعويل الينا، ثم تعالت اصوات عويل ونحيب النساء من داخل الدار الكبيرة وكأنهن ينتظرن وفاة الشيخ الكبير على احر من الجمر – وحتما- انهن قد نزعن فوطهن(*) ، وحللن شعور رؤوسهن ، ومزقن جيوب اثوابهن ، ورحن يلطمن ويردحن على شيخ قبيلتهن الكبير ، فيما راحت العدادة (*) تطري لهن مآثره، وتسمعهن كلاما يفتت الصخر من شعرالرثاء بصوت اريد منه ان يستقطر اخر دمعة في العين، وآخر آهة حرى في القلب، وراحت مكبرات الصوت الموضوعة بأتقان على زوايا سطح الدار تنقل للرجال ذلك الشعر الذي يقطر الما على فقد الشيخ الكبير .

عندها غاب اخر غراب من سرب الغربان من صفحة السماء ذات الغيوم كالزجاج الذائب، وبدأ وابل من المطر يهطل بكل قوة عموديا على رؤوس من كانوا في الساحة لمدة ربع ساعة ، كان المطر دموع السماء كما قالت امي بعد ايام.

كنت واقفا مع الواقفين امام باب المضيف الكبير التي ازدادت حركة الداخلين والخارجين منه ، وكان صديقي وكاتم اسراري مع ابنة عمي (راضي)– وبالمقابل كنت انا كاتم اسراره مع حبيبته (فوزية)- يقف بجانبي، وعينيه لا تبرحان باب الدار الكبيرة علهما تريان حبيبته (فوزه) كما يحلو له ان يسميها.

تعالت الاهازيج والهوسات من الرجال، وراحت اجسادهم التي انفتحت مساماتها وهي تدك الارض تفرز ذلك السائل المالح مختلطا بدموع السماء ، كانوا كأنهم ينتظرون هذه اللحظات ليدكوا فيها الارض السبخة واليابسة ، التي ارتوت لدقائق بدموع السماء، باقدامهم العارية ، ولو كان للارض لسان لصاحت منهم (الداد)(*) الا انهم ، والاعلام ترفرف فوق رؤوسهم، قد اخذتهم (الحمية) وحب الشيخ الكبير الى ان ينسوا اثقال ما كانوا يحملونه من مُر السنين، واصبح عندهم كل شيء هينا بعد رحيل الشيخ الكبير دون ان يعلموا انه عندما سأله القاضي عن حاله قال: انا بين يدي الرحمن الرحيم .

كانت الاعلام والرايات والبيارغ تخبر عن انتسابها ، حمر وخضر وسود وقد امتلات بآيات قرآنية وكلمات تشير الى اسم العشيرة والقبيلة التي يرفرف فوق رؤوس ابنائها الذين يدكون الارض دكا وشفاههم تردد هوسات (*) من عرف عنه ترديد تلك الهوسات التي تمجد الشيخ الكبير، وفضل القبيلة بعلاقتها بآل البيت.

تركنا انا وراضي الناس بما كانوا يفعلون ،وتحركنا بعيدا عنهم، قريبا من باب الدار الكبيرة ، انا لاحظي بلقاء ابنة عمي خيرية، وراضي ليحظي بلقاء فوزه ،بعد ان كان الجميع مشغولا بالهوسات ودك الارض وكأنهم في حشر عشائري لاخراج الماء من باطن الارض .

كانت هذه اللحظات فرصة لنا ، ولي خاصة بعد ان اصبحت خيرية خطيبتي رسميا ، وقد اتفق والدها ووالدي ان لا نلتقي الا بعد الزواج، اما راضي وفوزه فلم يعلم بقصة حبهما ولقاءاتهما السرية سواي وخيرية ، لانهما كانا من عائلتين بينهما مشاحنات وبغضاء ونفور على الرغم من ان جديهما لابيهما ابناء عمومة .

كانت خيرية ابنة عمي وابنة خالتي في الوقت نفسه، فقد كان والدي ووالدها اخوة من اب وام واحدة ، والاكثر من ذلك انهما كانا توأمين للحاج سلمان ، فيما كانت امي وام حبيبتي وخطيبتي اخوات من اب وام واحدة ، والاكثر من ذلك وهذا الطريف في الامر انهن كن توأمين لبطن واحدة لزوجة الحاج سالم اخي الحاج سلمان والدي.

عندما جاء ابي وعمي الى الحياة كان جدي – والدهما – في الحجاز مع الشيخ الكبير- اب الشيخ الكبير الذي مات وهو بين يدي الرحمن الرحيم – يأدون فريضة الحج ، فقام عمهما – والد امي وخالتي – برعايتهما حتى وصل جدي والشيخ الكبير الى اراضي القبيلة .

في اللحظة التي وطأت اقدامهما ارض المضيف الكبير، كانت القابلة العجوز للقبيلة مع زوجة الحاج سالم لتولدها ، وبعد اقل من دقيقة من وصول خبر وصول الحجاج تعالت هلاهل جدتي زوجة الحاج سلمان بمناسبة ولادة اختها، وقدوم المولودتين التوأمين الجديدتين.

جاء الخبر الى المضيف بالتوأمين ، فصاح جدي الحاج سالم فرحا وهو يوجه كلامه للشيخ الكبير :

- اشهد يا محفوظ (*)ان بناتي هدية الى ابناء اخي الحاج سلمان .

انتشر الخبر اولا في المضيف الكبير بين المهنئين بقدوم الحجاج ، ثم ساح كما يسيح الماء في ارض عطشى بين ابناءالعشيرة ،ومن بعدها تناقلته السن من تعلم نقل الاخبار بين ناس العشائر والافخاذ والاسلاف الاخرى ، وقد فتح وقتها الشيخ الكبير السجل الكبير الذي يسمونه الشاهد وسجل بتاريخه تلك الهدية التي شكر جدي الحاج سلمان اخيه الحاج سالم عليها ، و ختمه الشيخ الكبير بقوله بارك الله بكما وبأولادكما ليجعلهما الله من انصار اهل البيت، وقال في هذه المناسبة شاعر القبيلة ابياتا شعرية ، تردد صداها في مضايف عشائر واسلاف قبيلتنا.

هذا ما اخبرني به جدي الحاج سلمان قبل وفاته بأيام ، فيما اخبر جدي الاخر الحاج سالم خيرية بذلك، وكأن هذه الامور سرا تتناقله العائلة فيما بينها ولا ينقله سوى الجد الى الاحفاد ، على الرغم من ان الامر كان معروفا للقاصي والداني ومن ضمنهما انا وخيرية .

عندما ولدت قبل ايام من ولادة خيرية كان جدي الحاج سلمان وجدي الحاج سالم قد اتفقا على ان البنت التي ستلدها زوجة ابنه الثاني – الذي كان يسكن في دارعمه الحاج سالم ليكون بمثابة ولد له بعد ان حرم الولد- ستكون لخيري ويسمونها خيرية ، وعندما سأله الحاج سالم كيف عرفت انها بنت ؟ رد جدي الحاج سلمان: اسأل الشيخ الكبير ، عندها صدّق جدي الحاج سالم بما قيل وبارك المولودين – انا والبنت التي ستولد – دون ان يعرف كيف عرف الشيخ الكبير بجنس المولود ،واخبرا الشيخ الكبير بذلك ، فطلب من الرجل الذي يخدمه ان يأتي بالشاهد ليسجل فيه الاتفاق .

الورقة الثالثة:

كنا نعود الى بيوتنا في الليل منهكي القوى ، انا وابي وامي واختي، بعد ان يجهدنا العمل في مجلس فاتحة الشيخ الكبير ، ان كان ذلك في المضيف انا ووالدي ، او كان ذلك في الدار الكبيرة بالنسبة لوالدتي واختي، اذ امتد مجلس الفاتحة لاكثر من اسبوع وقد نحرت مئات الذبائح وصرفت العشرات من اكياس الرز والسكر والشاي ، وتكسرت المئات من الاستكانات الفارغة و المملوءة بالشاي والمواعين الصيني (*) لاصطدام اقدام الناس بها لشدة الزحام .

في اليوم الرابع من ايام الفاتحة تحينت الفرصة للاختلاء بخيرية – ابنة عمي وحبيبتي و خطيبتي – بمساعدة صديقي راضي الذي التقى صدفة وبعيدا عن اعين الناس بحبيبته فوزه ، وكنت انا اقف ليس بعيدا عنهما وانما كنت احاول ان ارد بعض الصبية عن مكان خلوتهما، وعندما انتهيا من الخلوة عاد راضي وهو يحمل البشرى لي.

كنت على احر من الجمر للقاء حبيبتي وخطيبتي ، الا انه في الوقت نفسه كنت اريد ان اعرف كل شيء عما جرى ويجري داخل الدار الكبيرة بعد ان بدأت السن الناس تنقل اشاعات عديدة.

بعد اقل من ربع ساعة كنت اختلي بخيرية في المكان نفسه الذي كان يختلي به راضي بفوزه .

كانت اول ما فعلته خيريه ان رمت نفسها عليّ وراحت تقبلني القبلات ذاتها التي تعلمتها من الافلام التي كنت انا وراضي نشاهدها في سينمات بغداد بعد انتهاء دروسنا في الجامعة ، واعلمها لها.

راحت تمتص شفتاي مصا كأنها قطعة حلوى، فيما انا لم اشاركها سوى قبلتين ومصتين من الشفاه،حتى ان خامس اطرافي الذي بين بدايتي افخاذي لم يتحرك قيد انملة كالسابق تحت تأثير هذه المصات والقبلات، اما تفكيري فقد كان منصبا على ما يحدث في الدار الكبيرة، وعن صدق او كذب الاشاعات.

انتبهت خيرية للقائي البارد معها ، واخذت تمطرني بوابل من كلمات اللوم والعتب التي امتلأ بهما قاموس الصبايا المحبات ، بل راحت تلوم نفسها لانها اتت اليّ بقدميها كالبهيمة ، وهمت بالخروج ، الا انني امسكت بها وصحت زاجرا:

- الا تكفين عن ذلك … لقد شبعت من القبلات ومص الشفاه … اخبريني عما يحدث في الدار الكبيرة ؟

عندها نظرت لي شزرا ، وكمن صعقت بكلامي ، استدارت غاضبة لتخرج من غرفة ماكنة سحب الماء التي نختلي بها، فأسرعت واغلقت الباب ورحت امطرها بوابل من القبل الباردة كالثلج ، اذ كنت اعرف ان القبل والمص سيهدأ من ثورتها كلما غضبت مني في كل مرة، الا انني كنت مخطئا،لانها لم تشاركني قبلاتي بعد ان شعرت ببرودتها، او انها عرفت ان ما اقوم به هو تهدئة لخواطرها ليس الا ، فصحت بها ناهرا:

- كفى … اخبريني عن أي شيء جرى في الدار الكبيرة ، وماذا فعلت النسوة التي جيء بهن من المدينة بسيارة القاضي ، ولماذا جيء بهن؟

عندها هدأ غضبها قليلا ، وكمن يعرف كل شيء قالت :

- لن اخبرك … لدي اسرارا لا يعرف بها سوى النساء .

ثم ضحكت بصوت عال وانفلتت مني وفتحت باب الغرفة وخرجت والضحكة العالية كادت تفضحنا .

بقيت ساكنا لا اعرف بماذا اجيب على تساؤلات راضي الذي وصل اليّ مسرعا ، كنت كمن يقف على حافة هاوية، كاد خروج خيرية من الغرفة يوقعني على الارض ، انها ما باتت تحبني ، وشعرت بأحشائي الداخلية تتمزق .

قلت لراضي بتوتر بان على كلماتي:

- لم تخبرني بشيء … ثم تساءلت او سألت راضي :

- هل انتهى حبها لي ؟

اجابني راضي :

- اترك هذه الافكار خارج رأسك.

وبعد لحظات تابع قوله كالواثق من كلامه :

- ابق هنا ، ستعود حتما …

ثم قال:

- سأعود اليك .

وخرج .

بقيت والدوخة لفت رأسي كله ، كنت احس برأسي كـ (الجبنة)(*)، شيء اسفنجي … هلام لا استطيع السيطرة عليه . فيما كان جو غرفة ماكنة سحب الماء كالتنورالملتهب ، كان العرق يتصبب من كل مسامات جسدي ، فيما النواح ما زال يتصاعد من الدار الكبيرة ، تساءلت مع نفسي:

- اتتركني ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي هكذا ؟اين حبها لي ؟ اين ذهبت قبلاتها لي ؟ اين ذهب مص الشفاه؟

- لقد عادت.

اخرجتني كلمات راضي من تفكيري الاسفنجي ، ودون ان اراه ، رأيتها تنكب على وجهي بالقبلات ، واستجابت شفتاي لقبلات شفتيها مضطرا، وبدأنا المص بعد ان احتضنتها وعصرتها بساعدي لاقنعها .

اخبرتني خيرية وكأنها تخبرني للتو، اذ لم تكن كلماتها قد احاط بها ضباب سنوات المحنة التي عشناها معا واصابتنا كما اصابت الاخرين من ابناء قبيلتنا.

قالت :

- لقد جاء القاضي بالنساء العارفات بمسائل النساء من بغداد ، وقمن بفحص زوجة الشيخ الكبير ، لانها اخبرت ام الشيخ الكبير بعد وفاته مباشرة بأنها حامل ، فقامت ام الشيخ الكبير وارسلت بمن يطلب من القاضي ان يرسل العارفات .

وعاد الصمت مرة اخرى الى الغرفة الملتهبة، سكتت خيرية وما زال بصرها يلامس صفحة وجهي، انها عرفت ان ما تخبرني به ذا اهمية كبيرة ، وارادت ان استجديها الاخبار ، الا انني لم افعل ذلك ، بل صحت بها ناهرا:

- لا تكوني انانية… هيا اكملي دون توقف.

نظرت لي وابتسامة شامتة على شفتيها … تجرعتها بمرارة كمن يتجرع زيت الخروع لتليين محتويات معدته، وكززت على اسناني ، الا انها ، وكمن عرف انها قد ردت لي صاع عدم تجاوبي معها قبلاتها بصاعين من شفتيها الشامتتين ، قالت ضاحكة:

- اخذن زوجة الشيخ الكبير رحمه الله معهن الى بغداد لتبقى في بيت القاضي لفترة لم يحددن طولها ، وكان ذلك بطلب من ام الشيخ الكبير… ثم اردفت قائلة:

- هذا ما حدث في الدار الكبيرة يا حبيبي.

ثم كمن تريد ان تسترضيني ، قالت متسائلة والابتسامة تشع على وجهها:

- ارضيت يا حبيبي ؟

بعد اربعة اشهر وعشرة ايام من وفاة الشيخ الكبير اخبرني والدي وكأنه يخبرني للتو ،بعد ان سألته عن الاخبار التي تتناقلها الالسن ، وخاصة السن النساء،عن زوجة الشيخ، قال :

- نعم … وقد تبين ان المرأة كانت كاذبة ، اذ انها لم تكن حاملا.

قلت فيما قلته سابقا انني فقدت ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي خيرية ، وذكرت ان وفاة الشيخ الكبير، وعدم وصيته بالمشيخة هي التي آذنت بالفراق ، لهذا رحت اتحين الفرص لاسأل والدي عن ذلك ، اذ ان اعباء مساعدة الوكيل الجديد ارهقته كثيرا، وعندما حانت لي فرصة الحديث معه بعد حصولي على الشهادة الجامعية مباشرة ، أي بعد اربعة اشهر وعشرة ايام من وفاة الشيخ، واحتفالي انا وراضي بهذه المناسبة بشرب قدحين من الشربت الاحمر الذي جلبته معي من بغداد، دخل علينا والدي غرفتي فيما كان راضي يهم بالخروج ، هنأه والدي على نجاحه ، وعندما غادرنا ، سألني والدي مباشرة :

- ها… ماذا ستفعل بالشهادة ؟

ودون تردد ، وبجرأة غير معروفة عندي عند الكلام مع والدي ، قلت له :

- ابي ارجو ان نترك امر الشهادة الى مابعد ان تجيبني عما يدور في رأسي من تساؤلات قد مضى عليها وقت دون ان تجد لها اجوبه ، وانا في حيرة منها؟

نظر والدي في وجهي- حتما انه عرف ما اريد ان اسأل عنه – وكمن غضب من شيء قال بتوتر :

- ان اسألتك كثيرة ، واجوبتك قليلة ، ماذا اصابك ، هل الجامعة انستك من انت، ام ان الدراسة في بغداد انستك انك ابني ؟ ام ماذا ؟ اجبني انت؟

كان الغضب يتصاعد مع تصاعد وتيرة صوت كلمات ابي التي تخرج من فمه كأنها مفرقعات، ولكي اهديء من غضبه ، رحت اتوسل اليه واطلب منه ان يهدأ، وقلت كما اذكر:

- ابي كل الذي قلته غير صحيح ،فلا الجامعة ولا بغداد قد انستني انني ابنك ، وانت والدي ، الا انك تعرف انني كبرت ودرست وعليّ ان افهم جيدا ما يجري حولي، خاصة ان ما جرى قد مس القبيلة والعشيرة بالسوء كثيرا وقد لحقك انت وعمي، بل قل بيتنا وبيت عمي بهذا السوء – بين هذه الكلمات تذكرت محنة ابناء جدنا آدم – الا يمكنك ان تخرج من صمتك هذا وتخبرني الحقيقة دون ان اعرف هذه الحقيقة من الاخرين ، وانت تعرف الاخرين والقيل والقال؟

سكتُّ بعد ان احسست ان جملي كانت طويلة جدا ولم يستوعبها فهم والدي القروي، وعليّ ان ارأف بكبر سنه، الا ان ابي لم يعلق بشي، وهذا ما زاد الطين بلة، بل راح ينظر في وجهي وابتسامة صغيرة على شفتيه اضاءت وجهه المتغضن بلحيته الخفيفة البيضاء، ثم وهو يقبلني على جبيني قال :

- اسأل.

احسست بالدم يصعد الى وجنتي خجلا ، بل حقيقة كنت خجل من ابي كأنني صبية عذراء امام من يسألها القبول بالزواج من شخص ما (*)، وبهدوء واحترام الابن لابيه، قلت:

- سامحني ان اغضبتك ، الا انني اريد ان اعرف منك بالذات لماذا افترقت عن عمي؟ ولماذا فسخت خطوبتي من خيرية ؟ ولماذا …؟

ولم اكمل اسألتي، اذ وضع والدي كفه على فمي واغلقه، كأنه يغلق اناء تفوح منه رائحة لا يطيقها، وخرج تاركا اسئلتي علامات استفهام كبيرة .

كان صمت والدي يُخفي أشياء كثيرة لاتريد ان تنعتق من قمقمها الذي في رأسة والمشدود جيدا بعقاله الاسود الشطراوي (*)، فأحترمت هذا الصمت ورحت انا اتصنعه ايضا الى حين .

الورقة الرابعة:

اخبرني والدي الكثيرعن احوال القبيلة قبل وبعد موت الشيخ الكبير وكأنه يخبرني للتو، اذ لم تكن كلماته – وقت ذاك – قد احاط بها غبار ايام المحنة التي عشناها واصابتنا كما اصابت الاخرين من ابناء قبيلتنا ، و سطرها قلمي على هذه الاوراق دون ان اعرف الاخبار من طرف اخر بعد ان فقدت ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي خيرية، و بعد ان رحلت هي وعائلتها واغلب عوائل القبيلة الى مكان لا نعرف عنه شيئا ، قال من قال: انهم سكنوا اطراف بغداد الغربية ، وبعضهم ذكر: انهم تركوا العراق ، ومن قال: انهم تغربوا في البلاد الشرقية ، ومنهم… ومنهم … ولكن الشيء الاكيد انني لم ار خيرية منذ سنوات ، أي منذ ان جاء الخبر من بيت القاضي ان زوجة الشيخ الكبيرالتي ادعت انها حامل كانت غير حامل، وصرح شيخ سلف العماريين بالوصية.

ها انا اقضي يومي بين الدوام في المدرسة وصديقي راضي وبين الجلوس في غرفتي انا وهو، او الجلوس في غرفة راضي ، وكنت بين الحين والاخر اسأل والدي عن شيء كان عليّ توثيقه من مصدر معتبر ، وكان ابي هو ذلك المصدر المعتبر، وكان هو يجيب مرة ويغضب اخرى من اسألتي.

كان راضي قد امتحن بما امتحنت به مع خيرية ، كانت حبيبته فوزه قد رحلت مع عائلتها مع المرتحلين من قبيلتنا ، الا ان مجموعتهم اخذت اتجاها اخر غير الاتجاه الذي يممته الجماعة التي فيهم حبيبتي خيرية ، وبقينا انا وهو نندب حظنا لاننا لا نعرف سببا معقولا لهذا الفراق ، اما السبب غير المعقول حسب ادراكنا انا وراضي فقد عرف وانتشر بين ناس قبيلتنا الواحدة ، بين ناس عشائرها وافخاذها واسلافها وبين خلق الله الاخرين ، والذي حدثني عنه والدي ، وكنت انا وراضي يعرفان به ، وها انا اسطره على هذه الاوراق دون ان ازيد عليه حرفا او انقص منه اخر .

ذكر والدي الامور كما حدثت وكأنها تحدث للتو، اذ لم تكن قد احاطت بها الغيوم السوداء لسنوات المحنة التي عشناها واصابتنا كما اصابت الاخرين من ابناء قبيلتنا، وكما كنت اعرف بها ويعرف بها جميع خلق الله دانيهم وقاصيهم ، ذكر امامي صبيحة يوم جمعة باردة من شهر كانون الثاني ، والمطر والرياح هما الظاهرتان الطبيعيتان اللتان عرفهما ذلك اليوم ، قال لي كأنه يحدث نفسه بأمر جلل :

- اول ما فاجأني انا بالذات هو وصية الشيخ الكبير ، ومن ثم وفاته السريعة رحمه الله دون ان يجيب على سؤال القاضي عن رآسة المشيخة من بعده .

لا اعرف ان كان والدي قد اصبحت دموع عينيه سريعة النزول هكذا بسبب الالم الذي تركه موت الشيخ الكبير، او بسبب عدم نطق الشيخ الكبير بأسم من سيخلفه على القبيلة قبل ان يموت، ام لكبر السن الذي وصل اليه ؟ الا ان ذاكرته ما زالت طرية ، ذاكرة شاب في العشرين من عمره ، لما لا ، فهو لم يدخن ولم يشرب الشاي ، وحتى القهوة لم يذق طعمها مرة واحدة طيلة حياته ، لهذا كانت ذاكرته قوية ، الا ان دموع عينيه كانت سريعة الجريان لايمنعها عن النزول عند ذكر موت الشيخ الكبيرأي شيء، فتركته يبكي بصمت لان البكاء يخفف آلام اتقاد الذكريات.

قال ابي بعد ان مسح عينيه بكم دشداشته البيضاء وهو ينظر الى خارج شباك الغرفة والمطر يهطل بغزاره :

- كانت زلزالا كبيرا قد وقع على رأسي ورؤوس الذين خلفوني (*)… كيف ذلك ، سألت نفسي وقتها ؟ – هو الذي قال وتابع التساؤل- هل اراد الشيخ الكبير ان يتركنا هملا دون راع ؟ …واخيه ؟ لماذا لم ينصبه شيخا علينا ؟ لماذا لم يختر واحدا منا نحن شيوخ عشائر قبيلته ؟ لا اقول انا … استغفر الله … كان يجب ان يختار حتى ولو كان عبدا حبشيا من عبيده الذين يملأون المضيف … كان يجب ان يختار يا خيري- اكد لي – الا انه لم يختر ، وكانت مشيئة الله سريعة بموته يرحمه الله.

كان اعترافا مؤلما لوالدي الى الحد الذي جعلني اخشى عليه من الجلطة او الذبحة الصدرية.

سكت والدي عند هذا الحد … ونهض من مجلسه وخرج دون كلام زائد ،ودون ان يلتفت لي ، خرج بصمت كعادته واخذ الصمت معه وترك معي اكثر من صوت يتعارك في رأسي الذي اشعر به وقد اصبح بحجم كرة القدم، امتلأ بها تفكيري ، حتى اصبحت اسئلة تنتهي بعلامات استفهام اضيفت الى التي اخبرني بها ابي سابقا.

كنت قد سمعت بهذا الكلام من قبل ، الا ان ابي قد وثقه عندما ذكره امامي برحابة صدر… فأصبح عندي مسطرا على هذه الاوراق البيض التي بين يدي ، والتي لا ادون شيئا فيها ما لم يوثق من قبل والدي .

كنت اعرف ان هذا الذي حدث بعد وفاة الشيخ الكبير هو الذي فرق القبيلة ، وشتت شملها ، وابعد عشائرها وافخاذها واسلافها الى نواح عدة ، لكن الذي ظل دون معرفة هو لماذا لم يوص الشيخ الكبير بمن سيخلفه؟ وهذا ايضا ما سبب بكل ما حدث بعد ذلك ايضا ، والذي زاد الطين بله هو انهم لم يعرفوا له ولدا ، وايضا ان الذي اوصل الامور الى ما وصلت اليه هو كذب التي ادعت حملها ، وادعاء شيخ سلف العماريين بالوصية.

مرة قال لي راضي بعد ان هاجت ذكرياته مع حبيبته فوزه، فسالت ذكرياتي انا مع ابنة عمي وخطيبتي وحبيبتي خيرية كفيلم سينمائي:

- يا خيري ان اسئلتك كثيرة ، وهي لا تغنينا بشيء ولا تسمننا ، فدع عنك هذه الاسئلة ، واترك الامور تسير كما اراد الله لها ان تسير ، او كما قدرها.

قلت له وما زال خيال خيرية مالئا كل تفكيري بقبلاتها النارية ، وبمصها لشفاهي وكأنها حلوى :

-انسيت انني احمل شهادة اختصاص في التاريخ ؟

اجابني ضاحكا :

- اعرف ذلك ، ولكنك لست بمؤرخ ، انك درست التاريخ لتدرّسه لتلاميذ الدراسة المتوسطة والاعدادية حسب ، وما شأن اختصاصك بما حدث لقبيلتك ؟

قلت له بصوت غاضب :

- وخيرية ؟ ها …؟ وفوزه ؟

اجابني والابتسامة مرسومة على شفتيه :

- وما شأنهما ؟

قلت له محتجا :

- الم تكن تلك الاحداث التي اسأل عنها هي سبب الكارثة ، وسبب ما نحن فيه ؟

قال لي مهدئا من غضبي:

- اهدأ قليلا … ان ما تسأل عنه نعرفه جميعا ، وانت تعرفه كما اعرفه انا والعبد خادم الشيخ الكبير .

اجبته مستردا بعض هدوئي المفقود:

- نعم ، ولكن الوثوق هو الذي ابغي ، والقول الموثوق عند ابي فقط ، وهناك اسئلة كثيرة لم احصل على اجابات عنها.

سألني مستهجنا قولي:

- من قال هذا ؟

- انا الذي اقول ، وانا اعرف ذلك ، وانت تعرف ان لا احد يعرف الامور اكثرمن والدي .

رد قائلا :

- هذا صحيح … الا ان والدك ربما لم يكن صادقا معك بعد ان صاراليد اليمنى لوصي الشيخ الكبير على حق المشيخة وعلى ابنه الغائب الذي يدرس خارج العراق.

ادهشني كلامه ، وكنت اعرف ان راضي لن يصدق مثل هذا الادعاء، سألته :

- وهل صدقت هذا الادعاء؟

اجابني دون تفكير :

- وكذلك والدي ووالدك ايضا وبقية افراد القبيلة اجمعين.

ضحكت بصوت مجلجل ملأ الغرفة وخرج الى الهواء الطلق، و بانت اسناني بيضاء ناصعة ، فيما اخذ راضي يتلفت يمنة وشمالا، واسرع ليضع كفه على فمي ليمنعني عن الضحك ، وقال بصوت عال:

- اسكت ، لقد فضحتنا ، سيسمع والدك صوت الضحك ، وانت تعرف ان مثل هذا الضحك لا يقبل به .

عندها مباشرة ترك راضي فمي واسرع خارجا من الغرفة ، بل هاربا من المواجهة التي خمن انها ستقع بيني وبين والدي بسبب الضحك العالي ، الا ان شيئا من ذلك لم يحدث، لان والدي كان خارج اراضي عشيرتنا على اراضي عشيرة اخرى ليأتي منها بحصة المشيخة ، ليرسلها الى الوكيل الذي بدوره – وحسب ادعائه – سيسلمها الى ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في لندن.

الورقة الخامسة:

في ساعة من ساعات ظهيرة احد ايام الصيف الحارة، والتي تبول فيها الحمير دما ، كنت جالسا لوحدي في غرفتي في الطابق الثاني من بيتنا، بعد ان تزوجت من شقيقة راضي وتزوجت شقيقتي من راضي ، فتحت سجلي، ورحت ادون ما كنت اذكره من ايام الحب – و امتلأت هذه الصفحات برسومات لازهار بلون الشفق – التي لم تشوهها ايام المحنة التي عصفت بنا نحن ابناء القبيلة.

كتبت : في يومه وتاريخه ، وعند ظهيرة ذلك اليوم القائظ ، والشمس في سمت السماء ، وبالكاد يتنفس الناس الهواء الساكن الثقيل ثقل الرصاص على الرغم من برادات الهواء الكهربائية التي تدور لتبرد هواء الغرفة وتجعله نسيما، كنت اصطلي في اتون غرفة ماكنة الماء عندما دخلت خيرية، فيما كان راضي ينتظر دوره في الدخول الى الغرفة مع فوزه، وهو يراقب المارة عن بعد ليثنيهم لو حاولوا الاقتراب من الغرفة ، وكانت فوزه تنتظر مجيء خيرية لها لتأخذها الى بيتها لتريها بدلة عرسها التي اتيت بها من بغداد و ليقضيا وقتا مسليا، الا انهن يعرفن ان ذلك حجة للقائها براضي .

في ذلك الحين كانت خيرية تخبرني انها سمعت والدها يسب عمها وابي راضي ويكيل لهما التهم ، ويقول عنهما كلاما لا يليق بهما .

سألتها عن ذلك الكلام غير اللائق فلم تذكره امامي ، ورجتني ان لا اطلب منها ذكره ، لانها لا تريد ان تسيء لعمها والد حبيبها وخطيبها ، هكذا قالت لي .

وعندما انتهت خلوة فوزه وراضي ، اخبرني راضي ان فوزه قد اخبرته انها سمعت والدها يسب ابيه ووالد خيري ، وسمعته كذلك كما اخبرت راضي انه كان يقول لوالدتها : انهما كاذبان.

وعندما سألها راضي عن هذا الكذب الذي ينسبه ابوها لوالد خيري ووالده ، ادعت – هكذا اخبرني راضي لانه عرف انها كانت تدعي – انها لم تسمع الباقي من الكلام لان جارتهم الدلالة(*) قد نادت عليها لتريها بعض قطع القماش .

راح قلمي يسجل ما تمليه عليه الذاكرة مما حدث في تاريخه ووقته ، فكتب ايضا: لم اذكر لوالدي ما قالته الحبيبتان لي ولراضي ، لان المصدر كان نسائي فقط ،وهو لا يقبل به لانه كان يسميه اقوال نساء كلها كذب، الا انني عرفت فيما بعد ، أي بعد اقل من ساعة، ان هناك مشادة حدثت في مضيف سلف العماريين في الضفة الاخرى من النهر، بين ابي من جهة وبين اخيه ابو خيرية وابي فوزه ، وانتصر في هذه المشادة ابو راضي لابي ، ثم بعدها انقسم الناس الذين في المضيف ، وكانوا جميعهم من رؤوس العشائر والافخاذ والاسلاف في قبيلتنا، الى عدة اقسام ، فقسم انضم الى والدي الذي كان صديقا لشيخ سلف العماريين الذي ادعى في تلك الجلسة ان الشيخ الكبير قد ائتمنه على ابنه ابن الانكليزية الذي يدرس خارج العراق ، وادعى – كذلك – ان الشيخ الكبير طلب منه ان يرسل لابنه المال ليكمل دراسته ليعود الى القبيلة ويمسك زمام امورها ، عندها – كما سمعت ممن كان يريد ان يسمعني هذا– تعالت الاصوات العالية والهمهمات المنخفضة ، فمنها من انكر هذا القول بحجة عدم وجود الشاهد ، او بحجة ان الشيخ الكبير لم يوص القاضي بذلك ، او بحجة ان الشيخ لم يعرف عنه ان لديه ولدا ، ومن قال بلا تردد – كما ذكر لي اخر – ان هذا الشخص نهض واقفا في المضيف واعلن بصوت جهوري: انه كان مع الشيخ الكبير في احدى سفراته الى بغداد وقد اخبره الاطباء بعقمه .

عندها ، كما ذكر الذي اخبرني بذلك، قام بعض الجالسين وانهالوا عليه ضربا ، ثم سحبوه خارج المضيف ، فصعد سيارته ورحل الى ارض سلفه ، ومن هناك – كما عرفت – ترك هو وابناء سلفه ارض السلف الى مكان مجهول .

وعندما عرفت ذلك من رجال القبيلة بعد ساعة من ذكر حبيباتنا السب والشتم ،اذ في عالم قريتنا ، قرية عشيرتنا ، والقرى الاخرى لعشائر قبيلتنا واسلافها ، لم يكن هناك من سر يمكن المحافظة علية طالما هناك شفاه تتحرك وآذان تسمع ، فالحيطان لها اذان كما قيل.

تحينت الفرصة لاختلي بأبي ، لاسأله عن مصداق هذه الاخبار ، فكان لي ذلك ، فقال مؤكدا قولي :

- كل الذي سمعته صحيحا .

قلت له متسائلا:

- اعرف انه صحيح ، ولكن لماذا حدث كل ذلك ؟

قال ابي وهو ينهض من مجلسه متوترا:

- ستعرف فيما بعد … ثم اردف قائلا :

- سأذهب للمضيف الكبير… الوكيل طلب حضوري .

وكان الوكيل هو شيخ سلف العماريين نفسه ، نقل مجلسه الى مضيف الشيخ الكبير ليكون – كما اخبرني ابي – قريبا من اموال المشيخة التي استودعها اياه الشيخ الكبير ، الذي اوصاه ان يجتهد في المحافظة على ولده الغائب على ارض الاجانب ليكمل دراسته هناك .

وكان والدي هو الشخص المفضل عند الوكيل ، وكاتم اسراره ، والحافظ لسجلات القبيلة، فكانا كما وصفهما احد مسني القبيلة الظرفاء : (مؤخرتان في لباس واحد) .

اصبحت علاقة ابي بالوكيل اكثر من علاقته بالشيخ الكبير قبل ان يتوفاه الله ، بل انه سيطر والوكيل على غلة كل الاراض التي تركها ابناء القبيلة ، فزادت ثروتهما ، وبنيا لهما قصورا في بغداد، والذي زاد الطين بله اننا سمعنا انا وامي واختي ان والدنا قد تزوج بفتاة من (إحديثات)(*) بغداد ، الا انه انكر ذلك.

في يوم ما من ايام المحنة ، وكان الجو مغبرا بغبار احمر كالدم، صعد والدي الى غرفتي التي كنت اختلي بها مع كتبي وسجلاتي وبراضي عندما يزورني ، دخل الغرفة وكان يسحب الهواء من منخريه وفمه الذي امتلئا بالغبار ، فيما صوت سعاله يملأ الجو ، جلس بالقرب مني ، ثم سحب كتاب الله من الرف الذي كان يقبع عليه ، وفرشه امامي على صفحة خمنت انه قد علّمها بعلامة قبل هذا الوقت، ثم طلب مني ان اتلو بصوت عال ما مذكور في الاية الثالثة من سورة النساء، فتلوت قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم ((وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ))،

بعد ان انتهيت من تلاوة الاية الكريمة اغلق والدي كتاب الله وقبله كما فعل عند فتحه ، ثم وضعه على رأسه ، ثم على رفه الخاص ، سألني بعد ان مرر اصابعه على شعر لحيته البيضاء الخفيفة متفاديا نظراتي المصوبة الى وجهه المتغضن:

- الا ترى ان الله كان رحيما بعباده؟

قلت له دون تردد وانا اعرف غايته من قراءة هذه الاية:

- ومن ارحم من الله بالعباد ؟ … ثم سألته :

- وماذا في ذلك ؟

انفرجت أساريره ،ووضع كفه اليمنى على وجهي ثم سحبها و قبلها وقال بتوسل عرفته منه تلك اللحظة :

- انا اعرف انك ستفهمني ، ولكن اطلب منك ان تقنع والدتك بذلك .

سألته مستفسرا وكأنني اجهل كل شيء:

- بماذا تريد ان اقنعها؟

قال لي وما زالت الابتسامة على شفتيه :

- انا اعرفك من اذكياء القبيلة ، واعرف انك تعرف ، الا ان والدتك واختك لا يفهمن امر الله .

تغابيت و قلت له:

- وما هو امر الله الذي امرك به ؟

نظر في وجهي ، فيما غيمت اساريره ، وتحركت شفتاه بأضطراب ، وراح يطيل النظر حتى خلته قد تجمد ، الا انه صرخ بي بصوت عال :

- اتريد ان تتحاذق معي ؟ ام تريد ان تغيضني ؟ ام انك تريد ان تطلب ثأرك مني وانا لا دخل لي بالمسأله ، ان عمك هو الذي ركب رأسه وانشق عن القبيلة، واخذ خيرية معه ؟

قلت له بكل هدوء فيما ملأ كياني سرور تام بالانتصار لامي ولاختي منه:

- ابي كل شيء قد انتهى بوقته .

وقلت مع نفسي- التاريخ يعيد نفسه وما كان بين قابيل وهابيل قد اعيد – ثم تابعت قولي:

- انا الان متزوج من اخت اعز صديق عندي ، وانتظر ابني الاول ، فلماذا تنكئ جروحا حاولت ان تندمل ، الانك تعرف انك وبعض الرجال القلائل من قبيلتنا كنتم السبب في هذه المحنة وهذا الانشقاق ؟

نهض والدي من كرسيه وقد تصاعد الدم في وجهه غضبا – لا اعرف ان كنت قد نكأت جروحا عنده حاولت هي الاخرى ان تندمل بسبب الزمن – وهم بالخروج ، الا انني بادرته قائلا بعد ان تيقنت انه خذل من ابنه الكبير:

- اترك الامر لي .

عندها عاد ابي اليّ وقبلني في وجهي عدة قبلات ذكرتني خيرية عندما كانت تهجم علي ّلتملأ وجهي بقبلاتها النارية، ثم خرج جذلا لا تسعه الارض.

الورقة السادسة:

كنت انا وصديقي وصهري راضي في غرفة المدرسين في بناية المدرسة الوحيدة في قريتنا التي لم يبق من ساكنيها سوى عوائلا تعد على اصابع اليدين ، قال لي راضي دون ان يلتفت يمينا او شمالا، اذ لم يكن في الغرفة سوانا ، فنحن المدرسين الوحيدين في المتوسطة ، وانا المدير وهو المعاون:

- اتعرف ؟

سألته ، بعد ان مرت اصابع كفي اليسرى على شعر رأسي الاسود فيما كانت عيناي تحدقان في سجل الدرجات للتلاميذ الخمسة الذين كنا ندرس لهم :

- وماذا عرفت انت ؟

قال:

- ان الوكيل سيذهب الى لندن ليلتقي بإبن الشيخ الكبير ؟

ابتسمت، وامتد بصري من خلال الشباك المفتوح الى ارض حديقة المدرسة التي لم تر الماء ولا الخضرة منذ ان وضعت اول طابوقة للبناء، قلت له:

- اخبار قديمة .

ثم عدت ببصري الى الاوراق التي امامي والمدون عليها اسماء الطلبة الخمسة الوحيدين في المدرسة ، واردفت قائلا:

- وسيشيعه والدي الى المطار في بغداد .

بدا الغضب على وجه راضي ، وادار رأسه كمن زعل، قلت له :

- راضي… حسبتك تعرف بالامر من والدك ولهذا لم اخبرك به .

قال بإنكسار من عرف جحود عزيز عليه:

- انت تعرف انني لم اسأل والدي كثيرا مثلك ، وانما انتظر ان يقول هو ما يريد ان يقوله لي، او ان يخبر امي به.

في الحقيقة ، بيني وبين نفسي ، قلت : سيذهب الوكيل ليستجم في لندن ، وسيترك والدي يدير امور القبيلة الصغيرة ، وليجمع حق المشيخة من غلة هذا الموسم من عشيرتنا ومن ناس العشائر والافخاذ والاسلاف الذين ظلّ ولائهم للوكيل .

لا اعرف ان كان والدي يعرف ان شيخ سلف العماريين كان يكذب في ادعائه بوصايته على حق المشيخة وعلى وجود ابن للشيخ الكبير والذي يدرس – هكذا ادعى – في لندن ، ويعرف جيدا ان الشيخ الكبير لم يخلف بعده ذرية ، ام انه قد أخذ أخذا وكان كالاطرش في الزفة؟ ولكن الامور تفضي الى ان والدي كان يعرف كل شيء ، لان شيخ سلف العماريين لم يكن قريبا من الشيخ الكبير كقرب والدي منه ، الا انني اشهد امام الله والناس انه كان اكثر جرأة من والدي ، واذكى منه .

مرة ، سألت والدي قبل ان يتزوج بأمرأة اخرى غير امي عن صدق الادعاء بوجود ابن للشيخ الكبير ، قلت له :

- ابي اريد ان اسألك سؤالا واعرف انه سيغضبك الا انني يجب ان اسألك اياه .

نظر الى وجهي مليا وقال :

- الم اقل ان اسألتك بعد وفاة الشيخ الكبير رحمه الله قد كثرت ، وكلها تغضبني؟

قلت مبتسما:

- هذه سنة الحياة … يأخذ الابناء معارفهم من الاباء.

ضحك والدي طويلا ، ثم قال :

- اسأل؟

قلت :

- هل صحيح ما كان يدعيه شيخ سلف العماريين ؟

وكمن فوجيء بالسؤال ، صمت واصفر وجهه واضطربت شفتاه، وبعد فترة اجابني :

- اتريد جوابي ام جواب عمك الذي انشق عن القبيلة ؟

قلت له :

- انا اعرف جواب عمي ، الا انني اريد ان اعرف الحقيقة منك.

قال لي يريد اقناعي :

- انت تعرف يا ابني انني لا املك سوى خمسة دونمات من الارض وهي غير منتجة ، وانت تعرف يا ابني ان الشيخ الكبير رحمه الله قد كانت يديه خضراء معي ، وانت تعرف يا ابني انك اكملت الدراسة الجامعية في بغداد بالاموال التي كانت تفيض من يدي الشيخ الكبير رحمه الله … فلا تبسق في الاناء الذي تشرب منه .

كان كل الذي قاله والدي صحيحا مائة في المائة ، الا انني سألته :

- وما شأن افضال الشيخ الكبير بسؤالي؟

رد قائلا:

- الم اقل انك تكثر الاسئلة!؟

قلت له :

- لقد طلبت منك ان اسألك فوافقت .

قال،بعد ان تعمقت تغضنات رقبته واصفر لونها :

- لم اكن اعرف ان سؤالك هوهذا الذي يدفعنا لترك القبيلة مع الذين تركوها ، او ان نسد نهر الخير بوجوهنا.

سألته مستزيدا:

- وكيف؟

قال بعد ان نهض من الكرسي الذي كان يجلس عليه واتجه الى باب الغرفة يروم الخروج ، او الهروب من اسألتي:

- لنترك الاجابة الى وقت اخر.

عرفت وقتها – بل تيقنت - ان ابي لا يريد ان يجيب عن سؤالي ، وانه يخبئ ما يشيب له رأس الرضيع ، وان خروجه من غرفتي بعد طرح هذا السؤال هو فراره من شيء ما يجب ان اعرفه جيدا ، الا انني وبعد ايام تذكرت قوله لي عن حالتنا الاقتصادية ، وعن افضال الشيخ الكبير على والدي ، وعن اكمال دراستي الجامعية، فرحت احلل اقواله هذه الواحدة تلو الاخرى ، ثم اقوم بالربط بينها علّي اصل الى ما اريد.

بدأت من حالتنا الاقتصادية ، ورحت احلل في سجلي الخاص ، فكتبت فيه : ان الداني والقاصي يعرف ان والدي – على الرغم من انه شيخ عشيرتنا بالوراثة عن ابيه – كما عمي ابو خيرية- يملك خمسة دونمات ، دونمين ونصف ورثها عن ابيه الحاج سلمان ودونمين ونصف ورثتها امي عن ابيها الحاج سالم ، وكلها كانت ارثا من جديّ والد الحاج سلمان والحاج سالم، اذن فنحن نعتبر من العوائل متوسطة الدخل ، بالقياس الى ابي راضي الذي يمتلك عشرة دونمات .

ثم فتحت صفحة جديدة في السجل ورحت ادون : من المعروف للداني والقاصي ان ابي من اقرب اصدقاء الشيخ الكبير ، ومن المعروف جيدا ان الشيخ الكبير نهر من الخير كان يفيض على جنبيه ، وعلى احد جوانبه كان يقف والدي ،كما كان بعض افراد القبيلة ، وكنت اعلم علم اليقين ان الشيخ الكبير قد ارتحل من عالمنا هذا الى عالم الرحمن الرحيم دون خلف، وان يديه اللاتي كانتا تحمل الخير لنا قد انقبضت او انها صارت عظما نخرا ليس الا ، واعرف جيدا ان قبيلتنا ظلت بدون رأس يقودها ، اقصد بدون شيخ ، واعرف جيدا ان ابناء قبيلتنا الكبيرة قد تبخروا ، كانوا في قدرمغلق يغلي ، وعندما رفع الثقل عن غطائه – اقصد الشيخ الكبير - تبخر كل شيء ، ( حدث كل هذا قبل ان يفعل فعلته غورباتشوف بالاتحاد السوفيتي ويرفع يديه – كما ادعى في مذكراته – من على قدر الاتحاد الذي كان يغلي) ، كل هذا اعرفه ، واكثر منه ، لكن الذي لا اعرفه ان للشيخ الكبير ابنا يدرس في لندن ، وان شيخ سلف العماريين هو وكيله على حقوق المشيخة وابنه ، هذا ما لا اعرفه ، ويجب ان اعرف الصدق في الخبر.

مرة ، وكمن يحقق مع متهم، رحت اسأل ابي عن شيخ سلف العماريين ، سألته:

- لم اره يكثر المجيء الى مضيف الشيخ الكبير سوى في المناسبات وعند جمع وتوزيع الغلة ، فكيف اختاره الشيخ الكبير وكيلا ووصيا ؟

تعكرت صفحة وجهه السمراء المتغضنة ، ثم اصفرت ، وراحت شفتاه ترتعشان ، واحسست كأني ارى الى شعيرات لحيته البيض قد قفت من كلامي، ومن بين الشفتين المرتجفتين ، جاءني صوته متعثرا، مخذولا:

- ابني لماذا لا تسكت ؟ الله يلعن الساعة التي ادخلتك فيها المدرسة … كانت غلطة … غلطة كبيرة ، لم نحصل من جرائها سوى هذه الاسئلة النكدة .

ثم خرج ، ليس من الغرفة فحسب وانما خرج من باب الدار ، دون ان يقول شيئا اخر ، ويحمل الصمت غائما في عينيه غضبا.

الورقة السابعة:

مرت الايام بنا كما مرت على خلق الله منذ ملايين السنين .

الأيام تتسارع، وتمضي الشهور،والليل ينسلخ من النهار، والنهار ينسلخ من الليل ،وكلاهما ينسلخ من الاخر دون ان نعرف ايهما كان البداية ، انها حكاية البيضة والدجاجة ، ونحن لا نرغم تفكيرنا على الوصول الى نتيجة ايهما الباديء في الانسلاخ ،كما اصبح عليه الحال عند ابناء قبيلتنا ، اذ تناست الناس محنتها او انها ارتضت بما آلت اليه امورها، كما تناسى خلق الله محنهم منذ قتال هابيل و قابيل ، واصبح كل ما في ايديهم هو الاهم ، اما انا وراضي فلم ننس محنتنا .

كنا نعيش حياتنا الزوجية ، انا مع شقيقته ، وهو مع شقيقتي ، بروتينية قاتله ، تروس في آلة مزيتة لا تعرف التوقف ، فكان يومنا متشابها ، استنسخ بواسطة ورق الاستنساخ الاسود ، كنا ننام ليلا مع زوجاتنا ونمارس الجنس معهن وكأن شيئا لم يكن،او لم تكن خيرية قد قبلتني الاف القبلات ومصت شفتاي الاف المرات ، فيما تتراقص في رأسينا رغما عنا خيالات حبيباتنا بين الحين والاخر.

اخبرني راضي مرة:

- اصدقك القول يا خيري !

سألته مبتسما :

- وهل كنت معي في السابق غير صادق؟

رد علي ببرودة كثيرا ما عهدتها فيه:

- لا يأخذك تفكيرك الى ابعد مما اعني ، انا اريد ان اخبرك بعلاقتي الزوجية مع شقيقتك؟

قلت له وكنت اظن ان هناك ما كدر صفو تلك العلاقة :

- وهل آذتك بشيء؟

رد علي مبتسما وخجلا :

- كلا ، الا انني اريد ان اقول …

سكت خجلا بعض الوقت ، وعندما طال سكوته طلبت منه ان يخبرني بكل شيء، ولا يخبئ عني شيئا ، قلت له مؤكدا :

- انك تعرف انني سأقف الى جانبك في كل شيء.

ابتسم، ومن بين ملامح وجهه المليئة بالحياء تحدث بكلام متعثر:

- اعرف ذلك… الا انني اريد ان اقول لك … انني …اعيش مع زوجتي …– اقصد شقيقتك – حياة روتينيه، وما زالت فوزه تعيش معي .

ضحكت بصوت مجلجل ، وقلت له وكانت الكلمات تخرج من شفتي مملوءة بالضحكات :

- والحالة نفسها اعيشها مع شقيقتك ، فما الغريب في ذلك؟هذه هي الحياة .

سألني بعد ان وصلته عدوى الضحك :

- اصحيح ذلك ؟

وانا اوقف ضحكي ، وبشيء من رصانة لملمت اطرافها جيدا ، قلت له وانا ارتدي قناع الرجل الحكيم:

- راضي … ان المحنة كانت عظيمة ، وكان وقعها علينا شديدا .

سألني:

- وما ذنبنا نحن ؟

قلت له بذات قناع الرجل الحكيم:

- ذنبنا اننا ابناء هذه القبيلة.

سألني شبه غاضب بكلمات سبق ان قلتها له :

- وما ذنب ابناء القبيلة كلهم بذلك ؟

قلت برصانة الحكيم العارف بكل شيء:

- الاباء يزرعون والابناء يحصدون ، وهذا ما حصدناه انا وانت ، انها محنة الهية .

عندها كمن سمع ما يغيضه… ثار بحدة … نهض من كرسية واقترب من المنضدة الخشبية التي كنت اجلس الى جوارها … وضع يدية عليها واحنى ظهره وواجهني بالكلام ثائر قائلا:

- انت تقول هذا!!!؟ …انت خيري الدارس في الجامعة في بغداد تقول ذلك!!!؟…انت خيري الذي ملأت رأسك ورأسي بكتابات سارتر وكامو والوجودية تقول ذلك !!!؟

ثم صاح بأعلى صوته:

- خيري يقول ذلك يا ابناء القبيلة ويريد مني ان اصدقه؟

لم اره كما رأيته تلك اللحظة ، كان وجهه قد تغير لونه ، وصوته تغيرت نبراته حدة ، فيما فغرت انا فاهي وعيوني لم تتركه لحظة واحدة .

ودون سابق انذار عدل من وقفته ، ودار على عقبيه، ربما شعر بالانتصار او شعر بالخذلان، الا ان ما دونته بعد ساعات في سجلي في غرفة الخلوة على سطح دارنا هو : لم اشاهده مثلما رأيته اليوم هكذا ، كنت اعهده وديعا ، ولا يكثر الاسئلة ، وكان هو نفسه يعيب علي كثرة اسألتي ،- تساءلت – كيف حفظ هذه الاسماء الوجودية وكان هو عندما كنت احدثه عنها يهرب مني في بادئ الامر، وعندما عرف ان هروبه مني يزعجني – وهو لا يريد ازعاجي ولا يحب زعلي – ولا طائل منه ، فأنا اذكر له – رغما عن انفه – كل ما اقرأه في هذه الكتب،يبقى يسمع صاغرا صابرا، واليوم صباحا وفي غرفة المدرسين في المدرسة – المدرسان الوحيدان فيها هما انا وهو – كان احتجاجه على ما قلته قد جاءني عاليا متفجرا ، حتى انني خلت ان كل كلمة قالها قد سمعها طلاب مدرستنا – اقصد الطلاب الخمسة فقط في مدرستنا – الا انني حمدت الله انهم لا يعرفون اصحاب الاسماء التي ذكـرها ، وحتما انهم لم يحفظوها ، لكن الذي قاله ضرب في صميم افكاري ، عندما ذكـّرني بسارتر وكامو والوجودية ، لم افاجأ … لانهم ما زالوا معي هنا ، فأفكارهم المطروحة في كتبهم ما زالت على رفوف مكتبتي الصغيرة ، وما زلت اعود اليها بين وقت واخر ، واعترف ان تفكيري مفارق لهذه الافكار، لان مجتمع قبيلتنا لا يسمح لها ان تظهر ، او لنقل بدقة انها غير مستوعبة من عقولهم ، الا ان راضي – كما ظهر اليوم لي – يفهم ذلك ولهذا قال لي ما قال .

تساءلت ، ودونت تساؤلي في السجل : هل فهم راضي سارتر والوجودية والوجود والعدم اكثر مني ؟ ام انه فهم ما يمكن فهمه من خلال ما كنت اذكره له ؟

كان عليّ ان اتأكد من ذلك منه ، ولكن – تساءلت – ما علاقة الوجودية بالمحنة التي مرت بقبيلتنا وما زالت اثارها عميقة ليس في وجداننا فحسب ، وانما كانت ظاهرة في كل ما هو موجود في الحياة ، فقد يبست الاف الدونمات من الارض ، واخليت دور من ساكنيها ، ولعب الرحمن او الشيطان بعقول ابناء القبيلة ، وراح قابيل وهابيل ويوسف واخوته يجولون ويصولون دون عائق بين ناس القبيلة ، بل انهم دخلوا بين الاخ واخيه ، والابن وابيه ، والحبيب وحبيبته ، ولكن ما حدث لم يكن سارتر يعرف به ، ولم يكن قد درسه في فلسفته واظهره في كتبه ، لانني اعلم علم اليقين ان ما قاله سارتر ينطبق على المجتمع الغربي المادي ولا ينطبق على مجتمعاتنا الشرقية الاسلامية، او مجتمع قبيلتنا ،اما انني ذكرت انها محنة الهية ، فهذا ديدن ابي وابيه وناس قبيلتنا اجمعين عندما كانوا يسألون عن هذه المحنة فيجيبون انها محنة الهية، وحقيقة انها امتحان صعب، ان كان الهي ام غيرالهي ، فقد جرى هذا الامتحان علينا جميعا وحصلنا على نتائجه باليد وفي النفوس.

وتابعت التدوين :وانا اصلا – اكدت – لست شيوعيا او دارونيا او وجوديا كما اراد سارتر من الوجودية – حدثت نفسي – بل كنت معجبا بما كانت تطرحه فلسفته ، والذي قربني اليها احد الزملاء في قسمي وهو رجل متدين ، وحذرني من ان اؤمن بما جاءت به هذه الفلسفة حرفيا، وانما ذكرها لي وذكر مصادرها لانها ستفيدني كثيرا في قراءاتي ، قال لي محذرا:

- ليس ما يفيدك افكارها ، بل اقصد الاسلوب الذي طرحت من خلاله ، وقوانين الوصول الى تلك الافكار .

والحقيقة اقول لم افهم منه ما كان يرمي اليه ، لم اعرف ما الاسلوب الذي كان يقصده ولا القوانين ، فرحت اشتري جميع الكتب – بطبعات ترجماتها غالية الثمن – التي تتحدث عن الوجودية ، وحتى ادبها الروائي والمسرحي والقصصي ، فتضخمت عندي مكتبتها ، الا انني – وبعد المحنة خاصة- عرفت ان تحذير صاحبي في قسم التاريخ كان دقيقا .

اذن فأنا لم اكن وجوديا في نظرتي للاشياء ، وما زال ايماني بالله قويا ،وما زلت اقول ان المحنة التي عصفت بقبيلتنا هي امتحان الهي .

هكذا اكدت لراضي عصر ذلك اليوم بعد ان اغلقت سجلي واسرعت الى بيته ، وكان هو في غرفته الخاصة التي كانت شقيقتي تسميها صومعته العالية .

عندما دخلت عليه صومعته فاجأته – كما اخبرني هو – قلت له :

- راضي… انا لم اكن في يوم ما وجوديا، الا انني كنت اقرأ كتبها للاطلاع ليس الا، وما زلت مؤمنا بما اؤمن به ، ويؤمنون به ابناء قبيلتنا.

ضحك عاليا ، وراح يهدئ من ثورتي كما تفاجأ بها ، ثم قال :

- لم ارك مستفزا هكذا ، هل استفزك قولي صباح هذا اليوم ؟

قلت له : لقد كان كلامك سببا لي في مراجعة افكاري ، فتوصلت الى انني لم اعتنق الافكار الوجودية ابدا ، وانني كما انت وكما ابي وابيك وناس قبيلتنا ما زلت اؤمن ان كل شيء من عند الله .

قال بعد ان قدم لي قدحا من الماء البارد :

- ومن قال لك انني اؤمن بما يؤمن به والدي ؟

ذهلت لقوله … بل كان قوله مفاجأة لي بعد صداقة هذا العمر الطويل ، لهذا سألته قائلا :

- اعرف انك قليل الاسئلة ، واعرف انك كنت لا تتحدث معي الا عن فوزه ، واعرف انك عندما زاملتني في الجامعة كان قسمك في بناية اخرى بعيدة عن بناية قسم التاريخ ، ولكن اعرف ايضا اننا في قسم داخلي واحد وكنا نخرج سوية وندخل سوية ، الا انني لا اعرف ان لك افكارا غير الافكار التي كنت اعرفك بها قبل ان نذهب الى بغداد وندرس في الجامعة ، فهل كانت لك افكارا غير التي كنت اعتقد انك كنت تؤمن بها؟

لم يجب على تساؤلي ، الاانه طلب مني ان ارتاح ، قال :

- ان سلم دارنا صعب الارتقاء ، لم يكن البنـّاء الذي اضافه الى بناية الدار موفقا في تصميمه.

ثم راح يشرح لي افكاره، وكلها تصب في مجرى فوزه حبيبته التي اخذتها موجة المحنة كما اخذت معها ابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي خيرية ، وما كان يعتقد به عن مسؤولية الانسان عن افعاله ولا علاقة للاله فيها.

الورقة الثامنة:

غاب الوكيل اكثر من شهرين، وللحقيقة والواقع عاد لا كما ذهب (صعد لحم …نزل فحم)(*) ، ظل هناك شهري تموز وآب ، الشهران الحاران كالجحيم في العراق ، كنا نتلظى بحرارتهما ونكتوي بلهيبهما ، اما الوكيل فقد كان في جوغير جو العراق ، وكان يستنشق الهواء النقي فيما نحن نطلب من الله ان يغير من فتحات انوفنا لتكون واسعة لتستنشق هواء اكثر، خاصة في هذين الشهرين اللذين يقف فيهما الهواء كما يقف عزرائيل بوجه شخص ليقبض روحه، بل قل ينعدم الهواء ويصبح كالسلعة النادرة ، وفوق كل ذلك ، بل قل الادهى من ذلك البرقية التي ارسلها الوكيل الى ابي يطلب فيها نصف الحصه من حق المشيخة الذي جمع اثناء ذهابه لزيارة ابن الشيخ الكبيرالمغترب ، ويطلب كذلك ان يرسلها على عنوان عرفنا فيما بعد انه فندق خمسة نجوم ، قال الوكيل في البرقية: من وكيل الشيخ الكبير ووصيه على ابنه وعلى حقوق المشيخة، الى مساعدنا ابي خيري: ارسل – حفظكم الله – نصف ما بحوزتك، لان ابن الشيخ الكبير رحمه الله – الله يحفظه من كل مكروه ويعيده الينا سالما – يحتاج اليها لتسيير امور حياته في الغربة.

وفعل والدي ما امر به ، وذهبت انا وراضي الى بغداد وارسلنا الاموال اليه،عندها عرفنا ان العنوان هناك كان فندقا ينزل فيه الاثرياء،وفيه اماكن كثيرة للهو وصالات للقمار .

ذكرت ذلك لوالدي عندما عدت ، فبادرني قائلا :

- لا تظلم بختك ، الرجل عنده مهمة معينة ، وهو شخص مؤتمن ، استغفر الله يا ولدي .

بعد ايام جاء من يطلب والدي الى بغداد ، ذهبنا سوية انا وهو ، وهناك عرفنا ان الوكيل قد توفاه الله بحادث تحطم الطائرة التي كانت تقله، ثم ان ابنه الذي كان يعيش في بغداد والذي استقبلنا في بيته ، فرش امام عيني والدي ورقة قال انها وصلت من ابن الشيخ الكبير رحمه الله وتحمل توقيعه، قال لوالدي :

- إقرأ .

راح والدي يقرأ .

كنت ارى ملامح وجهه قد تغيرت ، لم يعد الوجه وجه والدي، احمر ثم اصفر ثم اصبح كقطعة قماش سوداء ، وراحت اليدان ترتعشان ، والشفتان المزرقتان اصبحتا يابستين مضطربتين، خشيت على ابي فأسرعت اليه ، اخذت الورقة وقرأتها ، وبينما انا اقرأ فيها نهض والدي وخرج دون ان ينبس ببنت شفة ، فرميت الورقة في وجه ابن الوكيل وخرجت خلف ابي ، و توفي والدي عند وصولنا الى ارض القبيلة مباشرة.

عندما دخل والدي المضيف الكبير وهو يترك السيارة التي نقلتنا من بغداد، كان يردد مع نفسه ( نحن دفناه سوية )(*) ولم اعر كلامه اهتماما لانني اعرف ما كان يقصده … دخل المضيف الكبير بعد ان وقف عند بابه ونظر اليه مليا … مدد جسده المنهك على سجادة المضيف ، في المكان الذي قبض فيه الشيخ الكبير ، اغمض عينيه ، وراح في سبات خلته انه كان بسبب التعب ، الا انني انتبهت بعد دقائق الى يده اليمنى التي كانت على صدره وقد سقطت الى جانبه ، فنهضت لاعدل من وضعية نومه ، وكانت المفاجأة ، كان جثة هامدة .

عرف القاصي والداني بموت والدي ، وجاء ابن الوكيل في اليوم الثاني لا ليعزينا بموت والدي وانما لينعي ابيه هو ، وامر ان ترفع الاعلام والبيارغ بهذه المناسبة ، واردف قائلا :

- وبمناسبة موت ابي خيري الرجل الذي خدم الشيخ الكبير ووكيله رحمهما الله والذي كان وصيا ثقة على اموال الشيخ الكبير وابنه الذي يدرس في ارض الغربة .

بعدها سكت ابن الوكيل ، اقصد ابن شيخ سلف العماريين ، وبعد لحظات تابع ما بدأ به ، قال :

- رحم الله والدي وابي خيري ، كانا رجلا صدق وثقة .

ثم صاح على رجل يرتدي بدلة افرنجية داكنة اللون كان يجلس في وسط الصف الجانبي للمضيف ، قال له :

- اقرأ يا رديف برقية ابن الشيخ الكبير .

نهض الذي لا نعرف عنه شيئا والذي ناداه ابن الوكيل بـ (رديف) واخرج ورقة من جيبه ، هي الورقة نفسها التي قرأها والدي وتبدل لون وجهه ونهض على اثر قراءتها وغادر بيت ابن الوكيل ثم حصل الذي حصل فأختاره الله الى جواره رحمه الله ،وهي الورقة نفسها التي قرأتها انا ، وراح هذا الشخص يقرأ.

بعد ايام من انقضاء مجلس الفاتحة ، رحت ادون في سجلي وما زالت ربطة العنق التي ارتديها سوداء اللون ، و ثياب أمي واختي وزوجتي وكل نساء قبيلتنا سود حزنا على والدي لا على الوكيل ، دونت في السجل الاتي :

برقية ابن الشيخ الكبير :

توقف القلم عن الكتابة لحظة ثم خربش على الورق ما يشبه الهلالين ووضع بينهما العبارة التالية : (هذا ما زعمه الوكيل الجديد، كما زعمه قبل سنوات والده الوكيل الاول) ثم اكملت تدوين البرقية حرفيا كما قرأتها في بيت الوكيل الجديد في بغداد وكما سمعتها في المضيف الكبير، وكما سمعها كل من حضر : من ابن الشيخ الكبير رحمه الله الى ابناء قبيلتنا…. انعي اليكم وكيلنا رحمه الله ، كان رجل صدق ورجل ثقة، واقيم عليكم وكيلا لنا ابنه وفقه الله . التوقيع ابن الشيخ الكبير رحمه الله .

ودونت : تعالت اصوات الرجال الحاضرين في المضيف ، فمنها من انكر ومنها من كان مؤيدا .

واردف (رديف) قائلا:

- هو توقيع ابن الشيخ الكبيرعندما كان يراسل الوكيل رحمه الله .

عندها دخل مجموعة من الشباب لم نعرفهم ، قد وصلوا بسيارات غير سيارة ابن الوكيل يحملون الهراوات الى المضيف وحملوا كل من اعترض ورموه خارج المضيف وطلبوا منهم ان يغادرو ارض القبيلة والا …!!!؟.

وطار الطير على رؤوس من بقي في المضيف ، وبعد لحظات قام الشخص الذي قرأ البرقية مرة ثانيه وطلب من الجالسين ان يهنؤا الوكيل الجديد .

تثاقل الجالسون اول مرة ، فقد كانوا مذهولين لسماعهم الخبر، تبادلوا النظرات فيما بينهم ، وعندما شاهدوا ابا راضي يتقدم من الوكيل الجديد ليهنئه ، قام الجميع ليهنؤا الوكيل الجديد الواحد تلو الاخر، وعندما انتهى المهنؤون، تحرك الوكيل نحو باب المضيف الكبير وخرج ليركب سيارته بعد ان ذكر ان مساعده هو ابو راضي .

كنت انا وراضي نجلس قرب باب المضيف الكبير ، سمعته يقول بصوت خفيض بينه وبين نفسه الا انه حاول ان يسمعني اياه :

- تم تسليم الراية من سارق الى سارق.

ابتسمت ، وكادت ضحكة عالية تفلت من فمي ، الا اني كتمتها بصعوبة وقلت بنبرة الصوت الخفيض الذي قال به راضي رأيه :

- والله صحيح .

الورقة التاسعة:

مرت الايام ثقيلة بعد موت ابي الذي فقدت بموته رجل ثقة للاخبار على الرغم من انها كانت قليلة ، وكانت اغلب اجاباته على اسئلتي هو انه سيخبرني في المستقبل ، فهل كان والدي يعرف انه سيموت مبكرا ولا مستقبل لاسئلتي ، ام انه كان يريدني ان لا اعرف ما كنت ابحث عنه ؟

مرة، وانا اسأله بعض الاسئلة ، قرأ امامي من سورة(المائدة ) :

بسم الله الرحمن الرحيم : (( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين…)).

كل شيء كان واردا ،الا ان المهم في الامر ان والدي لم يخبرني اجوبة الاسئلة الكبيرة التي كانت تجول في تفكيري .

قلت مع نفسي اذ لا غيرها يسمعني في غرفتي العلوية: سأعتمد على راضي في معرفة تلك الاجوبة ، سأعلمه كيف يكثر الاسئلة ، وكيف يطرحها على والده ليحصل على الاجابة ، الا انني وجدت ان هذه الفكرة فاشلة من الاساس ولا جدوى منها ، اذ تساءلت: من يضمن ان ابا راضي سيكون صادقا في أجوبته ؟ ومن يضمن انه كان يعرف بمجريات الاحداث كما كان ابي القريب من الشيخ الكبير ومن ثم وكيله شيخ سلف العماريين ؟

تركت الفكرة وقد قر رأيي على فكرة اخرى ، رحت ارسم مخططا لها على صفحات سجلي ، واكدت مع نفسي : اذا اكتملت الفكرة من كل جوانبها في سجلي اخبر راضي بها ،واطلب منه ان يشاركني في تنفيذها .

فتحت السجل،ودونت في يومه وتارخه اسماء كنت اعرف انها ستساعدني على معرفة الحقيقة ، وهي كما دونتها في السجل : العم نهر اخي الشيخ الكبيرالذي طرد من قبل الوكيل الاول ورمي بأقذع التهم لانه جاهر بقول ما لا يجب قوله بوجود الوكيل، ثم وضعت اسم الشيخة وردة زوجة الشيخ الكبير التي اخذتها النساء اللاتي جاء بهن القاضي من بغداد ولم تعد الى القبيلة مرة اخرى ، ثم وضعت اسم ام الشيخ الكبيرالتي لم اعرف عنها شيئا ، ثم رسمت حول الاسم دائرة ورسمت سهما وكتبت تحت السهم وبين هلالين (اذا التقيت بها).

ثم دونت الاتي : الطلب من راضي ان يوافقني الخطة .

ثم كتبت : اذا وافق راضي سنقدم طلبا الى وزارة التربية ليتم نقلنا الى بغداد قربيا من العم نهر وزوجة الشيخ الكبير ، وان لم يوافق سأطلب انا لوحدي النقل، ولا بأس ان اصطحب زوجتي معي لانها ستفيدني كثيرا مع زوجة الشيخ الكبير التي عاقبها الوكيل لكذبها ، بأن حرمها من حقوق المشيخة بعد ان جاء بشهود زور وبالاتفاق مع ام الشيخ الكبير ، وشهدوا بأن وردة لم تكن زوجة للشيخ الكبير، بل هي خادمته الخاصة .

بعد ان دوّرت الفكرة في رأسي من كل جوانبها ، اتخذت القرار بتنفيذها حتى لو تطلب الامر ان اكون لوحدي .

في اليوم الثاني ، وفي غرفة المدرسين رحت اشرح لراضي الفكرة ،بعد ان اختمرت جيدا في رأسي ، كان جالسا امامي كتلميذ مجتهد يحاول جاهدا ان يستوعب كل ما اقوله ، وعندما انتهيت ، سألته :

- ها … ما رأيك ؟

نظر في وجهي مليا ، كانت ابتسامة صغيرة مرسومة على شفتيه، حرك يديه في الهواء ، ثم قال :

- لندق الجرس .

واتجه الى صوب المفتاح الكهربائي للجرس وضغط عليه ، فأمتلأت كل جوانب المدرسة برنينه ، ثم رفع اصبعه منه وانسل خارجا وانا انظر اليه .

بقيت لوحدي في الغرفة … لا اعرف ماذا اصنع بعد ان تركني راضي دون اجابة ، ولا تعليق ، حتى انه لم يرفض الفكرة وفي الوقت نفسه لم يوافقني عليها .

تساءلت :

- هل في خطتي ما يشير على فشلها ؟ ام انه اصلا لم يوافق على القيام بتنفيذها معي؟

وانتظرته ليعود بعد انتهاء الدرس ، يجب ان اقنعه بفكرتي ، يجب ان يشاركني راضي الصديق الصدوق بالفكرة وتنفيذها ، يجب ان تكتمل الحقيقة كلها ، سأثير امامه كل القضايا المشكوك فيها ، سأذكره بما قاله في المضيف الكبير عندما سمى ابن الوكيل سارقا يسلم لسارق ، سأسأله ان كان يعتقد ان ابيه هو سارق ايضا ، واسأله عن ابي ، وما رأيه فيه ، وهل يعده سارقا ايضا ؟

اسئلة كثيرة دارت في رأسي وانا جالس امام شباك الغرفة انظر الى الارض السبخة التي تسمى حديقة ، حتى الاشياء تغيرت اسماءها ، لم يبق شيئا لم يتبدل ، الصادق اصبح كاذبا ، والكاذب سمي صادقا ، والورقة العراقية الصنع جاءت مكتوبة من لندن ، وابن الوكيل اصبح وكيلا ، وزوجة ابي الثانية لم اعرف عنها شيئا بعد ان تزوجت غير ابي واخذت القصر الذي كانت تسكنه والذي اشتراه والدي هدية لها بعد ليلة قضاها في فراشها، فيما كانت امي وابنة عمه في فراشها تفكر فيه وبمن يغسل ملابسه… وبنوعية اكله… لقد تغير كل شيء … اخذت معها الحلي الذهبية التي كان يغدق عليها لتبقي تبيع جسدها الشاب لرجل عجوز مثله ، لقد تغير كل شيء.

وعاد راضي من درسه … واعدت مرة ثانية عرض الفكرة امامه ، وانتهت الاستراحة بانتهاء عرض الفكرة ونهض راضي ليضغط على الزر الكهربائي للجرس، فاسرعت الى منعه ، وامرته ان يجلس ، فأنا المدير وانا المسؤول عن الدوام ، ثم خرجت وصحت على الطلاب الخمسة وطلبت منهم ان يذهبوا الى بيوتهم .

عندما عدت الى الغرفة وجدته يبتسم ، سألني :

- ماذا تريد بالضبط؟

قلت له :

- الان عدت لي الصديق الامين على اسراري كما كنت سابقا.

قال والابتسامة ما زالت على شفتيه :

- الا انني سأساعدك دون ان انتقل الى بغداد.

سألته مستفسرا:

- كيف ذلك؟

قال :

- سأبقى هنا لاعرف اكثر مما كنت اعرفه من والدي او من بعض مريديه الذين احاطوا به طمعا بماله بعد ان اصبح مساعدا للوكيل الجديد.

قلت مندهشا:

- الا انهم لا يعرفون شيئا ؟

ابتسم وقال :

- انت الذي لا تفقه شيئا … انسيت انهم كانوا من العوائل الساكنة في بغداد؟

اجبته :

- اعرف ذلك .

سألني :

- الم يكونوا من جماعة اخي الشيخ الكبير، العم نهر ؟

اجبته :

- نعم… انهم كذلك.

قال :

- واكثر من ذلك… ان اغلب العوائل التي عادت الى اراضيها بعد ان ارتحلوا بعد المحنة هم من السلف الذي كانت منه زوجة الشيخ الكبير التي ادعت حملها .

وهويت على المنضدة الخشبية التي امامي بضربة قوية من كفي :

- لعنة الله على الشيطان …لقد غابت عني هذه الامور .

فقال:

- اذن سأكون مفيدا لك هنا اكثر لو كنت معك في بغداد.

لم اقل له شيئا ، ورحت افكر بالامر مليا ، ثم قلت له:

- الا انني ارى ان انتقالك معي الى بغداد اكثر فائدة ، خاصة اننا نستطيع زيارة الاهل هنا ، وعندها يمكن ان نحصل على ما نريد ان نحصل عليه من هذه العوائل العائدة .

الا انه اصر على البقاء … وقال لي :

- توكل انت على الله واطلب النقل ، وسأكون انا ذراعك الايمن هنا .

وذهبنا الى بيتينا بعد الظهر بساعتين .

الورقة العاشرة:

وانا اقدم طلب نقلي الى بغداد ، واعرف انه لا يتم الا بعد انتهاء العام الدراسي الحالي ، حدث على ارض قبيلتنا ، والادق على ارض عشيرتنا وفيما بيننا ، ما هو اكثر غرابة و ما لم يكن في الحسبان ، وهو طلب الوكيل الجديد يد راضية اخت راضي الصبية التي لم تكمل الخامسة عشر من عمرها زوجة له ، وقبول والدها ، ورفض اخيها راضي هذه الزيجة.

كان راضي رافضا لفكرة زواج اخته راضية في هذا العمر ، ومن ثم – كما قال لي – يرفض ان يتزوجها الوكيل الكذاب والذي يكبرها باكثر من اربعين عاما .

قال لي غاضبا :

- سأجعل من ارض قريتنا مسلخا له ولاعوانه ان تطلب الامر .

وعندما طلبت منه ان يهدأ ، قال :

- وكيف تريدني ان اهدأ؟… ها ؟

سكت بعد ان سمع طرق ساعي المدرسة، جميل ، باب الغرفة ، فصحت :

- تفضل يا جميل .

دخل جميل وقال:

- ان ابن الوكيل ، اقصد الوكيل الجديد يطلب ان يرى راضي.

صاح راضي مهتاجا :

- اطرده … والا سأبتلي به ؟

طلبت من جميل ان يسمح له بالدخول .

غضب راضي ، وازداد هياجا ، ونهض من مقعده وحاول الخروج من الغرفة، فمنعته ، واعدته الى مكانه .

دخل الوكيل الجديد الغرفة، كان في منتصف العقدالخامس من عمره ، بدين اكثر من بدانة القاضي اللحيم الذي كتب وصية الشيخ الكبير، قصير القامة ، اسمر الوجه ، اصلع ،فيما شعر يديه كثيفا كقرد، ويمكن ان تطبق عليه مقولة الكاتب الانكليزي الساخر برنارد شوعندما سألته احدى نساء الصالونات الارستقراطية هناك عن صلعته وكثافة شعر لحيته اجابها : وفرة في الانتاج وسوء في التوزيع ، وهكذا كان الوكيل الجديد ،فيما ترتسم حول عينيه هالات سود ، وكانت رائحة زكية تنتشر حوله ، وتسبقه الدخول … القى التحية … لم يجبه راضي بل اشاح بوجهه جانبا ، قلت له تفضل بالجلوس ، ودون أي مقدمات سألته :

- ماذا تريد ؟

انتبه الوكيل الجديد الى انه غير مرحب به بيننا من خلال نبرة صوتي وسؤالي المباشر له… نظر الى راضي ، فرآه ما زال مشيحا بوجهه عنه ، ثم نظر نحوي فوجدني انتظر جوابه ، عندها قال باستعطاف :

- استاذ خيري…انا دخلت من الباب ، فلماذا يرفضني ؟

انتظر مني الجواب ، وعندما لم اقل شيئا تابع بنفس النبرة:

- طلبتها على سنة الله ورسوله.

ادار راضي وجهه بقوة وبسرعة وكأنه لدغ ، واراد ان يتكلم فصحت به :

- اسكت يا راضي.

اعاد وجهه الى الجهة التي كان مشيحا اليها ، تابع الوكيل قوله :

- وان والدها قد قبل الطلب ، وانتم ابناء عشائر وتعرفون الاصول ، عندما يتخذ الاب قرارا فعلى ابنائه الطاعة .

صاح راضي كالملدوغ بين انفاس متسارعة كأنها تسابق الكلمات:

- وهل تريد ان تعلمنا الاصول يا ابن المدينة؟

صحت براضي ناهرا :

- ليس هذا تفاهما ، لتكن اعقلنا – وانا اريد ان اقول له كن اعقل من الوكيل الجديد– اسكت يا راضي ، الرجل طلب شيئا وعليك ان تجيبه ، كل طلب وله اجابة .

لاذنا بصمت عميق ، ومرت دقائق دون ان تقال كلمة واحدة ، وكان رأس الوكيل يدور بين راضي و بيني ، فيما كان رأس راضي متحولا الى الجهة الاخرى ، وقد انفتل جسده على كرسيه ،تحركت قليلا على كرسيي، وقلت موجها كلامي الى الوكيل الجديد:

- الا ترى انها اصغر من ابنتك ؟

اجاب :

- لا يقف العمر حائلا دون الزواج.

قلت له :

- هذا صحيح ، ولكننا في عصرانتشار التعليم ، وقد اطلعنا على الامور الصحيحة ، فكانت تؤكد على تناسب العمر .

سألني :

- وهل تظن ان علماء ديننا مخطئين في موافقتهم على هذا الزواج ؟

ابتسمت وقلت له:

- وهل يهمك امرهم ؟

وانا اعرف انه ابعد من ان يهتم بأمر الدين .

قال متصنعا الخشية:

- نعم ، انهم الاوتاد في ارض الله .

عندها دخل الغرفة الساعي جميل وهمس في اذني كلاما استفزني ، الا انني استطعت ان اسيطر على نفسي، وقلت للوكيل الجديد:

-السيد الوكيل اطلب من حمايتك ان يخرجوا من المدرسة ، انك في امان بيننا.

ارتبك بادئ الامر ، ثم خرج اليهم ، وبعد دقائق عاد الى الغرفة بعد ان اطمأن على خروجهم من المدرسة .

سألني مبتسما قبل ان يضع جسده اللحيم كجسد القاضي :

- لم نسمع رد الاستاذ راضي ؟

تحرك الاستاذ راضي في كرسيه ، وعدل من جلسته ، وقال مخاطبا الوكيل بغضب بان على كلماته :

- اتريد جوابي ؟

و بنبرة غير عدائية بدا واضحا لخيري ولراضي انه لا يريد الا ان يديم علاقته بهم ، قال:

- هذا مهم عندي .

صاح راضي مهتاجا:

- خذ حمايتك واخرج من ارضنا والا فأنا استطيع التعامل مع هؤلاء الغجر ،وأعلى ما في خيلك اركبه، اخرج قبل ان أيتـّم بناتك؟

شحب وجه الوكيل وبدى مثل تمثال من الشمع المتسخ ،واخذ يدير عينيه بيني وبين راضي ، والحق اقول ان انزعاجي منه ليس متعلقا بهذا الجدل الديني بقدر ما هو متعلق بصفاته واخلاقه وسلوكه وكبر سنه ، اذ رأيته شخصا متعاليا ومزهوا بنفسه اكثر من الزوم.

طلبت من راضي ان يهدأ:

- ان الرجل في حمايتنا ، هيا عد لمكانك .

نهض الوكيل وخرج من الغرفة، ثم من المدرسة ، وركب سيارته الفارهة ويمم صوب بغداد ، فيما تبعته سيارات حمايته، عندها غادرنا انا وراضي المدرسة .

كان هذا اليوم نحسا ، او- كما قلت مع نفسي – ان الخطة التي شرحتها لراضي هي النحسة … ضحكت في سري ، قلت مع نفسي ان كل ذلك تخيلات من اتعب تفكيره ، الا ان الامور لم تهدأ عند هذا الحد ، بل بدأت مرة ثانية ، ولكن في بيت ابي راضي .

جاءتنا شقيقتي زوجة راضي مسرعة، وطلبت مني ان ادرك راضي وابيه- واكدت بصوت عالي- انهما يتشاجران.

اسرعت انا وزوجتي رضية الى بيت ابي راضي القريب من بيتنا ، كانا متشابكين بالايدي ، فيما كانت راضية تبكي وتحاول ان تفرق بينهما وهي تقول لراضي لتقنعه: انا موافقة يا راضي ، انا موافقة على الزواج .

فيما راحت ام راضي العجوز المقعدة على سريرها المصنوع من الجريد (*)الذي كان يتذكر يوم ميلاد راضي عليه، تضرب فخذيها بكفيها وهي تصرخ مولولة، دخلنا الغرفة انا وزوجتي ، اتجهت لراضي واحتضنته من خلفه، استجمعت قوتي وحملته بين ذراعيّ واسرعت به خارجا ، اراد والده ان يتبعنا وهو يسب ويشتم ويتهدد ، فمنعته ابنته رضيه عن الخروج من الغرفة التي كانت ميدانا لتعاركهما .

اوصلت راضي الى برجه العاجي في الطابق الثاني، وطلبت منه ان لا ينزل ، وقلت له مؤكدا :

- اعتمد على صديقك ، سأحل انا المسألة .

وعدت الى ابي راضي الهائج كثور خرف ، و ما زال صياحه عاليا ، فيما كانت ابنته رضية وهي تحمل على صدرها ابننا الثالث الرضيع الذي اخذ بالصراخ ، تقول لابيها :

- لم يكن راضي وحده هو الذي لم يقبل ، انا اختها الكبيرة لا اقبل يا ابي ان ترميها هذه الرمية ، ماذا فعلت بك كي تزوجها لرجل بعمرك ؟

كان هو ينظر اليها دون كلام ، كان يحترمها ، خاصة بعد ان تزوجت وانجبت ، اما راضي فهو ابنه الكبير ، وكان يتباهى به في المضيف امام الرجال وفي كل مكان وكان يسمع كلامه على الرغم من انه ابنه ، و يقول انه متعلم ، ولا اعرف كيف حدث كل هذا؟

ونحن نقنع الاب ، نزل راضي من غرفته بعد اسوء لحظات عذاب مرت به – كما اخبرني – ووقف سادا باب الغرفة ، وقال بعصبية تبينتها من حدة الكلمات التي خرجت من فيه مزمجرة:

- هذا اخر كلام لي … زوّجها له وسأعيدها اليك ارملة قبل ان تصل الى بيته .

وخرج .

هنا بالضبط ، اطلب منك ايها القاريء اللبيب – ولاول مرة – ان تتصور او تتخيل مدى قوة وقع هذه الكلمات التي تفوه بها راضي ، ليس على ابيه فقط بل علينا جميعا ، اذ لم نكن نعرف مدى قوة وخبث هذا الوكيل المديني الذي يحميه شلة من الرجال من اصحاب البدلات والنظارات السود ، الا ان الحق يقال فهم لم يحملوا اية قطعة سلاح بيدهم او تحت ثيابهم .

كانت هذه الكلمات هي المفتاح الذي سأبدأ به كلامي مع اب زوجتي بعد ان خيم الصمت في الغرفة ، وشلت كل حركة منا نحن الموجودين فيها ،كان تهديدا مباشرا ، وكان ابو راضي يعرف جدية كل ما يقوله ابنه منذ ان كان طالبا في الجامعة ، وكان الاب يأخذ كلامه على محمل الجد ، وكان كلام راضي هو الصحيح دائما ، لهذا كان ابوه يأخذ به ، وينفذه ، وعندما اصبح مساعدا للوكيل لم يتدخل راضي بهذا الشأن، ولم يقل شيئا ولا خاض فيه .

اذن سيكون زواج ابنته راضية فتحا لباب اسالة الدماء بين ابناء القبيلة الواحدة،ومن ثم سجن وربما اعدام ابنه راضي ، وهو لا يريد ذلك ، كل الذي كان يريده – هكذا قال لي ولرضية زوجتي بعد ان اختلى بنا في غرفة اخرى من البيت – ان تتوطد علاقته بالوكيل ، وان يشترك راضي ايضا في هذه العلاقة ، خاصة وان الوكيل لم ينجب ولدا من زوجته الاولى ، كانت كل ذريته اناثا ، و تساءل:لماذا يريد راضي ان يهدم ما بدأت ببنائه ؟ الم يكن ذلك لفائدته وفائدة ابنائه ؟ الم يكن لفائدة راضية ؟ ام تراني قد اخطأت يا خيري؟

لم اجبه ، وانما تحدثت رضية وهي تهدهد ابننا الرضيع على صدرها وتقبل كل شيء من جسم والدها تستطيع الوصول اليه حتى اقدامه التي امتلأت راحتيها بالشقوق: ابي انك لم تخطئ ، الا انك لا تريد من هذا الزواج ان يسيل فيه الدم ، ويتحول الفرح الى حزن ؟

وبعد حوار طويل ، اقتنع ابي راضي برأي راضي ، عندها قالت رضيه وهي تشاطر طفلها بكاؤه وعويله :

- سيأتي راضي ويقبل اقدامك ويرضيك .

الورقة الحادية عشر:

لم يرجع الوكيل الجديد مرة اخرى الى ارض العشيرة ، الا انه كان بين فترة واخرى يأتي الى مضيف والده في الجانب الاخر من النهر،مضيف سلف العماريين، ويبقى عدة ساعات جالسا فيه هو وحمايته ،ينتظر ابناء سلفه ليقدموا له ايات الولاء، ولما لم يحضر فيه احد سوى بضعة رجال من كبار السن ليسلموا عليه ، كان هو يستعجل الرجوع الى بغداد موصيا سركاله (*) بعض الوصايا ،ومن ثو – كعادته – يكيل اللوم والعتاب لابناء سلفه الذين لم يحضروا ليسلموا عليه ، فكان السركال يقسم له بروح الشيخ الكبير انهم خارج المنطقة ، او انهم يعملون في الارض ، ثم يوصيه بأن لا يكون متسامحا معهم ،خاصة ان دينهم من حق سلف العماريين قد اصبح كبيرا . ثم يصعد سيارته ويمضي الى بغداد وسيارات الحماية تتبعه .

اما مضيف الشيخ الكبير فلم يصله بعد ان وصل تهديد راضي اليه كما تناقلته بعض الالسن المتدربة على نقل الكلام ، وكان راضي هو الذي رغب بذلك ، الا انه كثيرا ما كان يرسل بطلب ابي راضي ليسمعه كلاما قاسيا عن عدم استعماله الشدة والقسوة مع ابناء القبيلة في جمع حق المشيخة ، ويؤكد له قائلا:

- انها امانة يا ابا راضي .

ويسكت ، ثم يؤكد قائلا :

- ماذا اقول لابن الشيخ الكبير المتغرب في بلاد الغربة – فرج الله عن غربته – ليكمل دراسته عندما يسأل عن اموال ابيه الشيخ الكبير …ها ؟

وما كان من ابي راضي الا ان يهز رأسه موافقا ، ثم يرفع يديه داعيا الله ان يحفظ ابن الشيخ الكبير ويفرج عن غربته ،وان يعيده سالما الى ارض قبيلته .

هكذا كانت تدار الامور بعد تهديد راضي للوكيل الجديد ولمن يقف معه وليجعل ارض القبيلة غارقة بالدماء… وهكذا راح الوكيل يسب ويلعن ابناء القبيلة امام ابي راضي عندما كان يستدعيه الى بغداد في بعض الاحيان في الفترة الاخيرة، ويؤكد له القول صارخا بوجهه: صغيرهم وكبيرهم - وكان يقصد ابا راضي وابنه راضي وخيري– لانهم يسرقون حق ابن الشيخ الكبير وهو غائب عنهم في ديار ليست دياره ، وناس ليسوا ابناء عمومته ولا حتى لغتهم تشبه لغته، انه غريب يا ابا راضي – يؤكد لاستعطافه – ويجب ان نقوم مقامه هنا لحين عودته ، ثم بهدوء وتمسكن يقول :

- اليس كذلك يا عمي ابا راضي ؟

ظلت الامور تجري هكذا بين الوكيل وابي راضي حفاظا على اموال ابن الشيخ الكبير من ابناء قبيلته كما كان يدعي، وهكذا- ايضا – ظلت الامور تجري بين الوكيل الجديد ، بعد ان اصبح شيخا لسلف العماريين بعد موت ابيه، وبين سركاله في مضيف العماريين الواقع في الضفة الاخرى من النهر ، وكذلك ظلت العلاقة شبه متوترة بين ابي راضي وابنه ، الذي (فلكش)(*) – كما قيل وقتها – زواج الوكيل من اخته راضية، وقد اخذت السن ابناء القبيله كلها ، وعلى كل ارض يسكنون عليها تلوك الحكاية في كل مكان وزمان ، اصبحت كالهواء، فمنهم من اعترض على الوكيل الجديد ووقف بجانب راضي ضد ابيه ولكن بالكلام المهموس ، اذ كانوا يرددون: ان الوكيل لم يقنع بالاستيلاء على حق الشيخ الكبير بل اراد ان يستولي على بنات القبيلة، ومنهم من وقف ضد راضي - خاصة الرجال المسنين – بجانب ابيه ، وايضا بالكلام المهموس فقط وهم يرددون كلاما مفاده: انه طلبها على سنة الله ورسوله .

في ظهيرة يوم فائر ، والشمس في كبد السماء ، والاجساد تنز ذلك السائل الدبق ، والهواء ساكنا ولا تلوح فيه نسمة باردة واحدة ، وقف راضي وهو يرتدي لباسه الداخلي القصير حد الركبة في باب غرفة الخطار التي كان يجلس فيها والده ، سادا الهواء عنه والتي عجزت مبردة الهواء التي تعمل على ان تلطف من حرارته ، وقال دون ان يرمي السلام عليه :

- قدمت طلبا للنقل الى بغداد ، وسأرحل مع زوجتي وامي وراضية .

قال ذلك بنبرة حادة وترك الباب وعاد الى غرفته ولبس دشداشته البيضاء الخفيفة وخرج من الدار .

ران صمت قاتل في غرفة الخطار ، كان ثقيلا بثقل الهواء … تملل ابو راضي على البساط عدة مرات ، تأفف ونفخ الهواء الثقيل من فمه ضجرا ، واحساس طاغ بأن ابنه البكر تركه على حافة هاوية عميقة مظلمة ثم نهض ودخل غرفة زوجته التي اقعدها مرض المفاصل،قال بنبرة غاضبة:

- ماذا جرى لابنك …ها ؟ كسر كلامي وهدد الوكيل وفلكش الزواج … ماذا يرد بعد ذلك …ها ؟

لم تجبه بكلمة ، تلجلجت عينيها بالدموع ، فضاقت واستحالت الى ثقبين اسودين غام عنها كل شيء،و راح انينها شبه المكتوم يتصاعد … ويخرج الى باقي غرف ومشتملات البيت ، وشيئا فشيئا اصبح كلاما حزينا، ثم شعرا مما تردده النساء على خيبة املهن بابنائهن .

جاءت زوجة راضي رسمية وراضية مسرعتان الى غرفة العجوز قعيدة الفراش بعد ان سمعتا النحيب المتصاعد ، وقفتا عند الباب ، قالت رسمية تكلم ام زوجها المقعدة:

- لماذا تبكين يا عمه ، ان بغداد ليست بعيدة ، وانتم تعرفون ان راضي اذا قررشيئا ينفذه .

رد ابو راضي متأففا :

- لقد اقنعه خيري بذلك .

ردت رسمية عليه وقد سمعت ان والد زوجها ابو راضي يحمّل اخيها سبب نقل راضي :

- لا يا عمي لا تظلم بختك … قدم خيري طلب النقل منذ نصف السنة ولم يكن راضي موافقا عليه ، الا ان ما حدث بخطبة راضيه هو السبب… وانا بدأت اخاف على راضي بعد ان سمع الوكيل تهديده .

عند هذا الحد تركت رسمية الكلام مع والدي زوجها ، وخرجت من الدار وهي توصي راضية ان تضع ابنيها النائمان نصب عينيها.

عندما دخلت دار والديها التقتها رضية حاملة (جك)(*) الماءالمثلج مع قدحين ، وعرفت كلا المرأتين مراد الاخرى ، فأومأت رضية برأسها مشيرة الى غرفة راضي فوق السطح … صعدتا الى الغرفة، وهناك جلستا كل قرب زوجها ،كانت الغرفة تئن تحت صمت ثقيل والفضاء الخارجي يئن تحت شمس لاهبة ، ومبردة الهواء تجهد نفسها بلا فائدة ، والعرق يتصبب على الوجوه وتحت الدشاديش .

راحت اقداح الماء المثلج تتحرك من يد الى يد وهي تنقل الماء من (الجك) الى الافواه اليابسة والوجوه المحترقة من شدة حرارة الجو .

لم ينبس احد ببنت شفة يابسة … وكانت العينان من كل وجه هما المتحركتان الى اللا مكان …

انهد الصمت بسؤال راضي لزوجته رسمية :

- اين البنات؟

شعرت رسمية بكلام راضي يأتيها منكسرا خاويا لا كما عهدته ، فردت بلا تكلف وبلا مبالاة قائلة :

- انهن نائمات .

وعاد الصمت مرة اخرى ليخيم في جو الغرفة ، حتى بدده مرة اخرى قول راضي وهو يسأل رسمية :

- واين راضية ؟

ردت عليه كردها الاول :

- مع البنات.

كان كل من في الغرفة لا يريد الكلام ، وانما كان راضي يجبر نفسه على ان يقول شيئا، الا ان رسمية هي الاخرى لا قبل لها بالحديث في أي موضوع بعد ان سمعت قرار زوجها بالانتقال الى بغداد … فهي بين نارين ، اما القبول بالرحيل كما رحل الاخرون والابتعاد عن ارض عشيرتها ومعارفها ، او رفض الرحيل، عندها تفقد اعز رجل في حياتها ، فقررت الرحيل مع زوجها ، واكدت مع نفسها ان المرأة تتبع الرجل اينما ذهب؟

وفي الوقت نفسه كانت رضية تفكر في الامر ذاته ،خاصة بعد ان عرفت ان اخاها سيأخذ معه امها المقعدة ، واتخذت القرار ذاته الذي اتخذته حماتها وهو ان المرأة تبع للرجل اينما كان .

ويصوت واحد كسر الصمت الجاثم في الغرفة ،قالت المرأتان :

- نحن معكما .

الورقة الثانية عشر:

انتقلت وعائلتي المتكونة مني ومن زوجتي رضية واطفالي و والدتي المرأة العجوز المنكسرة بفقد زوجها وابن عمها الذي عرفته اكثر من خمسين سنة منذ ان كانت طفلة تحبو على الارض الى ان تذكره الله واخذه الى جانبه ،وعائلة راضي المتكونة من راضي وزوجته رسمية وابنتيه وامه المقعدة واخته راضية ، استأجرنا دارا في احدى ضواحي بغداد التي ضمت الكثير من ابناء قبيلتنا الذين ارتحلوا بعد المحنة ،وسكنا فيها كلينا ، فيما جاء اثنان من مدرسي بغداد الى المتوسطة الخاصة بأبناء العشيرة ليدرسا فيها ، بعد ان اصبح عدد طلبتها اربعة لترك الطالب الخامس لها بعد رسوبه في امتحانات نصف السنة ، فما كان من والده مشغل ماكنة سحب الماء من النهر الى الاراضي الا ان يأمره بترك المدرسة ومساعدته في تشغيل الماكنة لكثرة الطلب على مياه السقي بعد ان امر الوكيل الجديد مساعده ابي راضي ان يطلب من ابناء العشيرة زراعة كل الارض المتروكة بسبب ارتحال اصحابها ، لان ابن الشيخ الكبير – فرج الله عودته الينا سالما كما ردد الوكيل – يريد ذلك .

في ليلة اول يوم لنا في الدار الجديدة ، وبعد ان اتممنا تنظيم ما معنا من اثاث ، جلست على سرير نومي،فيما الليل يملأ الفضاء المحيط بدارنا ،و كانت زوجتي رضية تغط في النوم بسبب التعب الذي اصابها جراء تنظيم الاثاث ، وبدأت ادون في سجلي الذي انتقل معي، الاتي من الوقائع والاحداث والاقوال:

هذه اول ليلة لنا في هذه الدار التي اصبحت دارنا ، وبتاريخه ووقته اذكر انني سألت عمي ابي راضي عن الوكيل الجديد ، وهل كان يعرفه سابقا ، ام لا ؟

قال لي مساعد الوكيل الجديد ابو راضي وانا في بيته، وكان راضي جالسا معنا، فيما كانت رضية زوجتي ورسمية شقيقتي وزوجة راضي في غرفة المرأة العجوز المقعدة:

- نعم .

وسكت كما كان يسكت ابي رحمه الله .

سألته :

- وماذا تعرف عنه ؟

رد علي قائلا :

- لقد ولد في بغداد عندما كان والده – ابن شيخ العماريين في ذلك الوقت – شابا يكمل دراسته هناك .

سأله راضي:

- وهل اكمل دراسته ؟

رد عليه والده بهدوء العارف بكل شيء:

- حسب علمي ان والده شيخ العماريين وقتها غضب لزواجه، واعاده الى ارض السلف ، وكان هذا الشاب الذي اصبح فيما بعد شيخا للعماريين ووصيا للشيخ الكبير رحمه الله على امواله وابنه الذي في دار الغربة ، يذهب الى بغداد دون ان يعلم به والده ، وبعد سنتين عرف الوالد ذلك، فما كان امامه الا ان يقبل في ان يأتي بزوجته الى ارض العماريين ويقيم في بيت والديه ، الا انه رفض وظل في بغداد .

سألت عمي، ابي راضي ، وكنت اريد ان احصل على معلومات اكثر :

- ولكن كيف اصبح ذلك الشاب شيخا لسلف العماريين ؟

اجاب كمن في امتحان :

- عندما مات ابيه شيخ العماريين عاد لوحده الى ارض السلف واصبح هو الشيخ على السلف، انه شيخ ابن شيخ .

سأله ابنه راضي مستفسرا:

- وزوجته وابنه هل بقيا في بغداد؟

اجابه والده :

- نعم ، ولحد هذه الساعة ، وانتم تعلمون ان الابن البغدادي اصبح شيخا على سلفه، ووكيلا لابن الشيخ الكبير فرج الله غربته، وهو يسكن بغداد .

وفي الليلة الثانية وجدتني في هدأت الليل اخرج سجلي من الديلاب الخشبي وادون فيه :

اليوم خرجنا انا وراضي الى مقهى المحلة التي يقع فيها دارنا ، وتعرفنا على صاحبها ، كان من ابناء قبيلتنا ، وليس من عشيرتنا ، انتقل الى بغداد بعد المحنة ، وتجاذبنا اطراف الحديث، وكان يعرف والدينا مساعدي الوكيلين .

كان الرجل، كما شعرنا وقتها ، يخفي شيئا في نفسه لا يريد ان يخبرنا به ، كان ضحية من ضحايا المحنة ، الا انه والحق يقال كان كريما معنا ورفض ان يأخذ ثمن الشاي الذي شربناه ، بعد ان عرف منا صحة قصة راضية و الوكيل الجديد الذي راح يشتمه ، وعندما انتبه الى انه يجلس مع رجلين من ابناء مساعدي الوكيلين اعتذر ، قال مبتسما:

- ستسمعون ذلك من جميع رواد المقهى، ومن جيرانكم ومن ابناء المحلة .

طمأناه ، قلت له :

- لا عليك ، نحن لا نأبه بذلك … ثق نحن معكم .

في اليوم الثالث ذهبنا عصرا الى المقهى ، وكان املنا في ان يساعدنا الحاج عبد – صاحب المقهى – في الوصول الى غايتنا ،وهي اللقاء بالعم نهر اخي الشيخ الكبير. قال لنا بعد ان سألناه :

- هذا امر بسيط … سيأتي نهر يوم الجمعة الى المقهى ، لان ذاك اليوم موعده هنا مع بعض معارفه من ابناء القبيلة .

انتظرنا يوم الجمعة والوقت يمرثقيلا، والانتظار ممل كما انتظر جدنا اسماعيل سكين ابيه ابراهيم . وجاء ذاك اليوم المعهود ، وقابلنا العم نهر ، رحب بنا وقال مبتسما :

- لا اسألكم عن احوالكم لانني اعرف بها اول بأول ، واعرف الدار التي استأجرتموها في المحلة ، ورحم الله الذي مات وهدى الله الحي من ابناء القبيلة الى سواء السبيل .

كان العم نهر بعد موت اخيه الشيخ الكبير ، وادعاء زوجة الشيخ الكبير بأنها حامل من الشيخ الكبير ثم تبين خلو رحمها من اية نسمة ، قد طالب بالمشيخة ، الا ان سرعة شيخ العماريين بأظهار ورقة الوصية ، ومن ثم وقوع المحنة ، وتفرق ابناء القبيلة في اركان الارض الاربعة، جعل صوت شيخ العماريين هو الصوت العالي ، فما كان منه ومن والدي ومن اتبعهم الا ان يسبوه ويشتموه ويوصمونه بالكذب بعد ان قال بعقم اخيه ، فبقي في بغداد،بعد ان كان نزيلها منذ ان كان والده هو الشيخ الكبيرالعاشر، ولم يفقد الصلعة التي تجمل رأسه والتي ورثها من والده الشيخ الكبير ، او يفقد حس الدعابة الذي كان يزهو به بعد ان وصم بشتى النعوت الشيطانية.

كان انيقا ، اناقة ابن شيخ كبير… وكانت له عادات بسيطة جدا ، كان يتبعها منذ ان ارسله والده الشيخ الكبير الى بغداد ليكمل دراسته ، وقد ازدادت او تغير بعضها بتراكم الزمن ومرور الايام ، فكان بعد ان ينهي دروسه في المدرسة التي كان يدرس فيها ،يعود الى البيت … يتناول غدائه ، ثم ينام القيلولة في كل ايام فصول السنة … ثم بعد ذلك ينهض بعد ساعة لا اكثر ولا اقل ، يدخل الحمام ليستحم مهما كانت فصول السنة او كان الموقف اليومي له ، يرتدي ملابسه ، ويبقى ساعتين لا اقل ولا اكثر يقرأ ، يقرأ كل شيء ، مجلات وصحف السياسة والادب والجنس والصحة العامة واخبار المحافظات ، وعندما تنتهي الساعتين يخرج بعد ان كان قد حلق ذقنه بعد الاستحمام وتعطر بماء الورد الذي يستخدم لبعض الحلويات، يذهب الى أي مكان … اما في يوم الجمعة فيخرج من الصباح ولا يعود الى البيت الا وقد صاحت الديوك بعد منتصف الليل ، كان يقضي جمعته في المقهى يتحدث في كل شيء او يلعب الشطرنج او الطاولي او الدومينو حسب اللاعب المقابل له ، اما غدائه فيتناوله اما عند صديقه صاحب المقهى، او في بيت الشيخة .

توطدت علاقتنا به وتوطدت علاقته بنا بعد ان تأكد بأننا ضد فكرة وجود ابن للشيخ الكبير في ارض الغربة ، واكد هو لنا :

- ان ذلك من المحال ، بعد ان اخبر اطباء بغداد ولندن اخي الشيخ الكبير – وانا الذي كنت معه – انه عقيم ، كانت كل التحاليل المختبرية تشير الى ذلك ، وكما اؤمن بأن الوحي قد نزل على سيدنا محمد (ص) فإنني اؤمن بأن اخي الشيخ الكبير عقيم لا ينجب .

سأله راضي :

- ولكن كيف ادعى شيخ العماريين ذلك الادعاء وفرق القبيلة ؟

قال :

- لماذا لم تسألوه وقتها؟

قلت له :

- ليس المهم ان نسمع منه ، وانما جئنا لنسمع منك.

قال:

- ربما اجابتي لا تنفعكم ، وسترمونني بالكذب كما فعل شيخ العماريين و ابويكما وبعض ابناء القبيلة .

ضحكنا انا وراضي وشاركنا هو الضحك ، ثم قال :

- انا اسف ، انني اثق بكما ، والكلام الذي قلته للمزحة .

سأله راضي :

- نحن متأكدون من ان الشيخ الكبير رحمه الله كان عقيما ، وان زوجته التي ادعت ما ادعت كان رحمها خاليا من اية نسمة ، ولكن اخبرنا عن هذه الرسائل التي ترد من ابن الشيخ الكبيرالمزعوم ؟

ضحك عاليا حتى ان صوت ضحكته دفعت برؤوس الجالسين الى التحرك بأتجاهنا ، قال :

- اعرف انكما الاثنان لم تصدقاها،ولكن ماذا فيها لانني لم اقرأها؟

اجبته :

- انا اعرف ما فيها … في الرسالة الاولى :ارسل النقود الى لندن ، وفي الرسالة الثانية : نعي الوصي الاول وتنصيب ابنه وصيا.

تسلم راضي الحديث مني وقال:

- و انا اعرف مضمون احدى الرسائل من ابن الشيخ الكبير الى الوكيل والوصي الجديد، يطلب فيها من ابناء القبيلة ان يسلموا الحقوق الى الوكيل ليرسلها له .

صمتنا قليلا كأن الذي كتب في الرسائل الثلاث قد ادهشنا ،ثم انطلقنا بضحكة عالية وطويلة شاركنا فيها كل الجالسين في المقهى .

الورقة الثالثة عشر:

كان العم نهراصغر من والدي رحمه الله في العمر، و اصغر من الشيخ الكبير بسنوات .

استمر العم نهر على زيارة المقهى ليلتقي بنا اياما غير يوم الجمعة ،وعلى الرغم من السنوات التي عاشها الا انه لم يتساقط من اسنانه سنا واحدا، كان ما يزال يمشي منتصب القامة ، ويضع دائما على شفتيه ابتسامة اللامبالاة ،وكان دائما يستطيع – كما ذكر لنا صاحب المقهى – ان يضع انواع التوابل في كلامه مما يزيد الاشتياق عند سامعيه لحديثه.

و لم يكن ما نسب اليه من صفات اوسلوك مشين من قبل الوكيل او بعض ابناء القبيلة الذين راحوا يمسحون اكتاف الوكيل ومن ضمنهم ابي وابي راضي اي اثر كما ترك مرض الجدري الذي اجتاح ارض عشيرتنا اثاره على وجه بعض الناس من عشيرتنا.

سألناه مرة عن زوجة اخيه المرحوم الشيخ الكبير ، وفيما اذا كان يعرف اخبارها بعد هذه السنين من وقوع المحنة وتفرق ابناء القبيلة ، قال نعم ، ثم اكد: وسأخذكم اليها في أي وقت تشاؤون .

سأله راضي :

- هل نأتي بنسائنا عند الزيارة ؟

ضحك العم نهر ، الذي خلع الزي العربي ولبس الزي الافرنجي ،من سؤال راضي وقال :

- ولماذا النساء ؟ هل نحن على اراضي القبيلة؟

اجبته :

- ربما لم تقبل ان تتحدث معنا .

ابتسم وقال :

- انها الان امرأة عجوز ، والحديث معها سلس كما هو معي عن هذه الامور التي مرت عليها سنوات .

قلت له :

- ولكن لماذا ادعت انها حامل ؟

مازال شبح ابتسامته على شفتيه، وما زالت اسارير وجهه تشي بما يدل على لا مبالاته ، وعلى انه لم يأخذ الامور التي جرت له بعد المحنة بجدية ، قال :

- عند ما نذهب اليها اسألوها وهي حتما ستجيبكم .

سأله راضي :

- وانت… الا تعرف؟

تحولت ابتسامته الى ضحكة عريضة، قال :

- ارجو ان لا تتهمونني بأنني قد اتفقت معها ، او ما اسموه في ذلك الوقت بالمؤامرة ، وكأنني كنت قد عقدت صفقة معها ، علما انهم يعلمون جيدا انني لم ازر بيت اخي قبل مرضه بأكثر من ثلاثة اشهر ، وعندما زرتهم في ذلك الوقت وجدت اخي الشيخ الكبير ممددا على فراش الموت ، وكان عزرائيل يحوم حوله ، وفي اليوم التالي اخذه معه ، فمن اين لي ان اتآمر مع زوجته ، الا ان شيخ العماريين عرف كيف يؤثر في بعض افراد قبيلتنا الذين لا هم لهم سوى الجلوس في المضيف وشرب السكائر واحتساء القهوة المرة، ومنهم ابيك وابي خيري .

قلت له ضاحكا:

- انت تعرف ان ابي لم يكن يشرب الاثنان .

لم يجب، الا انه ضحك ضحكة مجلجلة سمعها الذي يسير في الشارع وشاركناه انا وراضي الضحكة.

كان في صوت العم نهر لا مبالاة من يعتقد انه غير معني بكل ما جرى ، طالما ان ارضه التي ورثها عن والده، والتي تقع ضمن ارض سلف اخر بعيدة عن الوكلاء ، او التي ورثها عن والدته بعد موتها بالجلطة القلبية، تدر عليه اموالا كثيرة، وفوق كل ذلك لم يتحرك أي من الوكيلين لسلبه ارضه ، او كما قال مرة : لم يندق بي احدا منهم.(*)

اتفقنا مع العم نهر على ان نذهب سوية الى زوجة الشيخ الكبير صباح غد ، قال لنا :

- انها لا تبعد عن هذه المقهى سوى محطة واحدة بالباص .

عندها قررنا ان نذهب سيرا على الاقدام ، لان ذلك – كما قال لنا– سيفيدنا كثيرا في معرفة المحلة التي نسكن فيها .

اخبرنا بعد ذلك العم نهر من عدم وجود خلف لاخيه الشيخ الكبير لا في العراق ولا في أي مكان اخر من العالم ، وتساءل : اين الشاهد ؟ ثم اكد : كل ابناء القبيلة يعرفون ذلك ، واغلب شيوخ الجنوب يعرفون بعقمه ، لهذا كانوا يكنونه بـ (أبي غائب)(*) ، فمن اين جاءه هذا الابن الذي يدرس في لندن … ها ؟

كان كلامه صحيحا ، فلم نجبه بكلمة .

عرفنا بعد ذلك ان وفاة امه قد وقعت بعد اشهر قليلة من وفاة الشيخ الكبير ،بعد ان اقنعها شيخ العماريين بفكرته ، خاصة انها كانت تريد ان تحافظ على املاكها وعلى حق المشيخة، الا انها لم تعرف جيدا نوايا شيخ العماريين وطمعه.

قال:

- كان (في الوجه مرايه وفي الظهر سلايا ) (*)

وتابع قوله:

- كنت انا احذرها منه ،الا انها لم تسمع مني ، لانها كانت متعلقة الى حد ما بإبنها الشيخ الكبير، و في يوم من الايام سمعت والدتي انه قد اشترى عمارة له في بغداد . قاطعه راضي متسائلا:

- قيل بيت وليس عمارة ؟

اجاب :

- كلا ، انها عمارة من ثلاث طوابق .

وتابع قوله :

- المهم انها ارسلت بطلبه ، وكنت انا خارج العراق ، وعندما سألته عن العمارة ومن اين جاء بالثمن، أجابها بكل صلافة السارق الذي يريد ان يقول ها انا اسرقكم :

- انه حقي، وانا المؤتمن على اموال الشيخ الكبير وانت لا علاقة لك بذلك ، فقد اخذت ارثك منه ، ولايحق لك ان تتدخلي بمال الاخرين .

ثم تابع قوله بعد ان انقطع ليرد على تحية احد معارفه :

- عندها استشاطت غضبا منه وطردته ، وكانت خادمتها تتسمع لكل شيء ، وبعد لحظات اصيبت بالجلطة القلبية ، وماتت ، عندها هربت الخادمة الى بيت شيخ العماريين ، فاستضافها عنده، ولم اعرف انا بهذه الحادثة الا بعد ان مات الوكيل – شيخ العماريين – والتقيت صدفة بالخادمة بعد ان طردها ابن شيخ العماريين الوكيل الحالي، عندها لم يكن في اليد حيلة الا الصبر والقبول بما قدره الله سبحانه ، وانا لله وانا اليه راجعون .

لم يكن العم نهر حزينا على اخيه الشيخ الكبير، بعد ان اخرجه من العرس بلا حمص ، اوعلى والدته بعد ان شاركت شيخ العماريين والاخرين بوصمه بشتى التهم ، وقد اشتركت مع شيخ العماريين بوضع فكرة ابن الشيخ الكبير الغائب الذي يدرس في بلاد الغربة ، لان الناس يعرفون ان الشيخ الكبير لم ينصب شيخا من بعده ، وبعد ان اقنعها انه سيدفع لها ربع ما يجنيه من حصة المشيخة من غلة اراضي الفلاحين ، واقنعها ان يكون وكيلا لها على الاراضي التي اورثها لها ابنها ، وعندما عدت – يقول العم نهر – من لبنان لم استطع ان اعمل شيئا ، لقد وصلتني الاخبار على انها ماتت موتا طبيعيا وصدقت ، وهذا صحيح لانها كانت كبيرة العمر ، وكما قلت لم اعرف بالمشادة التي حدثت بينها وبين الوكيل ومن ثم اصابتها بالجلطة الا بعد موت الوكيل ولقائي صدفة بخادمتها ، اذ لم اكن اعلم ان الخادمة تعيش في بيت الوكيل ، فضلا عن انني لم اجد وجها يرتاح لي من الذين بقوا على ارض العشيرة وكلهم قد اشتراهم الوكيل بأموال حق المشيخة وابن الشيخ الكبير المزعوم، وما كان يغذيه هو وابنه الوكيل الجديد من افتراءات ضدي ، وانتم تعرفون ان القبيلة انقسمت الى فرق عديدة وانتشرت بين غرب العراق و شرقه.

لم تكن في كلام العم نهر اية نبرة حزن لا على امه ، ولا على اخيه الشيخ الكبير ، ولا على ما آل له حاله وهو ابن الشيخ الكبير واخي الشيخ الكبير،ذلك – كما كنا نعلم – ان والده وهو والد الشيخ الكبير قد ارسله صبيا الى بغداد ليكمل دراسته ، وقد اكملها ، واصبح مدرسا في ثانويات بغداد ، وتزوج من بنات بغداد – من قبيلتنا نفسها – وظل بين الفينة والاخرى يزور والده الشيخ الكبير في دارهم الكبيرة ، وعندما مات ابيه ظل يزور اخيه الشيخ الكبير بين الفينة والاخرى ، ولم يكن يتدخل في القضايا القبلية او العشائرية لا في زمن والده ولا في زمن اخيه .

سألته ونحن في مجلسنا في المقهى :

- لماذا لم يوص لك اخوك بالمشيخة ؟

قال لنا مستغربا:

- اصحيح انكم لا تعرفان ذلك ؟!!

اجبناه بصوت واحد وكنا نعلم بالامر الا اننا نريد ان نسمعه منه وما هو رد فعله عن ذلك :

- كلا.

قال متعجبا :

- انتم ابناء القبيلة ، وابناء اكبر عشيرة فيها ، ووالديكما من اصحاب الشيخ الكبير ، ثم اصبحا مساعدين للوكلاء ولا تعرفون عادات وتقاليد تسليم واستلام المشيخة ؟

قلت له :

- شيخ نهر ….وقبل ان اكمل كلامي ضحك وقال :

- من قال انني شيخا ؟ ها ؟… ام انك وصاحبك تريدان ان تجعلوا مني شيخا رغما عن انفي ؟

رد عليه راضي :

- انت ابن شيوخ متسلسلين ، اذن انت شيخ .

قال العم نهر والضحكة ما زالت صداها في اذني:

- اتركوا هذه المسأله وسأجيبكم على تساؤلكم على الرغم من انني اعرف انكما تعرفان ذلك .

قال راضي :

- نعم نعرف ، الا اننا نريد ان نعرف منك انت وما هو رد فعلك تجاه ذلك ؟

قال العم نهر بعد ان اعتدل في جلسته على تخت المقهى ، وبعد ان طلب من عامل المقهى ان يأتينا بثلاثة استكانات شاي حار:

- لا رد فعل لي، لأنه من (سناين)(*) القبيلة هو ان تكون المشيخة للابن الاكبر للشيخ ولا تذهب الى اخيه .

قلت له :

- وان لم يخلف الشيخ الكبير ابنا له ؟

قال :

- اما ان يحدد الشيخ الكبير قبل وفاته شيخا من بين شيوخ عشائرها ، او ان يختار ابناء القبيلة ذلك الشيخ ، وايضا يجب ان يكون من شيوخ عشائرها .

قال راضي :

- ولكن للشيخ الكبير قبل ان يموت ان يوصي لاحد اخوته ولا يترك ابناء القبيلة هملا ، فلماذا لم يختارك؟

قال العم نهر :

- نعم ، بشرط ان يكون هذا الاخ ممن عاش على ارض القبيلة طيلة عمره ، وانتم تعلمون انني لم اعش على ارض القبيلة سوى خمسة عشر سنة ، ثم ارسلني والدي الى بغداد لادرس فيها وبقيت فيها وتزوجت وانجبت واصبح لي احفادا.

قلت :

- اذن كان ذلك خطأك ، لماذا لم تعد بعد اكمال دراستك ؟

ابتسم ، ثم شرب استكان الشاي الذي برد ، قال :

- لانني كنت يائسا من ان اكون شيخا ، وقتها قلت ان اخي سيخلف ابناء سيخلفوه على المشيخة .

قلت :

- ولكنك علمت انه كان عاقرا ؟

قال :

- نعم ،بعد ان استمرأت العيش في بغداد ، وتزوجت من بغدادية ، عندها نسيت المشيخة.

الورقة الرابعة عشر:

هذا اليوم وصلنا خبر وفاة الوكيل الثاني … وجدوه ميتا في فراشه … لم تكن زوجته تعرف ماذا تفعل … هكذا وصلتنا الاخبار وانتشرت كما النار في الهشيم … وتهامست الشفاه بالآذان ، فحكت الكثير … منها ان زوجته دست له السم في الاكل ، ومنها انها وضعت وسادة على انفه وخنقته لانها عرفت بخطبته لاحدى بنات ابناء سلفه على ارض العشيرة فقررت بمساعدة بناتها اللائي مر قطار الزواج عليهن دون ان يقف ليركبن فيه ، وقيل … وقيل ، الا ان الاكيد في القول انها ركبت سيارته مع سائقه دون ان تخبره بوفاة الوكيل وطلبت منه ان يوصلها الى مضيف العماريين، وهناك ارسلت بطلب ابي راضي مساعد الوكيل .

تقول الاخبار التي انتشرت كأنتشار بذور اللقاح في الجو، وكانت محملة بكل كلمات الخبث ، انها اجتمعت لوحدها مع مساعد الوكيل في المضيف ، وبعد ساعة من انفرادهما ، خرج ابو راضي وبيده ورقة مكتوب فيها ان ابن الشيخ الكبير فرج الله غربته اوصى ابناء قبيلته بأن وكيله على حقوق المشيخة هو ابو راضي.

كانت الورقة تحمل السيف المسلط نفسه على رقاب ابناء قبيلتنا او ما تبقى منهم ، فبدأ الناس يهنؤنه، و لهذا عندما استقبلتنا زوجة الشيخ الكبير- التي ادعت بعد وفاته انها حامل من الشيخ الكبير ، فأرسلت ام الشيخ الكبيرمن يدعو القاضي ليأتي بالنساء العارفات بقضايا النساء ، فحجزنها في بيت القاضي ، وتبين انها غير حامل، فطردت وطوردت من الدار الكبيرة – قدمت التهنئة لراضي ضاحكة عن اسنان فقدت نصفها والنصف الاخر اصطبغ بلون اصفر مسود … قالت:

- ان والدك خير خلف لخير سلف .

ذهل راضي ، ليس للتهنئة التي لا يرغب بها ، وانما لسرعة وصول الاخبار ، و اجابها ضاحكا :

- دعي الناس يعيشون.

ها هي امامنا عجوزا كبيرة السن، نخلة من نخيل بساتيننا التي اكلها العطش فظلت بدون عثوق مدلاة ، وقد امتلأ جسمها بأنواع الامراض بعد ان عاشت في منزل والدها لسنوات قصيرة ثم تذكره الله واخذه الى المكان البعيد ، امرأة مهدمة بعد ان كانت كما تصفها والدتي جميلة الجميلات ، مهدمة جسديا ومهدمة نفسيا، لقد اثرت ايام المحنة فيها كثيرا ، وقد هدر عدم الانجاب سنين حياتها التي تبقت بعد موت الشيخ الكبير كهدرها لسنين شبابها معه ، وراحت تلك السنين تطبخها على نار هادئة ، وها هي تأكل من المرق(*) المر لذكرى تلك الايام الخوالي ، لقد جهزت كفنها ساعة اخبارها لام الشيخ الكبير انها حامل، كان ثقل الشيخوخة ثقيلا عليها .

ابدلت ملابسها الموردة بكل ورود حدائق الزوراء(*) والتي كانت تخاط لها وحدها في بغداد بالملابس السود كسواد عينيها الذي قطرته الايام على ملابسها ، لقد ولت عنها ايام السعادة في كنف الشيخ الكبير ،وحتما انها لن تعود ، كانت ترتدي ثوبا طويلا فضفاضا اسود اللون ، فيما كان شعر رأسها تغطية الشيلة والعصابة (*)السوداوتين ، كل شيء فيها قد تبدل بعد موت الشيخ الكبير الا شيء واحد هو خاتم زواجها الذي ما زال في احد اصابع يدها اليسرى، كان حتما ذكرى تلك الايام ،لقد سقطت في رمال ايامها ؟

جلسنا – انا وراضي والعم نهر – على بساط رخيص الثمن ، بعد ان باعت كل ما تملك لتدور على الاطباء علّ احدهم يعرف ما اصابها من امراض عديدة، وكان العم نهر يساعدها بالنقود عندما فقدتها كلها ،اذ كان سيل ايام المحنة الجارف لكل شيء قد جرف كل شيء عندها ، قالت وبحسرة:

- ايه … دنيا قديمة !

رد عليها راضي ضاحكا ومواسيا :

- انها جديدة يا شيخة .

ابتسمت بصعوبة من خلال غلالة الاسى من لم يجد البسمة على اساريره ،وقالت:

- الشيخة …الشيخة … وماذا تبقى من الشيخة ؟ ها ؟ رحم الله الذين ماتوا ، وغفر الله لمن سبب في كل الذي جرى لقبيلتنا .

خرجت من الغرفة ، وبعد دقائق عادت – بعد ان فقدت الى الابد مشيتها المعروفة عنها بين نساء قبيلتنا- بالقدر الذي استطاعت به ان تحمل ثقل السنين التي لم تستطع هزيمتها وهي تنوء بثقل مجموعة امراضها المعروفة و غير المعروفة ،حاملة صينية اكل الصدأ بعض بريقها ،عليها ثلاثة استكانات شاي ، وضعتها امامنا وجلست منهدة وكأنها تركت جسدها ينزل بقوة على البساط ،لقد انهكتها شيخوخة المشيخة المطرودة منها ، وبحسرة قالت :

- أيــــــــــه … اين كنا ، واين اصبحنا … الم اقل انها دنيا قديمة ؟

كانت عيوننا انا وراضي لا تنزل عن وجها الذي اتذكر انني رأيته اكثر من مرة وانا طفل ارافق امي في زياراتها لبيت الشيخ الكبير ، كان فلقة من القمر ، بل هو القمر ، قلت لها محاولا طمأنتها :

- ما زلت جميلة وبصحة جيدة .

اقتربت مني كثيرا حتى لم يبق بين وجهي ووجها سوى مسافة قصيرة وضحكت، ولاول مرة اراها عن قرب، انها نهر جفّ و يبست شواطئه … قالت :

- هل تريد ان تتزوجني ، ام انك تريد ان تقنعني بقولك هذا ، ام انك تريد ان تأكل برأسي حلاوة …ها ؟ ثم التفتت الى العم نهر الذي راح يخفي ضحكته ، وقالت له غاضبة:

- من قال لابن مساعد الوكيل القديم انه سيشتريني بكلامه هذا … ها ؟ ثم حولت كلامها الغاضب الى راضي، وقالت له :

- اسمعنا يا راضي صوتك … قل ما شئت عن مشيختي وجمالي ؟ ثم ادارت وجهها لي مرة اخرى وقالت بعد ان ابتعدت عني قليلا:

- انس كل ما قلته لك .

وصمتت .

كان الصمت في الغرفة قد اصبح شفافا تسمع من خلاله اصوات تنفسنا ونحن ننتظرها لتمزقه بكلماتها، فيما هي راحت تنظر في نقطة حددتها على جدار الغرفة الذي قشطت بعض طلائه ايام المحنة وزال عنه بريق سنوات شبابها ، قالت متسائلة:

-ها … لماذا جئتما ؟

وقبل ان نقول اية كلمة تابعت قولها :

- اسألوا ما يحلوا لكم …لا تخافوا من الشيخة … اليس كذلك يا راضي… ولا تنبهروا بجمال وجهي الذي سينسيكم ما جئتم به …اليس كذلك يا خيري ؟ وانت يا نهر يا من كنت صادقا معي ارحب بكم دائما في بيتي المتواضع فلا تترددوا عن طلب ما تريدون .

ثم صمتت ثانية ،وساد الصمت في ارجاء الغرفة ، اما انا فإن ما ركب نفسي وربما نفس راضي من خوف من ان تطردنا من بيتها كان عظيما، فيما كان العم نهر دائم التبسم وهو ينقل عينيه بيننا انا وراضي وبين زوجة الشيخ الكبير العجوز … كان حتما يريد ان يعرف رد فعلنا تجاه كلام الشيخة المطرودة من المشيخة .

الصمت هو الوحيد الذي كان يسكن الغرفة التي كانت تضمنا نحن الاربعة … والصمت هو الوحيد الذي تخلف عن كلام الشيخة … والصمت هو الوحيد الذي ثلمه كلام الشيخة عندما قالت :

- اسمع يا خيري وانت يا راضي ، اعرف كل ما جئتما من اجله … واعرف انكما لم تصدقوا قول شيخ سلف العماريين ولا ابي خيري ولا ابي راضي عن الابن الغائب للشيخ الكبير في لندن … واعرف لماذا انتقلتم الى بغداد … واعرف لماذا تشاجر راضي مع والده ، واعرف فوق كل هذا وذاك ان حبيباتكما قد رحلتا عنكما ، وقد تزوج احدكما شقيقة الاخر … كل ذلك اعرفه ، فاتركوا قضية جمالي وقضية مشيختي الى الابد .

هالني ما سمعت ، و في الوقت نفسه فقد اندهش راضي مما سمع، وراح كلينا ينظر بوجه الاخر، فيما الشيخة اخذت صينية استكانات الشاي الفارغة وخرجت .

كسر صمتنا قول العم نهر وهو يضحك شامتا بنا :

- ها … ماذا تقولان بعد الذي سمعتماه ؟

لم نقل شيئا ، بل انني شعرت وكأن لساني اصبح خشبة يابسة راحت تشقق لهاتي ، فانتبه العم نهر الى ذلك واعطاني قدحا من الماء وهو يبتسم ، ثم اعطى راضي قدحا اخر وما زالت ابتسامة الشماتة بنا كما هي مرتسمة على شفتيه .

قلت له بعد ان استرد لساني طراوته :

- اشمت بنا يا عم نهر … ولك الحق في ذلك لاننا اصبحنا اغبياء بعدم سؤالنا اياك عن عادات الشيخة .

قاطعني بصوت خفيض كي لا تسمعه الشيخة :

- اتقول عنها شيخة وهي التي منعتكم عن قول ذلك ؟ اسكت لا تسمعك .

وراح يضحك بملئ فيه.

عادت الى الغرفة بعد لحظات ، كانت حركتها اثناء المشي بطيئة جدا حتى اني خفت من ان تقع على الارض من ثقل الصينية ، جلست امامنا بالضبط ، وقالت موجهة سؤالها لي :

- ها خيري … ماذا تريد ان تعرف بالضبط؟

ارتبكت قليلا ، تساءلت مع نفسي : ماذا اقول لها … لقد تبخر كل سؤال من ذاكرتي بعد كل الذي سمعته منها ، ورحت ادير نظري بين راضي والعم نهراستنجد بهما ، الا ان راضي ادرك الموقف اخيرا وسألها :

- لا نعرف بماذا نخاطبك ، انقول شيخة ام ماذا ؟

ضحكت ، و بانت اسنانها المتساقطة من مقدمة فمها ، قالت :

- نادوني يا عمة كما كنتم تنادونني وانتم صغار ؟

قلت لها :

- هذا افضل لنا ولك، فما زلت انت عمتنا حقا .

ضحكت طويلا… كانت امامي امرأة قلبها طري كشنقة(*) العجين ، وبريئة حد الانكسار، على الرغم من اطنان المآسي التي تجرعتها.

قالت مبتسمة:

- ما زلت تريد ان تشتريني بلسانك الذي لا تعرف كيف تسيطر عليه .

لذت بالصمت وانا محتار في كيفية التعامل معها ، كما ظل راضي صامتا ، فيما العم نهر ما زالت ابتسامة الشماتة مرتسمة على شفتيه وهو يدير رأسه بيننا – انا وراضي – وبينها وكان يراقب شفاهنا عند الكلام .

قالت :

- اتركوا كل شيء … المشيخة والجمال ومرضي .

تجرأ راضي بعد ان عرف انني ضقت صبرا بهذه الشيخة العجوز ،قال :

- ياعمة … اخبرينا عن ادعائك بالحبل عند وفاة الشيخ الكبير، وماذا فعلت النساء البغداديات؟

راح راضي ينقل عينيه بيني وبينها كأنه يريد ان يقول ها… اترى مساعدتي لك ، بينما استأذن العم نهر للذهاب الى المرحاض لان مثانته قد امتلأت، ولا يصبر على ذلك بعد ان ابتلي بمرض التهاب المثانة .

تنهدت الشيخة المطرودة بقوة … ثم سكتت لحظة وكأن سؤال راضي استنهض في نفسها ما كان نائما، او انه ازاح عن ذاكرتها غطاء ثقيلا فأنكشفت اسرارها التي لا تريد ان يعرف عنا احد ، كانت ذاكرتها قد مسحت عن صفحتها كل ما هو سعيد ، مفرح ، وحافظت على ما هو محزن ، مؤلم… ثم وبصوت منكسر بعد ان اعادت تركيب ذاكرتها المهشمة كالزجاج راحت تروي لنا ماحدث وقتها بالضبط وكأنها تراه الان.

الورقة الخامسة عشر:

لم يكن موت الوكيل قد شغلنا عن الحديث مع زوجة الشيخ الكبير … اذ لم يدم ذكره بيننا سوى ثوان معدودة … الا ان ما شغلنا بعد خروجنا من بيت زوجة الشيخ الكبيرهو قبول ابو راضي بهذه الكذبة التي نعرف بدايتها ولا نعرف نهايتها … الا اننا قررنا ، انا وراضي، ان لا يؤثر قبول ابو راضي بالوكالة على ما نقوم به للوصول الى الحقيقة، على الرغم من اننا واغلب ابناء قبيلتنا الذين ارتحلوا اثناء المحنة او بعض الذين بقوا على ارض القبيلة كنا نعرف ان كل ما حدث هو كذبة من صنع شيخ سلف العماريين ومن وقف معه ، ولا نستثني والدي وابو راضي من ذلك .

عند عودتنا انا وراضي من بيت الشيخة او العمة ، رحنا انا وهو نستذكر كل ما قالته ، بعد ان اخرجت سجلي من الديلاب الخشبي لاول مرة امام راضي ، أندهش مما قرأه في بعض صفحاته ، الا انه لم يلمني على عدم اطلاعه عليه في السابق ، قال لي:

- افتح صفحة جديدة وضع لها عنوان : اعترافات الشيخة.

لاول مرة اسمح لشخص آخر ان يشاركني سجلي ، فلم يكن راضي كاتم سري مع خيرية فقط ، بل اصبح شريكي العلني والسري في البحث عن اوراق المجهول.

امتثلت لكلامه ، فتحت صفحة جديدة في السجل وعنونتها كما اراد ، ورحت اسجل فيها كل كلام سمعناه من فم الشيخة التي حفرت المحنة في نفسها وجسدها آثاراً يصعب محوها ، كان كلامها لم يزل في ذاكرتنا انا وراضي طريا وكاملا دون زيادة او نقصان .

عندما سألها راضي عن سبب ادعاءها بالحبل، تنهدت وتحسرت طويلا وغابت قليلا عنا وهي في مكانها وكأنها تستذكر تلك الايام الخوالي بكل مرها وحلوها ، ثم راحت تنظر الينا بكل ما انعم الله عليها من حواس … ربما كانت تريد ان تستجمع ذاكرتها ، حتما ان مرآة حياتها قد اغبشتها المحنة ،عضت على شفتها السفلى التي كانت بلون الديرم(*) بما تبقى في مقدمة فمها من اسنان وكأنها تريد ان تمنع اي ذكرى من الافلات منها ، كانت امامنا وكأنها ليست زوجة الشيخ الكبير لقبيلتنا ، فكل شيء فيها قد ذوى … وبعد لحظات مرت علينا كالدهر ، قالت بذات الصوت المعدني الذي اتذكره مع قطع الحلوى التي توزعها علينا نحن اطفال قريتها:

- تزوجني الشيخ الكبير رحمه الله وانا إحديثة لم تكمل الرابعة عشرة من عمرها ،قبل ان تولدا، وكان هو في سن الثلاثين وقد تزوج قبلي بثلاث نساء … كان والدي يعمل سائقا عنده ، وكنا نسكن في بغداد ، وكثيرا ما كان الشيخ الكبير يزورنا في بيتنا مع والدي ، ومرة رآني فخطبني من والدي وتزوجني في الليلة نفسها بعد ان ذهب والدي الى احد رجال الدين وجاء به الى بيتنا وعقدني عليه وانا لا اعرف ما الزواج ومن الزوج سوى انه الشيخ الكبير لقبيلتنا ، وفض بكارتي على سرير والدي ووالدتي في الليلة نفسها ، وفي الصباح غادرت بيتنا معه الى الدار الكبيرة على اراضي القبيلة متوجة بادعية والدتي وبكاء اخواتي الاصغر مني.

وبعد صمت لم يطل وكأنها تحث ذاكرتها على ترتيب ثم تقديم الصور المخزونة فيها لعرضها امامنا ، تابعت القول :

- دخلت الدار الكبيرة كما امرتني عمتي ام الشيخ الكبير بقدمي اليمنى ،كنت احمل صرة ملابسي التي اشتراها لي الشيخ صباح ذلك اليوم وصورة شمسية لي وله التقطها مصور شمسي يقف على رصيف الكراج وقد مزقتها عمتي ام الشيخ الكبير بعدطردي من البيت.قاطعها العم نهر واخبرنا انه ما زال يحتفظ بصورة اخرى لهما من النوع الكهربائي.

- ومن ذلك الحين انا خادمة في البيت – تابعت حديثها – الا انني خادمة بمستوى عال ، وكان الامر والنهي من اختصاص ام الشيخ الكبير ، لم اغضب ، ولم انفر من تلك المعيشة ، لسبب واحد لانني وجدت الحب عند الشيخ الكبير في غرفتنا المستقلة ، كان الشيخ الكبير عندما ينهي كل حديث مع امه يدخل غرفتنا ويقفل بابها من الداخل ، عندها تبدأ سعادتي ، في الكلام المعسول وفي تقديم الهدايا ، وكذلك على السرير- كانت شفاهها قد افترت عن ابتسامة صغيرة لتذكرها تلك الايام الخوالي – وبعد سنين من السعادة في غرفتنا نسيت الانجاب والاطفال والسراب الذي ملأ بصري بهما، وكان عزائي في ذلك اطفال العشيرة الذين يزورونني بموافقة الشيخ الكبير وامه، وكنت اقدم لهم الحلوى التي يشتريها الشيخ الكبير من بغداد بكميات كبيرة لهذا الغرض، فكرست حياتي لخدمة زوجي الشيخ الكبير بمساعدة وحماية تميمة ابي وامي في ان الانجاب من امور الغيب وهو منحة الهية .

سألتها :

- وعن ادعاءك بالحبل ؟

ردت قائلة وكأنها امام محقق يريد ان يلم خيوط الجريمة :

- انتم تعرفون ان الشيخ الكبير تزوج اكثر من امرأة ولم ينجب من أي واحدة منهن، وهذا يعني ان العيب فيه وليس في النساء، وانا لم اعرف بهذا الا بعد سن العشرين على الرغم من ان والدي ووالدتي يعرفان كل شيء ، الا انني احببت الشيخ الكبير كثيرا بالمقدار الذي تحب فيه فتاة في الرابعة عشر من عمرها رجلا بعمر ابيها ، وخدمته لانه كان يحبني ولم يقصر معي بشيء، فبلعت مرارة ان تبقى المرأة المتزوجة بدون اطفال ، وقلت مع نفسي ما كان والديّ يقولانه لي : هذا رزق من الله ولا دخل للشيخ الكبير به ، وقتها لم افكر بغير هذا القول حتى مرض ، وكنت انا الوحيدة التي ادخل معه الحمام لاحممه ، كان بين يدي بديلا عن الابن الذي لم انجبه منه او من غيره ، كان مريضا ، لم يقو على الوقوف لوحده لفترة قصيرة ، وبعد ان يخرج وقد ازلت عنه اية شعرة في لحيته او تحت ابطيه او على عانته ، اساعده في ارتداء ملابسه بعد ان ارش جسده كله بماء الورد ومن ثم ادلكه بالبوطرة التي يستعملها طيلة حياته الى ان رقد على فراش الموت ، وانتبهت الى نفسي ، قلت لها: ما ذنبي انا التي افنيت شبابي مع رجل لا ينجب ؟ لماذا رماني والدي مثل هذه الرمية الخائبة؟ وظلت هذه الفكرة تدور في رأسي حتى اذا مات وقد اخرجني بوصيته بلا حمص او حتى عدس ادعيت بما ادعيته لكي احافظ على بعض مال زوجي، الا انني لم اكن اعرف بما فعلته ام الشيخ الكبير عندما ارسلت على النساء العارفات ، والا … استغفر الله من كل ذنب عظيم .

ثم سكتت ، وسالت دمعة واحدة على خدها ، فيما الاخرى تلجلجت في مآقيها رافضة النزول ، ربما شعرت بإهانته الموجعة لها والتي ما زالت تثقل عليها حياتها.

تنهدت وتحسرت كثيرا … حتما قد انفتحت عندها جراحات النفس القديمة التي كانت قد التأمت او انها اقتنعت بإلتآمها ، وراحت تنزف الما ، فتركت رأسها ينزل على صدرها ، وهي تحرك عود ثقاب على نسيج البساط وكأنها ندمت عن قول ما قالته.

بعد لحظات عادت الينا من رحلتها مع عود الثقاب ،قالت :

- هذه الامور لم اذكرها… انها المرة الاولى التي اخبر بها احد ، فلا تكونوا ممن ينبش في عرضي كما فعل شيخ العماريين وابنه .

قلنا لها بصوت واحد :

- اطمأني.

شردت عنا محتمية بذكرياتها … ربما تمثل في ذاكرتها شريط حياتها كاملا، عندها ولكي اخرجها من هذا الشرود قلت لها :

- لا احد يمسك بسوء .

وراحت تكمل ما بدأته ، الا ان الذي قالته كان سرا لا يعرف به احدا سواها والعم نهر، وهذا ما ادهشنا انا وراضي، حتى ان راضي قام وقبلها على رأسها ، قالت ، بعد ان مسحت عن عينيها دمعة اخرى حاولت النزول بعد تلجلجها في مآقيها،و بعد ان تنفست من أعماقها، بصوت منكسر ، صوت منخفض بالكاد يصل الينا وكأنها تخاطب نفسها :

- فكرت في تلك اللحظة ان انام مع احد الاغراب لكي احبل … استغفر الله واتوب اليه … ان الذي آلمني ليس موت الشيخ الكبير ، وانما هو الوصية … وبعد هذا العمر الطويل معه وبخدمته وقد افنيت شبابي معه ، يوصي بتركته لوالدته فقط؟!

قلت لها :

- هذا مخالف لامر الشريعة ، ان الشريعة تنفذ الوصية بثلث التركة.

راحت نظراتها الكليلة تتفحص وجهي المرتعش الذي اصبح لونه كالليمونة ، انسحب الدم منه، شعرت بها تأكلني بنظراتها وكأن كلامي استفز فيها امرا ما ،فأبعدت نظراتي عن نظراتها كي لا تحرقني بهما بعد ان استعرت فيهما الذكريات، قالت:

- لم اكن اعلم ان ام الشيخ الكبير ستتحايل حتى تطردني من الدار الكبيرة ، كان والدي وقتها قد ترك سيارة الشيخ لكبر سنه، ولم يكن لنا انا واخواتي أي اخ يعين والدي في المعيشة ، ففكرت بما فكرت فيه … الا ان الله كان يحبني ، فألهم ام الشيخ ان ترسل بطلب القاضي والنساء العارفات ، ورحت معهن وانا اعرف انني لست بحامل لكنني لم استطع اخبارهن وقتها وقلت مع نفسي :انهن سوف يعرفن بعد حين .

ولاذت بالصمت مرة اخرى، كانت امامنا تتألم ،وكأننا فتحنا لها جراحا ملتئمة بفعل تقادم الايام راحت تنزف دما، وعاد الصمت مرة اخرى الى جو الغرفة الا انها كسرته بقولها بعد ان شربت ذلك الالم النازف:

- سآتي لكم بالشاي.

تركناها تخرج من الغرفة لا لحاجتنا للشاي، ولكن – كما خمنت – لحاجتها هي للاختلاء بنفسها بعض الوقت بعد ان قالت :

- ان الله لطف بي وحفظني .

قلت مع نفسي : كم هو ثقيل عليها الزمن الذي مضى.

هذا ما كتبته في السجل، وعندما قرأه راضي وافقني عليه، واخبرني انه كان من رأيه وقتها ان نتركها مع نفسها ، واخبرني انه فكر في ان يطلب مني ومن العم نهر ان نغادر بيتها بعد الذي سمعنا الذي سمعناه، وان نأتيها في وقت اخر قد لملمت فيه جماع نفسها واستراحت قليلا من نار ذكرياتها .

قال لي راضي وانا اهيأ اسئلة يوم بعد غد :

- لها الحق في ما ارادت ان تعمل بنفسها … لقد اخرجوها من المولد بلا حمص … ثم سألني:

- لماذا ابعدها الشيخ الكبير من وصيته ؟

قلت له :

- لم اكن اعرف … وعندما سألت والدي وقتها هذا السؤال اجابني بقوله:

-ان الله وحده هو العالم .

وفي يوم ما ، اصبح موغلا في القدم ،كنت في غرفتي الخاصة اقرأ ، دخل علي والدي فجأة وقال لي :

- خيري … اتتذكر سؤالك لي عن سبب ابعاد زوجة الشيخ الكبير عن الوصية؟

عندها فرحت وتهللت اسارير وجهي وقلت مع نفسي ان والدي هو الوحيد العارف بذلك ، قلت له :

- نعم اتذكره ، ما هو السبب ؟

قال:

- ربما كان يعرف ان والدته لن تترك زوجته تعيش بعيدا عنها لانه يعرف ان زوجته امرأة خدومة واراد ان تكون العلاقة بينهن قوية .

كانت الـ (ربما) في بداية كلامه قد ابعدت عنه أي موثوقية ، الا انني كنت مع رأي والدي – كما قلت وقتها – الا ان الامور لم تسر كما اراد الشيخ الكبير، اذا كان هذا صحيحا، فعندما اعلن شيخ سلف العماريين انه الوصي على ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في بلاد الغربة ، كانت الشيخة وردة في بيت القاضي تنتظر نتيجة فحص النساء العارفات ، وعندما انتهت فترة مكوثها هناك وعادت الى الدار الكبيرة وحضنها فارغا ، طردتها ام زوجها ، وادعت مع شيخ سلف العماريين بأنها لم تكن زوجة للشيخ الكبير، وانما هي خادمة عنده ، ولم تفد ورقة العقد، ولا شهادة رجل الدين الذي وجدوه في اليوم الثاني ميتا خنقا على فراشة ، والذي شهد امام جمع غفير بأنه هو الذي عقدها على الشيخ الكبير ، عندها سكتت السنة الحق كما يقال ، فعاشت في بيت والدها .

الورقة السادسة عشر:

يولد النهار في كل يوم، ويبقى الليل السرمدي يحبل بالآلام والمعاناة والاخبار السارة وغير السارة… وتمر الأيام مسرعة راكضة الى المجهول، دون ان نلحق بها ، الا ان الذكريات لن تموت.

مرت اشهرالسنين بأيامها كما تمر على خلق الله ،رغما على انوفنا وانوف الذين خلـّفونا حسب تعبير والدي رحمه الله.

مات الشيخ الكبير وخلف ورائه ذهولا لا يوصف ، وماتت معه اسرار واسرار، تجربة صعبة طالت ابناء قبيلتنا ،اذ ظلوا دون شيخ يقودهم امام شيوخ هذا الزمن ، ولم يخرجوا منها حتى هذه الساعة التي ادون فيها في سجلي ما جرى لقبيلتنا، وما اعرفه وما لا اعرفه ، وما عانيته وما لم اعانيه انا ، ومات وكيل الشيخ الكبير، شيخ العماريين، و قد اسس وخلّف محنة كبيرة ما زالت تجربتها سيفا مسلطا على رؤوسنا ، صغيرا وكبيرا ، رجلا وامرأة ، انسانا وحيوان ، وعلى الارض بخضرتها او بسبخها ،وعلى النهر بمائه الذي كان سلسبيلا والذي بات مرا اجاجا ضحلا يسهل عبوره للطفل بعد ان كان يأخذ في كل عام ضحية او اكثر من ابناء قبيلتنا ، ومات والدي كمدا بعد قراءته الورقة المحلية الصنع في المكان الذي قبض الله فيه الشيخ الكبير، وماتت معه اسراركنت على وشك معرفتها ، وما زالت تجربة المحنة سيفا مسلطا على رقاب ابناء واحفاد قبيلتنا ، ثم مات الوكيل الثاني دون ان يخلف ابنا ذكرا – وربما كان يبحث عنه عند راضية او عند احدى بنات سلفه – يحفظ له اسمه ويكون له خلفا في الوكالة ،الا ان خلـفه ابي راضي جاءت به زوجته وكيلا على اموال مشيخة قبيلتنا التي ظلت بدون شيخ يقودها في هذه المحنة على الرغم من تفرقها في جهات الارض الاربعة التي كان يحكمها جلجامش وسرجون و… و …، وهذا الزمن الصعب ، وانسلاخ الليل من النهار والنهار من الليل ، دون ان ان يكلا او يتعبا كما ابناء قبيلتنا الذين لم يركنوا الى طريق سوي بينهم .

عدت الى ذاكرتي الورقية وكتبت هذه السطور بعد ان جاءنا خبر موت والد زوجتي ووالد أعز صديق عندي، وجد ابنائي، الوكيل الثالث ابو راضي.

انا في حيرة من امري بين ان اخبرزوجة راضي – شقيقتي – ووالدته التي اقعدها المرض وزوجتي رضية وابنته راضية ، وبين ان اترك الاخبار حتى نصل غدا الى اراضي عشيرتنا كما اتفقنا ، قلت لراضي :

- اذهب انت اليوم بحجة ان والدك سيسافر الى لندن ليلتقي إبن الشيخ الكبير هناك ، وانا والعائلتان سنلحق بك غدا .

قال لي :

- وبماذا تخبرهم غدا؟

قلت له:

- اترك الامر لي .

سافر راضي في الساعة السابعة ليلا دون ان يعود الى البيت ويخبر والدته و زوجته – شقيقتي– وزوجتي – شقيقته وابنة المتوفي – بالامر،اما انا فذهبت الى البيت واخبرت النساء في البيت ان راضيا سافر الى اراضي العشيرة ،لان العم سيذهب غدا الى لندن ، وطلب مني ان ارافقكن غدا بعد ان اطلب اجازة من المدرسة في الصباح … الا انني – اخبرتهن لتترابط اجزاء الحيلة جيدا – استطعت ان اقنع المدير ليمنحني انا وراضي الاجازة من بيته ، وانطلت الفكرة عليهن، وها هن يسطّرن السوالف(*) عن لندن وصوغة(*) ابو راضي ، ونساء لندن ، وربما يأتي ابو راضي ومعه امرأة لندنية ، شقراء طويلة القوام ، ليست كبنات قبيلتنا– كما قالت شقيقتي هازئة – فيما ردت عليها زوجتي رضية مدافعة عن ابيها وهي تضحك:

- لم يفعلها ابي وامي حية ترزق .

ردت عليها شقيقتي، زوجة راضي ضاحكة ايضا:

- يا مأمن الماء في الغربال أمن بالرجال.

وشاركتهن العجوز المقعدة قائلة بإستهزاء:

- بعد ما شاب ودوه للكتاب.

خيم الصمت بعد ان قالت قولتها المرأة العجوز المقعدة ، وراحت بؤبيء العيون تدور في محاجرها كأنها تبحث عن شيء ، عندها قامت العجوز بعد ان اسندتها راضية وذهبت لتستلقي على فراشها ، فانطلقت ضحكة زوجتي وشقيقتي عاليا ، فيما كان ابناؤنا انا و راضي يغطون في نوم هانيء ، ويحلمون بهدية لندنية جميلة،وكانت والدتي قد طلبت منا ان تبقى لوحدها في البيت ، الا اننا – انا وشقيقتي ورضية – اصررنا على ان ترافقنا ، وقيدت كل ذلك في السجل واعدته الى الديلاب .

بينما كانت النجوم المتلألة تطرز سماء الله الدنيا ساهرة تراقب ضحكات النساء وتندرهن،دخلت الى غرفتي واستلقيت على سريري بعد ان تركت نساء البيت يتضاحكن على ابي راضي وزوجته اللندنية ، ورحت أبحث عن أسرار الأيام القادمة الحبلى بالمجهول ، الا انني لم اشغل بالي كثيرا عن مجهول الايام الاتية ، لانني لم اشعر الا وزوجتي تناديني عند الساعة الخامسة صباحا كي انهض من النوم لنصل قبل ذهاب والدها الى لندن .

ضحكت في سري ، لا اكتمكم حزني على والد زوجتي ووالد زوج شقيقتي وصديق والدي رحمهما الله ، الا ان ما قالته زوجتي هو الذي اضحكني ، حتما ان تفكيرها وتفكير شقيقتي زوجة راضي قد تاها في شوارع لندن، والا كيف صدقن ان ابا راضي يسافر دون ان يمر على بيتنا في بغداد التي فيها المطار الدولي ؟ خاصة وقد اخبرتهن لضبط خيوط حيلتي ان طائرته ستقلع بعد منتصف الليل من هذا اليوم ؟

كانت شقيقتي هي الاخرى راحت تيقظ الابناء من نومهم ، كانوا ينامون في غرفة واحدة مع راضية وامها المقعدة ووالدتي ، فيما راحت امي المرأة العجوز تعد الشاي في المطبخ.

وانا اغسل وجهي ، بدأت تداعياتي تقفز من مكان ذكرياتي… كان شريطا طويلا … صورة للشيخ الكبير وهو على فراش الموت وانا اقبّل قدميه …صورة اخرى وانا اخرج من المضيف الكبير دفعا … صورة ثالثة لرجال القبيلة اجمعهم الساكنين على ارضها او في اماكن اخرى وهم يدقون الارض دقا والهوسات تتعالى فيما ترفرف الاعلام والرايات على رؤوسهم … صورة اخرى لي انا وابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي التي لم اسمع عنها خبرا ما الا خبر موتها ،في غرفة ماكنة الماء ، فيما لاح راضي في نهايتها وهو يراقب الطريق الى الغرفة التي كنا فيها… الا ان صورة ايام المحنة هي التي تضخمت امام ناظري حتى انني لم اتناول الفطور كبقية افراد العائلتين ورحت اشعل لي سيكارة دون ان ادخل شيئا في معدتي … وعندما رأتني والدتي ادخن نهرتني بصوت حنون ، قائلة :ان هذا مضر بالصحة … اومأت لها علامة القبول ، ورميت عقب السيكارة بعد ان كاد يحترق هو الاخر .

وقبل ان اصل الى الفصول الاخيرة لرواية اوراق المجهول اطلب منك عزيزي القاريء اللبيب ان تشاركني في التصور ، فأقول لك : عندما وصلنا الى اراضي قبيلتنا وكانت الساحة المطل عليها باب المضيف الكبير مليئة بالاعلام والبيارغ والرجال الذين يعدون على اصابع اليد، شعرت بأن وجوه النساء اللاتي معي في السيارة قد تغير لونها ، ولا اكتمك سرا عندما اقول انني لم اكن وقتها اعرف السبب الذي دعى الى تلون وجوههن ، هل هو احساس بفقد عزيز ؟ ام انه احساس بفقد شخص ربما يعيق سفر الاب الى لندن ؟

كل شيء في مكانه كما تركناه نحن ،او كما تركه المرتحلون من ناس القبيلة بعد ان اخبر الوكيل الاول بخبر الوصية ،المضيف الكبير في مكانه، والدار الكبيرة في مكانها ، ومنازل الطفولة والصبى والشباب ، كل شيء في مكانه،الا ان الذي لم اره او المسه هو ذلك الشموخ الذي كان يعيشه ذلك المضيف وتلك الدار الكبيرة ، فقد ماتت روحهما بموت الشيخ الكبير، وذبلت ايامهما ،وحتى قبيلتنا التي كانت في السطور الاولى للزمن اصبحت على هامشه ، و بواري المضيف قد تغير لونها … اسودت بزنجار(*)الفصول الاربعة ، والباب الصاجي للدار الكبيرة قد اكلته عثة الزمن ، وتشرب الزمن لونه الصاجي ، كما تشرب قاع النهرمائه ، وكبر الاطفال وهرم الرجال … كل شيء قد تبدل … وقد تبدل الوكيل ايضا .

شاركني ايها القاريء – للمرة الثانية – في معرفة ذلك ، لانني تعبت من كتابة هذه الرواية ، وتداعي الصور وبالالوان في ذاكرتي، فقد وجدت كل شيء في مكانه،المضيف الكبير يتلألئ بخجل تحت اشعة ذلك اليوم ، وملاعب الصبا ، واماكن الخلوة لي ولخيرية ، قد لعب فيهما الزمن كما يلعب طفل غر بلعبة مركبة من اجزاء ، لقد رأيت بأم عيني هاتين اللتين سيأكلهن الدود ان السوس نخر كل شيء على اراضي قبيلتنا ،لقد انهار كل شيء امام عيني.

وايضا ارجو ان تساعدني ، او تشترك معي في التصور او التخيل في رسم صورة للنساء اللاتي معي في السيارة عندما وصلن الى بيت ابي راضي ، ساعدني في رسم صورة لما حدث لرضية واختها راضية ووالدتهما المخدرة بآلام المفاصل ،وامي العجوزالتي برقعت وجهها قطعة من القماش الناعم الاسود منذ ان توفي والدي رحمه الله ، وشقيقتي ،عندما سمعن صوت العدادة يأتي من بيت ابي راضي الذي ظل وحيدا في بيته منذ ان سكنا بغداد ،وكيف ملأ سمعهن صوت ردح الرادحات، وولولة المولولات، وصراخ الصارخات ، وتذكر ان لكل انسان سلوكية معينة عند الحزن بفقد عزيز .

لا اريد ان انقل لك ما حدث للنساء اللاتي جئن معي من بغداد ، فهي صورة مألوفة لمن فقد اب او ام او عزيز عليه ، وقد وقف قلمي عن الكتابة على الورق ،وترقرقت الدموع في عيني، كما انشلت اصابعي فلم تضرب مفاتيح الحروف عند كتابة هذا الفصل من الرواية، كان موقفا صعبا ، الا ان الاصعب منه هو المهزلة التي حدثت في المضيف الكبير .

كان من ضمن حضور مجلس الفاتحة، الرجل الذي قرأ الورقة التي مات بسببها ابي ، هو نفسه الرجل الذي طلبه الوكيل الثاني ليقرأ ورقة ابن الشيخ الكبير الذي يعيش في ديار الغربة ، قام هذا الرجل (رديف) من مكانه في المضيف الكبير ، البدلة الافرنجبة ذاتها التي كان يرتديها قبل سنوات ، صاح بالحضور بعد ان قرأ على روح ابي راضي سورة الفاتحة وطلب منهم ان يدعون له الله ان يغفر له ذنوبه ويسكنه فسيح جناته، صاح بجفاء :

- يا رجال القبيلة هذه برقية من ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في لندن فرج الله عودته لنا سالما ،سأقرأها عليكم .

تصاعدت الهمهمات من الرجال الجالسين في المضيف الكبير ، قام رجل في العقد السادس من عمره ليخرج من المضيف ، الا انه رد من قبل رجال (رديف) الذين يرتدون البدلات الافرنجبة السود ويضعون النظارات السود على اعينهم ، فعاد الى مكانه منكسرا لا حول ولا قوة له ، وراح (رديف) يقرأ:

من ابن الشيخ الكبير الى ابناء قبيلتي

نصبت وكيلا لي على حقوق المشيخة الشخص المدعو (رديف ) فساعدوه… والسلام عليكم .

انتكست رؤوس بعض الحاضرين في المضيف الكبير،الذي راح كانون طبخ القهوة المرة يتاجج نارا بعد ان اضاف له القهواتي قليلا من النفط ، فيما قام شخص متوسط العمر وانكر البرقية ، الا ان الرجال الذين دخلوا المضيف مسرعين تلاقفوه بين ايديهم حتى وضعوه في سيارة احدهم وذهب به الى مكان مجهول ولم تعرف عنه عائلته شيئا بعد ذلك ، فيما قام مجموعة من الرجال من كبار السن يهنؤون الوكيل الجديد ، اما الاخرين وهم الاصغر سنا فقد خرجو خلسة من المضيف الكبير وتواروا عن انظار جماعة الوكيل الجديد الذين تركوا باب المضيف الكبير واحاطوا برجلهم ، ولم يبق جالسا سوى راضي وانا ونحن ننظر الى المهزلة التي امامنا ، وعندما انتهت المسرحية هذه ترك الوكيل الجديد المضيف الكبير ولم يوص بأي مساعد له .

بعد عودتنا من اراضي العشيرة ، طلب مني راضي ان اعيره السجل ، الذاكرة الورقية ، لانه – كما اخبرني – هناك ما يريد ان يدونه من مشاعر اججتها وفاة ابيه ، اخذ السجل وراح يدون فيه مشاعره ، ومما كتبه :

( اليوم فقط تكشفت امامي صورة الرجل الذي كان والدي ، الرجل الذي لولا انه قد نام مع امي لما كنت انا احيا في هذا الوجود الدامي ، لقد وضعني موت ابي وجها لوجه مع الموت الذي لم اكن اراه عندما يحدث للاخرين ، لقد رأيته هذه الايام ، وعرفت ان الموت هو الحياة ، فعندما يموت الشخص تبدأ الحياة ، تبدأ الذكريات تنثال ليس من الذاكرة وانما من القلب ، لتمحو بجريانها كل الذكريات المسجلة على تلافيف الدماغ ، ولولا هذه الذكريات المسالة لما احتملنا الماضي ومآسيه، لقد كان اب لي بحق ،و لولا ابوته لما عشت ولما كبرت ولما تعلمت ولما تزوجت ، اما قبوله المشاركة في الكذبة الكبرى تلك فقد كانت – كم ارى – هي صورة من صور الميل الانساني للارتقاء الى الاعلى ، حتى لو كان ذلك الاعلى مبني على جرف هار ).

ثم سلمني السجل وهو يمسح دمعة سالت على خده ، وقال بنبرة حزن بادية على وجهه :

- لقد تعبت .

الورقة السابعة عشر:

اراضي قبيلتنا تئنّ مجروحة، رقصت فوق مسرحها عشرات العشائر والافخاذ والاسلاف بناسها وحيواناتها ومزروعاتها ، الا انها مع كل اسف غادرها الناس والحيوان ، تفرق الجميع في اماكن لا تعرف اية بوصلة اتجاها لهم، فيما ماتت مزروعاتها، واستوطنتها المحنة والخراب والهوام، ونعق فيها الغراب ، واصبحت بيوتها اطلالا .

في صبيحة يوم من ايام الله الازلية، و بعد انتقالنا بسنوات انا وعائلتي وعائلة راضي الى بغداد ومعنا ام راضي المرأة جليسة التهاب المفاصل والمنكسرة بموت زوجها ، وقد لحقته لتقابله في المكان البعيد بعد شهرين بالضبط من رحيله عن دنيا الله ، دونت في سجلي الخاص ما يلي من السطور ، كتبت :

عند تنصيب كل وكيل جديد يحدث انشقاق في ما تبقى من قبيلتنا ، وكل من يتركها يرتحل الى الجهة الغربية من العراق ليكوّن هناك اسرة وصداقات ومصالح تجارية واجتماعية ، ويزوج ابنائه من تلك المنطقة ، وعندما تسأل أي شخص من المرتحلين يجيبك فورا : شبعنا كذب الورقة العراقية الصنع .

كانت قبيلتنا واحدة من قبائل العراق الكبيرة التي كانت حاضرة في كل شيء مع قبائل العراق الشرقية والغربية ، وكان حالها حال القبائل العربية الاخرى الوافدة منذ الاف السنين من شبه الجزيرة العربية ، الا ان المحنة التي حدثت بعد موت الشيخ الكبير قد اطاحت بها ، فقد تركها هملا كما قال لي ابي مرة ، بلا شيخ يقودها ويلم شتاتها ويشارك القبائل الاخرى همومها ،خيرها وشرها .

وعندما ظهر شيخ العماريين بتلك الوصية ، تبخرت القبيلة وكأنها لم تكن في يوم ما قبيلة كبيرة يحسب لها الف حساب في كل شيء، اصبحت مجموعة من المكونات الاجتماعية التي انصهرت مع تجمعات اجتماعية اخرى وذابت فيها مصاهرة وعملا ومصالح .

عزيزي القاريء اللبيب ها انا استدعيك مرة اخرى لتساعدني في ان اكتب لك رواية فنية تستقيم وشروط الرواية ،الا ان القلم اخذني الى علوم اخرى ، وادخلني في متاهات علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم التاريخ وعلم الجغرافية وغيرها من العلوم ، اذ تراني وانا اسجل دقائق الامور عن هذه القبيلة ارتاد دون وعي مني هذه العلوم ، فأن كان في ذلك فائدة، ففيما ذكرت كل الخير ، وان لم تكن فلك الحق ان ترمي كل هذه الاوراق او بعضها وراء ظهرك ، فأنا فيما كتبت لم اكن معك كالسيف المسلط على رقبتك، كما كانت الاوراق المحلية الصنع المرسلة من قبل ابن الشيخ الكبير الغائب الحاضر على رقاب ابناء قبيلتنا سيفا مسلطا .

ها انا ادون ما ادونه من فم الشيخة او العمة وردة ، كنا في حضرتها انا وراضي والعم نهر ، اربعة اشخاص ضمتهم غرفتها المضاءة بمصباح 60 واط يبث نورة الاصفر الشاحب داخلها، وردة الشيخة التي خرجت من المولد بلا حمص ، لان الحمص اكله شيخ العماريين وابنه وشاركه فيما فضل منه ابي وابي راضي وام الشيخ الكبير التي طردت وردة من الدار الكبيرة، ثم جاء رديف ، رديف الذي لم يكن من قبيلتنا ولا نعرف له نسبا سوى انه كان رئيس حماية ابن شيخ العماريين الذي اصبح وكيلا لابن الشيخ الكبير الذي لم يره احد من ابناء قبيلتنا لا كبيرها ولا صغيرها ، لا رجالها ولا نسائها ، في الوقت نفسه ازدادت ثروة من يكونون وكلاء عنه ، وراحوا يبنون العمارات والقصور ، ويتزوجون مثنى وثلاث ورباع كما حدث لرديف ، اذ جمع في مزرعته التي اشتراها قبل اشهر اربع زوجات توزعن على اربعة قصور فاخرة في المزرعة ، وهناك اربع سيارات امريكية الصنع تقف امام باب كل قصر، يقف بالقرب من بابها الخلفي سائق خاص بإنتظار احدى زوجات الوكيل ليأخذها الى مكان ما لترفه عن نفسها التي ملت رؤية جدران القصر، او لتتسوق من متاجر الكرادة او المنصور .

كسر ما كان بيننا من صمت صوت العم نهر وهو يسأل وردة الشيخة او العمة :

- يا وردة – كان العم نهر الوحيد بيننا الذي يناديها بإسمها لانه اكبر منها سنا– اخبريهم عما قاله لك الشيخ الكبير رحمه الله في تلك الليلة التي عدتم فيها من بغداد بعد ان اجريتم الفحوصات الطبية ؟

قالت وردة بعد ان مسحت دمعة سقطت من عينها :

- يا نهر ، لماذا تريد ان تهيج جروحا احاول سنوات ان انساها ؟

خرج راضي من صمته ، وسألها :

- كلنا في الهوى سوى ، كلنا مجروح ، وكلنا نكابر لننسى آلام تلك الجروح .

قالت:

- هذا صحيح يا راضي ، الا ان الكذب اصبح هو الصدق .

وكمن يتقدم بحذر على ارض زلقة مملوءة بالوحل ، قلت لها :

- لم يكن الكذب قد تحول الى صدق ، الا ان الناس ، اقصد ابناء قبيلتنا ، ملوا الحديث في ذلك ، واصبح يومهم البحث والحصول عن لقمة العيش بستر وامان … هذاهو همهم اليومي… لا يريدون المشاكل .

ردت وردة قائلة :

- هذا صحيح لو انهم لم يعطوا قسم من غلتهم الى الوكلاء المدعين كذبا ، من رآى منكم او منهم ابن للشيخ الكبير ؟… ها … قل لي ؟

قال راضي وكأنه يجيب عن تساؤلها :

- كل ابناء القبيلة ، الساكن على ارضها او المرتحل عنها لا يصدقون هذه الادعاءات ، الا ان الذين بقوا على ارض القبيلة يقولون نعطي ما عندنا ولا نترك الارض لغيرنا .

قالت وردة :

- اذن هم غير مصدقين بوجود الابن الغائب ؟

اجبتها نافيا:

- ولا ابي .

صاح راضي :

- ولا ابي ايضا .

قالت وردة مندهشة :

- كيف ذلك ، ابوك ياخيري مساعد الوكيل الاول ، وابوك يا راضي مساعد الوكيل الثاني، و اصبح الوكيل الثالث ، كيف ذلك؟

قلت:

- الفلوس تعمي النفوس.

بكت وردة … لم ارها تبكي مثل هذه المرة حتى ان بكاءها امتد لوقت طويل اوقفه العم نهر بقوله:

- وردة … هذا الجواب الصحيح … الفلوس تعمي النفوس … الم اقل لك ذلك عدة مرات ؟ الم اقل لك ان والدتي رحمها الله قد اعمتها الفلوس ؟

لم تخبرنا وردة ما طلبه منها العم نهر ، لاننا قطعنا حوارنا واستأذنا منها بالخروج ، كانت تبكي … هل كانت تبكي حالها، ام تبكي الشيخ الكبير الذي فقدت سندا بموته … ام تبكي اباها الذي تركها مع شقيقاتها لا معيل لهن سوى رحمة الله كما قالت ، ولولا العم نهر لبارت اخواتها ولم يتقدم للزواج منهن رجل واحد، الا انه سارع وخطبهن زوجات لابنائه … ام تبكي حضنها دون طفل ؟ المهم انها بكت … راحت تنشج كالثكالى … كانت هي ثكلى … كانت منهن وليست مثلهن … فأردنا ان نرحم حالها … اسرعنا بالخروج انا وراضي بعد ان ودعناها ، وتخلف عنا العم نهر وهو يواسيها … ثم بعد دقائق لحق بنا .

قال :

- لقد عادت الى سنوات عزها المفقودة.

قال راضي مواسيا:

- ليكن الله في عونها.

ثم راح العم نهر يسرد علينا ما دار بين اخيه الشيخ الكبير وبين وردة بعد الفحص الطبي لهما ، كانت وردة مهيأة للانجاب ، الا ان العقم عند اخيه الشيخ الكبير، لهذا قال لها كما اخبرنا العم نهر :

- انت في حل من امرك … سأطلقك ليمتلأ حضنك بالابناء من رجل اخر … الا انها رفضت… رفضت بشدة … وحلفت برأس العباس(*) اذا ارغمت ستحرق نفسها بالنار ، عندها سكت الشيخ الكبير ولم يقل لها كلمة تسيء لها طيلة حياته الباقية.

الورقة الثامنة عشر:

لم يكن الماضي بعد هذه السنوات الطوال قد غرق في عتمة ضبابية في ذاكرتي ، فقد اصبحت ذكريات تلك الايام معششة فيها ، سهلة التداعي الى واجهتها وكأني استدعي طفلي الزاحف على الارض ليأتي بين احضاني ، كانت تلك الذكريات كشريط سينمائي وبالالوان تتراقص صوره امام عيني ، واضحة مشعشعة بارقة كأنها في وضح النهار.

فيما كان راضي هو الاخر – كما اخبرني – ما زالت الذكريات تلك كأنها حدثت بالامس … طرية كصبية في ربيعها الرابع عشر… لم تغب عنه لحظة واحدة بعد ان وصل نارها اليه … اخبرني انه لم يعبأ بها عندما كانت في بدايتها… لم يخض في تفاصيلها … ولم يناقش احدا عنها ، الا ان خطبة الوكيل الثاني لاخته راضية قد اجج في نفسه كوامن اسئلة يريد معرفة الاجابة عنها … كان يريد – كما اخبرني – ان يفضح القائمين بها ، وكما قال لي مرة وللعم نهر :

- ان اشد ما يخيفني هو المجهول ، ذاك الذي لانفهمه.

وها نحن وقد وصلنا الى عمر الكهولة ، خمس وثمانون عاما لكل واحد منا ، اذ كنا قد ولدنا في عام واحد ، وها اننا نعيش في بيت واحد بمفردنا بعد ان ماتت امي وامه ، وماتت الزوجات الحبيبات ، والشقيقات الحنونات ، وبعد ان مات بعض من ابنائنا وبناتنا الذين لم يقدر لهم الله ان يعمروا طويلا ، وها ان احفادنا اصبحوا اباء لبنين وبنات يبحثون عمن يشاركهم الحياة من الزوجات والازواج ، وها ان السجل ما زال كما هو ، الا ان العمة وردة قد تذكرها الله قبل العم نهر بأشهر قليلة ، فقبضهم اليه قبل سنين بعيدة ، كل شيء قد تغير الا ان النفس تعيش على ما جبلت عليه .

اما خيرية فقد تذكرها الله واخذها الى جواره قبل اكثر من ثلاثين سنة بالضبط ، قال من اتى بالخبر انها ماتت دون ان تتزوج ، ولم يقل من نقل الخبر سبب عدم زواجها ، الا انني كنت اعرف ، كما اعرف انني قد خنت حبنا .

وفوزة ، هي الاخرى كما نقل احدهم الخبر الى راضي لم تتزوج ، وماتت بعد عمر طويل .

وتزوجت راضية ، وكانت راضية مرضية بزواجها من احد شباب محلتنا ، كان ضابطا في الجيش، وكان والده ممن ارتحل مع المرتحلين من قرية اخرى تسكنها عشيرة من عشائر قبيلتنا الكبيرة .

عندما نفتح السجل انا وراضي ، فأن اكثر من صورة تتداعي من ذاكرتنا اللتين اصبحتا ذاكرة واحدة .

قرأنا في ورقة من ذاك السجل : ان الوكيل الرابع قد انتقل الى رحمة الله .

عندها راحت الصور تتداعى من الذاكرة كما كانت تتداعى في تفكير راضي .

جاءنا خبر وفاة الوكيل الرابع بعد ان قبض الله العمة وردة والعم نهر بسنوات ، كنا انا وراضي نحضر حفلة زفاف حفيد راضي لامه ولابن لي على احدى بنات واحد من ابنائي ومن ابنة راضي ، كان الزواج بين ابنائنا قد اكتمل … رجلين وامرأة مني ومن رضية وامرأتين ورجل من راضي وشقيقتي ، كنا للتو قد انهينا وليمة الرجال عندما بدأ التهامس بين الضيوف بخبر وفاة الوكيل الرابع ، رديف، الذي لم يترك له مساعدا على اراضي القبيلة، بل كان يجمع حق المشيخة بيديه ، ويرسلها – هكذا كان يقول- الى ابن الشيخ الكبير ، اما نحن الثلاثة ، انا وراضي والعم نهر قبل ان يتوفاه الله فلم يندق بنا ، كنا نذهب للحصول على غلتنا من الفلاحين على ارضنا بيدينا .

عرفنا في اليوم الثاني ان لا احد اخرج من جيبه ورقة محلية الصنع قادمة من ابن الشيخ الكبير لتعلن اسم الوكيل الجديد .

قالت الاخبار التي تناقلتها الالسن فرحة: ان الوكيل هو الذي اخرج من جيبه الورقة المحلية الصنع وراح يعلن ان ابن الشيخ الكبير لم يعين وكيلا له، لانه قد ترك حق المشيخة الى ابناء القبيلة، كل يتصرف بها على هواه … فمن يريد ان يصرفها في اعمال الخير فله الحق في ذلك ، ومن يريد ان يصرفها على عياله فله الحق ، وبدأت الكتابات تنتشر بين العامة لمؤلفين مجهولين ، وراحت المطابع تنشر كل شيء عن ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في لندن، فهو دكتوراه في الاقتصاد مرة، وبروفيسورا في السياسة ثانية، واخرى في كيفية زراعة النخيل والرقي ، والرابعة … والخامسة … وبدأ تلاميذ المدارس الابتدائية يتلقون دروسا خاصة عن حياته ، وراحت كل الكتابات المدرسية والعامة تصف هذا الابن غير المرئي وغير المعروف وغير الملتقى به وصفا من الحجم الكبير ، فهو مرة شيخ الشيوخ ، واخرى كما تصفه الاناشيد المدرسية صديق للاطفال والطيور والاشجار ، ومرة – خاصة في الكتب التي تطبعها المطابع للعامة – يكلم الحيوانات بلغاتها كنبي الله سليمان ، بل زادوا وذكروا انه يكلم الجن ايضا ، وهو – كما يذكر كتاب الجغرافية للصف الرابع الابتدائي – انه يسيّر الغيوم ، ويوزع سقوط الامطار على البلدان ، انه بكل صراحة تلك الكتب المدرسية وغير المدرسية يمتلك السر الاعظم كما صرح في احدى خطبه في راديو القبيلة الوكيل الرابع قبل ان يتوفاه الله، الا ان كل من التقى هذا الوكيل يوقن انه الشيطان الرجيم بلبوس راهب متنسك.

قلت للحاج راضي، بعد ان استخدم العصى ليتوكأ عليها :

- هل انتهت محنة ابناء قبيلتنا ام لا ؟

قال بنبرة رجل عجوز حكيم :

- لا ادري يا حاج خيري … العلم عند الله .

كان جوابه صحيحا ودقيقا … العلم عند الله ، لانه في اليوم الثاني وجدنا راضي جثة هامدة على فراشه ، رحمه الله … وها ان حركة ساقيّ قد بدأت تهدأ قليلا قليلا … شعرت بهما انهما ذابلتان … خيارتان ذابلتان … و راحت بعد ايام ذاكرتي تمحي صورها شيئا فشيئا ، وها ان احد احفادي يسجل في السجل هذه السطور وانا بين يدي الرحمن الرحيم .

انا بين يدي الرحمن الرحيم لا احتاج الى قاض يكتب وصيتي ، فقد مات والدي وماتت والدتي ، ولحقتهما زوجتي رحمهم الله جميعا … وظل ابناء قبيلتنا الساكنين على ارضها وغير الساكنين على تلك الارض ممن عمر طويلا او ممن كان طفلا وقت المحنة، ، منقسمين فيما بينهم … فمنهم من ظل ولائه للوكلاء وراح يظن او يعتقد او يأمل بأن ابن الشيخ الكبير سيعود يوما الى ارض القبيلة ليوحد ابنائها ، ويقودهم بين القبائل الاخرى الى العز الذي فقدوه بموت الشيخ الكبير ، ومنهم من تناسى ايام المحنة واصبح من ابناء المنطقة الغربية بعد ان ولد لهم الجيل الرابع من الابناء من خلال المصاهرة بينهم وبين الابناء الاصليين لقبائل المنطقة الغربية… كل شيء جائز في هذه الدنيا ، الا انني اردد وانا بين يدي الرحمن الرحيم : لا يعرف الغيب الا الله .

ورقة ثانية خارجية :

لم تكن الورقة الخارجية الاولى الا ورقة ضمت سطورا هيأتنا انا وانتم لدخول عالم المجهول، اما هذه الورقة فتضم سطورا غايتها غلق هذا العالم ،والخروج منه لتخبرنا بالحقيقة كاملة .

كانت لي جدة لامي ، الا انها لم تكن حكواتية، لا بالمعنى الدقيق لهذه اللفظة ولا بمعنى ابسط من ذلك ، ولم اسمع انا ولا اخوتي اية حكاية من فمها ، بل كنا انا واخوتي نسومها العذاب عندما تزورنا، كانت (شقاوة جهال)(*) كما قالت مرة والدتي – لا اقصد والدة خيري او والدة راضي – لامها المبتلاة بشقاوتنا .

كانت جدتي من العجائز المؤمنات اللائي لم يتركن فريضة اسلامية الا وادّينها ، حتى انها حجت الى بيت الله ، وكانت – كما اسميتها بعد ان كبرت، إمرأة متطهرة – أي انها تشك في طهارة كل شيء ، وكنا نحن ابناء ابنتها نعرف هذا جيدا ، فكنا نضع ايدينا في الماء الذي تتوضأ به ، او نشرب من (طاسة الروبة) (*) التي تيدم بها (التمن) (*)عند العشاء ، او اننا نلتحف بعباءتها التي تصلي فيها ، اما هي فقد كان رد فعلها قولها لنا بعد ان تجر آذان كل واحد منا : شياطين ، لا فائدة منكم . ثم تأخذ عباءتها لتشطفها(*) وتذكر اسم الله عليها ، فيما نحن نقف قربها ضاحكين ، او انها في تلك الليلة لم تضع الروبة ايداما للتمن فتأكله دون ايدام .

لم اشاهد الهند طيلة سني عمري ، ولم اقرأ كتابا عنها ان كان ذلك الكتاب عن تاريخها او عن جغرافيتها او ملوكها .

ولم ار ملكا الا في الصورة ، وكان عمري ستة اعوام عندما حدث انقلاب عبد الكريم قاسم على الملك الشاب فيصل الثاني الذي قتل فيه،ولم اقرأ عن حياته او حياة ابيه الملك غازي او حياة جده الملك فيصل الاول الا النزر اليسير .

ولم اعرف شخصا مجهولا ، الا انني عندما كنت صبيا ، كنت اذهب مع اقراني الى مقبرة صغيرة تبعد عن بيوتنا مسافة اقل من نصف كيلومتر لنلعب كرة القدم ، وكانت هذه المقبرة تسمى مقبرة (المياهيل)، اذ يدفن فيها من يموت في المستشفى ولم يعرف له اهل من قبل البلدية، ثم اصبحت مقبرة للاطفال الصغارالذين لا يحاسبهم الله لعدم دفنهم في مقابر النجف.

اما كلمة (المياهيل – جمع ميهول) فهي اللفظ العامي عند اغلب ابناء الجنوب للفظة (المجاهيل) أي المجهولين ، اذ كثيرا من اللهجات الدارجة في اقطارنا العربية يكون فيها البدل في الحروف شائعا ، فالجيم مرة يكون ياء، ومرة كافا فارسية ، والقاف تصبح غينا… الخ .

بعد ان كبرت واكملت دراستي في الجامعة ، وبعد ان تعلمت حرفة كتابة القصة القصيرة والرواية ، رحت ابحث عن موضوع يصلح ان يكون رواية ، فأأتلق في ذهني هذا الموضوع كما يأتلق القبس الذي يشبه الذي وعد به نبي الله موسى عائلته، كان الموضوع هو نفسه الذي روته لنا جدتى عندما كنت صبيا ، اقصد ، هكذا تصورت انها حكته في ذلك اليوم الممطر، على الرغم من انها لم تكن راوية للحكايات ،او ربما رأيته في حلم ليلة صيف وانا نائم على سطح دارنا ، او ربما قرأته ضمن ما قرأت في فترة صباي او شبابي من حكايات كثيرة، ان كان ذلك في الف ليلة وليلة او في كتاب اخر للحكايات، المهم هذه رواية كتبتها .

لهذا ترى ايها القاريء اللبيب ان خيري – ربما – هو انا ، وانا – ربما – خيري ، وما وجود شخصيتان احدهما تكتب الرواية بواسطة القلم والورقة او بضرب مفاتيح لوحة حروف الحاسوب لتظهر على الورقة البيضاء الافتراضية على شاشة الحاسوب ، والاخرى تنظم وتلم وتخبر عن احداثها، الا لعبة روائية كنت قد تعلمتها عند قراءتي لمئات الاعمال الروائية لاساطين الرواية في العالم .

لا اكتمك سرا ايها القاريء اللبيب – وقد طلبت مساعدتك مرتين او اكثر- عندما اقول ان ما تقرأه هو ضرب من الخيال ، الخيال الملتبس بالفن كما يلتبس ابليس في النفس البشرية ، انه خيال فني ، تصور ذهني ، حلم يقظة او حلم نوم ، سطور على الورق الصناعي او الورق الافتراضي ، فلا اريدك ان تنخدع – حاشاك – بهذه الحيلة كما ينخدع بعض الناس بالعاب الخفة على انها نوع من السحر الذي ذمه القرآن ، ان هذه الرواية هي خيال لمخيال – ربما – كان فائرا حارا في ظهيرة يوم تموزي حار .

فشقيقتي لم يكن اسمها كأسم شقيقة خيري في الرواية ، وانا لم احصل على شهادة البكالويوس في أي علم تطبيقي او تقني او انساني ، ولم يكن لي صديق مثل راضي او زوجة لها اسم رضية شقيقته، ولم يكن لي عم لتكون لي علاقة حب مع ابنته كما كانت بين خيري وخيرية ، ولم اولد في القرية ، اذ انني ولدت في مركز المحافظة وتعلمت بمدارسها التي تضم خيرة المدرسين والمختبرات العلمية والنشاطات الفنية في الرسم والمسرح ، وكنت اكتب لحبيبتي – هكذا ازعم انني احببت فتاة كانت لا تعرني ادنى اهتمام – بعض اشعار الغزل التي اجمعها من عدة قصائد معروفة ، وكان نزار قباني مساعدي في كتابة الشعر .

هذه هي روايتي التي بين ايديكم، ولكم الحق ان تسألوني من اين اتيت بموضوعها ؟ والحق اقول لكم: لا اعرف… فإن اعجبتكم فلي الحق ان انتشي زهوا بقبولكم لها، وان لم تعجبكم فهي مردودة علي وشاكرا لكمّ قراءتها.

كلمة اخيرة:

(الجهل يعمي ابصارنا ويضللنا

ايها البشر الفانون!افتحوا عيونكم!)

دافنشي

معجم ما استعجم:

* لانني لا اكذب و انما اجمل :عنوان لفيلم مصري بطولة احمد زكي بصيغة لغوية اخرى.

منقلة: كانون النار.

* اكو ماكو ، اكو فد ملك:جملة استهلالية لاية حكاية شعبية . واكو ماكو: قيل عنها انها من اصل سومري، ولهذا يستخدمها ابناء الجنوب خاصة ، والله اعلم ، واكو : بمعنى يوجد.

* البواري :جمع بارية ، وهي الحصيرة المضفورة من عيدان القصب المهشمة .

* العرضة او العراضة : هي تجمع ابناء عشيرة لحضور مناسبة (حزن او فرح)عشيرة اخرى ، ويقابلهم ابناء تلك العشيرة صاحبة المناسبة ، وهم يهزجون ويدبكون والرايات فوق رؤوسهم .

- السادة: هم الاشخاص الذين من ذرية النبي محمد (ص).

- غرفة الخطار:غرفة الضيوف.

- فوطهن: جمع فوطة : وهي الشيلة ، غطاء لرأس المرأة ،نسيج شبه مستطيل من خيوط حريريه سوداء تنسج بطريقة معينة يلف بها رأس المرأة .

- العدادة : إمرأة تقوم بقراءة التعازي وتعداد مآثر الميت.

- الداد:لفظة تطلق عند الغضب من شخص ما.

الهوسات: جمع هوسة. وهو بعض الابيات الشعرية التي تختم ببيت شعري راقص، يجعل سامعه يتجاوب معه ويدبك على الارض.

- محفوظ:لفظة احترام تقال عند مخاطبة الشيخ او المسؤول الحكومي الكبير ، وتعني : حفظكم الله.

- الاواني الصينية : اواني خزفية .

- الجبنة: تقرأ بالجيم المثلثة ، وهي مادة اسفنجية ذات كثافة عالية اكثر من الاسفنج.

- عند المسلمبن ، يتم العقد في بيت الفتاة ، وذلك بأن يسألها رجل الدين ان تقبل به وكيلا عنها والقبول بفلان زوجا لها، فتتردد الفتاة – بتوصية من امها حفاظا لسمعتها – بالقبول، الى ان يكرر سؤاله ثلاث مرات او اكثر، عندها وبخجل تقول: قبلت .

- عقال شطراوي: الشطراوي نسبة الى قضاء الشطرة احد اقضية محافظة ذي قار ويتصف هذا العقال بالسمك الزائد .

- خلفوني:من الخلف ،أي اجدادي.

- الدلالة: إمرأة تدور على البيوت لتبيع بعض الملابس واللوازم البيتية.

- إحديثات:جمع إحديثه ، أي صبية عند ابناء الجنوب .

- صعد لحم …نزل فحم: هوسة رددها ابناء الجنوب عند وفاة رئيس العراق في منتصف ستينات القرن الماضي (المرحوم عبد السلام عارف) عندما تحطمت به الطائرة العمودية التي كان تقله في البصرة .

- نحن دفناه سوية: مقولة مشهورة وقد بنيت عنها حكايات شعبية كثيرة ، وتعني : اننا نعرف كل شيء.

- الجريد: جمع جريدة ،نصل السعف.

- السركال: هو رجل الشيخ الاول في العشيرة.

- فلكش: خرب .

- جك: اناء اكبر من القدح لحفظ الماء او لتبريده بالثلج.

- لم يندق بي احدا منهم:لم يتحرش بي.

- أبو غائب: كنية يستخدمها ابناء الجنوب لمن لا يولد له خلف ، وفي ايامنا يكنون الذي لا خلف له بـ (ابي انتظار).

- في الوجه مرايه وفي الظهر سلايا:مثلا يردد عند وصف شخص مرائي.

- سناين:جمع سنينة ، وهي مؤنث السنة ، القانون او العرف العشائري .

- المرق: الحساء.

- حدائق الزوراء:منتزه عام في بغداد.

- الشيلة والعصابة:الشيلة ايشارب اسوديلف حول الرأس بطريقة خاصة. اما العصابة فهي قطعة سوداء تلف على قمة الراس بعد ارتداء الشيلة.

- شنقة: تلفظ في الجنوب (شنكه) بكاف فارسية ، وهي فسقة العجين .

- الديرم: لحاء شجر معين تصبغ المرأة به شفاهها بلون قهوائي.

- السوالف: جمع سالفه ، وهي الحكاية او القصة .

- صوغة: هدية.

- الزنجار: الصدأ.

- رأس العباس: قسم يستخدمه الشيعة ، ويعنون به سيدنا العباس ابن علي بن ابي طالب.

- شقاوة جهال:جهال: اطفال، من جاهل.

- جهال: جمع جاهل وهو الطفل.

- طاسة الروبة: طاسة : اناء معدني او المنيومي او لدائني ، الروبة : اللبن الخاثر.

- التمن: الرز.

- لتشطفها :لتغسلها.

17 ك1 2007 - 11 / 6 / 2008

كلمات البحث الموفِدة:

  • تحميل رواية اوراق مجهول (1)
  • تحميل كتاب اوراق مجهول (1)
  • جمع الاوراق رواية (1)
72 Views

عن داود سلمان الشويلي

إلى الأعلى