الرئيسية » موسوهة دهشة » الدين » التصوف و الأخلاق » مقدمة كتاب متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري – دراسة تاريخية – عمر التل

مقدمة كتاب متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري – دراسة تاريخية – عمر التل


بسم الله الرحمن الرحيم

صدر مؤخراً في عمان – الأردن كتاب:

متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي: دراسة تاريخية

وهو في الأصل رسالة ماجستير قدمها الباحث عمر سليم عبد القادر التل في قسم التاريخ في الجامعة الأردنية.

وقد قدم الكتاب المشرف على البحث الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري عافاه الله وأطال في عمره.

والبحث رغم أهميته إلا أنه غير مطروق من قبل الدارسين على هذا النحو الموسع.

ومع أن البحث تاريخي إلا أن القارىء بين السطور سيجد فيه رسالة تمس الحاضر العربي الإسلامي عامة والعراقي خاصة من حيث النموذج التوحيدي الذي تطرحه حركة التصوف من حيث هي مصهر لخلافات أبناء الأمة الواحدة وبخاصة في أوقات الأزمات الكبرى التي تهدد وحدة المجتمع ونسيجه الناظم والتي بدورها تغري أضعف الأعداء لاجتياح البلاد والعباد.

فيما يلي مقدمة الكتاب:

المقدمة

شهد القرن السادس الهجري نضوج التصوف من حيث هو حركة اجتماعية كان لها أثرها الواضح في مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية في بغداد.

وقبل ذلك كان التصوف قد تلقى دفعة قوية من وزير السلطنة السلجوقية نظام الملك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ضمن توجه السلطنة لإحياء المذاهب السنية لمواجهة الفاطميين.

وبعد زوال الهيمنة السلجوقية على بغداد في أواخر النصف الأول من القرن السادس الهجري واصل الخلفاء العباسيون تبنيهم للتصوف نظراً لسعة انتشاره بين الناس ولتأثيره في حياتهم وربما أيضاً لقدرته على التخفيف من غلواء الخلافات المذهبية.

إن دراسة متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري تمهد لفهم حركة التصوف وتطوراتها في القرون التالية في مختلف بلاد الإسلام، كما يمهد لفهم الدور الذي قاموا به سواء في البلاد المجاورة أو البعيدة عن بغداد، ويزيد من أهمية الدارسة ما يمكن أن يقال من أن التصوف صبغ المجتمعات الإسلامية عامة بصبغته الخاصة ولمدة غير قصيرة.

لم يحظ موضوع الدارسة باهتمام كاف من قبل الباحثين المعاصرين سواءً من العرب أو غيرهم، بل ربما لم يكرس احد منهم بحثاً وافياً لهذا الموضوع أصلاً. إن أكثر الدراسات السابقة عن التصوف نادراً ما تصل إلى القرن السادس الهجري، وإن وصلت فإنها غالباً ما تركز اهتمامها على معالجة ما أطلق عليه تسمية” التصوف الفلسفي” الذي كان له رواجه خارج بغداد، وذلك رغم أهمية دراسة التصوف البغدادي في تلك الفترة نظراً لكونها فترة تكوين لأهم المؤسسات الصوفية التي ظهرت لاحقاً، أعني الطرق الصوفية، وقد كان للمستشرقين دور هام في توجيه البحوث نحو التصوف الفلسفي وذلك على حساب الاهتمام بالتصوف البغدادي. وبالتالي، فإن أبرز ما يميز هذا البحث عن الدراسات السابقة تركيزه على متصوفة بغداد.

حاولت هذه الدراسة أن تجيب على عدد من الأسئلة حول متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري: كيف اختلف التصوف البغدادي في القرن السادس الهجري عنه في الفترة السابقة، وما هي أبرز ملامح الاستمرار فيه؟ من هم أبرز شيوخ التصوف البغدادي وتلاميذهم وخلفياتهم وعلاقاتهم الرسمية والشعبية؟ وما طبيعة ودور المؤسسات التي انتظمت عملهم في بغداد؟ وما هي مواصفات الخطاب الصوفي في الفترة محل البحث، وكيف اختلف خطابهم عن خطاب الفقهاء؟ ثم ما هو الدور الاجتماعي الذي اضطلعوا به من خلال علاقاتهم مع فئات المجتمع البغدادي؟ وقد يجد القارئ في مجمل البحث إجابة على مسألة ما إذا كان التصوف هروباً من الواقع المعاش في بغداد أم محاولة لحل مشكلاته.

قسم الباحث موضوعه ”متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري” إلى أربعة فصول وتمهيد.

أما التمهيد فقد قسم إلى قسمين تناول الأول منهما الأوضاع العامة في بغداد في الفترة محل البحث. وتناول القسم الثاني من التمهيد التطورات التي شهدها التصوف في بغداد حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وفيه عرض الباحث لتاريخ التسمية باسم ”الصوفي”، ومكانة التصوف من بقية علوم الشريعة، وانتقال معارف الصوفية من الكتمان إلى العلن، وتدوينها، وبداية نشوء الربط الصوفية في بغداد وطبيعة العلاقة بين الصوفية والفقهاء في تلك الفترة، ومظاهر الاستمرار في تاريخ التصوف والتي انتقلت إلى القرن السادس الهجري، وتزامن دخول السلاجقة إلى بغداد مع انتعاش التوجه الأشعري والصوفي بتأثير الوزير نظام الملك، وأهم المصنفات الصوفية في القرن الخامس الهجري، ونشوء رباط شيخ الشيوخ.

عالج الفصل الأول ”شيوخ التصوف البغدادي ونساؤه في القرن السادس الهجري”، وقد تعمد الباحث الإسهاب في هذا الفصل نظراً لأن حياة شيوخ التصوف وتلاميذهم وتراجمهم تعطي صورة حية لحركة التصوف نفسها وانتشارها ومميزاتها في تلك المرحلة، ولأن متصوفة بغداد هم موضوع البحث أصلاً. وفي هذا الفصل يظهر بوضوح تيار تصوف الفقهاء الذي ميّز التصوف في القرن السادس الهجري أكثر من غيره من القرون.

أما الفصل الثاني فتناول المؤسسات الصوفية، وهنا تبدو ظاهرة بناء الربط الصوفية جنب مدارس العلوم الشرعية بوصفها تعبيراً مؤسسياً عن تنامي تيار تصوف الفقهاء. وإلى جانب الربط والمدارس تناول الفصل المؤسسات التابعة لها كخزائن الكتب الموجودة في الربط، كما تناول مؤسسة شيخ الشيوخ، والطرق الصوفية بما هي تطور حادث وإن كان متأخراً في حركة التصوف. كما عرض الفصل للعلاقة المؤسسية الرئيسة في التصوف والمتمثلة بعلاقة الشيخ بالمريد والتي من خلالها انتقل التصوف من جيل إلى جيل.

في الفصل الثالث عالج الباحث الخطاب الصوفي من حيث أسسه وموضوعاته ومفاهيمه، حيث تطرق الباحث إلى ما صدر عن الصوفية من أقوال تعبّر عن مواقفهم وقيمهم وعلومهم وأحوالهم، ففي أسس الخطاب عرض الباحث لأهم المعتقدات التي أجمعوا عليها والذهنية الصوفية القائمة على أساس من السببية تميزوا به. وتضمنت موضوعات الخطاب القضايا التي طرحوها في مجالس وعظهم ومصنفاتهم. أما المفاهيم فيقصد بها ألفاظهم ومصطلحاتهم التي اصطلحوا عليها للتعبير عن خبراتهم، وهي اصطلاحات أغلبها يتجاوز الدلالة اللغوية المباشرة المتعارف عليها لدى الناس.

وعرض الفصل الرابع لعلاقة متصوفة بغداد بفئات المجتمع ومؤسساته حيث تناولها البحث ضمن ثلاثة محاور: الخلافة العباسية وعلاقتها بالتصوف، وتبنيها لمتصوفة الربط، وسعيها لاحتواء وتوجيه حركة التصوف. ثم تناول الفصل علاقة الصوفية بالفقهاء حيث تقارب التياران بفعل نشاط حركة تصوف الفقهاء. وأخيراً عالج الفصل علاقة الصوفية بالعامة كالعيارين والشطار، وأهل الفتوة وتنظيمها، والأصناف وأرباب المهن والتجار.

أفاد الباحث من مجموعة متنوعة من المصادر تراوحت بين كتب التصوف وكتب التراجم والطبقات وكتب التاريخ العام، وكتب البلدان والرحلات، وغيرها، إضافة إلى عدد من الدراسات الحديثة.

تعد كتب الشيخ عبد القادر الجيلي (ت 561 ه): كتاب “الفتح الرباني والفيض الرحماني”، و “فتوح الغيب”، و “الغنية” مصادر هامة للتعريف بالخطاب الصوفي وموضوعاته، وقد دوّن الكتابين الأولين تلاميذ الشيخ خلال مجالس وعظه، وهما يبرزان نظرة الجيلي للمجتمع البغدادي وما اعتراه من مشكلات وتصوره للمخرج منها. أما كتاب الغنية فكتاب فقه شامل على نسق كتاب الغزالي إحياء علوم الدين، حيث يشرح جوانب الإسلام الفقهية بروح صوفية واضحة.

ويتركز كتاب أبي النجيب السهروردي (ت 563 ه) الموسوم بـ ”آداب المريدين” على عرض التصوف من حيث هو آداب، وهو كتاب موجز بعبارات قصيرة فيها من الوضوح والتفسير لقضايا التصوف ما لا يوجد في غيره من كتب المعاصرين.

ويعد كتاب الشهاب السهروردي (ت 632 ه) ذائع الصيت ”عوارف المعارف” من أول المصادر التي عالجت آداب الصوفية داخل ربطهم وزواياهم، وهذا الجانب من الكتاب يؤكد أن مسعى المؤلف – المقرب من الخليفة الناصر لدين الله – لوضع ضوابط للحياة الصوفية في بغداد إنما جاء إثر تزايد أعداد الربط على نحو يستدعي هذا المسعى. لكن الشهاب يعرض أيضاً للعديد من القضايا الأخرى المتصلة بالصوفية عرضاً موثقاً بالأحكام الشرعية ويفسر من خلالها دلالات ومعاني الأحوال والمقامات المتعارف عليها عندهم.

ومن المصادر الصوفية الهامة كتاب الشطنوفي (ت 713 ه) ”بهجة الأسرار” الذي وضعه في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلي، وهو من أشهر ما كتب في مناقب الشيخ، وإضافة إلى ذلك فقد جاء قسم كبير من الكتاب ليُترجم للعديد من شيوخ التصوف المعاصرين للجيلي، وفي الكتاب عرض مفصل لتلاميذه وأصحابه ومن كان يحضر مجالسه من أعيان الفترة.

ويتضمن الكتاب معلومات هامة ونادرة عن رباط الجيلي ومدرسته والعلوم التي كان الجيلي يدرسها، ومواصفات مجلسه، والرجال الذين التقى بهم. ويكثر الشطنوفي من إيراد نصوص كاملة للجيلي تبحث في صلب التصوف وهي نصوص تغلب عليها اللغة الرمزية الجميلة، وفيها إشارات فريدة إلى علوم الصوفية وتشابيه ذات دلالات قوية، ويتخلل تلك النصوص تعريفات لمصطلحات صوفية ذات أهمية. وقد أفادت كثير من كتب التراجم من كتاب الشطنوفي إلا أن بعضها لم يشر إليه كمصدر.

و يكاد كتاب قاضي القضاة محمد بن يحيى التادفي (ت 963 ه) الموسوم ب ”قلائد الجواهر” أن يكون نسخة مطابقة لكتاب الشطنوفي.

أكثر الباحث من اللجوء إلى كتاب ”طبقات الصوفية” لأبي عبد الرحمن السلمي (ت 412 ه) وبخاصة فيما يتصل بتراجم صوفية القرنين الثالث والرابع الهجريين، وأفاد منه في موضوع الخطاب الصوفي، والفتوة عند الصوفية. ويعدّ السلمي مرجعاً للعديد من المؤلفين الذين عاصروه كأبي نعيم الأصفهاني (ت 430 ه) في كتابه ”حلية الأولياء”، والخطيب البغدادي (ت 463 ه) في ”تاريخ بغداد”، وأبي القاسم القشيري (ت 465 ه) في ”الرسالة القشيرية” التي كانت أول الكتب الجامعة بين تراجم الرجال وشرح المعارف الصوفية.

كما أفاد الباحث من كتب التراجم الصوفية المتأخرة، مثل ”طبقات الشعراني” (ت 973 ه) الذي اتسم بالحذر فيما يورده من أقوال الصوفية، و”طبقات المناوي” (ت 1031 ه) الذي تميز بقدر من النقد تجاه بعض من ترجم لهم، وكتاب الجامي (ت898 ه) ”نفحات الأنس” الذي أورد ترجمات نادرة لبعض صوفية المشرق الذين تتلمذوا على شيوخ بغداد.

ولكتاب ”الأنساب” الذي صنفه السمعاني (ت 562 ه) أهمية خاصة بسبب التقائه بشيوخ التصوف البغدادي الكبار، فقد حضر بعض مجالس الجيلي، وأخذ عن أبي النجيب السهروردي.

أما ابن النجار (ت 643 ه) صاحب ”ذيل تاريخ بغداد” فقد لازم الشهاب السهروردي فترة غير قليلة وترجم له وللعديد من تلاميذ المشايخ الكبار. ومع أن ما وصلنا من هذا المصنف يخلو من ترجمة للجيلي إلا أن ابن الدمياطي (ت 749 ه) أورد في كتابه ”المستفاد من ذيل تاريخ بغداد” ترجمة له.

وترجم ابن خلكان (ت 681 ه) لمشاهير شيوخ التصوف البغدادي في كتاب ”وفيات الأعيان”، لكن مع ذلك جاء كتابه خلواً من أي ترجمة للجيلي دون أن يتوصل الباحث إلى سبب لذلك.

وأورد أبو شامة (ت 665 ه) في ”الذيل على الروضتين” بعض الأخبار الفذة عن صوفية بغداد.

وجمع الذهبي (ت 748 ه) في ”تاريخ الإسلام” كماً ضخماً من الأخبار والتراجم الهامة، وقد أفاد الذهبي كثيراً ممن سبقه فاعتمد أكثر من مصدر في تراجمه ومن ضمنها مصادر مفقودة.

واعتمد أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 ه) في كتابه ”صفة الصفوة” على كتاب الحلية لأبي نعيم، وبالرغم من أنه زاد فيه تراجم لبعض رجال عصره إلاّ أنه لم يذكر أحداً ممن كان له شأن يذكر في التصوف. ومع أن ابن الجوزي كان من أشد نقاد الصوفية إلا أن نقده الذي ضمنه كتابه ”تلبيس إبليس” جاء نقداً لمظاهر بعض الصوفية دون أن يذكر فيه شيئاً عن الكبار أمثال الجيلي والسهروردي والرفاعي.

أما كتابه ”المنتظم” فقد جاءت فيه أخبار الصوفية على نحو موجز بقصد، وذلك بشهادة سبطه وابن الأثير. وقد وجد الباحث في ”الكامل” لابن الأثير (ت 630 ه) رقيباً ناقداً لما أورده ابن الجوزي من تراجم الصوفية وأخبارهم.

وتابع سبط ابن الجوزي (ت 654 ه) في كتابه ”مرآة الزمان” أكثر ما أورده جده إلا أنه كان ناقداً لمواقف جده تجاه بعض الصوفية.

وخصص ابن الساعي (ت 674 ه) قسماً كبيراً من كتابه ”مختصر أخبار الخلفاء” لترجمة السيد أحمد الرفاعي وخلفائه وعلاقاتهم بالخلافة العباسية.

وأورد ابن شاهنشاه (ت 617 ه) في ”مضمار الحقائق” أخباراً مفصلة عن سفارات شيخ الشيوخ في بغداد إلى صلاح الدين الأيوبي وعن العلاقة بينهما وعن مدى الاحترام الذي كان يتمتع به آنذاك.

أفاد البحث من دراسات حديثة، منها كتاب المستشرقة آنا ماري شيمل: ”الأبعاد الصوفية في الإسلام” حيث وجد الباحث فيه تعميمات مفيدة.

وأفاد البحث من بعض ما ذكره المستشرق الفرنسي ماسينيون في كتابه ”الآم الحلاج”، وبخاصة بعض النبذ عن متصوفة بغداد في الفترة محل البحث.

وأوردت ”دائرة المعارف الإسلامية / بريل” عدداً من الأبحاث التي وجد فيها الباحث كثيراً من الإشارات إلى متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري.

واجه الباحث عدداً من الصعوبات خلال البحث، فمن ذلك تشتت المعلومات في كتب التراجم والطبقات التي وضعت على أساس مذهبي، وبما أن التصوف ليس مقصوراً على مذهب فقهي دون آخر فقد اضطر الباحث إلى الرجوع إلى أكثر تلك المصادر لكي يكمل النقص الموجود في بعضها من بعضها الآخر.

وتمثلت صعوبة أخرى في أن أكثر كتب التصوف قليلة الاهتمام بالأخبار التاريخية الموثقة بالزمان والمكان والتي وجدها الباحث متناثرة في نتف من كتبهم وأخبارهم، ويعود ذلك – إلى حد كبير – لتركز اهتمامها على العلاقة غير التاريخية بين الإنسان وربه، وهو أمر كان من شأنه أن يزيد من صعوبة استخراج الدلالة التاريخية منها.

أما الصعوبة الثالثة فتكمن في أن دراسة التصوف – حتى تكون منصفة – تتطلب استخدام الألفاظ والمصطلحات الصوفية، وهنا تبرز مشكلة المصطلح الصوفي من حيث تعدد دلالة اللفظة الواحدة لدى الصوفي الواحد، ويرجع ذلك لارتقائه في الطريق الصوفي إذ تزداد لطافة التعابير وغموضها كلما ازداد ارتقاؤه، وهو أمر دعا مصنفين مثل الشعراني لاجتناب أقوالهم في البدايات ولانتخاب أقوالهم في النهايات لدلالتها على الكمال عندهم. يضاف إلى ذلك أن دلالات الألفاظ تتفاوت من صوفي لآخر دون أن يكون هناك معنىً واحداً معتمداً لديهم، والعذر لهم في ذلك أن هذا بالضبط هو ما يعنيه التصوف من حيث هو أحوال ومواجيد يصعب التعبير عنها بالألفاظ ذات الدلالة الاعتيادية في اللغة نظراً لانطواء ألفاظهم على إيحاءات تضيق المعاني الاعتيادية في الألفاظ عن الإحاطة بها، ولأن دقة النص الصوفي أوجز من أي شرح أو إعادة صياغة، ولذلك وصفت بأنها إشارات، والإشارات لا يمكن إدراك فحواها دون توفر قدر من الفهم للمشار إليه عندهم، والبحث في المشار إليه يخرج الدراسة عن تاريخيتها. هذا الأمر ألجأ الباحث إلى الإبقاء على الألفاظ كما وردت، وإلى الإكثار من إيراد النصوص والاقتباسات، لكنه مع ذلك حاول أن يقدم معنى عاماً لتلك النصوص دون أن يكثر البحث في الألفاظ ذاتها.

لقد سعت هذه الدراسة إلى الإحاطة بأهم شيوخ التصوف البغدادي وتلاميذهم في الفترة محل البحث بحيث أبرزت منحى تصوف الفقهاء الذي ميز التصوف في القرن السادس الهجري عن غيره من القرون، ودرست خلفياتهم وعلاقاتهم فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين فئات المجتمع البغدادي من جهة أخرى، كما عرضت بقدر من التوسع لأهم المؤسسات الصوفية سواء منها الرسمية وغير الرسمية، ومدى الدور الذي لعبته في الحياة الاجتماعية ببغداد. وقدمت الدراسة صورة لأهم الأسس والمفاهيم والموضوعات التي قام عليها الخطاب الصوفي سواء منها ما كان استمراراً لما سبق في القرون الماضية أو لما استجد في القرن السادس الهجري.

وخرج البحث بنتيجة مفادها أن خروج التصوف من عزلته إلى العلن ترافق مع نشاط بناء الربط الصوفية والمدارس ومع تيار تصوف الفقهاء الذي أسهم بدوره في تهدئة التوترات المذهبية وتخفيف حدّة العلاقة بين الصوفية والفقهاء، وهو أمر مهد لانتشار التصوف بين جماهير الناس بعد أن كان محصوراً في فئات قليلة منهم، كما مهد لتطور آخر – ولكنه تطور لاحق – تمثل بظهور الطرق الصوفية.

omartel111 مقدمة كتاب متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري    دراسة تاريخية   عمر التل

 

 مقدمة كتاب متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري    دراسة تاريخية   عمر التل

 

67 Views

عن محبكم 2

تعليقات

  1. الخالدي قال:

    جزاكمالله عنا خيرجزاء ووفقكم

إلى الأعلى