الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الفلسفة والمنطق » رسالة حي بن يقظان لابن طفيل مقاربة لتاريخ النص

رسالة حي بن يقظان لابن طفيل مقاربة لتاريخ النص


رسالة حي بن يقظان لابن طفيل

ـ مقاربة لتاريخ النص ـ

د. إبراهيم بورشاشن

القصد من هذا العرض تقديم مساهمة في دراسة تاريخ نص ابن طفيل الفلسفي اليتيم حي بن يقظان، لاعتقادنا انه لم يعد من الممكن تقديم نشرة نقدية لنص دون المرور بتاريخ النص أو بعبارة الأستاذ المحقق أحمد شوقي بنبين "لا تحقيق بدون تاريخ للنص"، يتأسس هذا الطرح على الأبحاث المعاصرة في تاريخ النص التي تهتم بانتقال النصوص ونقلها عبر الزمان والمكان، في هذا النقل يفقد النص براءته الأصلية لأن كل ناسخ وكل قارئ وكل شارح وكل مترجم يساهم كل على حدة في تشويه النص بقصد أو غير قصد، ويجب على المحقق أن يأخذ بعين الاعتبار هذه "التشويهات" لكي يرجع النص إلى صفائه الأول ما وسعه ذلك، فالسؤال الأكبر الذي يواجه المحقق هو كيف نمر من الأخطاء التي لم يكن من الممكن تجنبها في النص للاقتراب ما أمكن ذلك من النص الأصلي وفهم كيف عاش هذا النص بعد ذلك وكيف تكيف مع جمهوره المتعدد، فتاريخ النص هو الطريق الأفضل بل الأسهل للوصول إلى نتائج قوية في مجال نقد النصوص.

حقا إن منطق تاريخ النص هو غير منطق تحقيق النص لكن لتاريخ النص دور هام في ضبط النص ونشره نشرة نقدية، ومادام الهدف الذي نرومه من تعاملنا مع نص ابن طفيل هو إخراج نشرة نقدية له كما بينا ذلك في مقالتنا: كيف أخرج الناشرون رسالة حي بن يقظان لابن طفيل؟ والمنشور في العدد من مجلة مدارات فلسفية التي تصدرها الجمعية المغربية الفلسفية، فإننا نسلك هنا مسلك البحث في تاريخ نص ابن طفيل نهيئ أرضية علمية لإنجاز نشرة نقدية تستوفي ما وسعها ذلك شروط التحقيق العلمي,

نسارع إلى القول أولا إنه ليس من اليسير القيام بتاريخ نص من النصوص فهذا الأمر جزء من عملية طويلة يجب أن تقوم في مختبر علمي يساهم فيها الكوديكلوجي لمعرفة كيفية الإنتاج المادي للنص والفيلولوجي الذي يحدد النص قبل تأويله والباليوغرافي لقراءة الخط ووضع تاريخ للكتابة وتحديد مكانها ثم مؤرخ النص لكي يستخلص من المقارنة بين مختلف نسخ الكتاب الواحد ظروف ميلاده وتطوره وانتشاره قبل أن يقع في يد المحقق الذي يطمح إلى الوصول إلى النص كما أراده مؤلفه من خلال تعامل خاص مع المخطوطات.

ودون أن نزعم لأنفسنا هاهنا تقديم تاريخ نص لرسالة ابن طفيل فإن ذلك لن يحول ومقاربة إلى أن تتاح فرص أخرى لتعميق البحث في الموضوع.

تاريخ نص حي بن يقظان أو أركيولوجيا النص يبدآ من تاريخ إنشاءه إلى قراءته إلى ترجمته إلى تأويله إلى تشويهه إلى حفظه، فلماذا أنشا ابن طفيل هذا النص؟ وكيف انتقل هذا النص عبر العصور حتى وصلنا اليوم؟ وما هي الإمكانات التي تقدمها لها كتب النص المخطوطة اليوم لتقديم تاريخ للنص؟

تلكم هي الهموم التي سترافقنا في هذا العرض والتي سنحاول تقديم أجوبة مقتضبة عنهما في هذا العرض من خلال جمل نعرض لبعضها بتلخيص شديد؟

1 ـ لا يمكن فصل نص ابن طفيل عن الإصلاح الموحدي الذي جاء به ابن تومرت كما لا يمكن فصله عن الفضاء الثقافي العام والفلسفي الخاص الذي كان يتنفس فيه نخبة العصر ، ولنا حول علاقة ابن طفيل بهذا الرجل سواء عندما كان أميرا أو عندما أصبح خليفة فرضية فصلنا القول فيها في كتابنا "مع ابن طفيل في تجربته الفلسفية"…

2 ــ انتقال النص :

يرتبط انتقال النصوص عادة بالتلاميذ أو الحكام لكن يبدو أن ابن طفيل لم يترك تلاميذ يعتنون بنصه وينقلونه أو أن هؤلاء التلاميذ لا يعرفون، لكن لعل الفضل في نقل النص يرجع أولا إلى أسرة ابن طفيل حيث نجد ابنه يحيى يقدم نصوصا للمراكشي كما يصرح بذلك صاحب المعجب وحفيده يحيى يقدم نصوصا لابن رشيد السبتي في القرن الثامن، ولذا عرف النص وصاحبه عند صاحب المعجب الذي يعتبر اقرب المؤرخين زمانا إلى ابن طفيل هذا إذا استثنيا ابن صاحب الصلاة معاصر ابن طفيل الذي يذكر ابن طفيل دون رسالته، وفي القرن الثامن نجد ابن خلدون يتحدث عن رسالة ابن طفيل في المقدمة ويلخصها أما الشُّشتري تلميذ ابن سبعين فيذكر ابن طفيل في قصيدته كأصل من الأصول التي متح منا ابن سبعين أما في القرن الثامن الهجري فنجد ابن الخطيب في كتابه روضة التعريف يعرف الرسالة وينسُبها إلى صاحبها مع عرض ملخص لها أما صاحب النفح فينفرد بعرض رسالة أدبية في وصف ابن طفيل للمصحف العثماني ويسكت عن حي بن يقظان.

يبدو أنه منذ القرن الثامن الهجري لم يعد هناك ذكر لابن طفيل ولا لرسالته في العالم الإسلامي كما سيصمت الدهر عن كثير من رواد المعرفة الإسلامية ومصنفاتهم البديعة إلى حدود القرن التاسع عشر حيث ستظهر سنة 1882م نشرتان لابن طفيل في مصر عن دار الوطن ودار وادي النيل ثم بعد خمسين عاما ستظهر نسخة أخرى في مصر لتتوالى النسخ بعد ذالك في القرن العشرين مع نشرة أحمد أمين المصرية ونشرة جميل صليبا وكامل عياد السورية…

أما في العالم الغربي فنجد احتفاء كبيرا لابن طفيل في الفضاء العبري أولا ثم بعد ذلك في الفضاء اللاتيني ثانيا، حيث نجد رشديا عبريا هو موسى النربوني يحتفي احتفاء كبيرا برسالة ابن طفيل ويقوم بشرحها ويعتقد الأستاذ شحلان أن إبراهيم بن عزرة هو المترجم المفترض للنص، مؤكدا أن "أعمال موسى النربوني هي الخيط الواصل بين حي بن يقظان وغيرها من الأعمال الأوروبية"ص249 يعني إلى بوكوك لكن ما القول في شخصية إيطالية فلسفية عاشت في القرن الخامس عشر الميلادي تدعىJean Pic de la Mirandole وقد كان أفلوطينيا ويحترم أرسطو ويرغب في الجمع بينهما وكان قارئا للفلسفة العربية ويرجح أنه عثر على الترجمة العبرية لحي بن يقظان وكان أول من ترجمها إلى اللاتينية لكن حي بن يقظان لن يعرف حظه السعيد في الغرب اللاتيني إلا عندما سيترجمه بوكوك الابن في سنة 1671 إلى اللاتينية عن مخطوط البودليانا بأكسفورد، ونشرها تحت عنوان الفيلسوف المعلم نفسه، واطلع عليها في نفس السنة التي ترجمت الفيلسوف الهولندي لا يبنتز وأثنى عليها ثناء حسنا لتشكل بعد ذلك جزءا من العقلية الأوروربية إذا نحن صدقنا أصداها وتأثيرها في الأدب اللاتيني مع دانييل دوفو والكريتكون وفي فلاسفة كبار من امثال لز واسبينوزا وروسو وكنط وكار ماركس…دون أن ننس طائفة الكويكرز وتقريض رينان وقد نتج عن هذا الاهتمام الغربي بابن طفيل أهم نشرة لحي بن يقظان في القرن العشرين على يد مستشرق فرنسي عرف بولعه بابن طفيل يدعى ليون غوتييه وهي النشرة التي أخرجها في ثلاثينات القرن العشرين عن المطبعة الكاثوليكية ببيروت بعد نشرته البدائية كما سماها في أوائل القرن، و هي نشرة قوبلت على 3 مخطوطات وعلى الطبعات المصرية وكذا على نشرة بوكوك ويمكن اعتبارها أول نشرة نقدية للنص وعنها بدأت أولى ترجمات حي بن يقظان إلى اللغات الأجنبية.

هذه باختصار شديد مخل رسم لمعالم مسار طويل لنص تعرض لتعديلات أثناء نقله وتأويلات مختلفة لنصوصه نريد أن نعرض لها لتتضح لنا أكثر البصمات التي تركته عملية انتقال النص ونقله،

3 ــ ّ"تشويهات" الرسالة

سنحاول انطلاقا من المخطوطات التي عايناها للنص ومن خلال القراءات التي اطلعنا عليها أن نقدم معالم كبرى لهذا "التشويه" الذي لحق النص، لعل أول عملية لهذا التشويه نجدها تمتد إلى زمن قريب من ابن طفيل سواء في القرن السابع أو في القرن الثامن الهجريين وهو التشويه الذي سيؤثر على تأويل النص، فالمراكشي كان يتوفر على نسختين من نص حي بن يقظان كما حقق ذلك ليون غوتتيه مما سبب له خطا اعتقاد أن لابن طفيل رسالتين رسالة حي بن يقظان ورسالة في النفس في حين أن الأمر كان يتعلق بكتاب واحد، فكيف ساهم الكتاب المخطوط لابن طفيل في خطإ المراكشي في تحديد النص؟وما السبب في أن نص ابن طفيل أصبح منذ فترات وجوده الأول يعاني سوء في التحديد كما سيصبح يعاني سوء النسبة؟

تختلف المخطوطات التي بين أيدينا في نسبة النص وفي عنوانه، فنجد بعضها يُنسب إلى ابن طفيل وبعضها ينسب إلى ابن سينا وبعضها ينسب إلى ابن سبعين، فما دلالة هذا الاختلاف في النسبة؟

منذ القرن الثامن من الهجرة أو للهجرة نجد ابن خلدون ينسُب النص إلى ابن سينا وعلى مخطوط الجزائر نجد العنوان التالي "المراقي الزلفى والمورد الأصفى للعالم أبي بكر بن سينا" …..فهل كان هذا هو المخطوط الذي اطلع عليه ابن خلدون فغلطه وكان سببا في خطإ النسبة في مخطوطات أخرى مثل مخطوط إبراهيم سمعان ، والغريب أن نفس الخطأ سيقع فيه الناشران المصريان سواء نشرة وادي النيل أو نشرة دار الوطن حيث سينسبان معا النص لان سينا، لكن قبل ذلك في القرن السابع الهجري نسبت قصة حي بن يقظان إلى ابن سبعين، وإذا كان مفهوما أن يقع خطأ في نسبة النص إلى ابن سينا لوجود نصين يحملان نفس الاسم عند الفيلسوفين فضلا عن شهرة الشيخ الرئيس فإن نسبة هذا النص لابن سبعين يطرح صعوبة على الدارس كما نجد على مخطوط ليدن ومخطوط القاهرة، فما سبب نسبة النص إلى ابن سبعين؟ لقد كان ابن طفيل من المصادر التي رجع إليها ابن سبعين كما يذكر الششتري تلميذ ابن سبعين عند إسناده الطريقة السبعينية في قصيدته النونية فيذكر ابن طفيل إلى جانب ابن قسي وهرمس وسقراط وأفلاطون وأرسطو والحلاج والشبلي والنفري وقضيب البان والشوذي والسهروردي وابن مسرة وابن سينا والطوسي وابن رشد وأبي مدين وابن عربي وابن الفارض والحرالّي، فهل نسب ناسخ جاهل رسالة ابن طفيل إلى ابن سبعين عندما وجدها بين أوراقه؟

لكن أليس هذا ذا دلالة على تقارب المشاريع الثلاثة وخروجها من مشكاة واحدة؟

ذلك ما تؤكده أيضا اختلاف عناوين الرسالة فإذا كان ابن طفيل واضحا في اختياره لعنوانه عندما قال في آخر مقدمته الفلسفية : "فأنا واصف لك قصة حي بن يقظان وآسال وسالامان" فإن بعضا من الكتب المخطوطة التي بين أيدينا تحمل عناوين مختلفة حيث نجد في مخطوط الجزائر كما رأينا "المراقي الزلفى والمورد الأصفى للعالم أبي بكر بن سينا""، و"أسرار الحكمة المشرقية كتاب أسرار الحكمة المشرقية تأليف الشيخ الفقيه الفاضل قطب الوجود عبد الحق بن سبعين رحمة الله وتعالى وجميع المسلمين" في مخطوط القاهرة" و"رسالة حي بن يقظان في أسرار الحكمة المشرقية للحسين بن عبد الله بن سينا أبو علي" في مخطوط إبراهيم سمعان، وفي مخطوط دار الكتب المصرية نجد "مرقاة الزلفى والمشرب الأصفى" وفي مخطوط ليدن نجد "كتاب أسرار الحكمة المشرقية تأليف الشيخ الفقيه العالم القطب الوجود عبد الحق بن سبعين رحمة الله تعالى وجميع المسلمين" ولا نجد العنوان كما اختاره ابن طفيل لرسالته إلا في مخطوط البودليان حيث نجد "رسالة حي بن يقظان وآسال وسلامان" تأليف الإمام العارف الواصل المحقق ابي جعفر ابن طفيل رحمه الله تعالى عليه" وهو ما يؤكد القرابة بين المشاريع الثلاثة في أذهان النساخ، هذا إذا افترضنا نساخا لهم علم بما يكتبون، بل إن مخطوط الإسكوريال عرف لوقت طويل أنه كتاب للنفس لابن طفيل بسبب الخطأ الذي وقع له في العنوان..

4 ــ أثر الاختلافات بين النسخ في توجيه القراءة.

إن هذا التشويه الذي عرفه الكتاب المخطوط لابن طفيل سواء على مستوى النسبة أو على مستوى العنوان رافقه بعض التغييرات التي عرفتها مختلف هذه الكتب المخطوطة للنص، حيث نجد بين بعضها فروقات وإن لم تكن عميقة لكنها تقدم دلالات مهمة في فهم النص وبالتالي في نشرته النقدية المأمولة؟

فبالنسبة للكتب المخطوطة التي بين أيدينا نجدنا أمام كتب تسقط منها خطبة الكتاب وكتب تثبتها، ونجدنا أمام كتب تسقط فيا الإشارة إلى المسعودي كما في مخطوط الجزائر، بل إن هناك كتبا تثبت اسم الجنيد وكتب يسقط منها ونحن نعلم ما للجنيد من دلالة وحضور سواء على مستوى ما سُمّي بالتصوف السني أو على مستوى التصوف المغربي بخاصة، فضلا عن تغييرات في بعض الكلمات بعضها قد يكون من قبيل الخطأ الذي يقع فيه النسّاخ أو من قبيل الجهل لكن ما نلاحظه في بعض هذه التغييرات هو انه رغم ببساطة التغييرات فإن دلالتها كبرى خاصة أن ابن طفيل لم يكن كاتبا عاديا فقد كان الرجل بليغا ويضع الكلمات في مواضعها ، أسرد أولا بعضا من هذه التغييرات :

الشريعة المحمدية أم الشريعة الحقيقية

النور الأعلى أم نور الحق

الحديث عن الجنيد في الكتب المخطوطة للبوديان والمتحف البريطاني وإبراهيم سمعان ومخطوط دمشق وغيابه في الكتب المخطوطة للجزائر وأنقرة وحاسّي محمود والإسكوريال وليدن وسقوطه منها..

وكذا سقوط الترضية على الفلاسفة في بعض النسخ ..

إننا نعتبر هذه التغييرات ذات دلالة كبرى في تلقي النص وكان الأمر يتعلق بنوعين من التلقي : تلقي يريد ربط النص بفضائه الثقافي الإسلامي فيشير إلى الجنيد في نهاية القسم النظري من الرسالة وبداية القسم العملي للتأكيد على أن فضاء الرسالة لا يخرج عن التصوف السني ووضع الرسالة في الإطار الصوفي المغربي الذي تنتهي أسانيده إلى الجنيد "شيخ الصوفية وإمامهم" كما تقول بعض مخطوطات الرسالة، وتلقي كوني يريد أن يمنح النص بعدا كونيا، وهو ما نجده أيضا في مخطوطي القاهرة وليدن حيث نجد عبارة مدرجة ذات دلالة عميقة في هذا السياق كلمة مدرجة بين عبارة زيادة الوضوح والانبلاج وعبارة اللذة العظيمة هذه الكلمة هي الإشراق حيث تصبح الجملة هكذا :"زيادة الوضوح والانبلاج والإشراق واللذة العظيمة" وهو ضرب من التأكيد على المنحى الإشراقي الكوني للرسالة الفلسفية، وفي تقديري أن هذا التلقي الثاني هو المقصود من النص وهو ما يؤكده حديث ابن طفيل في أواخر النص عندما تحدث عن مجتمع سالامان فهو عندما تحدث عن الدين لم يشر إلى دين مخصوص وإنما تحدث عن "ملة من الملل الصحيحة المأخوذة عن بعض الأنبياء المتقدمين" ولعل ابن طفيل كان يشعر أنه يوجه النص من خلال متلقي محلي إلى متلقي كوني وهو ما يبرزه أكثر فزعه إلى الرمز في كل شيء حتى في مثل هذه المواضع. لكن مع ذلك يظل النص يطرح إشكالات عميقة تثيرها بعض الاختيارات مما يطرح السؤال : هل فعلا كان النساخ يحرصون على التأكيد على الطابع المحلي للنص فيضيفون إليه كل مرة إضافات تربطه بالتداول العربي الإسلامي أو بمذهب الناسخ إذا كان له معتقد ينتصر له…

فرضية نثيرها ونضعها على مائدة الحوار.

5 ــ لكن كيف تم تلقي النص من لدن الدارسين قديما وحديثا؟

كان أول من تحدث عن النص صاحب المعجب في القرن السابع وفي القرن الثامن سيلتقي ابن رشيد السبتي حفيد ابن طفيل أبا زكرياء بن احمد بن يحيا بن محمد بن عبد الملك ابن طفيل القيسي ويمده بكتاب جده في انتقال مصحف عثمان من قرطبة إلى مراكش ألا يكون الحفيد قد نقل أيضا رسالة جده الفلسفية؟ لا ندري كيف يحافظ الحفيد على رسالة أدبية ويغفل عن أهم أثر فلسفي خلفه جده.

في نفس القرن سنجد صديقين يتلقيان النص بطريقين مختلفين، أقصد ابن خلدون وابن الخطيب، وإن كان موقفهما منه سيكون واحد وهو موقف الرفض لأطروحاته، لقد ظل نص ابن طفيل إذن حاضرا في العالم الإسلامي ويقرأ في الدوائر العلمية الخاصة وهو ما يؤكد أن ابن الخطيب كانت عنده أكثر من نسخة، وكانت نسخا مختلفة كما نفهم من قوله عند حديثه عن رسالة ابن طفيل :" وفي بعض رواياتها"، لكننا لا نعرف الوظائف التي كان يؤديها في الدوائر الصوفية باعتباره نصا للهداية ولا المنزلة التي احتلها عند الدوائر الفلسفية الضيقة في العالم الإسلامي إن كانت بقيت دوائر بهذا المعنى باعتباره نصا في مدح التأمل والتخلص من ربقة التقليد, لكن سيعرف نص ابن طفيل احتفاء كبيرا في العالم الإسلامي وسيختلف تلقيه حسب الإطار الإيديلوجي الذي يصدر عنه الباحث..

أما في الدائرة الفلسفية العبرية وفي الدائرة الفلسفية اللاتينية قبل القرن التاسع عشر فإننا نجد احتفاء كبيرا بابن طفيل سواء مع مع موسى النربوني وللاستاذ شحلان دراسة هامة في هذا المجال يمكن الرجوع إليها أو في الفضاء اللاتيني مع بوكوك ولاز ومونك ورينان وكاردوفو وغوتييه …ثم في الترجمات الكثيرة التي حظي بها نص فيلسوفنا,, ولا نريد أن نفصل القول هاهنا خيفة الإطالة,,,لننتقل إلى الجملة الأخيرة والموسومة ب

من الكتاب المخطوط إلى المطبوع

إن المخطوطات التي نشتغل عليها تناهز العشرة مزعة بين بريطانيا والجزائر ودار الكتب المصرية بالقاهرة والاسكوريال وتركيا وليدن وإني أعامل نشرة جميل صليبا وكامل عياد على أساس أنها كتاب مخطوط لأنها تحتفظ لنا بنسخة دمشق وقد حاولنا انطلاقا من فحص أولي لهذه الكتب المخطوطة أن نرتبها إلى عائلتين انطلاقا من قرائن أومأنا إلى بعضها سابقا فضلا عن أخطائها المشتركة ,,,,

وهكذا نرى أن جغرافية الكتاب المخطوط لابن طفيل تتوزع على فضاء ثقافي متنوع مما يبرز مدى العناية التي حظي بها هذا النص وإن كنا لا نعرف كيفية انتقاله عبر الحدود خاصة أننا هنا في المغرب نفتقد نسخة للنص إلا إذا اعتبرنا مخطوطة الإسكوريال هي هذه النسخة المفترضة، وهو أمر بعيد لان النص كتب بخط مشرقي، لكن كيف كان الأمر فإن عوادي الزمن تحول بيننا وبين الاستفادة منه، لأن هذا الكتاب المخطوط الذي أثار عدة التباسات بسبب عنوانه، أصبح غير قابل للاستعمال بسبب الرطوبة وانطباع مداد كل ورقة على الورقة المقابلة.

إن انتقال رسالة ابن طفيل من وضعية المخطوط إلى منزلة المطبوع لن يكون انتقالا كيفيا خاصة أن الذين نشروه إما أنهم اكتفوا بمخطوط واحد كما هو حال بوكوك وجميل صليبا وكامل عياد أو مخطوطين كما هو حال النشرة الأولى لليون غوتييه أو ثلاث أو أربع كما هو حال النشرة الأخيرة له, فضلا عن نشراته الكثيرة التي اعتمدت فقط على الطبعات وإن زعم البعض أنه انطلق من نسخ خطية في إخراج الرسالة.

لكن ما السر في أنه رغم هذا التوزع الجغرافي كان نشر النص لأول مرة على يد فيلولوجي أنجليزي يدعى بوكوك الابن وذلك سنة 1671م؟

لعلنا أجبنا عن جزء من هذا السؤال فيما سبق لكن الذي يجب تسجيله هاهنا أن أول نشرة للرسالة كانت على يد مستشرق أغرم بابن طفيل، فكيف انتقل النص على يديه لأول مرة إلى المطبوع؟

سنترك الاجابة عن هذا السؤال الان لنقول إن النشرة التي ستفتح الباب على مصراعيه لابن طفيل في الشط الغربي هي نشرة ليون غوتييه التي حاولت ان تقارب النص لأول مرة من خلال المقابلة بين المخطوطات مع ترجمته إلى اللغة الفرنسية، بمعنى أنها كانت تطمح لأن تكون "نشرة نقدية" أو "تحقيقا" كما نقول, فبالنسبة لنشرته الأولى لسنة 1900م لم يكن ليون غوتييه يعرف سوى كتابين مخطوطين : مخطوطة الجزائر مخطوطة أكسفورد وقد اعتمد في إخراج رسالته على المقابلة بينهما على أساس أن المخطوطتين تنتميان إلى عائلتين مختلفتين لأنهما لا ينتجان نفس الأخطاء المشتركة، مستعينا بنشرة بوكوك وكذا النشرتين المصريتين: نشرة دار الوطن ونشرة وادي النيل معتبرا أنهما ينتميان لعائلة واحدة مع مخطوطة أكسفورد لأنهما ينتجان نفس الأخطاء المشتركة.

لكن ليون غوتييه عندما سيعثر على مخطوطة ليدن وسيجدها تنتمي إلى عائلة أخرى من المخطوطات، سيعتبر ان تحقيقه الأول تحقيق بدائي وسيصرح أن نصا محققا من خلال مخطوطتين أو ثلاث ليس تحقيقا نهائيا وينهض لإعادة تحقيق النص راجيا أن يكون تحقيقه الأخير متقدما على نشرات النص وترجماته السابقة

عثر جميل صليبا وكامل عياد بدمشق على مخطوطة لحي بن يقظان كانت تحت عنوان "مرقاة الزلفى والمشرب الأصفى" تماما مثل مخطوطة دار الكتب المصرية، والمخطوطة في مكتبة الشيخ محمد الطنطاوي في دمشق تاريخها 1284 هـ وقد ظن الدكتور عبد الرحمن بدوي انهما مخطوط واحد لكن تبين لنا بعد المقابلة أنهما مخطوطتان مختلفتان، وقد قام الناشران بإخراج طبعة لهذا المخطوط تضم في نسختنا المعتمدة، وهي الطبعة الخامسة لسنة 1962 والصادرة عن مطبعة جامعة دمشق، 141 صفحة مع مقدمة من 38 صفحة عبارة عن تلخيص لكتاب ليون غوتييه "ابن طفيل، حياته ومؤلفاته" مع العلم أن الطبعة الأولى كانت سنة 1935، أي قبل النشرة النقدية الثانية لليون غوتييه.

إذا كنا أمام نشرات ثلاث اعتمدت على مخطوطات بأشكال مختلفة فإن حظ نص ابن طفيل في العالم العربي لم يكن حسنا لسبب بسيط هوأنه رغم النشرات الكثيرة للنص فإننا لا نعثر على نشرة نقدية له تستجيب لمواصفات التحقيق العلمي، فإذا استثنيا النشرة السورية التي اعتمدت مخطوطة دمشق فإن النشرات التي نعرفها لابن طفيل في عالمنا العربي هي نشرات غفل من المقابلة والضبط، فانطلاقا من نشرة أحمد أمين لسنة 1952 والتي نشر فيها نصوص حي بن يقظان الثلاثة، أقصد نص ابن سينا ونص ابن طفيل ونص السهروردي، والتي سماها تحقيقا رغم أنها لا تمت بصلة إلى ذلك لعدم تصريحها بمصادرها الخطية، لكننا نجد الناشر يقدم مبررا لنشرته وهو شعوره ب "قلة النسخ المطبوعة" وهو بهذا يفتح تقليدا في نشر قصة حي بن يقظان من خلال ظهور الطابع البراغماتي وهو طابع سيتكرر عند ناشرين كثر ويكون من جملة العوائق التي حالت دون العكوف على إخراج نشرة نقدية لها كما سيتكرر التصريح بالتحقيق والمقابلة في تقديم بعض النشرات دون الوفاء بذلك كما نجد في طبعة فاروق سعد التي يسمي نشرته تحقيقا في حين أنها قامت على المقابلة بين الطبعات وكما نجد في نشرة يوسف زيدان التي قدمت نفسها على أنها عمل مصحح ومكمل لعمل أحمد أمين، حيث أضاف لها ما سقط منها كما أضاف لها نصا ثالثا هو نص ابن النفيس لكن يوسف زيدان يقدم منهجا عجيبا في التحقيق حيث يصرح أن نشرته أخرجت من المقابلة بين نشرتي احمد أمين ونشرة فاروق سعد رغم إدراكه أن كلتي النشرتين "لم يذكر الأصول المخطوطة التي اعتمد عليها" مؤكدا أنه اعتمد في إخراج نشرته "على جملة أصول هي في واقع الأمر كتب مطبوعة لكنني ــ كما يقول ــ عاملتها معاملة المخطوطة"، ورغم أنه يصرح "أن كثيرا من المخطوطات أفضل من كثير من المطبوعات" فإنه لم يلتزم معايير المحققين في المقابلة بين المخطوطات والتي أوشكت أن تصبح سبارات عالمية يلتزم بها كل من تصدى إلى إخراج نص من النصوص. لكن يبدو أن مفهوم التحقيق ليس واضحا بما فيه الكفاية عند ناشري النص حيث نجد عمر سعيدان يسمي نشرة احمد أمين "تحقيقا" وحيث نجد الشيخ عبد الحليم محمود يصرح ان "لكل انسان اجتهاده في تصحيح النص" رافعا الاجتهاد الشخصي إلى مستوى السبار العلمي في التعامل مع النص وكان ليس هناك قواعد معروفة لأهل هذا الشأن، أما البير نصري نادر فلا يلتفت أبدا إلى مسالة تحقيق النص حيث يصرح في نشرته أن رسالة ابن طفيل "قد سبق له ونشر نشرة نقدية علمية" دون أن يشير إلى هذه النشرة، أما المفاجأة فهي نشرة عبد الأمير شمس الذي عنون كتابه "الفكر التربوي عند ابن طفيل" حيث عوض أن يجد القارئ دراسة عميقة للإشكالية التربوية عند ابن طفيل يجد أن الجزء الأكبر من الكتاب هو نشرة لقصة حي بن يقظان وهو الأمر الذي لم يهيئ الكاتب ـ الناشر قارئه له، وكأن العنوان هو فقط من أجل تبرير تقديم نشرة أخرى لرسالة ابن طفيل. بل إن التعامل البراغماتي مع النص بلغ أوجه مع نشرة محيي الدين اللباد التي تضافرت عدة جهات على إخراجها فكان أن اعتني بجاذبيتها وأناقتها ولكن تم حذف مقدمتها الفلسفية.

إن هذا التعامل البراغماتي مع النص أنتج لنا نشرات إما سقطت منها فقرات مثل نشرة أحمد أمين، أو حافلة بأخطاء سواء على مستوى المتن أو الهوامش كما نجد في نشرة البير نصري نادر ونشرة علي بو ملحم أو خلت من الهوامش إطلاقا كما نجد في نشرة عبد الحليم محمود ونشرة عبد الأمير شمس أو أثبتت هوامش ضعيفة لكننا نود أن نشير هنا إلى نشرة عربية هي نشرة يوحنا قمير التي تخترقها بذور العمل التحقيقي لكن عمل المحقق فيها باهت لا يكاد يظهر.

لقد صرح الأستاذ يوسف زيدان أن مخطوطات رسالة ابن طفيل أفضل من المطبوعات، فهل هذا يعني أن الباحث العربي لم يستطع إلى الآن إخراج نص للرسالة يضاهي المخطوط وان العناية برسالة ابن طفيل على مستوى الضبط لا يزال ناقصا؟

تلك هي الفرضية التي نقبل بها ونرفعها إلى مستوى اليقين رغم المجهود الذي بذله غوتييه في نشرته النقدية فظهور مخطوطات لم يكن يعرفها الناشر الغربي كاف للتفكر الجدي في نشرة نقدية جديدة للنص. وهو ما يبرز حدود نشرة غوتييه…

وأخيرا، إننا نعرف أن شهرة المؤلفين قد تصبح عائقا لدراسة جادة وجيدة لتقليده المخطوطي، فهل كانت شهرة ابن طفيل ورسالته التي غدت أداة أساسية للتكوين والانتشار سببا في أنه لم يحظ في عالمنا العربي بدراسة علمية وبخاصة حي بن يقظان حتى أصبحنا نرى من يشير باستمرار إلى أن ابن طفيل الفيلسوف قتل درسا وبحثا وأن رسالته نشرت نشرات علمية؟ فكان ذلك سببا في ضمور اليقظة العلمية الضرورية للتعامل مع النص وطغيان البرغماتية التي تريد توظيف النص وليس خدمته؟. إننا نكتفي بطرح هذه التساؤلات ونتمنى عودة ابن طفيل وعودة إلى ابن طفيل …

18 Views

عن إبراهيم بن عبد الله

إلى الأعلى