الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الفلسفة والمنطق » الميتافيزيقا والأنطولوجيا » الزمن والمشروع العلمي لابن رشد – د. إبراهيم بورشاشن

الزمن والمشروع العلمي لابن رشد – د. إبراهيم بورشاشن


arton8630 e1ed811 الزمن والمشروع العلمي لابن رشد   د. إبراهيم بورشاشن
الزمن والمشروع العلمي لابن رشد!
د. إبراهيم بورشاشن

عاش ابن رشد حياة علمية زاخرة بالإنتاج الوفير في كافة الميادين المعرفية التي قدر أن لها انعكاسات إيجابية سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع، والتي كانت نافقة في السوق العلمية في عصره. لكن ما يلاحظه المتصفح لأجزاء من المتن الرشدي أن فيلسوفنا كثيرا ما يشكو من ضيق الوقت، كما يشكو من سوء الأحوال التي يمر بها، أو من عوائق عامة تحول دونه وإتمام مشاريع علمية يرى أهميتها، وتضطره إلى نوع من الكتابة خاص. ونجمل هذه العوائق في عائق الزمن بما يحمل من دلالات مرتبطة بحركة الفلك وحركة التاريخ وحركة الهموم وأثرها على شخصية الفيلسوف. وقد أدى هذا الأمر إلى بروز مؤلفات عرفت عنده بالمختصرات، كما أدى نفس الأمر إلى تعطل كثير من مشاريع ابن رشد العلمية التي كان يأمل أن يكتبها لو جلي هذا الكرب وأنسأ الله له في العمر وانفسح له الوقت كما كان يقول.

إن ابن رشد لم يكن دائما يكتب في ظروف يسيرة، فلم يكن عامل الزمن يسعفه كثيرا، إلى درجة أننا نجده في أخريات أيامه يتحسر على مشروع علمي كان يأمل أن يتمه حتى يئس من ذلك؛ ففي مقالة اللام حيث ينتقد ابن رشد بطليموس فيما ذهب إليه من القول بالفلك خارج المركز وبفلك التدوير وانتصاره للهيئة الصحيحة عنده والمبنية على حركة الفلك الواحد بعينه على مركز واحد بعينه وأقطاب مختلفة اثنان فأكثر بحسب ما يطابق الظاهر…، يشير ابن رشد إلى أنه يمكن أن يعرض للكواكب من قبل أمثال هذه الحركات سرعة وإبطاء وإقبال وإدبار وسائر الحركات التي لم يقدر بطليموس أن يضع لها هيئة.. ثم يصرح بمشروعه الذي كان يود القيام لولا عوائق عاقته عن ذلك وقد كنت في شبابي أؤمل أن يتم لي هذا الفحص، وأما في شيخوختي هذه فقد يئست من ذلك، إذ عاقتني العوائق عن ذلك ثم يفتح ابن رشد باب البحث في هذا الموضوع فيقول: ولكن لعل هذا القول يكون منبها لفحص من يفحص بعد عن هذه الأشياء فإن علم الهيئة في وقتنا هذا ليس منه شيء موجود، وإنما الهيئة الموجودة في وقتنا هذه هي هيئة موافقة للحسبان لا للوجود(1).

إن ابن رشد رغم هذا الانشغال ورغم العوائق التي صادفته سيهتم بالضروري من المعرفة في الكمال الإنساني، وسيشتغل في ظروف صعبة وحرجة، ويقدم لنا نصوصا فلسفية وفقهية ومنطقية تحمل مسحة الزمن وضغطه وخاصة في مشروعه الذي سمي بالمختصرات. لكن ما يشفع لذلك أن ابن رشد لما انفسح له الوقت وجلي الكرب عاد فألف في بعض هذه المواضيع الأولى، فكتب تلخيص كتاب النفس والشرح الكبير على كتاب النفس بقول أبين وأوضح وأشد استقصاء بعدما صرح في مختصر النفس أنه سيقتصر على الضروري فقط الذي به تحصل أول مراتب الإنسان(2). كما ألف في المنطق نصوصا كثيرة استغرقت المباحث المنطقية المشهورة والتي تبدأ بالمقولات وتنتهي بالشعر، فكتب فيها تلاخيص، ومقالات كثيرة، وكتب في بعضها شرحا كشرحه لكتاب البرهان. بعدما صرح في الضروري في المنطق أنه إنما كتبه ليكون كالمدخل لمن وجد في نفسه نشاطا وفراغا وأحب أن يستوفي أجزاء الصناعة(3).

لكن ما يلاحظ عند ابن رشد أننا نجده في كثير من كتاباته يفتح مشاريع علمية أو يومئ إلى بعض هذه المشاريع دون أن يعزم على تنفيذها، أو يتحسر على أن العوائق حالت دونه وتنفيذها كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ومن هنا ظلت بعض هذه المشاريع الرشدية معلقة بموت ابن رشد، ولو توفرت ظروف أحسن لكانت الخزانة الرشدية أغنى اليوم بكثير مما هي عليه..

* * *

عندما نراجع المواضع التي يصرح فيها ابن رشد بمشاريعه هذه، نلاحظ أن ضيق الوقت من الأسباب المباشرة التي يرجع إليها ابن رشد تعطل كثير من مشاريعه العلمية(4)، وهذا يطرح السؤال حول المشاغل التي كانت تأخذ من ابن رشد هذا الوقت الثمين الذي كان يعجزه عن إرادة الإنتاج المعرفي الكامل، والتي يبدو أن كتب الرجال والطبقات التي اهتمت بابن رشد أو ألمحت إليه لا تقدم كثيرا من المعطيات في بابها. وسنقف هاهنا عند مشاريع رشدية معلقة، ولن نحصي هنا جميع هذه المشاريع، وإنما سنقدم عينة مما وقفنا عليه، لكن يبدو أنه كلما توغل المرء في قراءة المتن الرشدي، صادف مشاريع رشدية من هذا الضرب.

من خلال تصفحنا لأجزاء من المتن الرشدي عثرنا على بعض المشاريع العلمية الرشدية نقف منها على مشروع منطقي، ثم على مشروعين كلامين، ثم على مشروعين فقهيين. دون أن نزعم استيفاء القول فيما نقدم.

أ – حول المشروع المنطقي:

بالنسبة لهذه المشروع، نجد ابن رشد في كتاب السفسطة يفصح عن رغبة في مراجعة هذا الكتاب ويشير إلى أهمية عامل الزمن في ذلك فيقول: فهذا هو آخر ما ختم به هذا الرجل كتابه هذا. وقد نقلنا منه ما تأدى إلى فهمنا بحسب ما يسر لنا في هذا الوقت. وسنعيد فيه النظر إن فسح الله في العمر ويسر لنا أسباب الفراغ. فإن هذا الكتاب معتاص جدا (…) لكني أرجو أنه لم يفتنا شيء من أجناس الأقوال التي أودعها هذا الكتاب، ولا من أغراضه الكلية. وإن كنا لا نشك أنه قد فاتنا كثير من الأشياء الجزئية، وكثير من جهة استعمال القول فيها، والتعليم لها. ولكن رأينا أن هذا الذي اتفق لنا في هذا الوقت خير كثير. وعسى أن يكون كالمبدإ للوقوف على التمام لمن يأتي بعده (يقصد أرسطو)، أو لنا إن وقع لنا فراغ لنا وأنسا الله في العمر…(5).

فما الذي جعل ابن رشد يأمل في إصدار طبعة مراجعة ومفصلة لهذا النص إن سمح الوقت وطال العمر؟ وأي منزلة احتلها هذا الكتاب في فكره ومشروعه حتى يفكر في مراجعته؟

تشكل السفسطة القسم السادس من المبحث المنطقي الذي قام ابن رشد بتقديم مختصر له، ثم تفرغ لتقديم تلخيص له. وهذا الكتاب أربعة أجزاء، جزءان أولان ينظران في المواضع المغلطة في أغراض المشاغبين الخمسة، وكيف ينبغي أن يسأل السائل عنها وجزءان آخران ينظران في كيف يجيب المجيب؟ وكيف ينقض تلك المواضع الثلاثة عشر(6). والجزءان الأولان يخصان صناعة السفسطة، أما الآخران فصلتهما بالجدل أوثق.

ومن هنا الأهمية المعرفية للسفسطة، فإن معرفة السفسطة ضرورية لتمييز الحكيم بالحقيقة من الحكيم المرائي(7)، ف حكمة السفسطائيين هي حكمة توهم أنها حكمة من غير أن تكون كذلك(8). كما أنها ضرورية من جهة أنها تفيد الفيلسوف التحفظ منها لأن من علم الشر -كما يقول ابن رشد- كان أحرى ألا يقع فيه(9)، وخاصة إذ أن جميع الناس يخدعون في الشيء الذي لا يعرفونه(10).

وللسفسطة أيضا أهمية أنطولوجية من جهة أخرى، فهي -مع الجدل- تتصل بالفلسفة اتصالا وثيقا، فكلهم أولا ينظر في الموجود المطلق وإن اختلفت جهات نظرهم، وأهم هذا الاختلاف أن الجدلي ينظر في الموجود نظرا مشهورا، أما السفسطائي فغرضه أن يظن به أنه فيلسوف من غير أن يكون كذلك، ولذلك ليس له علم(11)، في حين أن الفيلسوف قصده أن يعرف الحق فقط(12). ورغم هذا التمييز الأساسي فإنهم جميعهم يندرجون تحت جنس الفلسفة كما يقول أرسطو وابن رشد(13)؛ مخالفين بذلك أفلاطون الذي لا يعتبر الكلام السفسطائي موجودا، ولا يدخل فيما موجود لأن كلام السفسطائي هو فيما بالعرض(14).

إن هذه الأهمية المنطقية والفلسفية للسفسطة جعلت ابن رشد يقف عند كتاب أرسطو الذي وصله في غاية الاختلال من جهة النسخة التي اشتغل عليها، وشديد العواصة من جهة المعاني التي كان يعالجها، والذي لم ينل من عناية المفسرين ما يستحق. ولذلك فهو ينظر إلى هذا الكتاب باعتباره منطلقا أوليا للكتابة في هذا الموضوع الذي حاول أرسطو أن يحيط بكلياته ومبادئه جميعها، والكتابة في المبادئ عسير أما الكتابة فيما بعد المبادئ فسهل كما يقول(15). ويؤمل ابن رشد أن يتفرغ متفرغ إلى إتمام القول في هذه الصناعة ويرجو أن يكون هو هذا المتفرغ إن وقع له فراغ وأنسأ الله عمره. وقد أنسأ الله في عمر ابن رشد، لكن يبدو أنه لم يجد وقتا لمراجعة هذا الكتاب وتنفيذ ما كان قد أمله من تفصيل القول في هذه المبادئ التي أقام عليها أرسطو هذا المبحث المنطقي-الفلسفي بقول أبين وأوضح وأشد استقصاء.

ب – حول المشروع الكلامي:

في مناهج الأدلة يثير ابن رشد مسألتين أساسيتين يعتبرها ذات أهمية قصوى فيما هو بصدده، ويشعر أنه رغم كل ما قاله حولهما أنهما في حاجة إلى تتميم قول ومزيد بيان؛

أما المسألة الأولى فتتعلق بمعنى العناية، أما المسألة الثانية فتتعلق بمشكل التأويل. فماذا يقول ابن رشد فيهما.

-يقول ابن رشد في مسألة العناية: والآليات التي في القرآن في التنبيه على هذا المعنى كثيرة (يقصد العناية)… ولو ذهبنا نعدد هذه الآيات، ونفصل ما نبهت عليه من العناية التي تدل على الصانع والمصنوع، لما وسع ذلك مجلدات كثيرة. وليس قصدنا ذلك في هذا الكتاب. ولعلنا إن أنسأ الله في الأجل، ووقع لنا فراغ، أن نكتب كتابا في العناية التي نبه عليها الكتاب العزيز(16).

-وأما المسألة الثانية فيقول ابن رشد فيها: ولما تسلط على التأويل في هذه الشريعة من لم تتميز له هذه المواضع، ولا تميز له الصنف الذي يجوز التأويل في حقهم، اضطرب الأمر فيها، وحدث فيهم فرق متباينة يكفر بعضهم بعضا. وهذا كله جهل بمقصد الشرع، وتعد عليه. وأنت فقد وقفت من قولنا على مقدار الخطأ الواقع من قبل التأويل. وبودنا أن يتفق لنا هذا الغرض في جميع أقاويل الشريعة، أعني أن نتكلم فيها بما ينبغي أن يؤول أولا يؤول، وإن أول، فعند من يؤول، أعني في جميع المشكل الذي في القرآن والحديث، ونعرف رجوعها كلها إلى هذه الأصناف الأربعة. والغرض الذي قصدناه في هذا الكتاب فقد انقضى…(17).

فما الذي جعل ابن رشد يؤثر هاتين المسألتين برغبة خاصة في أن يفرد لهما قولا خاصا خارج ما كتبه فيهما؛

1 – تعتبر مسألة العناية من المسائل التي تقاطع فيها القول عند ابن رشد كلاميا وفلسفيا، فقد عرض لها على الأقل في موضعين أساسيين من متنه الفلسفي؛ موضع كان سياقه كلاميا وهو الذي أشرنا إليه في المناهج، وموضع كان سياقه ميتافيزيقا وهو ما تقدمه لنا أواخر مقالة اللام لابن رشد. ففي هذين الموضعين حديث عن العناية، لكن اختلاف السياق سيطبع حديث ابن رشد في كل من الموضعين بطابع خاص.

-في مواجهة علماء الكلام الذين اتخذوا طرقا معتاصة لإثبات وجود الله، وهي طرق تذهب على كثير من أهل الرياضة والجدل فضلا عن الجمهور، وهي مع ذلك طرق غير برهانية ولا تفضي إلى يقين(18)، يقدم ابن رشد دليلين لبيان وجود الله يسمي أحدهما دليل العناية ويسمي الآخر دليل الاختراع. وسنقف نحن عند الدليل الأول الذي آثره ابن رشد بالتفاتة خاصة.

إن دليل العناية عند ابن رشد هو طريق نبه عليه الكتاب العزيز، ودعا الناس من بابه، وهذا الطريق هو طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها. وينبني هذا الطريق على أصلين: أحدهما، أن جميع الموجودات التي هاهنا موافقة لوجود الإنسان. والأصل الثاني، أن هذه الموافقة هي ضرورة، من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق(19). وبعد أن يذكر ابن رشد بعض الأمثلة على مظاهر العناية التي تثبت أن ما خلق في هذا الكون هو موافق لحياة الإنسان ووجوده، يقول: ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع جميع الموجودات… ومن تتبع معنى الحكمة في موجود موجود، أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق، والغاية المقصودة به، كان وقوفه على دليل العناية أتم(20)، ثم يعرض ابن رشد لآيات من القرآن الكريم تشير إلى هذا الدليل.

إن هذا الدليل عند ابن رشد هو أولا دليل موافق للفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر، وهذا الطريق هو طريق الخواص والجمهور؛ ويختلفان فقط في التفصيل، إن الجمهور يقتصرون من معرفته على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما الخواص من العلماء فيزيدون على ما هو مدرك بالحس ما يدرك بالبرهان. ومن هنا يعتبر ابن رشد هذه الطريقة شرعية وطبيعية، هي شرعية لأنها يقينية من جهة ولأنها بسيطة غير مركبة أي قليلة المقدمات من جهة أخرى(21)، وهي طبيعية، لأنها برهانية تقنع الجمهور وتفهمهم(22). ومن هنا يعتبر ابن رشد الظواهر الشرعية مقنعة، أي أن التصديق بها أكثر(23). لكن لم يرد ابن رشد أن يخصص كتابا خاصا في العناية التي نبه عليها الكتاب العزيز كما قال.

-إن مسألة العناية من المسائل التي اشترك فيها القول القرآني مع القول الأرسطي، خاصة وأن هذا القول الذي ينتصر إليه ابن رشد له امتدادات في مناهج الأدلة ولعل أن يكون ابن رشد على ضوءه قرأه في هذا الكتاب.

فكيف يعرض ابن رشد لهذه المسألة التي كتب فيها أرسطو شيئا في آخر مقالة اللام؟

في الجزء الثالث من مقالة اللام يبين ابن رشد أن القصد فيه هو الفحص هل الأشياء الموجودة بعضها من أجل بعض وكلها من أجل الأول كالحال في أعضاء الإنسان مع المبدإ الأول الذي به صار إنسان ما؟ أوليس بينها ارتباط، وإنما وجود بعضها مع بعض بالاتفاق، وهي كلها من أجل شيء خارج عنها؟. ويؤسس هذا البحث على فرضية تزعم أن كل موجود له خير ما من أجله وجد. ومن هنا يطرح ابن رشد الإشكال بلغته وصيغته فيقول: هل الخير الذي في الموجودات هو شيء خارج متميز عنها من غير أن يكون لها خير موجود في الترتيب؟… أم الخير الموجود فيها إنما هو في الترتيب فقط من غير أن يكون لها خير متميز عن الكل؟ أم هو في الأمرين جميعا؟(24). أو بعبارة أخرى، هل الخير الذي من أجله وجدت الموجودات هو شيء خارج عنها متميز منها، أم هو ترتيب بعضها من بعض، أي في وجود بعضها من أجل بعض، أم هو موجود من قبل الترتيب ومن قبل شيء خارج عنه(25). وينتهي ابن رشد من خلال قياس تمثيلي إلى أن الخير يوجد في… الكل من الوجهين معا… من قبل الترتيب، ومن قبل الشيء الذي من أجله الترتيب وهو المبدأ الأول.. وكان جميع ما دون المبدإ الأول ليس يستوي في وجود الترتيب فيه إذ كان بعضه يوجد فيه الترتيب التام.. وبعضه يوجد فيه عدم الترتيب بالعرض…(26). وإذا تؤملت جميع الموجودات التي في العالم وجدت قد رتبت كلها على وتيرة واحدة بل بعضها في ذلك أكثر من بعض..(27). لينتهي ابن رشد إلى أن جميع الموجودات التي في العالم مرتبة كلها، وأنها كلها موجودة بسبب شيء واحد، وأن أفعالها متوجهة نحو ذلك الواحد، وهذه هي العلة الأولى التي من أجلها العالم.

ويؤكد ابن رشد في الأخير أن هذا هو رأي أرسطو في العناية ضدا على الذين يزعمون أن الله يتدخل في كل شيء بدعوى أن الحكيم ليس ينبغي أن يترك شيئا دون عناية، ولا أن يفعل شرا، وأن أفعاله كلها عدل. وضدا على الذين يزعمون أن ليس هاهنا عناية أصلا، ما دام يوجد في هذا العالم كثير من الشرور. ويؤكد ابن رشد مجملا رأي أرسطو في العناية أن العناية موجودة، وأن ما جرى على غير عناية هو من ضرورة الهيولى، لا من قبل تقصير الفاعل منبها إلى أن بعض الناس زلوا في ذلك فقالوا بإلهين أحدهما للخير وأحدهما للشر(28).!!

إذا كان ابن رشد قد أسس قديما العناية تأسيسا شرعيا، وأمل أن يفردها بقول خاص، فإنه في شيخوخته عاد وتحدث فيها بمناسبة تفسيره لكلام أرسطو فأسسها معه تأسيسا فلسفيا. فهل كان ابن رشد في كهولته لا يزال أقرب إلى الاهتمام بالجمهور، وكان يأمل أن يفصل لهم القول في مسألة العناية ليؤسس عقيدتهم على النظر، ويغنيهم عن طرق علم الكلام المعتاصة، وأصبح في شيخوخته إلى الخواص أقرب، وبعبارة أخرى، هل انشغال ابن رشد بمخاطبة الخواص أكثر، واحتفاءه أكثر بالتأسيس الفلسفي أغناه عن الإفاضة فيما كان يأمله، أم أنه مات وفي نفسه غصة لأن الوقت لم ينفسح له ليكتب كتابه في العناية كما نبه عليها الكتاب العزيز ليقف فيه عند آيات يفسرها على ضوء هذا المفهوم، ولعلها مناسبة أخرى ليخلص كعادته إلى أن القول الشرعي والقول الفلسفي في مسألة العناية قولان يكمل بعضهما بعضا رغم ما قد يبدو في بادئ الرأي بينهما من تباين؟

2 – اعتنى ابن رشد بمسألة التأويل وتنوعت المواضع التي تحدث فيها، لكن يعتبر كتاب المناهج الموضع الذي أفاض فيه ابن رشد في الحديث عن التأويل بعدما مهد لذلك في كتب الفصل. وفي المناهج -كما رأينا- عبر عن رغبته في إفراد التأويل بقول خاص لخطورته عنده، فما دلالة اعتناء ابن رشد بهذه المسألة؟

يعتقد ابن رشد أن التغيير الذي دخل على الشريعة كان من سوء التصرف في التأويل، وقد أفرد كتاب المناهج كما نبه في شرحه على السماع والعالم من أجل تصحيح عقائد شريعتنا الأولى وما داخلها من التغيير(29). والتصحيح يكون بأن ينظر في آلية القراءة التي مارسها المتكلمون خاصة على الشريعة، إذ كانت هذه الآلية قد أنتجت دلائل معتاصة لا يقدر عليها الجمهور، وأنتجت آراء اعتبرها ابن رشد بدعا حادثة في الإسلام(30).

ومن هنا دعوة ابن رشد إلى حفظ الشرع من التأويل وإلا عاد كله مؤولا(31)، وتحذيره من تأويل ما لم يصرح الشرع بتأويله(32). لكن عدم وجود قانون للتأويل أدى إلى تولد اعتقادات غريبة وبعيدة عن ظواهر الشريعة وربما فشت فأنكرها الجمهور(33)، فأدى ذلك إلى فساد المنفعة المقصودة بالشريعة، وتمزق الشرع كل ممزق، ووقعت حيرة في الشريعة(34)، وابتعد جدا عن موضعه الأول(35). وإذا كان ابن رشد يذكر الفرق التي مارست هذا الفعل الشنيع بالشريعة فإنه يفرد أبا حامد بغضبته لأن تأويله أدى إلى التشكيك في الشريعة من جهة وإلى التشكيك في الحكمة من جهة أخرى. ومن هنا يضع ابن رشد قانونا للتأويل مقتفيا في ذلك مسلكا سلكه أبو حامد نفسه(36)، ويود أن يقتحم به المشاكل التي تثيرها كثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول، ليبين ما الذي ينبغي أن يؤول منها وما لا ينبغي، وإذا أولت آية أو حديث فمن يخاطب بها ومن يحرم المخاطبة عنه.

إن حرص ابن رشد على سلامة الشريعة من الحيرة الواقعة فيها، وحرصه على تصحيح ما داخلها من التغيير، وتأمله من الفرقة التي وقعت فيها نتيجة الجهل بمقاصدها(37)، وحرصه كذلك على أن تظل الحكمة عنده في نجوة من التصادم مع الشريعة، جعل لمسألة التأويل في حسه أهمية كبرى، وبخاصة في ارتباطها بالنصوص الدينية التي تشكل القاسم المشترك بين الخواص والجمهور. لكن مشروع ابن رشد في إضافة قول جديد يقرأ فيه مشكلات القرآن والحديث على ضوء مفهوم التأويل لم يقدر له أن يرى النور لعلة لم يفصح عنها ابن رشد، لكن قد يكون لعامل الزمن دور كبير في ذلك.

لقد قدم لنا دليل العناية احتفاء ابن رشد بالدليل الشرعي لبساطته وبرهانيته وإقناعه، وقدم لنا معالجته هذا الدليل حماسة خاصة في استيفاء القول فيه مستقبلا. كما قدم لنا مشكل التأويل حرص ابن رشد على وضع قانون علمي يقتحم به مشاكل النص الإسلامي الأول ليفحص عنه من خلال هذا القانون. وإن كان ابن رشد يريد من هذين العملين إتمام كلام اعتبره ناقصا، فإن الملاحظ أن الفحص الأول وجه بالقصد الأول للجمهور، في حين أن الفحص الثاني وجه بالقصد الأول للخواص الذين يباشرون النص دون سابق قاعدة. وهو يدل على عناية ابن رشد بسلامة الشريعة الأولى وهو ما سيشيد به وهو في قلب الممارسة العلمية في شرحه على السماء والعالم، مما يدل أن هذا الأمر يعتبر جزءا من الممارسة الفلسفية عند ابن رشد، ويدخل في الاهتمام الأول عنده وليس من الاهتمامات الثانية كما قد يخيل الأمر، إذ أن التأسيس الشرعي ضروري عند ابن رشد للتأسيس الفلسفي. لكن ما يثير أكثر في هذين المشروعين أن ابن رشد كان يقصد من ورائهما معايشة خاصة للقرآن الكريم بعدما أخطأه تقديم شرح خاص لهذا الكتاب العزيز وآثر عليه، لعلة علمية، شرح نصوص أرسطو.

ج – في الفقه:

قد يكون ابن رشد الفيلسوف العربي الوحيد الذي جود في الفقه ممارسة وتدوينا، فقد تقلد في حياته أعلى منصب قضائي، وكتب في الكلام الفقهي مختصر المستصفى وفي الخلاف العالي بداية المجتهد وكفاية المقتصد. والكتابان معا يدخلان ضمن مشروع واحد عند ابن رشد وهو إيجاد كمال الفقيه المتمثل في القدرة على الاجتهاد.

ويطرح كتاب البداية من جملة ما يطرح -فيما نقصد إليه- هما في كتابة يعتبرها ابن رشد ذات أهمية، ولكن يبدو أن الوقت لم يسمح له لإنجازهما. ف بداية المجتهد تفصح عن مشروعين اثنين تركهما ابن رشد معلقين، مشروع يتعلق بالمنهجية التي كان يود ابن رشد أن يسلكها في البداية، ومشروع يتعلق بكتابة كتاب في فروع المذهب المالكي التي تجري مجرى الأصول..

* يقول ابن رشد مصرحا بمشروعه الأول: … فهذا ما ظهر لنا في هذه المسألة من سبب اختلاف الناس فيها، وترجيح أقوالهم فيها، ولوددنا لو أن سلكنا هذا المسلك، لكن رأينا أن هذا يقتضي طولا وربما عاق الزمان عنه، وأن الأحوط هو أن نؤم الغرض الأول الذي قصدناه، فإن يسر الله تعالى فيه وكان انفساح العمر، فسيتم الغرض(38).

* أما بالنسبة للمشروع الثاني الذي يفتحه ابن رشد في بداية المجتهد فيعلن عنه بقوله: فهذه أصول هذا الباب التي تبنى عليه فروعه، قال القاضي: وإن أنسأ الله في العمر، فسنضع كتابا في الفروع على مذهب مالك بن أنس مرتبا ترتيبا صناعيا يجري مجرى الأصول، إذ كان المذهب المعمول به في هذه الجزيرة التي هي جزيرة الأندلس حتى يكون به القارئ مجتهدا في مذهب مالك، لأن إحصاء جميع الروايات عندي شيء ينقطع العمر دونه(39).

فما دلالة هذين المشروعين الرشديين؟

1 – كتب ابن رشد مصنفه الفقهي بداية المجتهد لغرض واضح وهو إيجاد الشروط العلمية التي تسمح بتكوين الفقيه المجتهد. والطريق الملكي لهذا الغرض هو أن يصرف المجتهد بالقوة طاقته إلى معرفة علم النحو واللغة وأصول الفقه(40)، وأن يكون على علم بفقه الخلاف بين الأئمة المجتهدين من خلال رؤية صناعية للمسائل المنطوق بها في الشرع أو القريبة من المنطوق بها(41). وقد سلك ابن رشد في هذا الكتاب مسلكا واضحا أعلن عنه وهو تحرير مواضع النزاع بين الفقهاء في المسائل الفقهية وبيان الأسباب المشهورة لهذا النزاع العلمي التي يقدم عرضا عاما لها في ديباجة البداية. ورغم أن ابن رشد يصرح بأنه يتقصى خطى الفقهاء وأنه يحترس من وضع قول جديد غير مسبوق إليه في الفقه(42)، فإنه أحيانا يتدخل بشخصيته الفقهية ليرجح ويثمن ويبلور نهجا خاصا في التحليل والمقاربة، وهو ما تفصح عنه الإحالة السابقة.

فهذه الإحالة ختم بها ابن رشد تحليله المتميز لمسألة فقهية تتعلق باختلاف العلماء في الماء إذا خالطته نجاسة، ويقدم ابن رشد بشيء من التفصيل أسباب اختلاف العلماء في ذلك ويحصرها. لكن ما يميز هذا العرض الذي قدمه ابن رشد لاختلاف العلماء في هذه المسألة هي تدخل شخصيته الفقهية عدة مرات لإبراز ما يثمنه ابن رشد في هذه المسألة الفقهية، وما لا يرضاه فيها من القول:

- ففي المرة الأولى يتدخل ابن رشد لينتصر لموقف الشافعية الذين ميزوا بين ورود الماء على النجاسة وورودها على الماء، ضدا على موقف جمهور الفقهاء الذين اعتبروا موقف الشافعية مجرد تحكم ليس إلا…(43).

- وفي المرة الثانية تبرز شخصية ابن رشد الفقهية بقوة عندما يعلن فقيهنا أن أولى المذاهب عنده وأحسنها في الجمع هو حمل حديث على الكراهة وحديث على الجواز ويعلل ذلك ب أن هذا التأويل يبقي مفهوم الأحاديث على ظاهرها…(44) وكأنه يعلن عن طرف من ظاهريته.

- وفي المرة الثالثة يتدخل ابن رشد الفقيه ليبرز حد الكراهية عنده، ويقيسه بذوق جمالي، فيجعل هذا الحد ما تعافه النفس وترى أنه ماء خبيث، ليؤسس بذلك لمذهبه في أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء…

- أما المرة الرابعة فيتدخل ابن رشد ليرد بتفصيل على من يرفض أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء -كما يصرح بذلك ظاهر الحديث- بدعوى أنه لو كان الأمر كذلك لما كان الماء يطهر أحدا أبدا…(45)

ويبدو أن ابن رشد في هذا العرض الممتع يقدم رقما قياسيا في تدخلاته الفقهية في بداية المجتهد، ويعلن ابن رشد عن رضاه عن هذا التدخل، بل إنه يراه مهما في المعالجة الفقهية، ويتمنى لو أنه سلك في كل مسألة من مسائل هذا الكتاب الفقهية هذا المسلك، لكنه يعتذر بحذرين؛ يعتذر حذرا من طول الكتاب، ويعتذر حذرا من أن لا يسعفه الوقت في إتمام الكتاب فينتفي الانتفاع به، ومن هنا لجوءه إلى هذه الكتابة الكافية إذا صح هذا التعبير، كتابة سمتها الإيجاز والاختصار وتؤم الغرض الذي قصده ابن رشد من تأليفه هذا، كما أفصح عنه في مقدمة كتابه من ذكر الأحكام المتفق عليها، والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها، ما يجري مجرى الأصول والقواعد، لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع…(46).

إذن فالهدف من وضع الكتاب واضح منذ البداية، لكن ابن رشد كعادته في التحسيس بأهمية المشاريع العلمية التي يكتشفها يترك باب الأمل مفتوحا لإنجاز هذا المشروع الفقهي الضخم فيقول فإن يسر الله تعالى فيه، وكان انفساح من العمر، فسيتم هذا الغرض، وفعلا انفسح العمر لكن ضاق وقت الفقيه عن إتمام ما قد كان أمله.

2 – إن ابن رشد في النص الثاني يعلن عن رغبة في إنشاء كتاب فقهي يعين الفقيه المالكي على الاجتهاد في المذهب. ورغم أن ابن رشد يبدو أنه ليس مالكيا، رغم درايته بالفقه المالكي، إذا نحن أخضعناه للمعيار الصارم الذي وضعه جده قديما للمالكي(47)، إذ أن ابن رشد كثيرا ما ينتقد المذهب المالكي ويرجح عليه مذهبا آخر، لكنه كان يكن احتراما لمالك رحمه الله، وتقديرا للمذهب المالكي عل عكس بعض التوجهات الموحدية الرسمية. وهو ما يبدو في حرصه على وضع كتاب في الفروع يجري مجرى الأصول ليضبط به المالكية مسائلهم، وحريصا في موضع آخر على بيان الاختلاف الموجود لأصحاب مالك في مسألة، ويرى أن الأمر يقتضي تفصيلا، وينبه إلى أن قصده ليس تفصيل المذهب ولاتخريجه، وإنما الغرض الإشارة إلى قواعد المسائل وأصولها(48).

لكن ابن رشد في الإحالة السابقة يصرح برغبته في تجديد المذهب المالكي من خلال إيجاد المجتهد داخل المذهب بإنشاء كتاب يخرج المذهب عن الفروع التي ينقطع العمر دونها، ليبنيه على الفروع التي تجري مجرى الأصول الكلية للمذهب المالكي(49)، والتي تسمح للفقيه المالكي من الاجتهاد داخل المذهب مما ينسجم مع توجهات المشروع الرشدي في الفقه والفلسفة أيضا.

وبإعلان ابن رشد عن هذا المشروع وضع تحديا أمام الكتابة في الفقه المالكي التي عرفت ثراء للمذهب، وتراكما مهما، وأنجزت بعد ذلك تأليفا تلبي طموح المجتهد المالكي في حصر القواعد الكلية للمذهب كما أعلن عنه الفقيه الفيلسوف، ولعل أبرز مثال على هذا كتاب مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول لأبي عبد الله أحمد بن أحمد التلمساني، ولعل مقصد هذا الكتاب كان هو نفسه مقصد أبي الوليد الحفيد، فهذا الكتاب هو تطبيق المسائل الفقهية على الأصول والأدلة الكلية، مع ذكر الأدلة على إثبات المسائل… معنيا بأدلة المالكية التي خلت منها أكثر المصنفات…(50).

لقد هال ابن رشد ما عليه المذهب المالكي من تشتت في مسائله، فأعلن عن رغبته في حصر القواعد الفقهية التي يضبط الفقه المالكي بواسطتها، فتجمع بذلك فروع المذهب وتقعد بعدما تركها الرواد الأوائل بغير انضباط، الأمر الذي اضطر ابن رشد إلى الشكوى من افتقاد المذهب المالكي إلى قانون يجمع ما تفرق من جزئياته وفروعه(51). لكن المشروع لم يحققه ابن رشد وإن كان تحسيسه بأهميته ساهم فيما يبدو في لفت عناية الدارسين إلى ضرورته، فتم هذا الأمر على أيد فقهية خالصة.

إن المشروعين الفقهيين اللذين أعلن عنهما ابن رشد ولم يتسع وقته لإنجازهما يكشفان عل الأقل عن أن الهم الفقهي عند ابن رشد لم يكن بأقل حدة من الهم الفلسفي الذي أدخل فقيه قرطبة وفيلسوفها محراب التعبد النظري(52).

وأخيرا، إن ابن رشد عاش حياته الطويلة في حيوية علمية كبيرة، فألف في كثير من صنوف المعرفة، وظل فضوله المعرفي متقدا للبحث المستقصي في كثير من المواضيع الذي ضاق وقته عنها، خاصة وأن الطبع الفلسفي كما يفهمه ابن رشد يطلب ذلك(53). وضيق الوقت الذي يرجع إليه ابن رشد لجوءه أحيانا إلى مقاربة الاختصار، كما يرجع إليه توقف كثير من أعماله المأمولة، هو مفهوم بالنسبة لشخصية كبيرة مثل ابن رشد متنوعة المواهب والاختصاصات. لكن ألا يكون غياب فريق علمي منظم بجانب ابن رشد سببا آخر من أسباب هذا التوقف، وهو عامل آخر من عوامل الزمن التي تعيق أكثر؟

إن المشروع العلمي الذي كان يحمله ابن رشد مشروع جبار ينوء بحمله مجهود الفرد ولو بلغ من النضج والعبقرية ما بلغته شخصية ابن رشد، وقد كان ابن رشد أحق الفلاسفة بأن يعمر أكثر مما عمر، وأن يضاف إلى الزمن الذي عاشه أكثر من زمان لينجز هذه المشاريع العلمية التي كان يأمل الخير فيها، والتي قصر وقته عن كثير منها. وقد كان عمل الفريق بما يحقق من التكامل، أنسب الأعمال لتجاوز عائق الزمن الغلاب؛ إن عمل الفريق يسمح بإبداع معرفة متكاملة الاختصاصات، متعددة الوظائف من خلال استثمار كثير من الطاقات العلمية التي يمكنها أن تتم بعض الأعمال الجادة التي تتحدى قدرة الآحاد من الأفراد. ويبدو أن ابن رشد كان يفكر أحيانا بعقلية الفريق العلمي، فطلب من ابن زهر كتاب التيسير وساهم في نشره وإذاعته وإشهاره كما يقول في الكليات في الطب(54)، كما قدم له ابناه الطبيبان-الفيلسوفان مشروعا للعمل على نصوص لجالينوس في الطب(55).

لكن، لو أن ابن رشد استطاع أن يوسع من هذا الفريق العلمي وينوع من اختصاصاته، لكانت كثير من هذه المشاريع العلمية الهامة التي ثمنها فيلسوفنا وتمنى إنجازها وعاقه ضيق الوقت وثقل الزمن عنها، أفقا علميا لكثير من الباحثين الناشئين الذين يسعون في إنجازها تحت إشراف خبرة ابن رشد العلمية،ولربما كان بالإمكان الحديث عندها عن مدرسة رشدية عربية كبيرة. لكن لعل ما لم يتحقق في عهد ابن رشد أن يجد من ينهض به، خاصة إذا وجد البعض أن لهذه المشاريع العلمية التي ضاق وقت ابن رشد عنها، أو لبعضها على الأقل مما لم ينجز بعد، راهنيتها اليوم.

________________________________

الهوامش:

1 – مقالة اللام من تفسير ما بعد الطبيعة تح. موريس بويج دار المشرق بيروت الطبعة الثالثة 1990، ص 1663-1664.

2 – تلخيص كتاب النفس تح. أحمد فؤاد الأهواني مكتبة النهضة المصرية، ط1، 1950، ص 44

3 – الضروري في المنطق نقله من الحرف العبري إلى الحرف العربي تشارلس بوتروت، ص 3.

4 – من مثل قوله: والقول في هذه المسألة يستدعي بسطا أكثر من هذا، ولكن آثرنا هذا القدر من القول لضيق الوقت انظر القول في جهات النتائج في المقاييس المركبة وفي معنى المقول على الكل مقالة ضمن مقالات في المنطق والعلم الطبيعي تحقيق جمال الدين العلوي، دار النشر المغربية البيضاء، ص 138. وقوله: فنحن نتكلم أولا في هذه المقالات الموجودة له على عادتنا، وإن أنسأ الله في العمر فسنتكلم في تلك الأمور الأخرى- تلخيص الحس والمحسوس تحقيق صببي بلومبرج الأكاديمية الأمريكية للعصور الوسطى كامبردج 1972، ص3.

5 – تلخيص السفسطة تح. محمد سليم سالم، مطبعة القاهرة، دار الكتب 1972، ص 177-178.

6 – نم، ص 111

7 – نم، ص 8-9

8 – مقالة الجيم من تفسير ما بعد الطبيعة تح. موريس بويج، الطبعة الراعبة، دار المشرق بيروت 1991، ص 328-329

9 – تلخيص السفسطة ، مرجع سابق، ص 8-9

10 – مقالة الجيم، مرجع سابق، ص 344-345

11 – نم، ص 330

12 – نم، ص 329

13 – نم، ص 329

14 – مقالة الهاء من تفسير ما بعد الطبيعة، تح. موريس بويج، الطبعة الثالثة، دار المشرق بيروت 1990، ص 719.

15 – تلخيص السفسطة ، مرجع سابق، ص 172

16 – مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد تح. محمود قاسم ، الطبعة الثانية مكتبة الأنجلو مصرية، ط2، 1964، ص 198

17 – نم، ص 251.

18 – نم، ص 135

19 – نم، 150

20 – نم، 151.

21 – نم، ص 148

22 – نم، ص 157

23 – نم، ص 173

24 – مقالة اللام، مرجع سابق، ص 1710

25 – نم، ص 1711.

26 – نم، ص 1712

27 – نم، ص 1713

28 – نم، ص 1715

29 – مخطوط المكتبة الوطنية بتونس، رقم 18118 ورقة 120

30 – مناهج الأدلة، مرجع سابق، ص 174

31 – نم، ص 176

32 – نم، ص 179

33 – نم، ص 251

34 – نم، ص 184

35 – نم، 181-182

36 – نم، ص 244 و ص 251. وانظر د. سعيد بنسعيد العلوي، الخطاب الأشعري مساهمة في دراسة العقل الإسلامي دار المنتخب العربي، ط1 1992، ص 326

37 – نم، ص 251

38 – بداية المجتهد، تح. علي معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1996، الجزء الأول، ص 458

39 – نم، الجزء السادس، ص 141

40 – يقول ابن رشد: فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو، واللغة، وصناعة أصول الفقه البداية مرجع سابق، ج5، ص 69.

41 – نفس المرجع والصفحة

42 – نفس المرجع الجزء الثاني، ص 76

43 – نم، الجزء الأول، ص 457

44 – نفس المصدر.

45 – نم، ص 458

46 – نم، ص 325

47 – يقول ابن رشد الجد: إن المالكي إنما هو من ترجح عنده مذهب مالك على سائر المذاهب لمعرفته بأصول الترجيح، أو اعتقد أنه أصح المذاهب من غير علم فمال إليه… مسائل ابن رشد الجد تح. محمد الحبيب اللتجطاني، منشورات دار الآفاق الجديدة. المغرب الطبعة الأولى 1992، المجلد الثاني، ص 932.

48 – البداية، الجزء الثاني، ص 411

49 – إذ كما يقول جده أيضا: والعالم على الحقيقة، هو العالم بالأصول والفروع، لا من عيني بحفظ الفروع، ولم يتحقق بمعرفة الأصول مسائل ابن رشد الجد، مرجع سابق، ص932

50 – عبد الوهاب عبد اللطيف، من تقديم تحقيقه مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول دار الكتب العلمية بيروت 1983، ص ي

51 – البداية، الجزء الرابع، ص 514

52 – يقول ابن رشد: إن الشريعة الخاصة بالحكماء هي الفحص عن جميع الموجودات إذ كان الخالق لا يعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة.. مقالة اللام مرجع سابق، ص 10.

53 – في مقالة الألف الصغرى نجد ابن رشد يعلق على كلام أرسطو على الشكل التالي: (وأما قوله: إن بعض الناس يطلب أن يكون كل ما يتكلم به مستقصى على حقيقته فإن هذا هو الطبع الفلسفي وقد تتأكد هذه المرتبة بالاعتياد والتأدب) ص 47.

54 – يقول ابن رشد: فمن وقع له هذا الكتاب دون هذا الجزء، وأحب أن ينظر بعد ذلك في الكنانيش فأوفق الكنانيش له الكتاب الملقب بالتيسير الذي ألفه في زماننا هذا أبو مروان بن زهر، وهذا الكتاب سألته أنا إياه، وانتسخته، فكان ذلك سبيلا إلى خروجه… كتاب الكليات، تح. سعيد شيبان وعمار الطالبي المجلس الأعلى للثقافة بالتعاون مع الاتحاد الدولي للأكاديميات1989، ص 422.

55 – يقول ابن رشد: وأكثر ما حركني إليه (أي تلخيص كتب جالينوس) أبنائي أبو القاسم وأبو محمد، إذ كان لهما مشاركة فيه هذه الصناعة وفي العلوم الحكمية… تلخيصات ابن رشد على جالينوس تح. م. كونتيتيون باتكين دي بينيتو، معهد المجلس الأعلى للبحوث العلمية معهد ميغيل أسين المعهد الإسباني العربي للثقافة مدريد 1984، ص 39-94.

 

 
664 Views

عن بن عبد الله

إلى الأعلى