الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الأدب واللغة » الأدب العربي » الشخص و الشخصية في القصة المغربية المعاصرة (دراسة سميائية) – محمد يوب

الشخص و الشخصية في القصة المغربية المعاصرة (دراسة سميائية) – محمد يوب


الشخص و الشخصية في القصة المغربية المعاصرة (دراسة سميائية) – محمد يوب

كثيرا ما يخلط القارئ بين الشخص والشخصية في الكتابات القصصية، فيجزم ويحكم على القاص ويعتبره هو البطل في القصة،وذلك من خلال الأدوار التي يقدمها البطل عبر مراحل القصة المختلفة.ونحن كباحثين نريد الوقوف على هذه النقطة المفصلية للتمييز بين الشخص الكاتب و الشخصية البطل،لإزالة اللثام عن الغموض الذي يحوم حول هذه الإشكالية.

و أهم الدراسات التي أزالت الغموض واللبس عن هذين المصطلحين هي الدراسات السميائية التي ميزت بين الشخص الذات المكون من لحم ودم، والشخصية الفاعل التي تتشكل حسب موقعها في المقطع القصصي حسب الزمن و المكان،بمعنى التمييز بين الشخص كذات ثابتة عاملة،لها نظرة فوقية ، تحرك الشخصية كفاعل ورقي عبر سطور و مجريات القصة.

الدلالة المعجمية:

في لسان العرب ورد لفظ الشخص بأنه كل جسم له ارتفاع وظهور،و الشخيص، العظيم، ورجل شخيص إذا كان سيدا،بمعنى أن الشخص له علاقة بالهيئة والصفة التي يشكلها في الفضاء الذي يعيش فيه .

وفي اللغة الفرنسية نجد بأن كلمة شخص persone وشخصيةpersonalite كلمتان مشتقتان من الكلمة اللاتينية personaالتي تدل على القناع الذي كان يضعه الممثل على وجهه من أجل تأدية الدور المنوط إليه.

وبهذا المعنى نستنتج بأن الشخص و الشخصية يحملان معنى الإظهاروالإخفاء ،فالكاتب وهو يلتقط الظواهرالاجتماعية بشكل أدبي،ينقل منها ما يريد ويخفي ما لا يريد ، ويترك للقارئ السلطة لكشف الجوانب الخفية التي قررإخفاءها.

وهذه السلطة و القدرة على كشف المستور،يمتلكها القارئ/الناقد الذي يتسلح بأدوات وميكانزمات لفض ستارهذا المخفي،الذي يبقى راسخا في لاشعور الشخص،وبهذا يكون الكاتب قد خرج من حالة الكاتب الشخص ليأخذ صفة الكاتب الشخصية.

فالشخص بهذا المعنى هو الذات التي يمكن أن ننسب إليها مسؤولية أفعالها،بمعنى أن الشخصية تبدأعندما يعي القاص شخصه ليس كذات محسوسة،ولكن كذات مجردة تجريدا خالصا،أي أن القاص عندما يكتب يعبر عن جوانب باطنية لاشعورية ينقلها إلى القارئ، وهذه الجوانب الباطنية في الشخص القاص هي التي تحدد شخصيته في الكتابة،وهذا ما سنعرفه من خلال النماذج التطبيقية التي تحدد لنا شخصية كل قاص على حدة.

فالشخص بهذا المعنى ليس هو كل ما يظهر عند القاص من تلوينات على مستوى شكل الكتابة أو ذاك القناع الذي يخرج به للقارئ،وإنما هو ما يعكسه من إحساسات داخلية التي تقابل المظاهر الخارجية وتعكسها في صورة تليق بالداخل، وهذه الصفات الداخلية الباطنية هي التي تضفي صفة الوحدةعلى الموقف والمبدأ على أفعالنا الخارجية،ولهذا فإن الخاصية الأساسية للشخص و التي تنتقل إلى الشخصية هي الهوية،أي ما يبدو واحدا لا متعددا وراء الكتابة بالرغم من تعدد مواضيع الكتابة القصصية.

و الشخص عند السميائيين كائن حيواقعي له إحالة ودلالة في الواقع،أما الشخصية فهي ما يحمله الشخص من تخيل وتصور عن طبيعة الشخصية التي ينيط بها دورا من الأدوار في القصة.

وهنا تطرح علينا مسألة الأدوار التي يكلف بها الشخص شخصيات القصة، فالقاص ينطلق من مبدأ أساسي هو اعتبار الشخصية أو الفاعل بمثابة الممثل الذي يقوم بالدورفي فضاء ونسيج القصة اللغوي و التركيبي و الدلالي. و الشخصية (الفاعل) عند القاص تكون عبارة عن علامات يسند إليها مجموعة من الدلالات، لأن الشخصية هي (العلامة اللغوية حيث ينظر إليها كمورفيم فارغ في الأصل سيمتلئ تدريجيا بالدلالة كلما تقدمنا في قراءة النص).

والشخصية (الفاعل) يقوم بدور وظيفي داخل القصة يختلف باختلاف الوظائف أو الأدوارالتي تقوم بها باقي الشخصيات.ونقصد بذلك أن وظيفة الشخصية تكون من حيث المنطق عبارة عن ملفوظ نحوي ولغوي،لكنه يتمفصل و يأخذ دلالة مرجعية في الواقع من خلال الشخص العامل.وبهذا ينظر إلى الشخصية من منظور بنيوي يتحرك في إطار منظومة عامة و شاملة،وأي خلل في هذه المنظومة يتسبب في انهيار بناء القصة ككل.ولهذا ينبغي التعامل مع الشخصية من عدة زوايا اجتماعية،ثقافية،نفسية.والتعامل مع الشخصية في ضوء هذا التصور يدفعنا إلى الاهتمام بالأدوار(الوظائف) التي تقوم بها،وهذه الوظائف ليس بالضرورةهي نفس الوظائف التي يؤمن بها الشخص،ولهذا السبب تكون الشخصية قابلة للتطويع حسب مجريات القصةلأنها شخصية من ورق تتمطط وتتلون حسب الأدوار،فأحيانا تجد الشخصية تؤمن ببعض الأفكاروالأيديولوجيات،لكن هذا الإيمان وهذا الاعتقاد،ليس بالضرورة هو ما يؤمن به القاص(الشخص).

و الشخص (العامل)يحرك الشخصية (الفاعل)في إطار بنية عاملية قائمةعلى مستويين،مستوى عامل الفعل وعامل الحالة،وكلا المستويين متلازمين،فالعامل الفعلي عندما يتحرك في سياقات لغوية تركيبية تتجه في خط عمودي ليلامس عامل الحالة التي تعكس الحالة النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تؤثر سلبا و إيجابا في الشخصية(الفاعل).ولهذا نجد الأفعال تتحرك بشكل متوازمع الحالات النفسية لتخلق هذه البنية الخطابية في فضاء زمكاني يشعر القارئ بجدية وواقعية العمل القصصي،حيث تساهم في خلق رؤية للواقع قد تتلاءم أو تتضارب مع رؤية القاص،المهم هو هذا التحفيز الايجابي لخلق الرؤية و المساهمة في طرح البدائل الممكنة.

و الشخصية الفاعل تقوم بدور الممثلacteur فتلبس أقنعة مختلفة باختلاف الأدوار،فمرة تعبر عما في داخلها مباشرة بأسلوب يتصف بالتقريرية،ومرة تنزاح عنده اللغة وتنزاح معها الأدوار فيصبح ممثلا بأسلوب آخر،أو ممثلا تحت الطلب يعبر بلسان الآخرين،و الذي يسند له هذه الأدوارهو الشخص(العامل).

وبعد التمييز بين الشخص (العامل)و الشخصية (الفاعل)لابد من الوقوف على أنواع الأدوار التي تقوم بها الشخصية.

تقوم الشخصية بدور عاملي وهو الدور الذي تقوم به الشخصية التي تنهض على تقمص دور الشخص نفسه،وذلك عندما تتحرك الشخصية متقمصة الأحداث بضمير المتكلم وبشكل يكشف فيه القاص عن هويته،ويظهر هذا في السير الذاتية و إلى حد بعيد في التخيل الذاتي،ففي السيرة الذاتية حينما يلتقط القاص فترات من حياته ويعبرعنها في قالب أدبي، يسترجع فيه جل ذكرياته وينقلها إلى القارئ ليشارك معه هذه الهموم. وهذه الأحداث كانت في الماضي و اقتصرت أفعالها على الماضي الذي انتهى لحظة دخول زمن الكتابة،وبهذا يكون زمن الماضي هو زمن الشخص ويكون زمن الكتابة هو زمن الشخصية،تحركه بالطريقة التي تريد بل أحيانا تحاول نقل هذا الواقع وتجعله يسير في عكس الاتجاه الذي كان عليه ونقله في اتجاه آخر كما تأمله الشخصية، وهو ما يسميه النقاد بالتخييل الذاتي الذي يزبح اللثام عن مجموع التخيلات الذاتية التي تمنى الشخص تحقيقها في الواقع لكن اعترضته مجموعة من العوائق أو العوامل المعاكسة.

فعبد السلام االمودني في قلق الصفحة 25 من مجموعته (بقايا) يريد الانطلاق عاليا محاولا الدخول في زمن المستقبل،لكن مجموعة من الموانع تمنعه من التحليق في فضاء المتخيل الفردي المستقبلي(أعترف ألا شئ يطاردني هنا حيث الهدوء المطلق في المكان شبه الخالي إلا من حركات نادل تقدم به العمر،وهمسات محمومة لبعض العاشقين الفارين مثلي تماما إلى زوايا معتمة يبسطون مشاعرهم خلسة عن أعين الرقباءبيد أن وجود هذا الكائن القلق قبالتي جعل كل أجوائي صاخبة)

كما أن القاصة فاطمة بوزيان تعبرعن ماض مرير فيه معاناة مع فراق الأب المهاجر متمنية معانقته والعيش معه وتقديمه لقريناتها في المدرسة (أبي و الصيف توأمان معا يذهبان معا يأتيان…استوضحته مرة لماذا لا يزورنا شتاء؟ارتسم على شفتيه شبح ابتسامة مبهمة كشعر سوريالي وتدثربالصمت،ابي عد شتاء كي ترافقني إلى المدرسة…ضحك أبي من قلقي الصغير…جعل كفي حشو كفه وقال:أخاف ألا يذوب ثلج مفاصلي…لم أقتنع وحين ابتلت أهدابه و أنا عصفورة في أغصانه صدقته فنسيت سؤالي ونسيت جابه)

من خلال هذين النموذجين يتبين لنا الدور العاملي الذي تقوم به الشخصية عندما تسائل النفس،ويصطدم السؤال مع العامل المعاكس لأنه لايجد الفضاء متاحا للبوح عما تحس به الشخصية،فتنتقل هذه الحركة من التحقق على مستوى الواقع،إلى محاولة تحقيقها على مستوى التخييل الذاتي،فتخرج وكأنها رغبات حبيسة اللاشعور تتمنى تحقيقها لاحقا في واقع غيرهذا الواقع الملئ بالمنغصات و المتبطات.

في كثير من الأحيان يتدخل القاص العامل في تحريك الشخصية في إطار منظومة من الأحداث المختلفة شكلا و المتقاربة مضمونا،و الشخصية تتغير بتغير هذه الأحداث لتقوم بتأدية وظائف و أدوار تسير وفق النموذج الذي سطره لها القاص،فتظهر الشخصية بمظاهروأقنعة مختلفة،وتتقمص الأدوار بشكل احترافي وكأنها على خشبة المسرح،إنها في الحقيقة تنظر إلى الحياة وكأنها مسرح كبيريؤدي فيه الأشخاص أدوارهم كل حسب موقعه في هذه الحياة.

ففي بيت النعاس لإدريس الخوري تتقمص الشخصيات المؤثثة لفضاء المجموعة القصصية أدوار مختلفة،بل أحيانا يوظف شخصيات بأسماء أجنبية ليحيل القاص إلى شخصيات بعيدة عن الواقع،لكنها في الحقيقة تعالج واقعا مغربيا،فتشعروكأن القاص إدريس الخوري يعيش في زمان غيرزمن القصة،ومكان غير مكان الأحداث،لكن الألفاظ الدارجة التي تتخلل السياقات اللغوية تثبت بأن القصة مغربية(حك أريناس قنة رأسه وهويخمم:هل هو فخ بصيغة إغراء؟….وفي هذه اللحظة الحرجة من التأمل و التفكير لم يجد أريناس بدا من أن يصب لنفسه كأس نبيذ أبيض،حتى يعود إليه مجاجه الهارب)

غير أن الدور الوظيفي للشخصية يبقى مرهونا بذاكرة القاص وبمرجعيته،وبرؤيته إلى العالم،هذا العالم الكبير الذي يحتوي الكائن البشري ويربكه،مما يدفعه إلى التساؤل عن جذوى الكتابة و التأليف(مافتئ الكاتب الكبير يكبر،يتوغل في الزمن،مافتئ يكتب نفسه ويكتب الآخرين،وبين الاستغراق في الزمن الصعب،حيث إنه مجرد مكترلاغير،وبين الكتابة كملاذ أخير،حبل مشدود يقفز فوقه الكاتب متسائلا،لمن أنتمي؟لزمني أم لزمن الكتابة؟ الله كبير وهو يمسد لحيته الفيتنامية) بيت النعاس ص63 إدريس الخوري.

وهكذا يقسم القاص الوظائف والأدوارعلى شخصياته الذكورية و النسوية كل حسب موقعه في المجتمع( كان شابا وسيما،لم ترسم الأيام على تقاطيع وجهه الجميلة أثرا للسنين،سلم ثم وقف ينتظر كتلميذ عليه أن يستظهردرسا لم يحفظه جيدا،لحظته تكسل ثم طلبت منه الجلوس جنبها،تردد قبل أن يفعل،انفتح باب البراكة من جديد لتدخل ربة العمل،قالت وهي تغطس البيرة في سطح الثلج: بيضائي كوني أعهر مما عهدتك هذه الليلة،وخذي ضيفنا المأخذ الذي يجب،لا تقولي لا لأي طلب) هي والخطيئة من مجموعة “هي وأشياء أخرى” للقاص عبد السلام عبلة.

هنا تظهربشكل جلي الوظيفة البارزة التي يسنها غالبا القاص المغربي لشخصية المرأة وهي الدعارة و العهر،حيث يقتصر دور المرأة في إشعال الشموع في الليالي الحمراء،وإضفاء البهجة والسرورفي نفسية الرجل،وهذه اللقطة الساخنة تعود إلى تأثير الموروث الثقافي العربي القديم.

و الملاحظ في القصة المغربية المعاصرة أن القاص يحرك الشخصيات في إطار علائقي تكاملي تجمع بينهم اللغة في حالة دياكرونية،تتحرك في شكل وظيفي من اللفظة في شكلها المعجمي لتتشكل علائقيا متجهة صوب التركيب،لتتخذ الشخصيات موقعا نحويا فاعلا مؤثرا في بنية وبناءالجملةالقصصية،متوجهة في نفس الآن إلى التعبير ليتموقع في سياق دلالي له مرجعية وحمولة فكرية،تحيل القارئ إلى الواقع بكل تجلياته،حيث يصبح القارئ بدوره عنصرا فاعلا في ترتيب آثاث القصة.

فعندما نقرأ قصة”رؤوس في المختبر” للقاصة مالكة عسال فإن لفظ الرأس لم يعد له ذاك المعنى المعجمي السكوني بل تحول في فضاء القصة ليتخذ مجموعة من الحمولات الفكرية (تسند رأسها الملغوم بالتّعب على المتكأ….. ماأصعب الرأس حين يتمفصل عن الجسد….. حاملا رأسه في يده…. رأس الدرب…. ليوجعوا رؤوس أوليائهم….. رأس الحانوت…. رأس الخيط….. الرؤوس هي سبب البلوة…..).

وأحيانا تختلط الأجناس لينتقل القاص من حالة القاص إلى حالة الشاعر،عندما تتلفظ الشخصيات بملفوظ يمزج بين العمق الفكري للقصة وجمالية وشعرية الشعر(أين كنت ذاهبة و الليل يمتص بقية النهار،كنت في طريقك…إلى عاشق فتنه كل شئ فيك،تورد خديك،وسواد الليل في عينيك،وحمرة الشفق المتراقص على شفتيك،وروعة قدك وتبرعم صدرك،الحق إنك جميلة)أفعى في الصدر لعلي أفيلال

و القاص هنا يفكك بنية اللغة لإعادة بنائها في إطار جدلي هيجلي،ليس الغرض منه التفكيك من أجل التفكيك بل الغرض من ذلك إعادة البناء و إشراك القارئ في هذا الهدم/بناء لتخرج القصة في حلة جميلة صادمة بنهايتها المدهشة(أتدرين من هذه المرأة التي كسرت القيد وفكت الحلقة التي كانت تشدك إلى أيامي؟انها زينب صديقتك الودود،المرأة التي كانت زوجة لمن علمك كيف ترقصين أمامه عارية)أفعى في الصدر لعلي أفيلال

وتمزج القصة المغربية أحيانا بين السرد القصصي والسرد الحكائي السيرذاتي الذي تختلط فيه الأجناس بين القصة والخاطرة كما نجد في بطاقات حياتي /مدرسي لصفية أكطاي فنراها ترقى عاليا بالقصة القصيرة لتحن مرة أخرى إلى فصول الدراسة،وتشرع في التعبير عن مجموعة من الخواطر النابعة من تجربتها الطويلة في مجال التدريس.و القسم الأخير من هذه المجموعة القصصية ينحى هذا المنحى التربوي،فتشعر بتماهي الشخص مع الشخصية بأسلوب تقريري مباشر اعتمدت فيه أحيانا على الصورة وكذلك اعتمدت على رسائل التنويه و التقديرات التي شرفتها بها الأكاديمية و الثانويات .

و المتمعن في الشخصيات في القصة المغربية المعاصرة يلاحظ بأنها شخصيات بسيطة تقوم بأداء أدوارها بكل عفوية وتلقائية،غير أنها ذات حمولة فكرية ونفسية و أيديولوجية،(دخل الحمام بقفته الفوطة الملابس الداخلية صابونة مشطا محكا وشامبوان)قصة بدون عن( حب على طريقة الكبار) لعز الدين الماعزي.

وفي مشهد كوميدي يعكس الماعزي حالة من حالات المنتخبين الذين يمثلون الشعب ويعبرون عنهم في البرلمان(نجح في الانتخابات،طاف ذات اليمين…لبس فيستات وسراويل.بان في التلفزيون علقت صوره في الدواوير ….لم يعد يظهر في المقاهي و الحفلات،رأسه يطل من زجاج سيارته السوداء..الرباط في اليد الرباط في الجيب…)

وبهذا تكون هذه الشخصيات هي لسان حال عامة الشعب فبعدما كانت الرواية ملحمة البورجوازية أصبحت القصة سانفونية الطبقة المتوسطة،التي حملت لواء الثقافة في المغرب وعبرت عن متغيرات المجتمع في شكل ومضات وشذرات لاقطة،تتجول بين ردهات المجتمع ناقلة إياه بشكل أدبي هارموني،يتناغم أحيانا ويتصادم أحايين كثيرة،و الغاية من ذلك خلق تصورعن مجتمع تأمله هذه الفئة من المجتمع التي تحررت فكريا و أيديولوجيا ونفسيا،وحاولت التعبير عن مجموعة من الطموحات التي تأمل تحقيقها في الواقع،و إزالة قيود عتيقة حاولت مرارا كسرها،لكن أعداء الثقافة و حرية الفكر كانوا دائما حجر عثرة أمام هذا التحرر الفكري.

ومن هنا يبدو هذا التحررالفكري والنفسي للشخصية في القصة المغربية المعاصرة ذا دلالة هامة،حيث استطاع القاص المغربي المعاصر التقاط هذا التلوين والتنويع في نفسيات الشخصيات(هناك في أعماق المحيط حلقت نورسة جائعة…عبثا ترقبت ظهور سمكة…قوة الرياح أنهكتها فهدها التعب فجأة لاح لها من بعيد مركب صيد صغير يتقاذفه الموج،تمنت لو تستطيع أن ترسو عليه هنيهة لتستجمع أنفاسها وتحلق من جديد …لمحها الصياد وقد أنهكه تقلب الموج …تمنى لحظتها لو كان له جناحاها لغادر المحيط في لحظات) (مظلة في قبر) لمصطفى لغتيري.

نلاحظ هذا التقلب في نفسية كل من النورس المنهك من كثرةالتحليق، ونفسية الصياد العالق في عرض البحر،حيث إن النفسيتين تتجاذبهما الرغبة والأمل في الحياة والاستمرارفي العيش،ويبدو هنا القاص مصطفى لغتيري وقد التقط هذه الصورة الدرامية المعبرة لكائنين حيين هما:الصياد وهو يغرق و النورس وهو منهك القوى،ويظهر أن أقرب الكائنين إلى النجاة هو النورس لأن حجم المعاناة ضئيل مقارنة مع حجم معاناة الصياد.

وعندما طور جريماس البنيوية بإخراجها من مجالها اللغوي السانكروني إلى مجالات سميائية أوسع حيث اشتغل على الايحاءات و الدلالات والمرجعيات والصورة والمجسم،وزاد في تعميق البحث السميائي بأن اشتغل على الأهواء،التي كانت إلى زمن قريب من المجالات التي يصعب الخوض فيها لما لها من خصوصيات دقيقة،بعيدة كل البعد عن الملموس،بمعنى أنها تنهض على كل ماهو مجرد،فالسميائيات الاستهوائية بهذا المعنى تلتقط اللحظات السعيدة والحزينة التي تعرفها الشخصيات أثناء التعبير لغة أو إيحاءأو صورة…عن هذه اللحظات،وما على الناقد إلا الاشتغال على هذا الجانب الخفي و المنزوي في الشخصية،ومحاولة إظهاره إلى القارئ.

والشخصية الاستهوائية تظهر بشكل جلي عندما يشتغل عليها القاص في السيرةالذاتية،وفي التخييل الذاتي بشكل خاص،حيث ينقل العلاقات الحميمية التي تربط الشخصيات الفاعلة من خلال الرسائل التي تنتقل من الشخصية المرسلة إلى الشخصية المستقبلة،وما تحدثه هذه الرسائل من تقلبات نفسية لحظية،فأحيانا تكون هذه الرسائل مبعث حب وشوق وأحيانا تكون مبعث حزن وألم،فالشخصية في قصة القطط تلد في أي مكان من مجموعة (رعشات من معطف الليل) للقاصة مليكة صراري حيث إن الشخصية الرئيسية استهوت أن تكون كالقطط في عملية الإنجاب بعدما يئست من جميع الوسائل و المحاولات للحمل و الولادة،رغبة في الامتداد في الحياة عبر الأبناء،وتمنت أن تتخلص من الرحم الذي بات يجلب لها الازعاج(ما العائق في أن يتخلص الانسان من أعضاء تجلب له الازعاج؟)(أيدري الانسان معنى أن يفقد قدرته على الامتداد،بعدغد سوف يطويني النسيان،القطة محظوظة إذن فبعد غد سيذكرها أبناؤها الموزعون على القمامات)

وأحيانا يحفر القاص المغربي المعاصرفي عمق التاريخ،ليتذكر قسما من هذا الماضي الجريح الذي يعكس رائحة الحزن والألم،ينقله ليس من أجل الاستهواء الحميمي الجميل ولكن من أجل الاستهواء الحزين(وجاء زمن الجوع،ينهشبأنيابه الحمراء كل حي،فقد أهل الدوار ماتبقى من مواشيهم وآدميتهم،يحفر الرجال و النساء جذور يرني ويضعونها وقتا تحت الشمس اللاهبة حتى إذا يبست هرسوها هرسا جيدا وصنعوا منها خبزا يخمد الجوع القاتل) عن قصة الجوع من (فنطازيا) لعبد المجيد جحفة.

نلاحظ كيف استرجع القاص ذكريات حزينة من الزمن الماضي؟ وكيف تتبع صورها؟ وكيف اختار الألفاظ المناسبة لهذا التشظي النفسي و الانكسار المشاعري؟ الذي انعكس على اللغة حيث إن القاص قد استخدم لغة مكسرة من حضيض الواقع،والتقط بها الصورة الحية لنفسية هذه الشخصيات.

ويبلغ التشظي منتهاه في (ذكريات من منفى سحيق) للقاص صخر المهيف حيث يصدمنا هذا التشظي من عتبة العنوان،الذي ينطوي على حمولة ودلالة ذهنية غارقة في الانكسار وحالة من الحزن و الألم،ويزداد هذا الانكسار عمقا في الكشف عن أهواء الشخصيات،من خلال سميأة الغلاف الذي يعكس حالة من التشرذم و التفكك على مستوى صورة الإبريق والقوس المتماهي في الضبابية و التعتيم،صورة حية من صميم هذه المجموعة القصصية التي عبر فيها عن الشخصيات ومعاناتهم أثناء التذكر وكأن هذه المعاناة لعنة من السماء(موج البحر عات،لعتوه رهبة في نفسي،الأشياء المتعبة تبدأ صغيرة وتتكاثر كالفيروسات،اللحظة النتنة تطفو فجأة كلعنة من لعنات السماء…)

هي لحظات تعيسة في اختيارالألفاظ ودلالات هده الألفاظ،لحظات من زمن القهروالتعذيب الجسدي و الفكري(تنهد بعمق وقال:لقد اختفى قبل عشر سنوات،اختطف من الحي الجامعي ولم يظهر له أثر منذ ذلك الحين)ذكريات من منفى سحيق لصخر المهيف.

و المتتبع لهذه القصص التي ترصد الواقع الأليم في زمن القهروالظلم،يلاحظ أن الشخصية فيها تتحرك وتتكلم بضمير الغائب،لكي لاتظهر حقيقة في الصورة(صعد درج العمارة…سمع صوتا عميقا….تناهى إليه في جلبة..كان الصوت دفينا)ذكريات من منفى سحيق لصخر المهيف.

و الشخصية هنا تتحرك وتتحرك معها الأفعال،وهي تحسب حركاتها وسكناتها،وفي نفس الوقت تتعدد الأصوات بين الظاهروالخفي،الظاهر يعبر عن المكشوف والخفي يعبرعن المستورالذي تسرب إلى مسامع وأبصار القراء بين سطور القصة.

ولكن هذه الصورة في السرد القصصي المتصفة بالقتامة وتعكير الجو،ليست هي الصورة الغالبة في الأعمال القصصية المغربية المعاصرة،بل هناك انفراجات واضحة بين الفينة والأخرى،تلوح في الفضاء الخارجي لتنشر الأمل والرغبة في الحياة رغم قسوتها ورغم القهر الذي تعيشه الشخصيات الفاعلة،حيث تظهر الرؤية إلى العالم مستبشرة نيرة،تفوح بعبق الأمل في المستقبل القابع بين ثنايا الكلمات التي تخرج من حين لآخر على لسان شخصيات هذه القصص(يغمرني الخوف…أضطرب…تسود الدنيا أمام عيني…سواد ظلام دامس..أتحسس الحاجز أمامي…أبحث عن مخرج..هذا باب..باب موصد…

افتح يارفيق..

افتح يا أخ ..

افتح ياسمسم

وينفتح الكون…وينجلي السواد…وتنقشع الظلمة عن رجل وطفلي )في( انتظار الصباح) لمحمد سعيد الريحاني.تشعر من خلال هذه اللقطة الصادمة،وهذه الطلقة المعبرة،أن محمد سعيد الريحاني يتخطى النظرة السوداوية بحثا عن أبواب أخرى محاولا طرقها من أجل وضع هذا الواقع وهذه الرؤية في الطريق الصحيح ولو بمساعدة من أسطورة شمشون العظيم الذي استمد منه الريحاني القوة و العزيمة على تجاوز المحن و الصعاب.

وفي الأخير يمكن أن نرصد مجموعة من الملاحظات التي تساعدنا على فهم الشخص و الشخصية في القصة المغربية المعاصرة.

فالشخص(العامل)أو القاص يحرك شخصياته انطلاقا من رؤية خاصة إلى العالم،فمرة يحركها لتنهض بأدواروظيفية تكون فيها الشخصية بمثابة البطل في القصة ،تجده يدخل عالم القصة لكنه يضع بينه وبين الشخصية حدا فاصلا أو مسافة بعيدة توهم القارئ بحقيقة ما يسرد من أحداث، وفي هذه المسافة يرى الشخص واحدا من قرائه ويخلق هذا القارئ ليس شبيها له ولا نظيرا له ولكنه قارئ خفي يقيس نبض القصة ويتابع مجراها،بل أحيانا يحرك مجرى الحوار بين الشخصيات محاولا التأثير في تمرير الأيديولوجيا و الرؤية إلى العالم من خلال بنية وانزياحات اللغة،وعندما تنهار هذه المسافة تنهار معها بنية النص القصصي وتتحول إلى بنية أخرى بعيدة عن الفنية والجمالية ،إلى بنية أخرى قريبة من السرد التاريخي أو الانتربولوجي…

ونراه يمررهذه الأيديولوجية بشكل مباشر ويعبر عنها بلسان المتكلم،فيشعر القارئ بالشخص وهويسرد أحداث القصة بضمير المتكلم (أنا) وبالتاء المتحركة،وبياء المتكلم(ترددت كثيرا على فندق الحرية و الكائن فوق مقهى الشعب) أوبياء المتكلم(بعد عودتي من الفصل…كانت عيون التلاميذ ترصد حركاتي وتتفرس في لباسي) أوكار التماسيح لعبد اللطيف صردي

وفي أغلب الأحيان يتخذ السرد القصصي أساليب ترميزية ليهرب عن التقريرية والمباشرة،ويعبر عن هذه الترميزية بأساليب مختلفة سواء أكانت على شكل حكايات خرافية وأساطير قديمة،أوتختبئ الشخصيات وراء ضمائر معينة كضمير (نحن) الذي يموه الخطاب ويدخل فيه شخصيات أخرى مجاورة ومساعدة،أو يستخذم(نا) الدالة على الجماعة(بعد عودتنا من الشاطئحيث قضينا النهار نجلس على صخور نراقب الصيادين)أوكار التماسيح.أو يستخذم ضمير الغائب(ظل يردد نفس الجملة طوال الطريق إلى السجن يزفر،يستسلم،يرفع اسه إلى أعلى يغسل وجهه بماء مقدس…)ذكريات من منفى سحيق لصخر المهيف.

بهذا المعنى لم تعد القصة هي رصد للواقع بعدسة القاص بل أصبحت تعبر عن هذا الواقع والذات المتكلمة بالومضة والإشارة،التي تدفع المتلقي إلى التفاعل و التأثر في صياغة الصورة التي ينوي القاص إيصالها للمتلقي.وبهذا تصبح للقصة الدور الهام في إثارة المشاهد المحيطة بنا،وتعطي كذلك مجالا أوسع لاكتشاف الأحداث الغامضة وغير المرئية التي اعتمد فيها القاص على الترميز و التمويه لخلخلة تفكير القارئ،ومحاولة دفعه إلى التأمل و التصور لخلق عالم تخيلي يرقى بالمجتمع ويسمو به من الواقع المتدني إلى الواقع المنشود، من خلال رؤية أشمل تتجاوزواقع النص إلى رؤى متغيرة ومتحركة توحي بأن واقع النص واقعي.

ثبت المراجع

حركية الابداع……………………خالدة سعيد

في القول الشعري………….. يمنى العيد

في معرفة النص………………يمنى العيد

الثابت و المتحول……………أدونيس

مقالات……………………..جميل الحمداوي

مقالات……………………. سعيد بنغراد

محمد يوب

73 Views

عن

إلى الأعلى