الرئيسية / صحة و أسرة / أطفالنا في المقاعد الخلفية !! – يسار الحباشنة

أطفالنا في المقاعد الخلفية !! – يسار الحباشنة

كنت أقود سيارتي غسق أمس في شارع عام، أوتستراد عمان الزرقاء مسرعا لكوني على طريق سريع. نظرت إلى صندوق خلفي لسيارة صغيرة أمامي وإذ بي أري طفلين كأنهما درتان ولدا وبنتا دون الخامسة. لا أظن أن أحدا يراهما ثم يشك في مقدار محبة أبويهما لهما أو في مبلغ خوفهما وحرصهما عليهما. ولكن مهلا فلكل ظاهر باطن، ولكل قاعدة استثناء. فلقد كان الطفلان يستندان بأيديهما إلى زجاج الصندوق الخلفي الذي لا تتبعه مؤخرة تخفف عنه بعض الموت الذي يتبعه. ثم أصبت بالذعر عندما أدركت أن هذا الموت الملاحِق قد يكون سيارتي، وأن هذه العيون البريئة التي تحدق بي وتضحك إلى قد تغمض عما قليل الإغماض الأخير بعد أن يفلت هذا الحديد الذي أقود من سيطرتي ليرتوي بالدماء.
قد أصبح بعد لحظة ملعونا على لسان عائلة أو عشيرة كاملة. كيف لا وقد خطفت منهم جوهرتين حبيبتين وقتلت أعز ما لديهم.
وماذا سيقول الناس؟! هل سيقولون بئس الأب هذا وبئست الأم إذ وضعا طفليهما خلف زجاج وطن من الحديد ينطلق بسرعة ثمانين وتسعين ومئة؟! كلا، بل سيقولون: بئس السائق هذا الذي لم يفكر في عاقبة تهوره فقتل أبرياء.

وساقني التفكير إلى ما بعد الحادث. إلى المشاكل والسجن التعويضات.. إلخ. وقادني استغراقي الذاهل إلى ذهول من تصاريف أقداري سيلازمني. وإلى تأنيب ضميري من ذنب سيمكث في الأرض طويلا طويلا. أسرع بي الخيال فهاج وماج حتى أغرقني، ولكن ضيق الصدر نبهني وأيقظني. فرفعت قدمي الفطِنة عن دواسة البنزين، ووضعت حزام الأمام وضع المتيقن الحكيم. فسررت من نفسي وسُرّت بي أن جنبتها هذه المرة ما لا تحمد عاقبته.

توقفت عند إشارة مرور، وعاودني الفكر: هل يخاف سكان الدول المتقدمة على أبنائهم أكثر منا؟ هل يحبونهم أكثر؟ أم هل يحتاج إدارك هذا الأمر إلى عبقرية حازوها وفقدناها. لماذا يلتزمون بوضع أطفالهم في الكراسي المخصصة الموثقة أو بربط الأحزمة عليهم ونحن لا نحرص ولا نلتزم؟! ربما لأننا نظن أن ركوب أطفالنا السيارة نزهة لهم لا ينبغي إفسادها عليهم بالأوامر والقيود! أو لربما استثقلنا إجبارهم أو استصعبنا إقناعهم بوجوب الحذر والامتثال للأمر .. أو ربما يكون هو الكسل واللامبالاة التي أصبحت تجري في دمائنا.

مهما يكن من سبب، إلا أن ازدرائي لذينك الأبوين وغفلتهما ما زال يستفزني، خصوصا بعد أن بحثت طويلا عن عذر لهما مقبول فلم أجد. عندما يتعلق الأمر بالحياة والموت لا أعتقد أن الجاهل معذور بجهله عندما يكون راعيا مسؤولا عن رعيته. ولا أظن أن الغباوة وسوء التقدير سيشفعان له عند الناس أو عند نفسه إذا وقعت الواقعة.

يسار إبراهيم الحباشنة
عمان – 2002

 

عن يسار الحباشنة [مؤسس ومشرف]

يسار الحباشنة [مؤسس ومشرف موقع دهشة]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *