الرئيسية » موسوهة دهشة » الآداب والعلوم الإنسانية » الفلسفة والمنطق » عن السياسية عند ابن رشد – إبراهيم بورشاشن

عن السياسية عند ابن رشد – إبراهيم بورشاشن


عن السياسية عند ابن رشد – إبراهيم بورشاشن

منذ عقد من الزمن طرح في السوق الفلسفية العربية كتاب فلسفي لابن رشد سيطلعنا على جوانب طريفة من شخصية هذا الفيلسوف ومقارباته الفلسفية، أقصد كتاب “جوامع سياسة أفلاطون” الذي نشر تحت اسم “الضروري في السياسة”، والذي ترجمه عن العبرية الأستاذ أحمد شحلان.

والغرض من هذا القول الحديث عن السياسة عند ابن رشد، انطلاقا من هذا الكتاب الذي شرح فيه ابن رشد على المعنى كتاب الجمهورية لأفلاطون متسائلين أولا عن الإشكالية العامة التي تحرك فيها ابن رشد قبل أن نفصل القول في حيثياتها.

عن الإشكالية العامة :

ما الإطار النظري الذي حرك ابن رشد لقول فلسفي في المدينة وشؤؤنها السياسية؟ وما الذي أغرى ابن رشد بكتاب أفلاطون وهو الذي عرف عنه ولعه بأرسطو؟ وما طبيعة المساهمة الرشدية التي قدمها وما أصولها الفلسفية والمجتمعية؟

هذه جملة أسئلة ترسم هندسة هذا العرض ومعالمه الكبرى.

1- الإشكالية العامة

تساؤلنا عن الإشكالية التي حركت ابن رشد لتقديم مساهمته الغرض منه هو التعرف على الفضاء النظري الذي أنتج هذا النص السياسي وطبيعة الجواب الذي قدمه للأسئلة النظرية والاجتماعية- الثقافية التي كان يمور بها مجتمعه. فكتاب ابن رشد لم ينشأ من فراغ فأي إشكال كان يؤرق فيلسوفنا ابن رشد؟

أولا، لا يمكن فصل المساهمة السياسية الرشدية عن الإطار الفلسفي الذي رُسم في الفضاء الثقافي الفلسفي الإسلامي منذ الفارابي؛ حيث نجد العلوم تنقسم إلى قسمين علوم نظرية وعلوم عملية، العلوم النظرية تتوزع إلى ثلاثة علوم : العلم الطبيعي بمباحثه وعلوم التعاليم بمباحثها وعلم ما بعد الطبيعة بمقالاته ثم العلم المدني بجزئية الأخلاق والسياسة، وابن رشد الذي قدم مساهماته في أجزاء العلم الطبيعي وما بعد الطبيعة لا بد أن يقول قوله في الأخلاق وفي السياسة فكتب كتابي “تلخيص الأخلاق” و “تلخيص جوامع أفلاطون” وهما بالمناسبة مفقودان في حرفهما العربي. هذا من حيث الشكل الفلسفي أما من حيث المضمون الفلسفي فأعتقد أن طبيعة المساهمة الرشدية لا يمكن فهمها إلا من خلال سؤالين أساسيين؛ أحدهما يرجع إلى الفارابي والآخر يرجع إلى ابن باجة ويمكن إجمالهما في سؤال واحد وهو سؤال الفيلسوف والمدينة؟ فالفارابي كتب في المدينة الفاضلة وابن باجة كتب في سيرة الفيلسوف: ترك الفارابي سؤال المدينة الفاضلة التي برزت عنده كيوتوبيا غير واقعية وهو ما يطرح سؤال هذه المدينة هل ستظل المدينة الفاضلة حلما أم أنها يمكن أن تتحقق؟ وإذا كان من الممكن أن تتحقق فما السبيل إلى ذلك؟ أما ابن باجة فقد ترك سؤال المتوحد، أي سؤال الفيلسوف الذي يدبر نفسه في المدينة الجاهلة لينال أفضل وجوداته، وابن رشد رغم تثمينه لهذا المذهب الباجي إلا أنه مع ذلك يطرح سؤال علاقة الفيلسوف بالمدينة : هل يظل الفيلسوف في غربته، كما يذهب ابن باجة أم أنه يمكن للفيلسوف في المدينة أن يفك عنه العزلة بل أن يصبح هو رئيسها؟ ومن هنا كيف نحقق هذه المدينة التي يصبح فيها الفيلسوف هو الحاكم وليس هو الغريب الذي يبحث عن العيش في جزر السعداء كما هو الأمر عند ابن باجة ثم عند ابن طفيل من بعده؟. إن سؤال الفيلسوف والمدينة يفتحنا على سؤال هام وهو سؤال التدبير؟ تدبير المدينة وتدبير الفيلسوف. فكيف ندبر لنوجد الفيلسوف وكيف ندبر لإيجاد مدينة فاضلة؟ ولعل كتاب ابن رشد هو في المطاف الأخير جواب على هذا السؤال الذي كان يؤرق فلاسفة العصر.

2- تخترق كتاب ابن رشد صفحات هامة تقدم إجابات عن هذا السؤال ..

لكن قبل أن نتلمس بعض هذه العناصر التي قدمها ابن رشد للجواب عن هذا السؤال نطرح قبله سؤالا أعتقد أنه سؤال هام ويكشف لنا عن طبيعة المساهمة الفلسفية – السياسية الرشدية وهو : لم عبر ابن رشد عن مواقفه الفلسفية السياسية من خلال كتاب جمهورية أفلاطون وهو الذي كان مولعا بأرسطو ويعتبره …

لماذا لجأ ابن رشد إلى كتاب أفلاطون عوض كتاب أرسطو في السياسية؟

لا يترك ابن رشد قارئه في حيرة بسبب عدوله عن كتاب “السياسة” لأرسطو واحتفاله بجمهورية أفلاطون، فهو يصرح، في البدايات الأولى لكتابه “جوامع سياسة أفلاطون”، بأن هذا العدول سببه غياب النص الأرسطي من الحقل الفلسفي، في عصره، غيابا مطلقا وأن هذا الاحتفال سببه ما يحفل به نص أفلاطون من معطيات سياسية هي من صميم القول الفلسفي- العملي رفعها ابن رشد إلى درجة القول البرهاني. وإن كان هذا التصريح بالعدول وهذا الضرب من الاحتفاء يطرحان كثيرا من الإشكالات على دارس الفكر الرشدي.

فأما التصريح بالعدول فهو تصريح مباشر إذ يقول ابن رشد في سياق إقباله على الجزء الثاني من العلم المدني: “…إنا لم نحصل على كتاب أرسطو (في السياسة)…”.

أما التصريح بالاحتفاء فبعضه مباشر وبعضه غير مباشر. والمباشر قول ابن رشد في نفس السياق السابق :” والثاني (أي القسم الثاني من العلم المدني) يفحص عنه (أي أرسطو) في كتابه المعروف ب “السياسة”، وأيضا في كتاب أفلاطون الذي نروم تلخيص هاهنا..”. ففي هذا التصريح يبدو أن احتفال ابن رشد بجمهورية أفلاطون سببه أنها تضم القسم السياسي من العلم المدني الذي يشكل القسم العملي من الفلسفة.

لم يكن لهذه المادة السياسية التي يحفل بها هذا الكتاب الأفلاطوني أن تحظ بعناية ابن رشد لو لم تكن تستجيب لسبارات القول العلمي – الضروري كما يفهمها ابن رشد، وهذا هو المستوى الثاني من التصريح الذي نعتبره تصريحا غير مباشر. وقد تدخل هذا الأمر في بنية الكتاب الذي قام ابن رشد بقراءته؛ فعوض المقالات العشر التي تُكون جمهورية أفلاطون، أصبح الكتاب عند ابن رشد ثلاث مقالات احتفظ فيها بما اعتبره قولا برهانيا أو كان على جهة الضروري، وحذف منها ما اعتبره غير علمي أو أن إيراده يكون على جهة الأفضل ليس غير؛ وهكذا أسقط ابن رشد المقالة العاشرة من كتاب الجمهورية برمتها لأنه اعتبر ما جاء فيها ليس ضروريا في العلم السياسي. كما أسقط المقالة الأولى جميعها وشطرا من الثانية لأنه اعتبر ما جاء فيها أقاويل جدلية. وهكذا اجتمع همّان منطقي وتربوي-تعليمي، فغيرا بنية كتاب فريد في المنظومة الفلسفية.

لكن هل يكفي قول ابن رشد بأنه لم يجد كتاب السياسة لأرسطو عذرا في إقباله على كتاب أفلاطون ليخرج منه مادة علمية سياسية ؟ لقد صرح ابن رشد في “مناهج الأدلة” أن كتب المعتزلة لم تصل إلى الأندلس، ولكنه كان مع ذلك عارفا بآرائهم ومذاهبهم، بل ومنتصرا لها أحايين كثيرة، إلى درجة أنه يمكن اعتبار كلام ابن رشد عن عدم اطلاعه على كتب المعتزلة كلاما غريبا… فهل عدم ابن رشد حيلة في أن يطلع على آراء أرسطو في السياسة والحال أن كثيرا منها مبسوط في “الأخلاق إلى نيقوماخوس” وفي “الخطابة”، بل وفي “ميتافيزيقاه” أيضا، وبعض منها مبسوط في كتب أبي نصر الفارابي؟ فلم لم يستخرج ابن رشد، من هذه الأسفار، مادة سياسية علمية “ضرورية” تُكمل القسم العملي من العلم المدني عوض أن يلجأ إلى أفلاطون خصمه في الفلسفة؟. هل كان كتاب السياسة فعلا مفقودا في زمانه أم إن حساسيات أخرى تحكمت في عدول ابن رشد عن أرسطو واحتفائه بأفلاطون في هذا المقام؟ بل إننا نجد أنفسنا، في هذا السياق، مضطرين للتساؤل عن سبب إقدام ابن رشد على “قراءة” الجمهورية وعدم اتخاذه كتاب”القوانين” غرضا لتلخيصه وهو الكتاب الذي كتبه أفلاطون في أواخر عمره ولخصه الفارابي ويعتبر أنضج سياسيا من كتاب الجمهورية؟

هذه جملة أسئلة نطرحها هنا ولن نفصل في الجواب عنها حتى لا يطول الكلام ونستأنس بفرضية نزعم أن أفلاطون في السياسة كان أقرب إلى ابن رشد من أرسطو السياسي؛ لأن دخول أفلاطون إلى العالم الإسلامي لم يكن دخولا واحدا؛ فدخول أفلاطون مع الكندي ليس هو دخوله مع الفارابي ويشكل دخوله مع الفارابي تأسيسا للقول السياسي الفلسفي في الإسلام وتأسيسا لفضاء سيدخله ابن رشد ولن يخرج من إلا بقول جديد ومختلف..

يقدم الأستاذ محسن مهدي في مقاله القيم “فلسفة أرسطو والفكر السياسي في المجتمع الإسلامي: تأملات ومقارنات” فرضيات مهمة تجيب عن بعض هذه التساؤلات وبخاصة المتعلق منها بالاحتفاء بكتاب أفلاطون في السياسة عوض كتاب أرسطو معللا اختفاءه هذا الذي يراه مقصودا. فبالنسبة له، فإن الفلسفة العربية الإسلامية تظل غير مفهومة إذا لم نمسك بالفرق، في الأصل وفي وجهة النظر، بين الفلسفة والأديان السماوية، وإذا لم نمسك بالتعارض الأولي لمواقفهما، وبالوعي بأن كلا من الفلسفة والأديان يشكل تحديا حقيقيا وجديا للآخر من خلال اقتراحه اختيارا من أجل قيادة الحياة. إن الأديان السماوية التي اخترقت الفضاء الهليني تحدت بـشكل كبير الفلسفة. وعندما تنبه الفلاسفة أن المتن الأرسطي ليس بالمتن المقبول من لدن الأديان السماوية، وكان بعض المتكلمين قد قبلوا شطرا من المذاهب الأفلاطونية، وبعض الدوائر الكلامية فقد قبلت بصدر رحب بعضا من الفلسفة الأفلوطينية، وتم، فضلا عن ذلك، الاقتناع بضرورة إقامة علاقة منسجمة بين الفلسفة والدين، عندما تضافرت هذه الشروط، أصبح السؤال الملح عندئذ هو : كيف نذود عن أرسطو ونحميه؟

إن هذه المهمة تمت بالعمل على إخفاء أرسطو عن العامة، فتم الذهاب إلى الأديان السماوية مع أفلوطين أولا مشفوعا بأفلاطون الإلهي على أن يظل أرسطو في الخلف لا يقرأ إلا لماما، أو يقرأ فقط من طرف المختصين بشرط أن يكونوا قد هُيئوا بقراءة أفلاطون أولا ثم قراءة أفلوطين من بعده. ليتم، بعد ذلك، تقديم أرسطو في ثوب أفلوطيني من خلال كتاب “أثولوجيا”. كما أنه تمت حماية أرسطو بعدم تعليم مؤلفاته وأصبحت تقرأ هذه المؤلفات في جلسات خاصة، كما أصبحت كتب أرسطو تغلف بشروحات أفلاطونية وأفلوطينية محدثة. لكن ما المصير الغريب لكتاب السياسة لأرسطو؟

يذهب محسن مهدي إلى أن هذا الكتاب اختفى في نهاية المرحلة الهلنستية وعلى امتداد المرحلة الوسيطية إلى حدود نصف القرن الثالث عشر الميلادي، ومع ذلك فقد كان الكتاب موجودا بدليل أن اللاتين لم يجدوا صعوبة في العثور على مخطوطاته عندما شرعوا في البحث عنها. بل إن الفلاسفة في المجتمع الإسلامي يعرفون كتاب السياسة لأرسطو، وعن أي شيء يتحدث، ولكنهم لا يعرضون مذهبه بالتفصيل . و الفيلسوف الوحيد الذي يمكن أن يقول شيئا عن كتاب السياسة هو ابن رشد.

لا يقول ابن رشـد إن هذا الكتاب لم يترجم إلى العربية وأن السابقين لم يصلوا إليه، وإنما يقول إنه هو نفسه لم يعثر عليه وبالتالي سيشرح بدلا منه كتاب السياسة لأفلاطون. إنه لا يقدم أي إشارة حول المشاكل التي يمكن أن يثيرها تعويض مثل هذا، وفيما إذا كانت جمهورية أفلاطون لا تتلاءم مع حرفية نص أرسطو، الأمر الذي لا يمكن لابن رشد، وهو الأكثر معرفة بأرسطو، أن يجهله.

قرأ ابن رشد كتاب “الأخلاق” لأرسطو ووجد في الكتاب السادس منه النقاش الأساس لأرسطو بصدد العلم النظري والسياسي، كما قرأ كتاب “الخطابة” فوجد فيه التقسيم الأرسطي للأنظمة المختلفة. إن ابن رشد كان قادرا على امتلاك رؤية واضحة جدا للأفكار الأرسطية حول العلم السياسي، ولكنه يصدر مع ذلك ، كما لو أن من الطبيعي من أجل إتمام الأخلاق، في غياب سياسية أرسطو، أن نوظف جمهورية أفلاطون للقيام بالمهمة.

لقد تم إخفاء العلم السياسي الأرسطي وعرض السياسة الأفلاطونية، ومن هنا أصبحت جمهورية أفلاطون ونواميسه الكتابان الأساس للفلسفة السياسية العربية، وهو الأمر الذي ساهم فيه كثيرا أبو نصر الفارابي. مدشن الخطاب السياسي الفلسفي الإسلامي.

إن التفكير الفلسفي في السياسة بدأ مع احتفاء أبي نصر بأفلاطون سياسيا، وهو الأمر الذي يبدو على الأقل في عنايته بترتيب كتبه ترتيبا منطقيا بحيث يفضي كل كتاب إلى الكتاب الذي يليه، وفي عنايته بتلخيص نواميسه. كما نجد في رسالتيه :رسالة “فلسفة أفلاطون وأجزاؤها – ومراتب أجزائها من أولها إلى آخرها-” ورسالته “تلخيص نواميس أفلاطون.وما نلاحظه في رسالته عن مراتب أجزاء فلسفة أفلاطون، أن الهم السياسي هو الخيط الناظم بين هذه المؤلفات الأفلاطونية عند أبي نصر. إن المسألة السياسية تحتل موقعا عميقا في النسق الفلسفي الأفلاطوني كما يعرضه الفارابي، فقد كان هاجس أفلاطون هو بلوغ الفيلسوف الكمال الذي هو علم وسلوك، علم يتجلى في معرفة تامة بالموجودات وسلوك يتجسد في سيرة فاضلة بين الناس، وتعتبر المدينة هي الفضاء الذي يمكن للفيلسوف أن يبلغ فيه كماله العلمي والعملي هذا؛ لكن لذلك شرط، فإما أن تكون المدينة خالية من العوائق والموانع فيسهل على الفيلسوف حصوله على كماله ونيل سعادته، وإما أن تضج هذه المدينة بالآراء الكاذبة والسير القبيحة فتنتصب هذه العوائق أمام الفيلسوف وتشكل تحديا كبيرا له: فإما أن تهلكه كما فعلت بسقراط وإما أن تحرمه من الكمال. لذا يصبح البحث عن المدينة الفاضلة ضرورة أفلاطونية، وأنسب مدخل لهذا البحث عنها هو مفهوم العدل؛ ما هو وكيف يكون، وكيف ينبغي أن يكون؟ وكيف ينبغي أن يستعمل؟ وهذه التساؤلات أفرد لها أفلاطون كتابه “الجمهورية” حيث أوجد فيه المدينة الفاضلة بالقول ليسعى في إيجادها بالفعل في كتابه الذي خصصه لواضع النواميس، وهو كتابه الموسوم ب”القوانين” أو الذي عرفه المسلمون تحت اسم “نواميس أفلاطون”. ففي هذا الكتاب أعطى أفلاطون السير الفاضلة التي يؤخذ بها أهل المدينة الفاضلة وأبرز فيه أن من شرط حصول المدينة الفاضلة واضع النواميس، وهو الكتاب الذي قام الفارابي بتلخيص معانيه وعرفه ابن رشد حيث أشار إلى أن المقالات الثمانية الأولى من الكتاب هي في الضروري من النواميس في المدينة، والمقالة الأخيرة تعرض للنواميس التي هي على جهة الأفضل في المدينة.

إن الفضاء السياسي الأفلاطوني هو هنا أنسب فضاء لابن رشد فلعله وجد فيه مناسبة لمعالجة إشكال التدبير الذي أرقه : تدبير المدينة الفاضلة وتدبير المتوحد كما سنرى. وهو الأمر الذي يخلو منه كتاب السياسة لأرسطو الذي لا يناسب الحساسية الثقافية الرشدية في كثير من أموره.

منطق السياسية عند ابن رشد

جهورية أفلاطون كتاب في التدبير، التدبير التربوي التعليمي لإنشاء الفيلسوف والتدبير السياسي لإنشاء المدينة الفاضلة والحفاظ عليها أما مسألة تحول المدينة فهو يعالجه في هذا الكتاب بالعرض وليس بالجوهر كما سنرى.

عن التدبير التربوي : أو كيف يربى الفيلسوف؟

الفيلسوف في الأصل هو رجل من الحفظة تربى وفق منطقهم التربوي، فهو شخص نشأ على الموسيقى، وارتاض بركوب الخيل إلى أن بلغ العشرين من عمره، ثم بعد ذلك نهل من الكتب الفلسفية على الترتيب الذي يراه ابن رشد من البداية بالمنطق ثم علم العدد ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم علم المناظر ثم علم الأوزان ثم العلم الطبيعي ثم ما بعد الطبيعة، محذرا من البداية بالفلسفة قبل هذا السن لعدم استقامة آراء المتعلم من جهة وعدم نضج فكره من جهة أخرى وخوفا من إنكار ما أُدب به وتقطيع أوصاله بالأقاويل الجدلية كما يفعل متفلسفة زمان ابن رشد من جهة ثالثة الذين يقطعون أوصال ما تربوا عليه من آداب بما لهم من حذق ومن معرفة بفن الجدل وهذا الأمر شديد الضرر بالمدن عند ابن رشد. ثم عند سن الثلاثين ينتهي نظرهم الفلسفي ويكمل لتوضع تحت إمرتهم، في سن الخامسة الثلاثين، قيادة الجيش قبل أن يستحقوا الرياسة والحكم في سن الخمسين، لينتقلوا عند التعب بفعل السنين إلى جزيرة السعداء لينقطعوا إلى التأمل في صورة الخير الأسمى. إنها الرحلة العلمية والمؤسسية لحاكم المدينة الفاضلة ورئيسها. وإذا تأملنا خلاصة التجربة التربوية التي يقدمها ابن رشد هاهنا تبين لنا أنها تتجلى في أن التغيير والإصلاح بالأعمال الفاضلة لا بالمعتقدات الخيرة، وهو ما كان فيلسوفنا حريصا عليه.

التدبير السياسي

خصص ابن رشد مقالتين من كتابه للحديث عن المدينة ومنطق تحولها: المقالة الثانية لسياسة المدينة الفاضلة، والمقالة الثالثة للسياسات غير الفاضلة. وإذا كان بين المدينة الفاضلة وبين أخس أنواع المدن الفاضلة، وهي مدينة وحدانية التسلط، تقابل كبير، فإن المنطق المتدرج بين هذين المتقابلين يفرض تراتب وسائط مختلفة لتبلغ المدن التي تحدث عنها ابن رشد خمسة مدن هي على التوالي : المدينة الفاضلة، المدينة الكرامية،، المدينة الشهوانية، المدينة الجماعية، مدينة وحدانية التسلط.

وسنقصر حديثنا هاهنا عن المدينة الفاضلة كما تصورها ابن رشد مع أفلاطون ثم تحققاتها في المدينة الإسلامية ثم منطق تحولها إلى مدينة كرامية ثم تحققاتها أيضا في المدينة الإسلامية لنقف على طرقة ابن رشد في المعالجة:

1 – يشكل حاكم المدينة الثابت المنطقي لكل أنواع المدن، إذ أن حاله حاسم في طبع المدينة بطابعه ؛ فالمدينة الفاضلة رئيسها ملك فاضل، ورئيس المدينة الكرامية يحب الكرامة، ورئيس المدينة الشهوانية يحب الشهوة، ورئيس المدينة الجماعية يحب الحرية، أما رئيس وحدانية التسلط فيحب التسلط. فما القول في رئيس المدينة الفاضلة :

يذهب ابن رشد إلى أن سياسة الملك الحق، وهي السياسة الفاضلة، لا يمكن أن تكون إلا فيمن اجتمعت فيه خمس شروط: الحكمة والتعقل التام، جودة الإقناع، وجودة التخييل، والقدرة على الجهاد، وأن لا يكون في بدنه شيء يعوقه عن مزاولة الجهاد. و يجعل ابن رشد من الضرورة أن يتولى قيادة هذه المدينة فيلسوف؟

فالحكمة هي التي يجب أن تكون المدبرة لأمور المدينة، فالحكمة هي فضيلة المدينة الفاضلة، وهذا التدبير لا يكون إلا إذا كان رؤساء المدينة، أهل العلوم النظرية، فلاسفة.

إن سياسة المدينة الفاضلة لا توجد إلا “إذا عرض أن كان الملك فيلسوفا” واتفق أن حافظ أهل المدينة عليها بعد وجودها. وحفاظ هؤلاء على المدينة يكون بهذا التعاون الذي ينبغي أن يحكم علاقة السادة بالعامة أو الحكام بعامة الشعب، إذ كل فئة تقدم للفئة الأخرى ما يعينها على تحقيق سعادتها؛ فصنف”العامة يخدم السادة بما تتم لهم به الغاية من الفلسفة، والسادة يخدمون العامة بما يوصلهم إلى سعادتهم”، ويبدو أن ابن رشد يتحرج من أن يسمي رعاية الحكام خدمة ويرى “أن الأولى أن يسمى سياسة وإرشادا”. ومن هنا أهمية ما يسميه ابن رشد ب “الصنائع الملوكية الفاضلة” التي تؤم نفع المدنيين من خلال هذا الاجتماع الفاضل الذي “يقصد به أن يجعل لكل واحد من أهل المدينة نصيبا من السعادة على قدر ما في طبعه من ذلك”.

ما فتئ ابن رشد يؤكد أهمية الوحدة بين أبناء المدينة الواحدة فيرى أنه “لا شر أعظم من السياسة التي تجعل من المدينة الواحدة مدنا متعددة، كما أنه لا خير أعظم في سياسة المدن من الجمع بينها وتوحيدها”، فابن رشد فيلسوف الوحدة الاجتماعية وهو بذلك وفي لأفلاطون الذي يقرر “أن أشر ما في الدولة هو ما يمزق وحدتها ويفرقها أشتاتا، وأفضل خير فيها هو ما يجمع شملها ويوحدها”، وأن أعظم خير يصيب المدينة هو وحدة مشاعر ساكنتها، وهو ما لفت ابن رشد العناية له علميا في “مناهج الأدلة” على الخصوص في انتقاداته لعلم الكلام وما يحدثه من تصدع في المجتمع كما لفت العناية له في كتابه الفقهي الرضوي في الفقه عندما طرد عوام الفقهاء من المدينة لقصورهم عن الاجتهاد وكما لفت إليه الانتباه سياسيا عندما انتقد ما يعرض لأهل الأندلس من العداوة والكره والخداع إلى الحد الذي يدفعهم إلى التآمر على بعضهم البعض والفتك ببعضهم البعض. داعيا إلى ترك الخصومات والتشبث بالتعاون ….

لكن ما الذي يجعل من الصعوبة وجود المدينة الفاضلة وتصل ندرتها إلى الحد الذي تكاد تصبح فيه من قبيل الحلم أو السراب؟ يرجع ابن رشد السبب في ذلك إلى ندرة الفلاسفة الذين تجتمع فيهم الشروط والخصال التي تنبئ عن طبعهم، وهي الخصال التي تظهر عليهم منذ الصغر والتي يعددها ابن رشد في عشر. إن منطق المدينة الفاضلة يحكمه عند أفلاطون وجود الفيلسوف، وإذا كان ابن رشد يساير المنطق الأفلاطوني فإنه لا يجعله المنطق الوحيد، بل إن ابن رشد، مخالفا لأفلاطون، لا يرى بأسا في اجتماع الرؤساء الأخيار وذوي الفضل على إيجاد السياسة الفاضلة وحفظها لتمسى رئاستهم رئاسة الأفاضل ليجعل ابن رشد وجود المدينة الفاضلة مرتبطا بوجود الفضلاء من الناس، وإن كان هذا الأمر يستدعي زمانا أطول يسمح بأن يتعاقب على المدينة ملوك فضلاء لا يزالون يرعون هذه المدينة ويؤثرون فيها إلى أن تصبح على أفضل تدبير. فهذه المدينة تصبح فاضلة بالأفعال والآراء؛ الأعمال الصالحة والآراء الحسنة. فالملوك المصلحون عند ابن رشد سبب في نشأة المدينة الفاضلة التي تتسم بالاجتماع الفاضل، فبهذا الاجتماع يصل كل فرد في المدينة إلى السعادة التي تسمح له بها قدراته، فهواجس ساكنة هذه المدينة هواجس خيرة إذ أن لكل صنف من أصناف هذه المدينة مقصدا واحدا هو مقصد السعادة، وهو مقصد آت من قبل من يحكمهم من الملوك.

إن ابن رشد قارئا للتاريخ الإسلامي يعتبر أن المدينة الفاضلة عرفت في عهد الخلفاء الراشدين قبل أن تتحول، مع حكم معاوية، إلى حكم قائم على الكرامة، كما عرفتها المدينة الإسلامية في الأندلس حيث نشأت فيها على غير الطريقة التي رسمها أفلاطون؛ فنشوء المدينة الفاضلة كان في زمن طويل وذلك بتعاقب الملوك الفضلاء عليها، وهذه المدن تصبح فاضلة بأمرين اثنين : بالأفعال الصالحة وبالآراء الحسنة، لكن الأندلس عرفت هذه المدينة بالأفعال أكثر وهو ما ينسجم مع منطق التحول إلى المدينة الفاضلة عند أفلاطون والمرتبط بالأفعال أكثر من ارتباطه بالآراء. ورئيس المدينة الفاضلة قد يكون فيلسوفا، كما هو الأمر عند أفلاطون، لكنه قد يكون ملكا للسنة، كما هو في المدينة الإسلامية، وهو ملك له علم بالشرائع وصناعة الفقه، كما له قدرة على الجهاد، وإن كانت هتان الخصلتان لا تجتمعان في رجل واحد فقد يشترك اثنان في الرئاسة كما يلاحظ ابن رشد عند كثير من ملوك الإسلام، حيث يكون القاضي – الفقيه بجانب الملك، ورغم أن المدينة الفاضلة يعز فيها القاضي فإنه في هذه المدينة يوجد لأمرين : للنظر في أمر الشرير بالطبع فيقضي فيه، ولتأديب من كان قابلا للتأديب. ويظل القرآن الكريم عند ابن رشد في خدمة هذه المدينة الفاضلة الإسلامية، فهي مدينة محكومة بالشريعة الإسلامية ذات الوجهة الإنسانية والنواميس الدينية فيها متروكة “لما أمر به الله تعالى بواسطة النبي”، فابن رشد يعتقد أن الجانب السياسي من الدين، أو ما يسميه بالأشياء الإلهية وما يهم المدن منه، ينبغي إقرارها كما هي لأنها كالمشتركة لجميع الشرائع. فإذا كانت الفلسفة هي التي تبني المدينة الفاضلة عند أفلاطون فإن الشريعة هي التي بنت المدينة الفاضلة في المجتمع لإسلامي، إذ أن ما تقصده الشريعة هو عين ما تقصده الفلسفة، فالثبات على الخلق الفاضل في هذه المجتمع يأتي عن طريق التخلق بما أسماه ابن رشد ب”فضيلة الشريعة القرآنية”. ومن هنا فإذا كانت التربية في المدينة الفاضلة تكون بالأقاويل الخلقية والإقناعية وقد تكون بالحرب كذلك، فإنه في المدينة الإسلامية تحقق الفضائل، عند ابن رشد بسبيلين؛ سبيل الموعظة لحمل الجمهور على الفضائل، وسبيل الجهاد لإكراه الأمم الضالة التي لا تجري أفعالها على المجرى الإنساني على سبيل الفضائل. فالشريعة، عند ابن رشد، هي “آراء ناموسية وضعت للناس لطلب الفضيلة لا لتعريفهم”.

أ – لا يقبل ابن رشد أن يكون الوجه الذي اختاره أفلاطون لنشأة المدينة الفضيلة هو الوجه الأوحد فقد تنشأ المدينة الفاضلة، عنده، على غير هذا الوجه، والدليل على ذلك المدن الأندلسية الفاضلة التي نشأت على غير الوجه الأفلاطوني. فملك السنة بالنسبة للمدينة الإسلامية مثلا هو كنسبة الفيلسوف في المدينة الفاضلة. فابن رشد هاهنا “يجمع” أكثر من إمكانية لقيام المدينة الفاضلة، ومن صورها وجود ملك السنة على رأسها، وهو ما يسمح لابن رشد بالقول عن المدينة الفاضلة بأن أفقها مأمول وإمكانيتها متحققة وليست سرابا كما يفهم من كلام أفلاطون، وهو ما يحرص ابن رشد على تأكيده بعرض صور تحققت لهذه المدينة في تاريخ الجماعة المسلمة…فهناك صور متعددة لحاكم المدينة الفاضلة عند ابن رشد فهو “الفيلسوف” وهو “الملك” وهو “واضع الشرائع”، وهو “الإمام”، وقد يكون”نبيا”….

د – الجمع بين فضيلة الشريعة القرآنية كما يسميها ابن رشد وبين النواميس الأفلاطونية في التربية وكأنهما لا يتعارضان هو أمر غريب عند أبي الوليد، إذ أن ما تشكله النواميس الأفلاطونية من أساس تشريعي للمدينة الفاضلة في جزئها الأكبر إذا جمعت مع الشريعة الإسلامية، في مقاصدها الكبرى، تشكلان الأساس التشريعي للمدينة الفاضلة في المجتمع الإسلامي. ويبدو هنا أن ابن رشد يجمع بين أفلاطونين وبين الإسلام، إذ إن أفلاطون “الجمهورية” لم يكن على وعي بأهمية التشريع في المدينة كما كان أفلاطون “القوانين”، أي أفلاطون نواميس أفلاطون” كما حضر عند أبي نصر؛ فالرئيس الفاضل عند أفلاطون، في الجمهورية، هو القانون، أما عند ابن رشد فالنواميس هي أساس لقيام المدينة لديه، يخضع لها الرئيس والمرؤوسون. وهذا الاهتمام بالنواميس هو فضلا عن مصدره الأفلاطوني عبر أبي نصره، له أيضا مصدر أرسطي كما تجلى ذلك إما في كتاب “الأخلاق”، وهو الكتاب الذي حظي بقراءة رشدية خاصة لا نزال نفتقدها، واعتبر فيه أرسطو الاهتمام بوضع التشريعات والنواميس أحد أقسام علم السياسة، أو بعبارة أرسطو، “الفلسفة في الأشياء الإنسية”، وهنا يؤكد أرسطو في كتاب الأخلاق على أهمية النظر الكلي في النواميس.وهو ما يلتفت إليه ابن رشد في كتابه السياسي حين يؤكد أهمية التربية ب”النواميس الكلية”، وكذلك ب”النواميس الدينية”، التي ينظر إليها ابن رشد على أساس أنها الأشياء الإلهية التي تهم المدن، وهي التي يجب عدم التدخل فيها بالتعديل “لأنها كالمشتركة لجميع الشرائع وأمور الناموس”. و تجلى في “تلخيص كتاب الخطابة” عند حديث ابن رشد عن السنن المكتوبة وغير المكتوبة، ولعل هذا الوعي بالتشريع في بناء المدن من ثمار شعور ابن رشد بخصوصية المجتمع الإسلامي، ولعل هذا الشعور نفسه هو الذي حرك ابن رشد مع “شرح الجمهورية ” إلى كتابة “بداية المجتهد” الذي يقدم التشريع العملي للمدينة في عباداتها ومعاملاتها، وكتابة “مناهج الأدلة” الذي يقدم مجمل الآراء النظرية التي لا يسع ساكنة المدينة الجهل بها، وتقديم الأدوات الممكنة لواضعي السنن من المجتهدين من حكام المدينة الإسلامية الفاضلة، لممارسة فعل إنشاء السنن، وهو فعل الاجتهاد، من خلال عملين جليلين؛ “الضروري في الأصول” و”الضروري في النحو”. وهو الفعل الذي يخرج رئيس المدينة الأفلاطونية الفاضل في ثوب إسلامي سافر.

تتحول المدينة الفاضلة إلى مدينة كرامية ثم تتحول المدينة الكرامية إلى مدينة الشهرة قبل أن تتحول إلى مدينة جماعية قبل أن تتحول لا أخير إلى أشر مدينة وهي مدينة وحدانية التسلط . ويفسر ابن رشد تعدد السياسات بتعدد النفوس واختلاف أحوالها، فالجزء الغضبي هو الذي يرغب في الكرامة، وإذا زاد الجزء الغضبي صار غلبة، أما الجزء الشهواني فيؤدي إلى حب اللذات واليسار، في حين أن اختلاف أخلاق النفس يؤدي إلى المدينة الجماعية، أما المدينة التي يحكمها الجزء الناطق من النفس فهي المدينة الفاضلة. يرى ابن رشد أن النظر في السياسات غير الفاضلة التي تتحول إليها المدينة الفاضلة ليس ضروريا للسياسي، “إنما يكفيه…أن يعرفها ويعرف الشرور التي تنتقل منها إلى المدينة الفاضلة” وهو هنا يشبهه بالطبيب “الذي يكتفي في معرفة السموم بالمقدار الذي يعرف به طبائعها وأنها سموم يحترز منها”. وسنترك نحن هنا هذا الجانب ليس لعدم أهميته وإنما لأن فساد المدن عند ابن رشد سببه فساد الحاكم أولا وفساد الحاكم أخيرا…

وقد عرفت الأندلس عند ابن رشد هذه الأشكال الخمسة من السياسات التي عاصرها ابن رشد نفسه. فلم يعش ابن رشد في مدينة سياسية ذات نظام واحد وإنما هو عاش في سياسة مركبة من فضيلة وكرامة وحرية وتغلب فعرف عن كثب طبيعة هذه الأنواع المختلفة من الحكم ليثمن أخيرا نوعا من الحكم سيسميه ب “جودة التسلط” لأن هذا الحكم يكون عن طريق الأدب، ولكن الأهم عند فقيهنا، هو حكم يكون عن طريق الإقتداء بما توجبه السنة. وابن رشد بياض رسالته في السياسة يغتنم فرصا مختلفة يسمح له بها كلام أفلاطون ليبين بعض الأوضاع الرديئة في الأندلس. فهو يدين الجبارين في مدن الأندلس الذين لا يفتأون يتسلطون ويفتكون بالرعية، كما يدين في كتاب الخطابة ملوك الجور الذين أهانوا الإمام مالك بالضرب. وهذا الحرص على إدانة الحكم المستبد هو ما ميز ابن رشد عن الفارابي الذي اقتصر في عرضه لهذا الحكم على وصف الحكم أكثر من وصفه الحاكم. كما ينبه ابن رشد على بعض أسباب العداوات الناشئة في الأندلس؛ فعندما يتملك الجنود الأموال ويستأثرون بها دون أهل المدينة تنشأ بينهم العداوة وتنشب بينهم الحرب حيث يصبح قتالهم من أجل أنفسهم وأموالهم لا من أجل خير المدينة وسعادتها وأمنها وهو ما وقع بين أهل المدن الأندلسية كما يرى ابن رشد . وهذا التعليل الرشدي لأحداث التاريخ الإسلامي هو مما ميزه أيضا عن الفارابي وجعله من إرهاصات ابن خلدون الذي سيعمل على إضفاء المعقولية على التاريخ في مقدمته الشهيرة.

***

سمح أفلاطون لابن رشد سواء من خلال الجمهورية أو من خلال كتاب النواميس أن يحل بعض إشكالات المدينة وأن يضع أفقا لحل إشكال وجود الفيلسوف في مجتمع ينبو ذوقه عن التفلسف. وعكوف ابن رشد على تأمل كتاب أفلاطون وشرحه على المعنى يعتبر عملا جريئا أرجع إليه البعض سبب ما تعرض له ابن رشد من نكبة، وإن لم يكن السبب الوحيد عند البعض الآخر ، لكن هذا “الفيلسوف العظيم” وهذا “الحكيم الخبير” وهذا “الفيلسوف الإلهي الحكيم” وهذا “القاضي الكامل الفقيه المحترم المتمكن الأوحد” وهذه كلها أوصاف أطلقها اليهود على ابن رشد، قدم من خلال هذا الكتاب عملا فلسفيا متميزا لم يجد مع الأسف من يستأنف القول فيه، ولعل في ظروف الانحطاط من جهة وظروف الاستبداد التي عاشها العالم الإسلامي من جهة أخرى بعض ما يفسر ذلك.

كلمات البحث الموفِدة:

  • المدينة الفاضلة عند ابن رشد (1)
  • بنت حمعت في بسكرxnxx (1)
200 Views

عن

إلى الأعلى